تعرية الكلمات: قوائم الشدياق الفكرية بوصفها نقداً اجتماعيا وثقافيا في القرن التاسع عشر

Picture1.png

كريستيان يونغه

*رضوان ضاوي

باحث في الدراسات الثقافية المُقارنة

الرباط/المغرب.

يهتم الباحث الألماني كريستيان يونغه بمجال الدراسات العربية المُقارنة، وجاء الكتاب الذي بين أيدينا بعنوان" تعرية الكلمات: قوائم الشدياق الفكرية بوصفها نقداً اجتماعيا وثقافيا في القرن التاسع عشر" ثمرة هذا الاهتمام، وثمرة التعاون العلمي في قسم الدراسات السامية والعربية في الجامعة الحرة ببرلين، ومشاورات فكرية مع باحثين متميزين في الدراسات العربية. ويعدّ فارس الشدياق )1805-1887( أحد أهم المفكرين العرب في القرن التاسع عشر. فقد نشر كتابه "الساق على الساق في ما هو الفرياق" في باريس عام 1855. أبرز المؤلف يونغه في هذا الكتاب أن كتاب الشدياق من أهم المؤلفات الفكرية التي ظهرت في عصر النهضة العربية الحديثة. تكمن أهمية هذا الكتاب حسب الباحث يونغه، في كونه يضع القارئ في مواجهة مع عدد كبير من قوائم الكلمات. لهذا تتناول هذه الدراسة الجديدة تلك القوائم بالتحليل لأوَّل مرة من منظور الدراسات الثقافية المُقارنة وما بعد الاستعمارية، بوصفها قوائم ناقدة للحياة في عصر النهضة العربية. ومن أجل الوصول إلى نتائج علمية رصينة استعان المؤلف في تحليله لكتاب الشدياق بمجموعة من النظريات والمفاهيم، من بينها:

-فكرة "العودة إلى الفيلولوجيا" كما جاءت عند إدوارد سعيد، وذلك من أجل تطوير أداة تحليلية جديدة لتعرية الكلمات في كتاب "الساق" والكشف عن بعدها المعرفي والجمالي، مما ساعد المؤلف على مُناقشة مفهوم اللغة عند الشدياق وعلاقته بالنقد الثقافي الاجتماعي في عصر النهضة.

-مفهوم "تعرية اللغة" كما عند الطرابلسي، لتصبح أداة تحليلية جديدة تُؤكد على اعتبار القوائم وسيلة نقد اجتماعي ونقد ثقافي.

-مفهوم رولان بارت "للذة والمتعة"، كما جاء في كتابه لذة النص.

-نظرية الكتابة النسوية لدى هيلين سيسو التي تدعو فيها إلى الاستعانة باللغة القديمة لتقديم مفهوم مختلف للجسد.

-نظرية "الذاكرة الثقافية ووظيفتها" عند أليدا أسمان، من أجل مقارنة استخدام الكلمات باعتبارها سجّلاً ثقافياً مع تسليط الضوء على استخدام السيطرة الاستشراقية الأوروبية على هذا السجل.

