الحمامات العامَّة ومكانتها في التاريخ الإسلامي

نادية اللمكيَّة

يُطالعنا الكاتب خالد مُحمَّد عزب في مقاله الذي صَدَر في العدد الرابع والعشرين من مجلة "التسامح"، والموسوم بـ"الأحكام الفقهية المنظِّمة للحمَّامات في مدينتي: القاهرة ورشيد"، بإحدى المنشآت المعماريَّة التي كانت جزءًا من حضارة بعض البلدان الإسلامية وثقافتها، والتي ارتبطتْ بمفاهيم دينية وعرفية صارت لها أحكام وقواعد فقهية؛ ألا وهي: الحمامات.

لقد مثل ارتيادُ الحمامات -بنوعيها: الرجالي والنسائي- جزءًا لا ينفصل عن الحركة الاجتماعية اليومية في حياة بعض المدن الإسلامية، ضمن حقبة مُحدَّدة من التاريخ الإسلامي، ولكون هذا المقال يبحث في أصله الأحكام الفقهية المرتبطة بالحمامات وشروط استخدامها، فقد عمِدَ الكاتب منذ البداية إلى البحث عن المرجعية الفقهية لجواز استخدام الحمامات، مُلحقًا حكمها بحكم "العرف" الذي ارتضاه الناس وأقره الإسلام، وبالقاعدة الفقهية التي تقرُّ بجواز الأمر حين انتفاء الضرر "لا ضرر ولا ضرار"؛ إذ لم يكن في هذه المنشأة المعمارية ضررٌ يلحق بغيرها.

وقد خصَّ الكاتبُ الحديثَ عن الحمامات العامة في مصر، وتحديدًا في مدينتي القاهرة ورشيد؛ إذ عُرِفت هاتان المدينتان بازدهار عمارة الحمامات العامة منذ القرن الثاني عشر الميلادي مع بداية دخول عمارة الحمامات إلى الشرق، كما عرفت المدن الإسلامية الأخرى؛ مثل: بغداد والفسفاط وفاس ودمشق وقرطبة وما حولها من مدن، ازدهارًا في بناء الحمامات وزخرفتها والاعتناء بتفاصيلها، وتخصيص قائمين ومشرفين عليها. وتُورِد كُتب الأدب والرحلات إشارات إلى انتشار الحمامات في المدن الإسلامية بإحصاء عددها والتفصيل في وصف عمارتها؛ من ذلك ما أورده المقري التلمساني في نفح الطيب بقوله: "كان بقرطبة "في عهد الناصر" وحدها من الدور العامة 103000، ومن الدور الخاصة 630، ومن الحمامات 800، ومن المساجد 3837".

وبالعودة إلى القضايا الفقهية التي أوردها الكاتب في مقاله يمكن تلخيص ما جاء وفق التالي:

1- استخدام الماء الكثير: بلاشك يرتبط استخدام الحمامات العامة والواسعة والمكونة من الأحواض وغرف الاستحمام المتنوعة باستهلاك كبير للمياه يختلف عما يستهلكه الفرد في استحمامه وحده، مع كون أن العرب لم يكونوا قد اعتادوا استخدام الماء بأكثر من الغسل والوضوء قبل استحداث هذه المنشآت في مدنهم.

2- حكم دخول النساء: من القضايا التي شغلت الفقهاء في هذا الجانب هي ارتياد النساء للحمامات؛ فهم بين محرمٍ ومكره، بينما اختار بعضهم التوسط في تحديد آدابٍ خاصة تلزم النساء عند قصد الحمامات العامة؛ منها الستر واختيار الأوقات الخاصة بهن، وعدم السماح لغير النساء بالدخول...وغيرها.

3- الأحكام المتعلقة بالبنيان: لم يقتصر حديث الكاتب على أحكام الاستخدام فحسب، بل ناقش رأي الفقه في المسألة المتعلقة ببناء الحمام عينه؛ إذ وجب أن يُراعى في تشييده أحكام البناء في الفقه الإسلامي، منها موقع البناء بالنظر إلى غيره من المنشآت، واتجاه وموقع بابه الرئيسي والذي يجب ألا يكون مفتوحًا أمام المارَّة.

