علم الكلام الجديد.. إلى أين يتَّجه؟

نادية اللمكيَّة

لقد ارتبطَ علمُ الكلام في أول ظهوره بالصراع المحتدم حول الشرعية الدينية بين المذاهب العقدية في الإسلام، مُتحوِّلا من مجاله المعرفي الديني المجرد، إلى بُعدٍ سياسي واجتماعي يقتضي الانتصار لفكرٍ، والإجهاز على ما سواه، باستخدام الأدلة العقلية المستندة إلى النصِّ والاجتهاد. أَمَا وقد انقضى زمن طويلٌ جدًّا على تأسيس هذا العلم والاشتغال به؛ وَجَد علم الكلام نفسه مُغيَّبا بين العلوم المعرفية اليوم، ثم جاء من يُناشد بإعادة إحيائه بمنهجية تتوافق والسياق الإنساني الآخذ في التطور.. الباحث والكاتب الجزائري عز الدين جلولي وجد نفسه أمام سؤال التجديد هذا في مقالٍ كتبه حول "علم الكلام الجديد وحاجة علماء الدين إليه" بمجلة "التسامح".. وهنا نستعرض قراءةً لهذا المقال.

قبل الشروع في الحديث عن الحاجة المعرفية لعلم الكلام اليوم، وَجَب الوقوف أولا على ماهيته وموضوعه، وقد اختار الكاتب تعريف ابن خلدون رغم أنه كان تعريفًا يتسم بالعنصرية للمذهب الأشعري من جهة، ويفترض امتلاك الحقيقة مسبقًا والدفاع عنها للانتصار من جهةٍ أخرى؛ فقد عرف ابن خلدون علم الكلام بقوله: "هو علمٌ يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية، بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة"، كما جَعَل الغزالي هذا العلم سبيلا "للكشف عن تلبيسات أهل البدعة المحدثة على خلاف السنة المأثورة". ولعل تعريف الجرجاني أقل حدة وأكثر شمولا حين قال عنه أنه: "علمٌ يُبحث فيه عن ذات الله وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام"، ومهما يكن من أمر فإننا بحاجةٍ إلى تفكيك هذا المفهوم بالنظر إلى جوانبه الأساسية التي تعين على تعريفه استنادًا على ما جاء في هذه التعريفات:

- الموضوع: علم الكلام موضوعه العقائد الإيمانية، وأصول الدين.

- المنهج: يستخدم المنهج الجدلي من خلال "الحجاج الكلامي" لإظهار الحقيقة عبر بسط الأدلة والبراهين.

- الوظيفة: إثبات صحة الوقائع بالحجة والدليل.

لقد قبل عز الدين جلولي تعريف ابن خلدون شريطة تخطي المعيارية التي جعل فيها أهل السنة مقياسًا للصحة، ولكن، إذا كان الكاتب الجزائري سينطلق من هذا التعريف إلى إعادة بناء علم الكلام الجديد الذي ينشده في مقاله، فإنَّ هذا لا يجعل علم الكلام "القديم" جديدًا؛ إذ لا يرتبط التجديد ببحث موضوعات ومسائل جديدة غير تلك المتعلقة بصفات الله والمعاد والقدر وغيرها، أو الإجابة عن أسئلة عقدية أنتجها تجدد المعرفة، بل الأمر مرتبطٌ بتوسيع نطاق هذا العلم أو بجعله أكثر تخصصية، ومواصلة بنائه بمنهجٍ عصري، وربطه بمختلف العلوم الأخرى، ليتحقق التجديد المنشود.

 

دوافع نشأة علم الكلام قديمًا

ولأنَّ الحاجة إلى التجديد لا تنبع إلا من معرفة الحاجة الأولى إلى النشوء، يستعرض لنا الكاتب عز الدين جلولي الدوافع الخمس التي رأى أنها كانت العجلة المحركة لقيام وانتعاش هذا العلم قديمًا، يَرَى في أولها دورًا قام به كل من اعتنق دينًا مثل اليهودية والنصرانية والزرادشتية...وغيرها، ثم اهتدى إلى أنَّ الإسلام هو دين الحق فلزمه، وهو في هذه المرحلة شكل مقارنةً فكرية مثرية بين دينه القديم وبين ما وجده من حق في دين الإسلام. وأمَّا ثانيها فيتعلق بسمة الحضارة الإسلامية، المقبلة على الآخر، والمنفتحة على الثقافات، وهي في هذا الانفتاح تواجه أسئلة ونقاشات، احتاجت فيها إلى وجود منهجية جدلية تدافع فيها عما تؤمن به. كما أضاف الكاتب دافعًا ثالثًا ارتبط بالمشككين الذين أرادوا الحفر بحثًا عما يُجهزون به على هذا الدين، فظهر من العلماء من يجادل بالحق عنه. وأمَّا الدافع الرابع والخامس فهما متعلقان بالقراءة والتحليل لمنهج القرآن في الحجاج العقلي من جهة، ولما كتبه غير المسلمين حول العقيدة والإيمان ومحاولة الرد والتعليق عليه من جهةٍ ثانية.

