علاقة الإنسان بالمكان، الإسكندريّة نموذجًا

نادية اللمكية

على مرّ الزمنِ، تحوّلت علاقةُ الإنسانِ بالمكانِ من صُورتها الفيزيائيّةِ المرتبطةِ بوجودِ عناصرَ ماديّةٍ وحدودٍ جغرافيّةٍ إلى علاقةٍ منحت كلّ مكوناتِ البيئةِ حولهُ رموزًا شكّلت عبر التاريخ ذاكرتَهُ المعرفيّة وتكوينهِ الحضاري، وأصبح المكانُ مُعطى يحددُ طبيعةَ البشرِ، وأسلوبَ حياتهِم، وانتماءاتهِم ومعتقداتهِم، بل باتت دراسة المكان مُناخيًّا وجغرافيًّا واجتماعيًّا مفتاحًا لمعرفةِ توجُّهاتِ المجتمع وتصوراتهِ. وفي التاريخ ارتبطت ألفاظُ الحقلِ اللغويّ للجذر (ك، و، ن) بتأريخِ الأحداثِ والمواقفِ مثلما يشير الباحثُ السوري فيصل الحفيان في دراستهِ للعلاقة التاريخيّة بين الإنسانِ ومدينة الاسكندريّة في مقاله: (الإسكندريّة الثغرُ والمعبَرُ والرِّباط)، ولعلّ مقاله خيرُ مثالٍ لتحول هذا الحيّز من الفراغِ الكوني إلى أحد مستوياتِ الذات الإنسانيةِ التي يصفُ الشاعرُ تأثيرها قائلا:"لقدْ زادني مَسراكِ وجدًا على وجدِ".

لكن كَيف يُمكن أن تحملَ مدينةٌ واحدةٌ مثل الإسكندريّة هذه الثلاثيةَ المتلاحمة؟ أن تكون ثغرًا يمكن للأعداءِ الوُلوج منه، وممرًا لعُبور السائرين، ومدينة يُرابط عليها خَشية فقدِها! يبدو أنّ المكان يملك سطوةً لا يملكُ الإنسانُ إلا الإذعانَ لها، كما أذْعن الشاعرُ اليوناني كفافيس من قبل –المولودُ في الإسكندريّة- لقَدَرِهِ بالعيشِ فيها:

"ستؤدي بكَ السبلُ، دائمًا، إلى هذهِ المدينةِ

فلا تأملنَّ في فرارٍ

إذ ليسَ لكَ من سفينةٍ

ولا منْ طريق."

وأذْعن لهذا القدرِ أيضًا الحفيان في مقالهِ المذكور أعلاه حينَ قال: " هي أماكن/مدن قَدَرُها أن تظلّ تحت الضوء". غير أنّ الذي لا يمكنُ تجاوزُهُ في دراسة تأثيرِ المكانِ على الإنسانِ هوَ البعدُ التاريخيُّ الذي شكّل هذه الصورَ الذهنيّة والنفسية، وهنا تبدأ القصةُ -كما يرويها الكاتب- باختيار الإسكندريّة عاصمةً للإسكندرِ الأكبرِ منذ أكثرَ من ثلاثةِ قرونٍ سبقتْ ميلادَ المسيح، لتكونَ امتدادًا لأثينا اليونانيّةَ، وقد جاَء اختيارُها، كما تذكرُ المصادرُ، لأسبابٍ سياسيّةٍ وإداريةٍ وجغرافيّةٍ، وهذه الأخيرةُ هي الميزةُ الأكثرُ أهميةً –بحسب المصادر- نظرًا لموقِعها على الساحلِ، وإشرافِها على مدخلِ النيل، ولتربتِها الغنيّةِ ومُناخها المناسب.

