الأخلاق والفلسفة عند عثمان أمين وزكريا إبراهيم

نادية اللمكيّة

بين الأخلاق والفلسفة تُولد النظريات، وتتشكل الأسئلة والآراء، وتُعالج التصورات على نحوٍ يتجاوز معرفتنا العامّة بمفهوم الأخلاق كونها مجموعةَ القيمِ والمبادئ التي يجتمعُ على إقرارها دينٌ أو جماعاتٌ أو أفراد، وترتبط بها أحكام عمليّة تفرض علينا الواجب والممنوع، والقبيح والحسن، على اعتبار أنّ هذه الأحكام معروفةٌ ومفصّلةٌ سلفًا، لكن مفهوم "الفسلفة الأخلاقية" يتجاوز بالأمر إلى أبعد من ذلك؛ إلى بحث القيمة العقلية لهذه الأحكام، ووضعها في ميزان النسبي والمطلق، وإثبات تأثيرها على الإنسان بالمنطق. يحدثنا عصمت نصار في مقاله بمجلة التسامح: (الفلسفة الأخلاقية بين عثمان أمين وزكريا إبراهيم) عن دور علَمين عربيين بارزين في وضع التصور العربي للفلسفة الأخلاقية، انطلاقًا من ثلاثيّة مشتركة هي؛ الدين، والنظريات الفلسلفية الحديثة، والتجربة المستندة إلى الواقع.

بدأ الكاتب مقاله بتحديد الجانب التاريخي لبدء الكتابة العربية في فلسفة القيم، مشيرًا إلى القرن العشرين منطلقًا زمنيًا لها، وقد أوضح وجود عاملين ساهما في تأخّر التأليف أولهما؛ إشكالية العلاقة بين الدين والفلسفة ما حدا بالمجتمع إلى محاربة دراسة الفلسفة في المدارس والحلقات، واقتصر الاهتمام بالمذاهب الكلامية والمسائل العقديّة المرتبطة فقط -كما يشير الكاتب- وأما السبب الثاني فهو إيمان المجتمع بأن الأخلاق قواعد مرتبطةٌ بالأحكام الشرعيّة في النصوص الدينية الإسلاميّة والمسيحيّة، وهي لا تخرج عنها، ولا تعدو كونها تطبيقًا للأوامر والنواهي الإلهية. ووقوفًا عند السبب الأول فقد ناهض محمد صبحي في كتابه "الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي" الفكرة القائلة بانعدام التأليف الإسلامي في الفلسفة الخلاقية، مؤكدًا على أن البحث في فلسفة الأخلاق كما العلوم الأخرى نشأ مع نهضة الحضارة الإسلامية، تحديدًا مع مراجعات الكندي وابن رشد وابن سينا والفارابي لمؤلفات أرسطو، وهي وإن كانت مراجعاتٍ مضت جنبًا إلى جنب مع تفنيد التراث الوعظي غير أنّها تعدّ مرحلةً متقدّمة من الاهتمام بفلسفة الأخلاق، ولعلّ الكاتب عصمت نصار كان يُشير هنا تحديدًا إلى البحث العربي المعاصر في فلسفة القيم بالنظر إلى ظهور النظريات الفلسلفية الحديثة، وإشارته إلى الفلسفة الغربية معيارًا ؛ ولهذا نراه يستشهد في مقاله بالفلاسفة الغرب المحدثين من أمثال ديكارت وكانط وهيجل ونيتشه وغيرهم متجاوزًا ذكر الرعيل الأول من الفلاسفة الغربيين والإسلاميين.

وفي إطار حديثه عن تأريخ مبحث الفلسفة الأخلاقية عند العرب لم يتجاهل الكاتب الأبعاد الاجتماعية والاقتصاديّة والسياسية التي ساهمت في تعزيز البحث الفلسفي في القيم؛ ومن ذلك تأثّر المجتمعات العربية بما أنتجه الاستعمار من اتصالٍ مباشر مع الغرب، وظهور الإرساليات والبعثات العلميّة وإنشاء الجامعات التي تبنّت مناهج دراسيّة حديثة، عوضًا عن انتعاش حركة التأليف والترجمة على يد عددٍ من الرواد العرب.

 ويستعرض عصمت نصّار مثالا على البحث الفلسفي العربي في تلك المرحلة منهجية كلٍّ من عثمان أمين وزكريا إبراهيم بفرض أنّهما تمثلان البداية الحقيقية للتأليف بسمة عربية في هذا المجال، وتلتقيان في الرؤية النقديّة المبنيّة على التحليل الموضوعي، ومناقشة التصورات، والاستفادة من النظريات الفلسفية الحديثة، عوضًا عن كون الرجلين - كما وصفهما الكاتب- يستندان على الخلفية الأيديولوجية (الإسلامية عند عثمان أمين والمسيحيّة عند زكريا إبراهيم) محاولين الجمع بينها وبين التأصيل العلمي للقيم. وقد تجاوز الكاتب الحديث عن البنية الفلسفية عند المؤلفين إلى تحليل لغة خطابهما في المؤلفات، وأسلوبهما في عرض الآراء ومناقشتها، ودورهما في توجيه المجتمع المصري تحديدًا آنذاك للالتفات إلى البحث الأخلاقي الفلسفي، ما جعل هذا المقال مدخلا مهمًّا - في نظري- عند الحديث عن خصوصية الفلسفة الأخلاقية العربية في هذه المرحلة التاريخية.

