مؤسسة الوقف وخدمة الأقليات المسلمة

نادية اللمكيَّة

في ديسمبر من العام 2014، أُقيم في مدينة لاشودفون بسويسرا، مؤتمر "دور الوقف في تنمية الأقليات المسلمة في الغرب"، والذي جاءت توصياته بإنشاء هيئة أوروبية للأوقاف، وجعل الوقف الأوربي علامة مسجَّلة ومحميَّة باسم القانون، وهي توصياتٍ لاقت الدراسة والبحث من المهتمين، خصوصًا مع ما تُواجهه الأقليات المسلمة حول العالم من تمييز وتفرقة، وتعامل مبني على عقدة الانتقام التاريخي من الحضارة الإسلامية، وما ارتبط بكل ذلك من إرهاب عُلِّق على جدار الإسلام.

إنَّ التعاملَ مع كلِّ هذه التحديات يستوجب قراءة الواقع قراءةً واعية مدروسة، لتأتي الحلول متوافقةً مع المشكلة، ومنسجمةً مع المتطلبات؛ لهذا عرض الباحث والأكاديمي المغربي قطب الريسوني -في مقاله "مصارف الوقف والأقليات المسلمة في الغرب"- التحديات التي تواجه الأقليات المسلمة، وكيفية مواجهتها، وتقليل آثارها بالاعتماد على ما تنتجه مؤسسة الوقف الإسلامية، وقد اتبع في مقاله منهجًا علميًّا موجَّهًا بمبدأ "القاعدة وتوسيع مجال التطبيق"؛ فالوقف في الإسلام مؤسسة قائمة، ومجالات تطبيقه اجتهادٌ يتّسع لقضايا ومتطلبات كل عصر.

وابتدأ الريسوني مقاله بالبحث في مقاصد الوقف في الإسلام؛ بوصفها مؤسسة استقلت ماليًّا لتؤدي خدماتٍ اجتماعية واقتصادية وثقافية، وأصبحت مصدرًا أساسيًّا في بناء مؤسسات المجتمع الأخرى من نحو المساجد ومدارس العلم ورعاية المحتاجين، وهي -كما قال الكاتب-قائمة على ثلاثة مقاصد رئيسية: استثمار الموارد المالية، وسد احتياجات المجتمع، وتحقيق المقاصد الشرعية. كما أنَّ هذه المقاصد التي ذكرها الكاتب تتحول من وجهها العملي إلى بنيتها النفسية؛ فتحقيق الأمن الاقتصادي، وتطبيق العدالة الاجتماعية يبعث الإحساس بالطمأنينة ويؤكد الهوية الإسلامية.

لقد أراد الكاتب الانتقال من مقاصد الوقف إلى أغراضه بوصف هذا الأخير مبحثا يفتقر إلى الترشيد في نصوصنا التاريخية، ولم ينل حظه من الاعتناء، فقد كان الفقه الإسلامي يشير إلى مجالات صرف الوقف بالأمثلة فقط، وهو ما استعمله الكاتب دليلا لإثبات أن وجوه صرف الوقف تختلف باختلاف معطيات التاريخ وحاجات المجتمعات، وتتسع لاجتهادات المتأخرين.

يقيم الكاتب إذن مشروعه على حقيقتين: الأولى وجود أقليات مسلمة تدين بعقيدة الإسلام ويسري عليها من الواجبات والأحكام والحقوق ما يسري علينا في البلاد الإسلامية، وتستوجب اهتمام المسلمين؛ لكونها مكونا بشريا فاعلا فهي مصدر دعوة في بلاد الغرب، ولكون القوانين التي تسير عليها في تلك البلاد قوانين علمانية بحسٍّ غريب عن روح الإسلام، ولافتقارها إلى بنية اجتماعية متماسكة؛ لهذا فهي لها الحق في العيش بعدالة واستقرار. أما الحقيقة الثانية، فهي وجود مؤسسة وقفية تمتاز بالمرونة، ويتَّسع مجال صرفها ليشمل الاقتصاد والمجتمع والثقافة، والعلاقة بين هاتين الحقيقتين هي كون الثانية مشروعًا قانونيًّا يستحق البحث والدراسة ليدعم هذه الفئة ويمنحها حقوقها. ولا يكتفي الكاتب بالتنظير لهذا المشروع "الحضاري الروحي" كما أسماه، بل يخوض تفاصيله العملية من ثلاثة مجالات رئيسية؛ هي: التعليم الوقفي، الإعلام الوقفي، الصندوق الاجتماعي الوقفي.