ويستبق الحفيان بقيّة الحكاية التاريخيّة للمدينةِ مستوقفًا القارئ عند المقوماتِ التي صنعتْ مجدَ هذه المدينة التي رأى أنّها لم تكن بتلك الأهميّة قبل بناء الإسكندر لها، وهو رأيٌ يعترضُ فيه الحفيانُ على المصادرِ التي أشارتْ إلى التاريخ العظيمِ للمدينة حتى قبلَ مجيء قائد اليونان. ومن جملة المقومات هذه:

- الوعيُ بمستقبلِ المكانِ:

أن تستشعرَ القادمَ وتؤمنَ بهِ يعني أن تفعلَ كل ما باستطاعتك لبناءِ الحاضر، هكذا بدا الكاتب واثقًا من أنّ الإسكندرَ الأكبرَ كان قد رأى في الإسكندريّة بوابةَ لمجدٍ قادم، ويبدو أنّه في هذه المرحلةِ تحوّلت مدلولات المكانِ عند القائد اليوناني من قطعةٍ جغرافيّة تتربّع في الشرق إلى مشروعٍ كبير لمدينةٍ حضاريّة، وميناءٍ تجاريٍّ نشط، وقاعدةٍ عسكريّة مهمّة. إنّ هذا الوعي المبكّر بمستقبل مدينةٍ لم يكن الإسكندر يعرفها أو يحمل شعورًا مسبقًا تجاه عناصرها، يجعلنا نفكرُ في التأثيرِ الذي يتركُهُ مكانٌ ما بحيث يحفّزُ في الإنسانِ تطلعاتٍ ورغبات.

-الجغرافيا/ الموقع:

لقد مثّل موقعُ اليونانِ في الجزءِ الشرقي من سواحلِ أوروبا الجنوبيّة أهميّةً كبيرةً لنشاطها التجاري واتصالِها الحضاري بغيرِها من الأُمم، ولعل التجربَةَ التي مَنحها المكانُ للإسكندر المقدوني وجيشه في حضارته الأم تلكَ قد أثْرَت تجربته في المدينة المصريّة الإسكندريّة، فقد استشرف في ساحِلها ونهرِها وترتبتِها وموقعها المقابل لمقودنيا الإمكانياتِ الحضاريّةِ والاقتصاديّةِ والعسكريّةِ. وقد أشارَ الكاتبُ إلى أهميّةِ الموقِع نظرًا لالتقائهِ بينَ ثلاثِ قاراتٍ؛ آسيا التي كان الإسكندرُ قد فتحَ جزءًا منها، وأفريقيا التي تقفُ عليها مِصر، وأوروبا التي يُطلّ عليها ساحِل الاسكندريّة.

-التاريخ:

لقد بدا أن الكاتبَ انطلق في تشكيلِ ملامحِ مدينةِ الإسكندريّة من التاريخ الذي قرر فيه الإسكندر الأكبر بناءَها، لكن ولأنّه لا يؤمن بأنّ لهذه المدينة تاريخًا عظيمًا قبل ذلكَ فقد وقفَ عند ملمح التاريخ قائلا: "هذا عنصرٌ لم يكن متوفرًا ساعةَ إنشاءِ الاسكندريّة، فالإشارة إليه على اعتبار ما سيكون على حد تعبير علماء البلاغة"، وقد كانَ لإصرار الكاتبِ على فكرته أن جعله ذلكَ يخطو بالإسكندريّة قرونًا من الزمن ليقول أنّها أصبحت "أعظم مدينة في العالم القديم". وبعيدًا عن هذا التعميم الذي يُخرج مدنًا من القائمة فقد انتعشتِ الثقافة في الإسكندريّة بجهودِ العلماء وببناءِ المؤسساتِ العلميّة.

