إشكاليَّة التأويل في النص القرآني

نادية اللمكيَّة

"إنَّ تجديد الخطاب الديني يجب أن يبدأ من إعادة النظر في العلاقة بين ثنائية اللفظ والمعنى".. هكذا لخص مفكرون وباحثون عرب الإشكاليات التي يعيشها المسلم اليوم في علاقته بعالمه وعلاقته بالنصوص الدينية، وهي أزمة تلخص لنا المكانة التي يشغلها الخطاب في ثقافتنا الإسلامية؛ مما حدا بالمفكر المصري نصر حامد أبو زيد إلى وصف الحضارة الإسلامية بأنها "حضارة نص".

وعلى ضِفَاف هذا النص، تنشأ مناهج متعددة القراءة؛ منها: منهج التأويل الذي يطالعنا به الأكاديمي عاطف جودة نصر في مقاله: "النص القرآني وآفاق التأويل" محاولا رسم معالم عامة حول نشأة وتطور منهج التأويل في التراث الإسلامي، واختلاف آلياته بين الفرق الفكرية المتعددة، وتأثير المتغيرات الفكرية والسياسية في اتساعه، ثم أثر ذلك كله في إثراء الثقافة الإسلامية من جانبين أساسين؛ هما: الإنتاج الفكري المتنوع، وتطور آليات التأويل.

 

ويتتبَّع الكاتب مفهوم التأويل عبر تطوره الدلالي واعتماد استخدامه منهجًا في التفريق بين "المعنى الروحي والمعنى الحرفي" عند عددٍ من الشعوب منهم اليهود في قراءتهم لنصوص التلمود والمدراشيم؛ ومنهم أبناء الكنيسة من المسيحيين الذين اشتغلوا بمعالجة الإنجيل، ثم لاحقًا عند المسلمين في تفسيرهم للقرآن الكريم، تزامنًا مع ظهور تيار التفسير بالرأي. ولعلكم تلحظون أن تتبع الكاتب لتطور دلالة واستخدام مصطلح التأويل ارتبط بمعالجة النصوص الدينية؛ إذ هو يؤكد في هذا المقال أن التأويل لم ينشأ إلا في حضن النص الديني، وهو ما وافقه فيه عدد من الباحثين؛ منهم: الجابري في "بنية العقل العربي"، ومحمد متقن في "في مفهومي القراءة والتأويل"، غير أنَّ بعض الباحثين يعتقدون أن نشأته جاءت قبل ذلك مع الأسطورة، تحديدًا مع ظهور مصطلح "هرمينوطيقا" في عصر أفلاطون وأرسطو، والذي يُشير إلى "التفسير والإعلام والترجمة"، لينتقل هذا المصطلح في العصور الوسطى "من مجال تفسير النص الأسطوري إلى مجال تفسير الكتب المقدسة".

وينصرف عاطف جودة بعد ذلك إلى الحديث عن نشأة المصطلح عند المسلمين؛ وهو يربط ظهوره هنا بنشأة منهج التفسير بالرأي، غيرَ أن ذكر الكاتب له في هذه المرحلة لا يعني أن التأويل أخذ كل أدواته؛ فظهور هذا التيار، في أول أمره، لم يكن يهدف إلى إظهارِ معانٍ خفية مباينة لمعنى المصطلح القرآني في التفسير بالمأثور، بل كان يبحث عن دلالات متعددة تحيل إلى الحقيقة ذاتها وتؤكدها؛ أي أنها لم تخرج عن دلالة التفسير بالمأثور بعيدًا. ولم يكن هذا الأمر غريبًا مطلقًا؛ إذ كانت قدسية النص الديني تحول دون الخوض بعيدًا عن الدلالة الواضحة، وهو أيضًا ما كانت تنتهجه المسيحية حتى وقتٍ متأخرٍ من القرن الخامس عشر، "وكان من نتائج ذلك ظهور أرثوذوكسية مسيحية سلطوية، تبنت هذا الضرب من التأويل، وفرضته على المؤوِّلين في مختلف المنعطفات التاريخية المسيحية، زاعمة بذلك كونه التأويل الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ الأمر الذي نَجَم عنه تراجع العقل الغربي وانحداره ودخوله في منعطفٍ من التخلف والجهل والفساد الكنسي".

لم ينشأ التأويل إذن في أوَّل أمره ليبحث عن معنى معرفي بوصف القرآن الكريم نصًّا قابلا للتنقيب، بل كان يُنظر إليه بوصفه نصًّا متعاليا؛ لهذا لم يظهر التأويل بما له من أدواتٍ إلا مع ظهور الفرق الكلامية التي جعلت من التأويل مجالا للحجاج والدفاع عن مسلكهم العقدي.

