في المشترك الإنساني بين المسيحيّة والإسلام

نادية اللمكية

إنّ من أهم مقومات العيش المشترك بين الشعوب والديانات المتعددة هي الإيمان بأحقية الاختيار، وبحتمية الاختلاف، وما يترتب على ذلك من ممارسات مبنيّة على التسامح ونبذ التطرف واحترام الآخر والمساواة والعدل، كما أنّ الدعوة الأهم بين هذه المقومات من أجل عيشٍ قائمٍ على الود هو البحث عن القيم المشتركة. الباحث الأمريكي "دوغلاس ليونارد" تناولَ القيم المشتركة بين المسيحيين والمسلمين مما استخلصه من كتاب "الإنجيل" في مقالٍ صدر له في مجلّة التفاهم بعنوان "القيم المشتركة بين المسيحيّة والإسلام"، تاركًا الفسحةَ أمام القارئ لملاحظة ما بين الإسلام والمسيحيّة من تقارب.

يستعرض ليونارد أربعة قضايا إنسانيّة وردت في "إنجيل متّى" مستمدّة من فصوله الخامس والسادس والسابع التي حكت قصّة خطاب السيد المسيح للجموع من على الجبل وهي تُعرف عند المسيحيين بـ "موعظةٌ على الجبل" مستشهدًا في هذه القضايا بالنصوصِ الواردةِ على لسان السيّد المسيح، وهي كما يلي:

- القيمةُ الأولى: إصلاحُ ذات البين

يتتبع الكاتب بعض الأفعالِ التي تُضفي إلى النزاعِ والخلاف والحقد بين البشر والتي جاء تحريمها أو التوجيهُ بتركها في الإنجيل ومنها؛ تحريمُ القتل بوصفه شرارة العنف، وتجنّب الشتم لكونه يورثُ الرغبة في الانتقام، وتركُ سوء الظن بالتماس العذر للآخرين، والكاتب في كلّ ذلك يستخدم التحليل المنطقي في الجمع بين هذه القيم المُثلى وبين الطبيعة البشرية التي تتفاعل مع مؤثراتٍ نفسية كثيرة منها الغضب وسوء الفهم والنقدُ السلبي، بل يسعى جاهدًا للتوفيق بين فكرتين مهمّتين في دعوة المسيحِ إلى التسامح وغض الطرف في سبيل تعزيز العلاقاتِ الإنسانية هما: التنازلُ لا يعني الضعف، والانتقامُ لا يعني القوة. وهاتانِ الفكرتانِ نجد صداما أيضًا في تعاليم الإسلام؛ يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التغابن:14) وفي نتيجةٍ مباشرة على المجتمع، يصبح التسامح والسعيُ للصلح دواء مباشرا لمظاهر اجتماعيّة خطيرة، كالعنف وتفشّي الإشاعات والكراهية والقطيعة. ولعلّ الكاتب هنا لم يُشر إلى الإصلاح بين المتخاصمين بوجود واسطة كما يتضح من مفهوم "إصلاح ذات البين"، وقد شرّع الإسلام هذا الأمر وجعل له أهميّة كبيرة، يقول الله تعالى (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات:10) ومهمّة المصلح بين الناس عظيمة وأثرها على المجتمع والفرد كبير.

 

- القيمةُ الثانية: الحبُّ لكل بني البشر

مجددًا يفترض الكاتب أوّل حديثه مثاليّة حبّ البشر جميعًا، أعني؛ الصديق والعدو، العادل والظالم، المؤمن والملحد، لكنه يؤكّد أنّ ذلك ممكن بحسب تشريع السيّد المسيح كما يقول: "افعلوا الخير لأولئك الذين يكرهونكم" (لوقا 27:6) لأنّ العواطف الإنسانية قادرة على خلقِ إطارٍ من التفاهم والود حتى مع الاختلاف، كما أنّ مبادئ الاحترام والمشاركة والتعاون هي وجهٌ عمليٌّ لحب الآخرين، وقد أشاد الإسلام أيضًا بذلك، فقد رُوي عن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم- قوله: "المؤمن يألَف ويُؤلف، ولا خيرَ فيمن لا يألَف ولا يُؤلف، وخيرُ النَّاسِ أنفعُهم للنَّاس".