واستعان المؤلف بهذه المفاهيم وهذه النظريات من أجل إخراج فصول هذا الكتاب في صورتها العلمية الرصينة حيث تتوزع كالتالي: تناول المؤلف في الفصل الثاني بعنوان: "حياة الشدياق وعمله في النهضة" حياة الشدياق وعمله في عصر النهضة اللبنانية السورية، مع ما صاحب ذلك من النظر في أحوال الفاعلين في هذه النهضة العربية في القرن التاسع عشر. وقدم الباحث تقسيماً مهماً لحياة الشدياق، مما يتيح تقييم كل مرحلة على حدة، ثم تقييم كل هذه المراحل مجتمعة على ضوء تصوراته عن النهضة المبكرة التي بدأت بوادرها في كل من لبنان وسوريا على النحو التالي: المرحلة الأولى في لبنان ومالطا ومصر )1848-1805(، والمرحلة المتوسطة في إنجلترا وفرنسا ) 48-1857(، أما المرحلة الأخيرة ففي تونس وإسطنبول ) 87-1857(. ويمكن اعتبار هذا الفصل مدخلا إلى مفهوم وتاريخ النهضة اللبنانية-السورية التي منحت النهضة العربية أهم روادها ومشاريعها الفكرية. على هذا الأساس ترسم هذه الدراسة الحياة النشيطة والعمل الضخم والشامل لأحمد فارس الشدياق، الذي تميز إلى حد ما بغرابة الأطوار الجغرافية والفكرية. وقد قام المؤلف بمغامرة قرائية مميزة فيه تضمّنت دراسات في الاستشراق والحداثة ومكانة الشدياق في الحقل اللغوي الفيلولوجي والأدبي باعتباره شخصية عربية تصنّف إلى جانب المفكرين العرب وضمن الشخصيات الاستثنائية والأكثر تأثيرا في القرن التاسع عشر. بهذا يكون الباحث قد اعتمد على وصف مكانة الشدياق الفكرية، والذي درس الحقل الفيلولوجي في باريس ونشر كتابه في الجمعية الفرنسية التي انتقدها أيضاً. أما الفصل الثالث بعنوان: "الكتاب والنص: الساق على الساق"، فقد تناول فيه الباحث تاريخ تلقي كتاب "الساق على الساق" ضمن مسار الاستقبال وسياق الانتشار والترجمة إلى الفرنسية، إضافة إلى غموض النص ووضعية البحث فيه باعتباره نقدا للمجتمع وللثقافة. وكان الباحث قد ألقى نظرة على الكتاب باعتباره عملا فنيا كاملاً، ورسم توزيعه وتلقيه في أوروبا والعالم العربي. بينما جاء الفصل الرابع: "الجندر: الأنثوية بوصفها تمثيلا للنقد"، ليتناول فيه الكاتب موضوع الجندر من خلال الأنوثة بوصفها تمثيلا قابلا للنقد، فالنقاشات النسوية المبكرة للنهضة اللبنانية والسورية كانت مهتمة بالحضارة العربية من خلال الكتابة عن المرأة والكتابة لها. وهنا لابد من ملاحظة أن الباحث يقارب نقاشات النهضة اللبنانية السورية عن وضعية مكانة المرأة في المجتمع والسؤال المرتبط بها عمَّا إذا ما يتوجب عليهن تعلم القراءة والكتابة. في هذا الإطار يدرس الباحث كيف ساهم الساق في هذه النقاشات أدبياً وفكرياً وكيف اكتشفها وواصل التطرق إليها. وهو ما سيحلله المؤلف على ضوء تصور هيلين سيكسوس في النظرية النسوية ما بعد البنيوية، والتي أوصت النساء بالتركيز على الفردية، والكتابة لإعادة تعريف الهوية الذاتيّة في سياق تاريخها وروايتها. فالكتابة هي أداة يجب أن تستخدمها النساء للدفاع عن أنفسهن من أجل الحصول على الحرية التي حُرمن منها تاريخياً. وجاء الفصل الخامس بعنوان: "الرغبة: الإغراء اللغوي لطبيعة جسمانية أخرى". مكرَّساً للاغراء اللغوي والرغبة والانضباط في القرن التاسع عشر باعتبار الساق نصا إغرائيا. يدرس المؤلف في هذا الفصل الجسد وإدراكه الذاتي، والطبيعة الجسدية. أما مرجعية الساق هنا فهي اللغة العربية الكلاسيكية، من أجل تطوير فهم آخر للرغبة وللجسد. ويترافع الكتاب عن الرغبة من خلال نص رولان بارت "لذة النص"، من أجل تجربة جسدية وجدت في الإغراء اللغوي طبيعة جسدية جديدة وجريئة وغير محدودة بالزمن. فنص الساق هو بنية وجسد يتم التعامل معه على أساس اللذة الموجودة فيه. فالنص يشبه سيدة ذات وجه أبيض، إن هو أراد أن يكون مقروءًا كما يرى بارت، فإنَّ شيئاً من العصاب ضروري لإغواء قرائه؛ فمثل هذه النصوص المدهشة هي نصوص مغناج. في الفصل السادس قرأ المؤلف الساق على خلفية أعمال الشدياق اللغوية-التربوية واللسانية ونقاشات النهضة عن التحول اللغوي. في المركز يوجد فهم الشدياق للكلمات. يتناول فيه الباحث اللغة باعتبارها كلمات أرشيف وسجل للثقافة. فالنهضة تأسست أيضاً على أساس العربية في القرن التاسع عشر للغة وتصورات المؤلف اللغوية في كتابه عن اللغة. في إطار الفيلولوجيا العلمية الثقافية والتفكير اللغوي الأدبي/ اللغة كنقد ثقافي وتعرية للاستشراق لغويا. فالفيلولوجيا والاستشراق يضمنان أن نص الشدياق أيضاً هو نص لغوي علمي ضمن نقد المجتمع. وينظم الفصل السابع تعرية الكلمات فيساءل نقد العصر بوصفه تطبيقاً ينتهي بتعرية الكلمات كما هو مثبت في النصوص ما بعد الحداثة عند الكاتب الألماني غونتر غراس والكاتب اللبناني إلياس خوري مثلاً - أما الملحق فيوفر مصادر تاريخية عربية عربية وفرنسية وإنجليزية وألمانية وهنغارية من القرن التاسع عشر عن الساق، من أجل فهم فكر الشدياق واستقباله عند العرب والأوروبيين.