وبعد هذه المراجعة التاريخية للمصطلح يفرغ الكاتب إلى تعريفه كما ورد في كتب "المشتغلين بالقرآن" متجاوزًا دلالته في معاجم العرب، ولهذا السبب نراه يبحث عن العلاقة مباشرةً بين التأويل وبين مصطلحين أصوليين آخرين هما: المحكم والمتشابه، في محاولةٍ منه لمقاربة مفهموم التأويل بلغة "المجاز"، وفق المعادلة التالية: المحكم ما انصرفت الدلالة فيه إلى معنى واحدٍ ظاهر مُطابق لمعناه الحرفي، والمتشابه ما انصرفت دلالته إلى معانٍ مختلفة؛ بحيث أصبح مجالا للتأويل، وحيث إنَّ تأويله مرتبط بقرينة في السياق فهو يلتقي إذن مع المجاز عند أهل اللغة الذي إذا ما ارتبط فيه المعنى بقرينة عُد دالا.

وبهذه المقاربة، والتي بناها محمد أركون من قبل في تصوير التأويل بوصفه وجهًا آخر للمجاز، يقودنا الكاتب إذن إلى نتيجةٍ عامة لهذه المعادلة مفادها "أنَّ في لغة القرآن مجازًا، والمجاز ركن -بل لعله حجر الزاوية لا في متشابه التنزيل فحسب- وإنما في لغة الكتب السماوية الثلاثة أيضًا" ومتى ما كان المجاز حاضرًا كان التأويل مفتوحًا، وأصبح البحث عن معانٍ متعددة للفظ الواحد ضرورة تفرضها القراءة الجديدة التي يجب أن تتجدَّد بتغير معطيات الواقع قبل أن تكون خيارًا يمنحها السياق اللغوي ذاته.

ويَمْضِي بنا الكاتب في مسيرة تتبع التحولات التي مرت بمفهوم التأويل، مشيرًا إلى ثلاثة تيارات كبرى استخدمت التأويل أداةً في فهم القرآن؛ هي:

- الصوفية: وقد كانت تستخدم "الاتجاه الإشاري" في فهم القرآن، وهو مبنيٌّ في أساسه على "الحدس" -كما أشار إلى ذلك المفكر نصر حامد أبو زيد- وهذا البناء يعتمد الولوج إلى المعنى الروحي والتفسيرات الباطنية منهجًا للتأويل، متأثرًا في ذلك بالفلسفة الأفلاطونية، ليتسع المفهوم عند بعض علماء الصوفية ويشمل "تأويل أحكام العبادات عن طريق الرمز والمعاني الباطنة"، ثم يصلُ منهج التأويل الصوفي إلى أوجه مع ابن عربي الذي يذهب مفهومه بعيدًا إلى "كونه منهاجَ عرفانٍ إلهي ينطلقُ من ظاهر الأشياء إلى باطنها".

- المعتزلة: وهي الفرقة الكلامية التي اعتمدت العقل مرجعيةً لها في الاستدلال المعرفي، وهي -كما يشير الكاتب- جعلت من منهج التأويل فرصةً لدعم مواقفها من قضايا "علم الكلام" والتي منها: القضاء والقدر، والجبر والاختيار، والفعل والاستطاعة...وغيرها؛ مما جعل الصراع بينها وبين الأشاعرة محتدمًا دائمًا بين ثنائية الظاهر والباطن، وثنائية التشبيه والتنزيه، وثنائية العقل والنقل، لكنه وبالرغم من ذلك فقد حافظ الطرفان على "الحدود التي تسمح بها وجوه البيان في التأويل ولم يتعدوها؛ مما جعل تأويلهم يبقى دائمًا تأويلا بيانيا".

- الشيعة: يكتفي الكاتب بوصف منهج علماء الشيعة بـ"الغزارة والتنوع" إشارة منه إلى صعوبة تحديدِ منهجٍ واحدٍ في التأويل عندهم، مُعدِّدًا أهم مؤلفاتهم في تفسير القرآن الكريم اعتمادًا على  ما ذكره المؤرخ بروكلمان.

وفي الوقت الذي يُقرُّ فيه عاطف جودة بتقسيم علماء الأصول وعلماء الكلام للتأويلِ إلى تأويلٍ صحيح يتفق وتعاليم القرآن والسنة، وتأويلٍ فاسد كان سببًا في ظهور الفرق وتشتت الصف، نراه ينحى بعيدًا عن هذا التقسيم المبني على ثنائية "المخطئ والمصيب"؛ ليرى في التأويل الذي أخرج الفرق الكلامية المختلفة إثراءً للفكر الديني، ونضجًا "لأدب التفسير والتأويل في التراث"، بل يذهب الكاتب لأبعد من ذلك في دعوته إلى اتخاذ الثقافة التأويلية منهاجًا لكشف جوهر التراث وتوجيهه لمواكبة متغيرات الواقع.

ويُنهي الكاتب القول بأنَّ تأويل النصوص بوجهٍ عام -والنص القرآني على وجه الخصوص- موقوف على "العلماء باللغة العربية: أساليبها، وتراكيبها، وأسرار تعبيرها"، وأنَّ التأويل منهج يُمكن أن يتسع ليشمل كلَّ الظواهر الثقافية الأخرى؛ مما يجعل منه آلةً معرفية مهمة لسبر أغوار مختلف العلوم.

أخبار ذات صلة