عثمان أمين وفلسفة الجوانية

"الجوانيّة" كما الديكارتيّة والوجوديّة والوضعيّة وغيرها تعدّ فلسفةً خاصّة "تركّز على الداخل الجواني، أي القلبي والوجداني المثالي" شكّل عثمان أمين بناءها العلمي وتطبيقاتها الميدانيّة وفق رؤيته الفلسفية مستندًا على قراءته المتعمّقة في تراث الفكر الفلسفي من جهة، ورؤيته لواقع المجتمع الإسلامي ومتطلبات نهضته من جهةٍ أخرى، وهو يقول عن هذه الفلسفة "إنّ الجوانية فلسفة ثورة لأنها نابعة من أعماق هذه الأمة الثائرة، ولأنها محاولة أيديولوجية لتحقيق أمرين لابد منهما في مرحلة تطورنا التاريخي: الأول عودة إلى ماضينا ومراجعة له، والثاني اتجاهٌ إلى مستقبلنا وإعدادٌ له. وهي فلسفة ثورة أيضا لأنها تنشد المثل الأعلى في عليائه بلا تراخٍ في السعي إليه، ولأنها تؤمن بأن القوة المحركة للتاريخ هي قوة المبادئ وإرادة التغيير، والطموح إلى تقويمٍ للأشياء جديد". وبالرغم من أنّ الكاتب عصمت نصّار لم يُشر بالتحليل المتعمّق في مقاله إلى مفهوم هذه الفلسفة ومرتكزاتها نظرًا لاقتضاء المقام الحديث عن تحليل خطاب عثمان أمين الفلسفي للأخلاق من جانب، ولكون نصّار نفسه - من جانبٍ آخر- لم يرَ فيها فلسفة متكاملة إذ يقول "لم يسعَ كلا الخطابين إلى تقديم نظرة فلسفية متكاملة في مبحث فلسفة الأخلاق، بل قدما مجرد تأملات نقدية ورؤى إصلاحية بعيدة كل البعد عن الديجماطيقيّة النظرية، والراديكاليّة النظرية"! غير أنّنا نرى في الجوانية تلخيصًا لرؤية هذا الفيلسوف على نحو ما يميّزه عن المفكرين والفلاسفة في عصره.

ولأنّ عثمان أمين كان مهتمًّا بربط الفلسفة بقضايا المجتمع العربي؛ يؤكد الكاتب على كون خطابه اتّسم بالبساطة ووضوح المعاني، غير أنّه في الوقت ذاته كان يغلب عليه "الطابع المدرسي والروح الفرنسيّة في السرد" ما جعل عصمت عصّار يقرر بالقول أنّ الفيلسوف كان يستهدف الطبقة الوسطى في خطابه. والواقع أنّ المرجعية الدينيّة المتأصّلة، والمستوى المعرفي المستند إلى ثقافة عربية وفرنسية، عوضًا عن عمل الفيلسوف محاضرًا لطلاب كلية الآداب كلها عوامل تشكّل صورة الخطاب وأسلوبه، بصرف النظر عن استهداف طبقة المثقفين أو البرجوازيين، وخطاب الفلسفة عمومًا يتطلب لغةً علميّة رصينة.

زكريا إبراهيم ورؤيته الفلسفية للأخلاق

 تفرّد زكريا إبراهيم هو الآخر برؤية فلسفية خاصّة للأخلاق والقيم؛ فقد اعتمد منهجية استعراض التصورات المتباينة لأشهر الفلاسفة الغرب المحدثين ثم عمِد إلى تفنيد آرائهم المرتبطة بالقيم وفقًا لما تشكّل لديه من معرفةٍ معتمدةٍ على ثلاثة أعمدة؛ تعاليم دينه المسيحيّة، وإيمانه بفلسفة أوغسطين حول الفعل الأخلاقي، وتأثّره بالمثالية عند كانط. ولعلّ ما ميّز زكريا إبراهيم أيضًا –بحسب الكاتب- هو قدرته على تشكيل صورة جديدة متزنة بين كل هذه الآراء الفلسفية، صورة ترفض ما لا يتوافق والثقافة التي شكلته، وتؤمن بما يستقيم تنظيرًا وتطبيقًا دون إساءةٍ أو هدم. وقد قدّم عصمت نصّار أمثلةً مختلفة من خطاب زكريا إبراهيم يستعرض فيها النزعات الفلسفية المختلفة يوافق بعضها ويفنّد أخرى بأسلوبٍ علميٍّ متمكن.

وعلاوةً على رؤيته تلك، فقد قدّم زكريا إبراهيم نسقًا أخلاقيًّا وفق ثلاث رؤى هي؛ "السمو الروحي في اعتناق المبادئ، والحس الديني في تقبلها، والقناعة الذاتيّة في تطبيقها" وهي ثلاثية نراها أيضًا عند عثمان أمين، وقد ميّزت النظرة الفلسفية العربية للأخلاق عن كثيرٍ من النزعات التي ترفض الدين أو تدّعي المثالية الكاملة دون تطبيق.

لقد استطاع عصمت نصّار إذن أن يقف بنا على ملامح الرؤية الفلسفية للقيم عند اثنين من روّادها، لكنه أوقفنا في النهاية على الأسئلة الصعبة؛ تلك التي تعاود إيقاظ الرغبة في ظهور مشاريع إصلاحيّة فلسفيّة جديدة تنتصر للقيم والمثل العليا وتنشد تطبيقها.

 

 

أخبار ذات صلة