ويعتبر فارس الشدياق ذو الأصل اللبناني )1805-1887(، اليوم أحد أهم مثقفي النهضة العربية، ورواد حركة التجديد في القرن التاسع عشر. وكان له تأثير كبير بوصفه صحفيا، وناشرا ومعجميا، قبل أن يصبح أهم المثقفين المؤثرين في الرأي العربي. كتب في باريس كتابه المبهر الساق عام 1855، وعالج فيه أسئلة عصره. وكان القرن التاسع عشر قد عرف تحولاً شاملاً في العالم من حيث الاكتشافات التكنولوجية كآلة البخار وتطور الطب وانتشار النظريات العلمية كالداروينية والمشاريع السياسية مثل القومية وأخيرا وليس آخرا الإمبريالية الأوروبية، وكانت النتيجة تغييرا جذريا للتصورات السائدة عن العالم. وفي الإمبراطورية العثمانية التي عانت بشكل مطرد من الضغط الاقتصادي والسياسي والعسكري والثقافي، بدأ يلوح عصر إصلاح التنظيمات الجديدة. تقدم هذه الدراسة قائمة الشدياق الأدبية بوصفها نقدا للعصر، والكلمات التي تعري العالم. ففي النص الموازي بعنوان "تنبيه المؤلف" في الساق، يستخرج الشدياق الغاية من عمله في لغة وظيفية للقارئ: "جميع ما أورد عنه في هذا الكتاب فإنما هو مبني على أمرين أحدهما إبراز غرائب اللغة العربية ونوادرها...والأمر الثاني ذكر محامد النساء ومذامهن...". فالغاية الأولى وهي اللغة:" أشهر ما تلزم معرفته وأهم ما تمس الحاجة إليه". وهنا لا يفهم المؤلف النحو العربي، بل المعجم العربي، ففي المقدمة تحدث الشدياق عن المترادفات من الكلمات أو الكلمات المتجانسة وقلب وإبدال الكلمات والكلمات الغريبة النادرة أو الصعبة ذات الأصل العربي القديم. ولهذا السبب يعتقد المؤلف أن النقد المعاصر قام بقراءة الساق على أنه عمل لغوي ديداكتيكي ومعجمي. وقد عرى الشدياق اللغة العربية كي يبرز غرائبها. الحال أن الذي يتعرى هو الكاتب نفسه، يتعلق الأمر هنا بتعرية لغوية وتاريخية ودلالية. وتدل التعرية على حركة مضادة تخربية، حركة ضد التيار للوضعيات أو الأفكار السائدة في القرن التاسع عشر. وهذه الحركات التجديدية المضادة مسلحة بالفيلولوجية علم الأدب الفكري. ولهذا فهذه الدراسة تدرس أيضا تجريد انشقاق الشدياق، والتي هي تأثير الخطابات المعاصرة وأيضا نقدها. فالمؤلف يريد بهذا الحديث عن تعرية الكلمات وأهميتها، فالساق لاتشتق خصائص اللغة العربية من النحو، بل من المعجم. وبينما الغاية الأولى من الكتاب تكمن في هذا الموضوع المهم والخاص للغة، استهدفت الغاية التالية " عرض محامد المرأة. فمن هذه المحامد ترقى المرأة في الدراية والمعارف بحسب اختلاف الأموال عليها كما يظهر مما أثرت عن الفارياقية...ومن تلك المحامد أيضاً حركات النساء الشائقة وضروب محاسنهن المتنوعة التي لم يتصور منها شيء إلا وذكرته في هذا الكتاب...".

