كيف بدأ هذا الصِّدام بين الدين والفلسفة؟

نادية اللمكيَّة

يتناولُ هذا المقال تحليلاً مُوْجزًا لدراسة عَرَضها الباحث المغربي العياشي إدراوي، في مجلة "التسامح"، تحت عنوان "مطارحات في مسألة الصلة بين الحكمة الفقهية والشريعة السماوية"، وفيها يستعرضُ تحليلاً لثلاث مناظراتٍ حول علاقة الفلسفةِ بالشريعة، تعود هذه المناظرات إلى القرن الرابع الهجري، وقد أوردها أبو حيان التوحيدي في كتابه "الإمتاع والمؤانسة".

 

يبدأ العياشي دراسته بتحقيق القول إنَّ الدين والفلسفة ضرورتان متلازمتان، ويبدو أنَّ هذه الضرورة لا ترتبط بحاجة أحدهما إلى الآخر، بل بوجوده الفعلي الدائم معه؛ كون الدين لا يمكن أن يتجرَّد من الحكمة، وكون الحكمة ستجانب الحق بلا وحي إلهي موجه. وعلى هذا الأساس، يُفسِّر الباحث الدعوة المستمرة على مر التاريخ للتوفيق بين الفلسفة والدين بوصفها دعوة تسعى لتحقيق التوازن بين مطلب الروح ومطلب العقل، لكن: ما الذي يجعل الصدام مُحتدمًا -من البدابة- بين الفلسلفة والدين؟

 

إنَّ أحدَ أهم مَجَالات البحث في الفلسفة والدين، هو الإجابة عن الأسئلة المرتبطة بالميتافيزيقيا، وبالكون والوجود والغيب وسؤال اللامرئي، الذي يتخطى معرفتنا النابعة عن المشاهدة والتجربة إلى الرغبة في معرفة ما وراء الموجودات، غيرَ أن أدوات البحث في كليهما مختلفة؛ فالفلسفة تناولت هذا المجال بالتحليل العقلي والمنطقي، مُستفيدةً مِمَّا توصلت إليه العلوم التجريبية في دراستها للمادة. والدين (نُشير هنا إلى الأديان السماوية) شكَّل معرفته الخاصة بالغيبيات بأداة الوحي والسمع؛ جاعلا شرط اكتمال الإيمان هو التصديق بالغيب، كما جاء على لسان الأنبياء، وكما نصَّت عليه الكتب السماوية، وهذا الأخير -الدين- لم يكن بعيدًا عن مخاطبة العقل في حجاجه عن فكرة البعث والنشور كما قد نتصوَّر؛ فالله تعالى يقول في القرآن الكريم: "أَوَلَمْ يَتَفَكرُوا فِي أَنفُسِهِم ما خَلَقَ اللهُ السمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَق وَأَجَلٍ مسَمى وَإِن كَثِيرًا منَ الناسِ بِلِقَاءِ رَبهِمْ لَكَافِرُونَ" (الروم:8)، لكنَّ الإشكال -كما يرى الباحث المغربي إبراهيم بورشاشن- هو أنَّ "الفقهاء درجوا، عموما، على تحريم النظر الفلسفي لاعتقادهم التام بالكفاية العلمية والعملية للشريعة، فانبروا يخسسون الفلسفة والفلاسفة في أعين الحكام والجمهور"، وفي الجانب الآخر فإنَّ الفلاسفة الأوائل لم يتمكنوا هم أيضًا من التوفيق بين الفلسفة والشرع في كتاباتهم "لجهلهم بعدم إمكانية استقلال العقل عن الشرع؛ لذلك فالاعتماد عليه كأداة معرفية وحيدة لا يؤدى إلا إلى باطل". أمَّا كتاباتهم المتزنة، فقد جاءت متأخرة، وقد كان مجتمع الفقهاء والمجتمع السياسي وقتها قد قضى رأيه فيهم.

 

* المناظرات الثلاث

يُحيلنا الباحث المغربي العياشي إدراوي إلى كتاب "الإمتاع والمؤانسة"؛ بُغية الوقوف على ثلاث مناظرات، ذكر نصوصها كاملةً في دراسته؛ الأولى: بين البخاري وأبي سليمان المنطقي، وهذا الأخير يدعو لتبني الفلسفة بوصفها علماً قائماً بذاته، لا يُمكن إقحامه في الدين. والمناظرة الثانية: بين أبي سليمان المنطقي والحريري، وهذا الأخير يرفض إقامة مقارنة بين الدين والفلسفة؛ كون الدين تشريعا سماويا مقدسا، والفلسفة علمٌ إنسانيٌّ موضوع. والمناظرة الثالثة: بين الحريري والمقدسي، والمقدسي هو أحد أعمدة جماعة إخوان الصفا؛ وهي جماعة ظهرت في البصرة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، تضمُّ عددًا من المفكرين الذين دَعُوا إلى التوفيق بين الفلسفة والدين.