يضعُ الكاتب في التعليم الوقفي إستراتيجية شاملة بدءًا من محو الأمية وانتهاءً بحق التعليم الجامعي، وهو في كلِّ مستوى يشرح آلية العمل وأقسامه وقوانين التعليم والفئة المستهدفة، بل يطرح فروع العلوم التي يجب الاهتمام بتدريسها. مؤكدًا أهمية أن يصطبغ التعليم "بسمتٍ إسلامي". ومهما يكن من أمر، فإنَّ التعليم بمثل هذه الآلية التي ذكرها الكاتب وبالمميزات ذاتها تستوجب قدرًا كبيرًا من المال، وتستدعي قبل كل ذلك إعادة قراءة منظومة الوقف لدينا، وتفعيلها بالصورة التي كانت عليها حين أوجبها الإسلام، والاستفادة من تجارب الدول في الوقف التعليمي، "فجامعة هارفارد الأمريكية وحدها بلغت مخصصاتها الوقفية 40 مليار دولار في العام 2013"، كما سجلت جامعات أوربية أرقامًا تعدت المليار دولار، وخصصت كراسي أكاديمية بأسماء شخصيات وعائلات ومؤسسات لدعم جهود الوقف التعليمي.

ولأن الأقليات المسلمة في البلاد الغربية تواجه أكبر تحدٍ هو الحفاظ على هويتها الإسلامية وسط مجتمع مختلف العادات والثقافة، فقد أسَّس الكاتب لمشروع الإعلام الوقفي، والذي تضمن إنشاء قنوات إسلامية معنية بشؤون هذه الفئة، وأخرى لتتبع الفكر الغربي ورصد موقفه تجاه الإسلام، وثالثة للتعريف بالفكر الإسلامي، وقد واجه الكاتب حقيقة التكاليف الباهظة لإنشاء هذه القنوات بتجديد دعوته للأثرياء والعلماء والمؤسسات لتوحيد الجهود وتكاتفها تحقيقًا لهذه المصلحة، ولكن الأمر قبل ذلك يتطلب الوقوف والنظر في هذه القضية بعين الآخر الغربي، فالأقليات المسلمة تحصل على حقوقها الاجتماعية بحسب نظام الدولة، وكانت ستحصل على تقدير ورعاية المجتمع لو كان الآخر ينظر إليها بإنصاف بعيدًا عن تشويهات بعض الجماعات والأفراد الذين لا علاقة لهم  بالإسلام؛ لهذا فالأولى برأيي الترويج لروح الإسلام السمحة، ولقيمه وأخلاقه العالية والدفاع عنه ضد الإرهاب المنسوب إليه عبر مختلف البرامج والقنوات. أما عن تحديد قنواتٍ خاصة، فهو بالإضافة إلى كونه مكلفًا لن يكون أكثر أهمية من التعريف بالإسلام، ويمكن إنتاج برامج مهتمة بهذه الفئة  في القنوات الإسلامية العامة التي تبث عالميًّا.

وعودةً إلى الجانب الثالث من مشروع الكاتب والذي يقضي بإنشاء صندوق وقفي لمجتمع الأقليات المسلمة، تصرف وجوهه في رعاية الفقراء والمحتاجين والعجزة، عبر مشاريع خيرية بين مجالاتها. ثم عرض الريسوني مصادر الأموال الوقفية لهذه الجوانب الثلاثة من مشروعه، وهو تفصيلٌ مفيد يدعو فيه إلى استيعاب أحدث أساليب الاستثمار لتطوير صيغ الوقف.

إنَّ أكثر ما نحتاجه اليوم في هذا الجانب هو بحث لسبل تطوير الوقف، وإعادة قراءة منظومته الفقهية لتوسيع مجال صرفه بما يتوافق مع الضوابط الشرعية، والترويج له في مجتمعاتنا بوصفه أهم مؤسسات المجتمع المدني. ومن جانب آخر؛ فالاهتمام بالأقليات المسلمة يبدأ من قبول الآخرين لهم والعيش معهم بمبدأ القيم الإنسانية حتى يتحقق التكامل في المجتمع، وهو ما يجعل مهمتنا الأولى لخدمة هذه الفئة؛ هي: تجديد الدعوة نحو التكاتف والتسويق لقيم الإنسانية والتعريف بسماحة الإسلام.

أخبار ذات صلة