بعد المقدمة الطويلة في الغاية الأولى يوضح الكاتب الغاية الثانية باختصار مقارنة مع الأولى. يقول المؤلف إن العربية الكلاسيكية تقدم الجوانب الإيجابية والسلبية لشيء ما بمحاسن ومساوئ، لكن عند الشدياق يتعلق الأمر بذكر محاسن المرأة التي تصور فكر المرأة. وقد ناقش الباحث هذه المفاهيم ضمن مفهومين شاملين هما الجندر والرغبة. ويضيف المؤلف إن البحث في الجندر في ما بعد العصر الكلاسيكي اقتصر على مواضيع الدعارة والطلاق والرق أو الإغراء المثلي، وفي مصر ارتبطت أدوار الجندر النسوية بالنسوية والقومية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بينما بحث الشدياق مسألة المرأة في حقل البعثات التبشيرية الكاثوليكية والبروتستانية. فأمام خلفية البعثات التبشيرية الغربية فقد تطورت منتصف القرن التاسع عشر في بيروت طبقة وسطى جديدة حضرية اجتماعية شكليا ومثقفة تمنح المرأة دورا جديدا كشرط تحول المجتمع والثقافة. وقد ركزت الدراسات العربية في فكر اللغة للقرن التاسع عشر على الرواد المسيحيين الذين ناقشوا تصورات عن الحضارة العربية أولا، ثم بعدها عن القومية العربية. ويعتبر فكر النهضة اللغوي والنقاشات عن اللغة العربية منتصف القرن التاسع عشر تصورات عن الحضارة، كما أظهر شربل داغر في كتابه "اللغة العربية والتمدن، في اشتباه العلاقات بين النضهة والمثاقفة والحداثة".

تكشف هذه القراءة عمَّا في الساق من تجربة فكرية وتعري نقده الحاد للمجتمع من خلال مفهوم نقد العصر، والتأمل اللغوي المرتبط بالنقد الاجتماعي الثقافي. وقد جاء هذا الكتاب ليُغطي القصور الذي طال أعمال الباحثين في تناولهم لأعمال الشدياق أو في إهمال غير مُبرر علميا للجانب الإصلاحي عنده، رغم أنه عاصر إصلاحيين مثل ناصيف اليازجي ورفاعة الطهطاوي وعبد القادر الجزائري. ويكفي أن المؤلف قد اشتغل في هذا الكتاب على الشدياق الذي يعتبر مضطلعا برسالة التثقيف والتوجيه والتنوير والإصلاح في القرن التاسع عشر، وأهم الإصلاحيين العرب في عهد محمد علي وله منهجه الإصلاحي الخفي المرموز خوفا من تعرضه للأذى بسبب انتقاده اللاذع للسلطة الرجعية، وعاصر هوجو وادغار الن بو، وله اتصالات بمستشرقين ومثقفين عرب. وهو أديب و رحالة بارز من الرحالة العرب المهمين إلى أوروبا في القرن التاسع عشر، وهو كاتب صحفي لغوي ومترجم ومثقف لامع، ومترجم للإنجيل ومصحح للترجمات السابقة للقساوسة، ومعلم للعربية والإنجليزية والفرنسية، ومصحح للترجمات الدينية التي قام به المبشرون ويعتبر من أهم مجددي اللغة العربية.

وفي رأيي، ينبه هذا الكتاب إلى مسألة مهمة جدا وهي مساهمة الاستشراق الغربي العمودي في إهمال الأوروبيين والعرب لأعمال هذا المفكر العربي المهم، من خلال البعد الاستعماري في تقسيم الأدب العربي وإبعاد إنتاج الشدياق الفكري والأدبي منه، وكيف أن الاستشراق الأفقي النابع من بعض أقسام الدراسات العربية في الجامعات الألمانية والغربية، قد نبه إلى كتاب "الساق على الساق فيما هو الفارياق" الذي دعا فيه صاحبه إلى تحرير المرأة قبل قاسم أمين ...وكانت رضوى عاشور قد كتبت عنه دراسة مهمة نشرتها كتابا بعنوان "الحداثة الممكنة"، فالشدياق أحد رواد النهضة العربية الحديثة. وصاغ العديد من الأفكار الغربية التي خدمت النهضة العربية، فأدخل سياسيا مصطلح الاشتراكية إلى العربية، وأكد أن الحكم المطلق هو سبب شقاء الشرق، كما نادى باستفتاء الشعب في القوانين التي تصدر، ودعا إلى التطوير الاقتصادي، كما شدد على خطورة الاستعمار وعلى التجارة ونادى بتحرير المرأة.

الكتاب: تعرية الكلمات: قوائم الشدياق الفكرية بوصفها نقداً اجتماعيا وثقافيا في القرن التاسع عشر.

الكاتب: كريستيان يونغه

النشر: رايشرت، فيزبادن، 2019.

اللغة: الألمانية

عدد الصفحات:408

أخبار ذات صلة