كما يُمكن أن نُضيف إلى ما أوْرَده الكاتب من أحكام، ما تذكره كتب الفقه من قضايا تتعلق بحد الستر أثناء الاستحمام، ونظافة المكان، وتخصيص أوقاتٍ لا تشغل عن أداء الطاعة، وغض البصر..وغيرها.

ولكون الحمامات تتوسط المدن والشوارع العامة، فقد راعى المشيِّدون في بنائها أن يكون المدخل على شكل "دهليز منكسر" لا يمكن للناظر أن يصل بنظره إلى ساحة الحمامات أو غرفها، كما كان للحمامات المشتركة أوقاتٌ خاصة للنساء وأخرى للرجال محددةً وفق علامةٍ معروفة؛ وهي قطعةٌ من الكتان تعلق على باب الحمام، وقد بقيت بعض الحمامات المشتركة قائمة حتى اليوم.

ولم تكن الحمامات مقتصرةً على عامة الناس فحسب، بل يذكر الكاتب أن المدن الإسلامية شهدت أيضًا انتشار الحمامات الخاصة؛ وهي حمامات ملحقة بالمنازل يشيدها الأغنياء ليحتفظوا بخصوصية استخدامها، وهي في العادة تشغل الدور الثاني من المنزل، ويستخدمها جميع أفراد الأسرة. ويشير المؤرخون إلى أنَّ الحمامات هي في الأصل منشأة إغريقية، لم يعرفها المسلمون إلا بعد فتح بلاد الروم، ثم أدخلوا عليها بعد ذلك اللمسات الشرقية في البناء؛ مثل: الواجهات الفخمة لأبوابها، والزخارف والنقوشات على جدرانها، والأحجار أو القار الذي يغطي أرضيتها، كما راعى تقسيم الحمامات الشرقية خصوصية العمارة الإسلامية، بدءًا من الممر المنكسر الذي يعكس خصوصية المكان، ومرورًا بتخصيص أماكن لخلع الملابس وحفظها، كما راعى المسلمون وضع آلية لانتقال المياه وتجديدها بما يضمن نظافتها، وطرقًا لتصريفها بعد ذلك. وعلاوةً على ذلك، فقد أدخل المسلمون مادة الصابون والمعطرات التي لم يعرفها الروم في حماماتهم، وعينوا عمالا قائمين على إدارتها، يترأسهم "المعلم" الذي يشرف على سير العمل ويجمع الأجور.

... إنَّ ازدهارَ الحمامات في العصور الإسلامية كان مُرتبطًا في أوله بمرحلة الاستقرار السياسي والحضاري، وهي مرحلة شهدت بدء بناء المدن وتعميرها، وتشييد مبانٍ ومرافق مستحدثة تخدمُ المجتمع وتلبِّي تطوُّر احتياجاته، كما تعكس صورة من صور التمدن والحضارة؛ إذ كانت مقتصرةً على المدن الكبيرة دون القرى والضواحي. وإلى جانب كون الحمامات العامة مكانًا اعتاد الناس ارتياده للاسترخاء والالتقاء بالأصدقاء والحديث والغناء، فقد أدت في الوقت ذاته مهمة صحية؛ فهناك أحواض المياه الساخنة التي تساعد على الاستجمام وتنشيط الدورة الدموية وعلاج بعض الأمراض الجلدية، وهناك "المدلكون" المختصون في تدليك الجسم؛ مما يُضيف إلى الفوائد الصحية راحة نفسية، وتخفيفًا من ضغوط العمل والحياة اليومية.

وعلى الرغم من كَوْن الحمامات العامة اليوم في شكلها التقليدي المعروف ذاهبةٌ إلى الانحسار، فإنَّ صورتها تتشكل في أنماطٍ أخرى من مرافق الاستجمام والسباحة العصرية، بينما احتفظت بعض المدن الإسلامية بما تبقى من شواهد على هذه المنشآت الخدمية التي شكلت جزءًا من حياة الناس في فترة ما من تاريخ المسلمين.

أخبار ذات صلة