أمريكا وأتباع المسيح

نادية اللمكية

    لطالما اعتقد النَّاسُ أنّ القوى العظمى في العالم تُحركها دوافع سياسية واقتصادية، وأنّ ذلك عائدٌ إلى التوجه العلماني أو اليساري كأقل تقدير في وضع وتنفيذ سياساتها، منها على سبيل المثال علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بإسرائيل، والتي يصفها الكثيرون بأنّها "تبادل مصالح" في الوقت الذي يعتقد باحثون أنّ الخلفية الأيديولوجية تؤدي دورًا مهمًّا في تلك العلاقة.

الكاتب ولتر راسل ميد، كتب في مجلة الشؤون الخارجية حول المذاهب الدينية في الولايات المُتحدة الأمريكية، وتعاقب تأثيرها على السياسة خلال التاريخ الأمريكي، وأثر ذلك في تشكّل صورة أمريكا في أذهان العالم، وفي رؤية وتعامل الأمريكي مع الآخر. وقد ضمّن أفكاره هذه في مقاله الموسوم بـ"بلاد الله: تأثير الإنجيليين الجُدد في السياسة الخارجية الأمريكية".

لقد بدا الكاتب في أول مقاله شغوفًا بتحليل الذات الأمريكية، مفسرًا تكوينها المرتبط بشكل أو بآخر بالجذر الديني، مستعرضًا أثر ذلك التكوين في تفاعل الأمريكي مع أحداث العالم، وفي نظرته لحقوقه وواجباته، حتى أنّ الكاتب قال واصفًا تلك العلاقة بين الدين والشعب: "البلاد متنوعة ٌ من الناحية الدينية، بحيث تستطيع أن تجد أنصارًا متحمسين بتأصيلٍ ديني لكل سياسة خارجية يُمكن تصورها".

عودةٌ إلى الطوائف وتأثيرها

يمكن للتاريخ أن يُفسّر التحولات والتغييرات التي طرأت على علاقة الناس بالدين في أمريكا، وقد ركز الكاتب حديثه على التيار البروتيستانتي، مهملاً الكاثوليكية، ثاني أكبر التيارات الدينية وبقية الطوائف الدينية الأخرى في أمريكا، لكونها –كما يرى راسل ميد- أقل تأثيرًا على القرار السياسي.

ولجعل الحديث عن تأثير الدين في هذه المقالة أكثر منهجية وعلمية يعود الكاتب إلى التقسيم الثلاثي للطائفة البروتيستانتية في المجتمع الأمريكي؛ فهناك الأصولية، والمسيحية الليبرالية، والإنجيلية التقليدية، وهذه المدارس الثلاث تأثرت بالطبع بثنائيات الأصولية/العصرانية والتقليدية/الحداثة في عشرينيات القرن الماضي، ما جعلها تنقسم إلى أحزاب وفرق تعددت نظرتها حول الدور الذي ينبغي أن تؤديه الولايات المتحدة في هذا العالم.

وإيجازًا للتوسعة التي خاضها الكاتب في هذه المقالة حول التباين بين هذه الطوائف الثلاث يمكن تلخيص خصائص هذه التيارات في التالي:

- الأصوليون: يُقدّس الأصولي النص، ويستميت في الدفاع عن إيمانه ومعتقداته، كما يُؤمن بضرورة أن يبقى المسيحي المؤمن منفصلاً عن غير المؤمنين في هذا العالم. ويوجد الأصوليون في كل التيارات تقريبًا، وهم فئة – كما يصفهم الكاتب- متمسكة بأفكارها ومبادئها حتى النهاية، وتعتقد أنّ ما تؤمن به يمثل الحقيقة المطلقة، ولهذا فهم لا يؤمنون بالتعاون الدولي ولا بأهداف الأمم المتحدة ولا بالحوار بين الأديان.

- الليبراليون: بعيدًا عن زخرفة الأساطير والروايات التي تطوّق تاريخ المسيحية، يؤمن الليبراليون بالرسالة الأخلاقية للدين المسيحي، وبكون القصص التي تدور حول بدء الخلق والمسيح ونهاية العالم مجازات تبعث بعدًا أخلاقيًّا وليست حقائق تستوجب الاعتقاد بها. وحول نظرتهم للعالم لا يقيم الليبرالي فرقًا بين المسيحيين وغير المسيحيين إلا على أساس القيم والأخلاق، كما لا يهتمون بالنزاعات والجدالات الإلحادية والعلمانية، وهو ما عدّه الكاتب سببًا في تراجع نفوذهم في العقدين الأخيرين.