رواد النهضة ومحاولة إحياء علم الكلام

بما أن علم الكلام -بحسب تعريف ابن خلدون والغزالي- يفترض وجود حزبين، حزب يؤمن بعقيدة ويعتقد جازمًا صحتها، وحزب يعارضه عقديا، فإن الكاتب وجد في الاستعمار الأجنبي للدول الإسلامية في القرن الثامن عشر الوقت الذي كان لزامًا على الأمة إحياء هذا العلم فيه؛ فتأثر المجتمعات الإسلامية بنتائج الاستعمار، واختلاطهم المباشر مع الآخر المختلف في كل شيء، ولد أسئلة وطرح نقاشات جديدة حول قدرتهم على الالتحاق بركب التقدم وحول صون الهوية والدين. وكما أشار الكاتب فقد كانت هذه المرحلة بدايةً لظهور رواد الإصلاح الفكري، ومنهم رفاعة الطهطاوي، الذي دعا إلى التصالح مع العلوم الجديدة، وجمال الدين الأفغاني الذي سعى إلى تأسيس جامعة إسلامية يقترب فيها المسلمون من بعضهم، ويتعارفون فيها بعيدًا عن ذاكرتهم المذهبية، ثم تلميذه محمد عبده الذي قدم أطروحاتٍ حول أزمة العقل الإسلامي، وعبدالرحمن الكواكبي الذي استنهض في الفكر الإسلامي التجديد ومواكبة المعرفة الجديدة، مجهزا على التقليد والجمود.

لقد رأى الكاتب عز الدين جلولي في هذه المرحلة بداية لمحاولة إحياء علم الكلام بمنهجه الجديد المتوافق مع المعرفة العصرية، مشيرًا إلى أنها البذرة التي أنتجت طبقة "المفكرين" لاحقًا. ثم يوجه الكاتب الجزائري سؤاله الصعب إلى طبقة "الدعاة، والمشايخ" الذين ارتضوا "نقل" الدين بصبغته التقليدية، دون القدرة على الاشتغال في علوم حديثةٍ أخرى لمنح هذا الدين حيويته المطلوبة. بل إنَّ علم اللاهوت نفسه لم يستطع وقتها الصمود أمام الإصلاح الديني في المسيحية، وقد وصف الباحث التونسي علي مبارك هذه الأزمة بقوله: "أما الصدمة الثانية، فقد أربكت العلماء المسلمين حين حاوروا بقية الأديان، خاصة منها المسيحية التي استطاع لاهوتها أن يطور من مقولاته متأثرًا بحركة الإصلاح الديني ومكاسب الحداثة".

 

التجديد المنشود

لقد أعطى مقال الكاتب عز الدين جلولي رؤية مختصرة لعلم الكلام ومحاولة إعادة إحيائه على يد الرواد الأوائل، ودعوة علماء الدين إلى الاستفادة من العلوم الجديدة والاشتغال بها. غير أننا رأينا لزامًا الوقوف على محور مهم لم يستعرضه الكتاب في هذه الرؤية وهو التجديد المنشود لهذا العلم، إننا أمام سؤال يتعلق بماهية هذا التجديد؛ فهناك الهيكل والمنهج من جانب، وهناك القضايا والموضوعات من جانبٍ آخر، ويمكن تقسيم المفكرين الجدد في هذا الجانب إلى فريقين: فريقٌ وقف على المسائل ذاتها محاولا تفكيكها وبسطها مرة أخرى بطريقةٍ جديدة، وفريقٌ آخر اشتغل على مسائل عصرية جديدة محاولا بحث الكلام فيها عبر الأدلة العقلية والنقلية، وقد مثل هذا الأخير -بحسب الكاتب علي مبارك- كتاب المقالات في مجلتيْ "رسالة الإسلام" و"ورسالة التقريب".

إنَّ دعوات التجديد في الفكر والانفلات من الجمود ستظل تُلاحق هذا الدين جيلا بعد جيل، ما دامت ثورة العلم والتداخل الحضاري آخذة في التسارع، وما دامت منابره تتغنى برمي الآخر -المختلف مذهبيا أوعقديا- بـ"الكفر" و"الفسوق" و"الضلال" فقط لتضمن ولاء رعيتها.

أخبار ذات صلة