وحدة المعرفة بين العلوم

هاجر السعدية

عرَّج بنا أستاذ التاريخ الإسلامي، الباحث والمؤرخ محمود إسماعيل في مقاله المنشور في مجلة التفاهم تحت عنوان" دار الإسلام بين الفقه والتاريخ والجيوبوليطيقا" إلى تأكيد حقيقة بدهية وهي "وحدة المعرفة" بين العلوم، ويؤكد على أهمية دراسة وتسليط الضوء على ما يعرف الآن بـ"العلوم البينية". يدلّل الباحث على حقيقة وحدة المعرفة من كون الفلسفة منذ العصور القديمة إلى بدايات العصر الحديث، كانت تحوي كافة المعارف حتى نعتت بأنها (أم العلوم) ثم خفت صوت الفلسفة – نسبيًا- بعد ذيوع ظاهرة التخصص العلمي، ولكن نجدها حاليًا استعادت مكانتها من خلال ما أسفر عن التخصص العلمي الدقيق من ظاهرة العلوم البينية، أو العلوم المساعدة كضرورة منهجية ناتجة عن تشابك الحقول المعرفية بحيث يستحيل حصر معارف كل علم في حقل واحد. على سبيل المثال دراسة موضوع علم الاجتماع قد يتداخل مع موضوعات تدخل في اختصاص علمي الأنثروبولوجيا والفلكلور. ودراسة التاريخ – منهجيا- تقتضي الإفادة من موضوعات علوم أخرى كالآثار والاقتصاد السياسي والاجتماعي وغيرها.

فنجد دراسة محمود إسماعيل استهدفت إبراز حقيقة العلاقة الجدلية بين حقول معرفية ثلاثة وهي: الفقه، والتاريخ، والجيوبوليطيقا. سواء على الصعيد المنهجي أو على المستوى الإبستمي. وينوّه الباحث إلى نقطتين أساسيتين هما:

  • أولاً: إن هذه الدراسة ما هي إلا محض إطلالة عامة تستعرض الخيوط الأولية التي تغني عن الاستطراد في ذكر التفصيلات.

- ثانيًا: علم الفقه[1] وثيق الصلة بعلمي التاريخ والجيوبوليطيقا إلى درجة جعلت المؤرخين الفقهاء يتفوقون على نظائرهم من المؤرخين المحدثين، كما أنَّ علم الجيوبوليطيقا ولد من رحم علم الفقه الذي يعد أهم إنجازات الفكر الإسلامي.

ولقد برهن الباحث على العلاقة الجدلية بين الحقول المعرفية الثلاثة – الفقه،التاريخ، الجيوبوليطيقا- وفقًا للآتي:

  1. العلاقة الجدلية بين الفقه والتاريخ

لقد ارتبطت نشأة علم التاريخ الإسلامي بعصر التدوين وتصنيف العلوم، إذ اقتصرت قبل ذلك على مرويات شفهية تدور حول سيرة الرسول ومغازيه والقصص العربي القديم وتراث القبائل العربية في الجاهلية والإسلام وذلك بفضل الإخباريين. وجرى جمع المادة التاريخية من مظانها واعتمدها المؤرخون الرواد مثل الطبري والمسعودي وغيرهم في تدوين التاريخ وكتابته. وازدهر علم التاريخ بصورة أكبر من خلال ثلة من المؤرخين الثقات من أمثال: مسكويه والبيروني وابن حيان الأندلسي.

وما يعنينا هنا هو إثبات أثر الفقه في ازدهار علم التاريخ، لقد كان مؤرخو عصر الازدهار من الفقهاء، فنقلوا مناهج الفقه في التحقيق والنقد والقياس والاستنباط إلى حقل التاريخ. على سبيل المثال: يعزى إلى المسعودي الفضل في تقديم رؤية شمولية للتاريخ بحيث تضمن موضوعه دراسة الماضي بكل جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية. ويعد البيروني أول من اكتشف القوانين الموضوعية التي تحكم حركة التاريخ في سيرورتها وصيرورتها.

تعد الأمثلة أعلاه بالغة الدلالة على حقيقة تأثير الفقه في تطوير علم التاريخ.