- الإنجيليون: يحاول الإنجيلي اتخاذ الموقف الوسط بين الطوائف الثلاث، غير أنّه يميل إلى منهج الأصوليين؛ فهو يؤمن بما يعتقدونه ويحترم دينه وتاريخه، كما يؤمن بحقيقة النشأة ونهاية العالم، وبخطيئة البشر التي لن ينجو من عقابها إلا قليل. ولا يتفق الإنجيلي مع كون المسيحية رسالة أخلاقية فحسب كما يراها الليبراليون، بل هي في نظره خيانة لرسالة المسيح.

إنّ هذا التقسيم تبريرٌ للتوجهات السياسية الأمريكية وتفسيرٌ لها بالنظر إلى تأثير هذه الأحزاب عليها -كما يرى الكاتب- فجزءٌ من الشعب (الليبراليون) يؤمنون بأنّ البشر بلا استثناء قادرون على صنع التقدم والتطور لبلادهم، ويثقون بالدور الذي تلعبه منظمات حقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وهذا ينعكس إيجابًا على دعم الحكومة لهذه المنظمات والترويج لها. وبالعكس من ذلك يتأثر بعض السياسيين بالنظرة الأصولية التي تجعل من أمريكا الأفضل والأجدر بالبقاء وقيادة بقية الدول والطوائف، غير أن الحزب الأكثر تأثيرًا على السياسة الأمريكية بحسب الكاتب هم الإنجيليون.

 

الإنجيليون والسياسة الخارجية

  يمثل الإنجيليون اليوم 25% من الكونجرس الأمريكي بعد تراجع التيار الأصولي، ويرى الكاتب أنّه بالرغم من القواعد المشتركة بين الحزبين يبقى الإنجيليون أكثر تفاؤلاً بالعالم وأكبر ثقةً بالمبادرات الإنسانية التي تقدمها أمريكا، وهذا ما جعل من المجمع الأسقفي الجنوبي (الإنجيلي) أكبر الكنائس الأمريكية. كما برر انعكاس تأثيره على علاقة أمريكا بالشرق الأوسط وإسرائيل، وبالعالم على وجه العموم.

إذن فأمريكا مدفوعةٌ برغبة الأغلبية (الإنجيليون) في علاقتها الخارجية، فهم يقفون خلف اشتراكها في الأعمال الدولية الجماعية وفي تقديمها المساعدات ودفاعها عن حقوق الإنسان وحقوق النساء والأطفال كما يظهر لنا على الأقل! لكن ما الذي يُفسر الدعم المستمر لإسرائيل مع كونها في نظرِ كثيرٍ من الشعوب والأحزاب معتدية على حقوق الإنسان؟ يبدو أنّ ولتر راسل ميد يثق بأنّ الرواية المسيحية حول ظهور المسيح سببٌ مباشر في هذه العلاقة؛ إذ تقول الرواية -بعد القراءة الجديدة للإنجيل في القرن التاسع عشر- بأنّ اليهود سيعودون إلى فلسطين قبل ظهور المسيح، وبما أنّهم الآن في القدس، فهو إذن "تصديق لوعد الله لهم" ولهذا يرى الإنجيليون أنّ من الواجب دعمهم واعتبار من يعتدي عليهم يقفون ضد ظهور المسيح.

هل كان يتعيَّن على أمريكا إذن أن توطّد علاقاتها مع إسرائيل لأنّ ربع المنتسبين للكونجرس إنجيليين؟  إنّ الإيمان بهذه الفكرة التي بررها الكاتب يحجب عن القارئ حقائق أخرى فرضها التاريخ قبل أن تناقشها دراسات الكتّاب ومقالاتهم، ولئن كان الكاتب متحمّسًا لفكرة المرجعية الدينية فإنّ السياسة لا تثق "بروايات" الدين ما لم تحقق منفعة سياسية على الأقل من هذه العلاقة.

يعود ولتر راسل ميد، وهو أحد منتسبي مجلس العلاقات الخارجية، في نهاية مقاله إلى طمأنة القارئ بأن اختلاف الأحزاب والديانات في أمريكا لن يمنع أي حزبٍ من الإنفراد بالسياسة، وهذا ينطبق على الإنجيليين. كما أنّ تنوعها لن يسلب الإنجيليين سطلتهم النسبية في الكونجرس الأمريكي، في ضوء تحليله، لكنه وفي اعتقاد بعض الباحثين يتعدى الأمر تأثير أعضاء الكونجرس على السياسة؛ إذ إنّ الأعضاء أنفسهم محكومون أيضًا بضغوطات مناوئيهم الكثر، ويبدو أنّ لعبة السياسة لا تجري دائمًا وفق قواعد الدين!

 

 

أخبار ذات صلة