 

وانتقالاً من العالم القديمِ إلى العصرِ الإسلامي، يُشير الكاتبُ إلى المكانةِ التي اكتسبتها مدينة الإسكندريّة في التاريخِ الإسلامي من خلال دراسة الأدبياتِ الإسلاميّةِ، وهي مكانةٌ لم ترتبط بوجود مَعْلم ديني؛ إذ لم تمثّل هذه المدينة أهميّةً من الجانب التشريعي، لكنّها –بحسب الكاتب- مثّلت صورةً منعكسةً لبعض القصصِ والآثارِ في النّصوص الدينيّة، من ذلك قصة قوم إِرَم وقصة ذي القرنيْن، على اعتبارِ أنّ الأولى إشارةٌ إلى مدينة الإسكندريّة والثاني إشارةٌ إلى الإسكندرِ الأكبر، وغيرِها من المآثرِ التي وضعَهَا الحفيان في قسم "الرّبطٌ المُرسل، والأقوالِ غير الموثوقةِ". ومهما يكن من أمر فإنّه حتى مع وجودِ مرويّات غير مُثبتة حول هذهِ المدينةِ تبقى الإشارةُ فيها إلى الفكرِ الجمعي الذي يَرى ويتصوّر الأماكن بالنظر إلى معطياتٍ مختلفة منها التاريخ والمعالم الأثرية والنصوص.

وبالعودة إلى الوصف الأول الذي أطلقهُ الكاتبُ على هذه المدينةِ وهو "الثغر"؛ فإنها كانت كذلك –بحسب ما أورده- من جانبِ أن المسلمين حين فَتحوها لم تكُن لديهِم درايةٌ بركوبِ البحر آن ذاك؛ الأمر الذي سيعرّض المسلمين لخطرِ الهجومِ عبر سواحِلها لو جعلوها حاضرةَ مصر. غيرَ أن الكاتب والروائي البريطاني فورستر رأى لعدمِ الاختيار هذا سببًا أيديولوجيًّا خالصًا، يقولُ في كتابِهِ (الإسكندريّة تاريخٌ ودليل): "فعمرو وأصحابه لم يكونوا متعصّبين ولا همجيين، وكانوا على وشك أن يبدأوا في بناء مصر جديدة خاضعةً لهم بالقرب من القاهرة، لأنّهم نفروا من الإسكندريّة بشكل غريزيّ، وبدت لهم كمدينةٍ وثنيّةٍ تافهة." ولا يمكن بالطبع الاستنادُ إلى هذا الرأي تمامًا؛ فالكاتبُ البريطاني لم يكن مؤرخًا بل كان روائيًّا قاصًّا، كما لم يكن هذا الدليلُ كتابَ تأريخ أكثر من كونه دليلا سياحيًّا على طريقة الروائيين.

وقد تحول مفهومُ الثَّغرِ هذا مع التفوقِ العسكري للمسلمين إلى مفهوم حمايةٍ وحِرص؛ فقد أوصى الخلفاءُ ولاتَهم أن يؤمّنوا الإسكندريّةَ ويحموها من البيزنطيين، كما كانوا يُرسلون غزاةً من المسلمين للمرابطة فيها والاستعداد لصدّ أي هجومٍ أو ثورةٍ محتملة.

وحين كانت الإسكندريّةُ بوابةً مشرعةً أمامَ البحرِ، كانت تجمع بين ثنائيةِ الثّغر والمَعْبر؛ فقد كان ساحلها قِبالة سواحل أوروبا، ما يجعلها عُرضةً لهجومِهِم، وهي في الوقت ذاته بمينائها المتّسع معبرًا للتجارِ والعلماءِ القادمين من المغربِ عبرَ البحرِ.

إنّ هذا التفاعلَ المُتنامي بين الإنسانِ والمكان هو ما يُنتج أنساقَ الخصوصيّة الثقافية والحضاريّة التي تميّز الذاتَ في الإسكندريّة عن الآخر في أيّ مدينةٍ أخرى، هذا التفاعلُ الثائرُ تارةً والخافت تارةً أخرى يشكّل للمكان كَمَا للإنسانِ روحَهُ وهُويّته.