- القيمة الثالثة: اعط الآخرين بسخاء وساعد الفقراء

تقرّر عددٌ من الديانات حق الفقراء والمحتاجين من أموال الأغنياء، ويركّز الكاتب هنا على فكرة تحول الأموالِ من مفهومها المادي المجرّد في الدنيا إلى نتيجتها المعنويّة عند الله في الآخرة، والأكثرُ من كونها مرتبطةً بمنفعةٍ فرديّة هو أنّها تتعلق ببناءِ مجتمعٍ متماسك، يرفض الظلم ويؤسس للتضامن والعدالة الاجتماعية، ولإن كانت تعاليم المسيح تدعو إلى منح المحتاج ومساعدته فالإسلام هو الآخر يجعل من هذا المنح واجبًا فرديًّا لكل مقتدر، بل هو أحد الأركان الخمسة التي يقوم عليها، وقد حدد صوره في مختلف أشكال الأموالِ وفرض النسبة التي يجب أن تُمنح، وأفراد المجتمع المستحِقّين لها.

- القيمة الرابعة: التواضع

يجعلُ الكاتب من قيمةِ التواضع أساسًا للقيم كلّها؛ فحبُّ الناس باختلاف طبقاتهم، ومساعدتهم في محنهم، والتغاضي عن زلاتهم يستوجبُ صفاء النفسِ وخفضَ الطرف، والبعد عن التكبرِ أو احتقارِ الآخرين، والدين يعلمُنا تعويد النفسِ على التواضع بدءًا من أداء العبادات بمختلف صورها التي ستوجب التذلل والخضوع بين يدي الله، وكما يدعو السيّد المسيح إلى التواضع فإنّ القرآن نفسه جاء ليؤكد حقيقة أنّ المسيح - عليه السلام- شيمته التواضع، يقول الله تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) (النساء:172)

ثم ينقلنا دوغلاس ليونارد من هذه القيم الأربع في الإنجيل إلى تأكيدها في كتابِ العهد الجديد على لسان بولس الرسول الذي أوجز القيم المسيحيّة في رسالة وجهها إلى الرومان. وما كاد الباحث ينتهي من الحديث حول التوافق بين المسيحيّة والإسلام حتى دخل في منعطفٍ آخر مغايرٍ تمامًا وهو ذكر الفروق الجوهريّة بين الإسلام والمسيحيّة في مقصدٍ أراد منه الحصر بما يفيد القلّة وإحاطة القارئ بأنّ الاختلاف إنما جاء في هذا الذي ذكرت فقط، وبالرغم من افتتاحه هذه الفكرة بالقول: "والفرقُ الجوهري بين الإسلام والمسيحيّة هو أنّ المسيحيين يفهمون عيسى على أنّه أكثر من نبي..." نراه يعود ليبحث فروقًا أخرى؛ منها إيمانُ المسيحيين بأنّهم مذنبون، وبأنّ خلاصهم جاء بتضحية المسيح، وبأنّهم معتمدونَ على رحمة الله لينجيهم، وهذا الخلاص - بحسب اعتقادهم- ممنوح للبشر جميعًا، وهو ما يختلفون فيه عن المسلمين بحسب قوله.

يبدو أنّ الكاتب لم يستطع الخلاص إذن من فكرة الأنا (المسيحي) والآخر(المسلم) بالصورة التي عبّرت عنها القيم الأربع بالرغمِ من محاولتهِ تأكيد ذلك في مقدّمة مقاله، فقد بدأ بالمبادئِ العقدية المشتركة، ثم أكّد على القيمِ الإنسانيةِ المتوافقة مستشهدًا بنصوص الإنجيل، ليعودَ في خاتمةِ مقاله ويخلُق خصوصية المسيحيّة عبرَ النبشِ في الاختلاف. لكننا، ولنكون بعيدين عن المثالية الجمّة، لا نريدُ أكثرَ مما يريده الكاتب وهو التأكيدُ على نقطة الالتقاء التي ستمنحنا حياةً أفضل ومجتمعاتٍ أكثر تقاربًا وهي كما ألخّصها: "دع ما اختلفنا وانظر فيمَ نتّفق لنعيش بسلام"

ومهما يكن من أمر فإنّ القواعدَ السلوكيّة والقيمَ الإنسانية التي أسس لها كل من المسيحيّة والإسلام كفيلة بأن تَردم تلك الهوّة بينهما، بل بين كل الديانات الداعية إلى التسامح والحب والسلام، لا عن طريقِ الانصهار بل عبر التوافقِ والانسجام.