  1. تأثير التاريخ في الفقه

تعد بضاعة المؤرخ بالغة الأهمية للفقيه. فإصدار الأحكام الشرعية في مجال المعاملات يواجهها رصد المؤرخ للأوضاع الاقتصادية والأحوال الاجتماعية. كما أنَّ فقه النوازل كان يستلزم مثل هذه المعلومات لإيجاد حلول لمشكلات مستجدة لم يجر التشريع لها من قبل. ناهيك عن أهمية التاريخ فيما كتب عن طبقات الفقهاء والقضاة، بما يؤكد حقيقة العلاقة الجدلية بين الفقه والتاريخ.

وكان هناك فقه خاص بالعمران؛ كتخطيط المدن وتحديد أماكن بناء المنازل وعدد طوابقها... إلخ. ومن المرافق ما جرى تعقيده فقهيا، تأسيسًا على معلومات تاريخية. ناهيك عن أهمية التاريخ فيما كتب عن طبقات الفقهاء والقضاة، بما يؤكد حقيقة العلاقة الجدلية بين التاريخ والفقه.

  1. صلة الفقه بعلم الجيوبوليطيقا

ثمة علاقة جدلية بين الفقه والجغرافيا وبين الفقه والسياسة. فإذا كانت الجغرافيا توجه التاريخ فتنسحب علاقتها به على الفقه بالمثل. انتشار المذاهب الفقهية يتفاوت من إقليم وآخر، ولم يكن جزافا أن ينتشر فقه المعارضة الخارجية والشيعية في أطراف العالم الإسلامي؛ بل تحت تأثير الجغرافيا جرى تطوير الفقه – انفتاحا وجمودا – حسب طبيعة النشاط الاقتصادي والأحوال الاجتماعية والأوضاع السياسية. مثال ذلك أن مذهب الإمام مالك الذي ضيق باب الاجتهاد في الحجاز، فتحه على مصراعيه في بلاد المغرب والأندلس. كذلك لم يكن جزافا أن يتعاظم فقه أبي حنيفة في الأقاليم التي راج فيها النشاط التجاري – كبلاد ما وراء النهر- أكثر من انتشاره في بلاد العراق.

  1. العلاقة بين التاريخ والجيوبوليطيقا.

ثمة صلة وثيقة بين التاريخ والجغرافيا، بحيث جمع بعضهم بينهما وأبدع، كما هو الحال مع اليعقوبي أول من كتب في مجال الجغرافيا السياسية والتاريخية. ويزهو المسعودي بأن جل معلوماته عن التاريخ الحضاري استقاها إبان رحلاته الجغرافية، فصلة التاريخ بالسياسة أكثر تأثيرًا وأشد وثوقًا، وصدق من قال بأن:" التاريخ هو سياسة الماضي، والسياسة تاريخ الحاضر"

خلاصة القول تعد وحدة المعرفة حقيقة بدهية. حيث يمكننا تصنيف العلوم وفق تخصص أحادي مستقل ولكن حين دراسة وتتبع الظواهر والمسائل المتعلقة بتخصص ما يستوجب الاستعانة بمفاهيم أو منهجية أو معلومات تتصل بتخصص آخر، لا يمكننا فهم ظاهرة في المجتمع دون تتبع الأثر النفسي –علم النفس- والأثر الاقتصادي – علم الاقتصاد- والأثر الديني – دراسة الأديان- والأثر الاجتماعي – علم الاجتماع- والأثر الصحي – الصحة- والأثر السياسي - السياسة- وهلم جرا. هذا ما يعني أن دراسة ظاهرة في مجال ما بحاجة إلى الاستعانة بفلسفة ومنهج تخصص آخر، والجدير بالذكر أنَّ ظاهرة العلوم البينية لا تقتصر على العلوم الاجتماعية فيما بينها، أيضًا يحدث بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية – الأساسية- على السواء، أي أنَّ هناك علاقة تأثر وتأثير وهذا ما يوصلنا إلى حقيقة وحدة المعرفة في العلوم.

 


[1] علم الفقه يبحث في موضوع الشريعة الإسلامية، فهو منوط باستنباط الأحكام الشرعية من مبادئ القرآن الكريم والسنة النبوية.

أخبار ذات صلة