ولأنَّ التوحيدي -صاحب "الإمتاع والمؤانسة"- بَدَا مُناصرًا لفكرة الدين المتكامل في أصله، ومعارضًا لفلسفة إخوان الصفا؛ تَسَاءل العياشي مُشكِّكًا في مصداقية التزامه بنقل المناظرات كما وصلت إليه؛ إذ كانت مساحة الرد لكل طرفٍ مختلفة، كما أنَّ ترتيب الحوار وتنظيم الدعاوى والردود دعمت موقفًا دون آخر، وهيمنتْ فكرة "نبذ فكر إخوان الصفا" على المناظرات الثلاث بوجهٍ عام، وقد أرْجَع العياشي سببَ ذلك في المقام الأول إلى "السياسة"؛ يقول مُعلِّلا ذلك: "إن كون رسائل جماعة إخوان الصفا كانت بمثابة برنامج تثقيفي لجماعة القرامطة التي مثَّلت أقوى تيار سياسي مُعارض في تاريخ الدولة العباسية، ليعلل الطابع الهجومي العدائي للمناظرة على فكر الجماعة"، وفي هذا إشارة أخرى أيضًا إلى ريبة الباحث من مصداقية ما جاء نقله في "الإمتاع والمؤانسة".

وبالرغم من هذا التشكيك في صحة نقل التوحيدي للمناظرات، لم يُنكر الباحث المغربي الأهمية التاريخية لهذا النقل؛ فقد رَصَدَت هذه المناظرات المعطيات الثقافية والسياسية للمجتمع الإسلامي في هذه المرحلة، كما كَشَفت العلاقة المحتدمة بين الفلاسفة والفقهاء من جانب، وبين الفلاسفة والحكام (السياسة) من جانبٍ آخر، علاوةً على إشارتها للانفتاح المبكر على ثقافات الحضارات الأخرى؛ إذ الفلسفة بدأت -كما نعلم- مع أفلاطون وأرسطو. وإضافةً إلى الأهمية التي ذكرها الكاتب، صورت هذه المناظرات واحدًا من أهم أساليب الحوار التي انتهجها الفقهاء والمفكرون في تلك المرحلة، حوارٌ مكتوب، مرتبٌ على أسس علمية؛ منها: الاستدلال، ونقض الحجج، ورفع الدعاوى، وتقديم البراهين، كما أنَّه حوارٌ قائمٌ على أسس أخلاقية يلتزم فيها المتناظران بآدابٍ عامة من نحو احترام الطرف الآخر، ومنحه الوقت والمساحة للرد، والبُعد عن البذيء من الألفاظ، والنظر في حججه واستدلالاته باهتمام.

 

* ابن رشد وإخوان الصفا

ينتقلُ الباحثُ المغربيُّ إلى تاريخ جماعة إخوان الصفا، وكيف انتهت علاقتها إلى السياسة.. مشيرًا إلى تعدُّد وجهات النظر والآراء حولها، ومُستندًا إلى ما أورده بطرس البستاني في تقديمه لـ"رسائل إخوان الصفا" من كَوْن الجماعة تنسب إلى القرامطة ومَوْطِنها البصرة، لكنَّ الأهم في ذلك هو أنَّ "الحكمة اليونانية أفلحتْ في أن تستوطن الشرق عن طريق هذه الجماعة". وقد استطاع الباحث أنْ يَجْمَع بين حلقتين يتوسطهما جماعة إخوان الصفا (القرن الرابع الهجري)، وابن رشد (القرن السادس الهجري)، الحلقة الأولى هي محنة الفلسفة مع السياسة التي قادت الطرفين إلى الإقصاء والمعاداة العلنية والاتهام بالزندقة. أما الحلقة الثانية، ففيها يجمع الباحث بين دعوة ابن رشد ودعوة إخوان الصفا إلى "التوفيق" بين الدين والفلسفة، وهذه الدعوة -وإن كانت تمتلك خصوصية مُختلفة لدى كلِّ طرف إلا أنها- تجتمع على ضرورة ترتيب العلاقة بين الدين والحكمة؛ كونها علاقة لا تتعارض في جوهرها مطلقًا، وضرورة إنصاف الفلسفة لكونها تؤسس لمبادئ الحكمة.

 

* مناهضة الفلسفة

وعلاوةً على ما أشرنا إليه من ذكر التوافق بين ابن رشد وإخوان الصفا، تلتقي على نحوٍ موازٍ آراء الحريري والغزالي في ضرورة إقصاء الفلسفة عن الدين، وتُشير إلى ذلك كتابات الغزالي الهجومية على الفلاسفة، وردود الحريري في مناظرته مع أبي سليمان المنطقي.

وفي الخُلاصة، يُقسِّم الباحثُ اتجاهات الفلاسفة الذين جاء على ذكرهم في دراسته إلى قسمين؛ الأول: يرد الفلسفة إلى الدين من جانب "رد الفرع إلى الأصل"، ونرى العياشي هنا يؤكد على "صفاء نية" المقدسي وجماعة إخوان الصفا، وعدم رغبتهم في مهاجمة الدين. أمَّا القسم الثاني، ففيه دعوتان؛ الأولى: تدعو إلى حضور الدين والفلسفة دون الخلط بينهما بوصفهما مجالين منفصلين، وهي دعوة أبي سليمان المنطقي، والثانية تضيف إلى عدم الخلط هذا مسلكا آخر يقوم على كون الفلسفة والدين نقيضين في الأساس، لا يتحقق لهما الالتقاء، وقد مثله البخاري والحريري.