وَحده القصور الذاتي يهدد إنسانية الإنسان

هاجر السعدية

العصرُ الحديث بحاجة إلى سلام وتسامح وتقبل مع الآخر المختلف، مهما بدا اختلافه عن السائد والمألوف "فالمعرفة قيمة مطلوبة لذاتها، والحكم مرحلة ثانية تأتي بعد المعرفة، فإذا سبقتها كانت مصادرة على المطلوب وخللاً منهجياً واضحاً" كما أوضح الباحث محمد الحداد في مقاله "حوار الأديان وعقدة الاختلاف"، والمنشور بمجلة "التفاهم". وتعرضت الديانات تاريخيا للتأويلات والمحاججة في سبيل احتكار القوة والحقيقة المطلقة والمعرفة، رغم أنَّ الله واحد في جميع الديانات مع اختلاف التعبير عنه، والعمق الإنساني أصيل ومتشابه مع تعدد هذه الديانات.

وهذا ما يعني أنه لا توجد حقيقة مفادها نحن شعب الله المختار، وأن هذا الدين دين الحق ومصيرنا الجنة والدين الآخر المختلف باطل ومصيرهم النار؛ إذ جاء في العالم ديانات متعددة، وهي جميعها تعد محاولات تسعى إلى تقديم رؤية تحليلية للواقع -لغز الحياة- وذلك من خلال تقديمها للأسئلة الوجودية والمصيرية على شاكلة: ماذا بعد الموت؟ ولماذا أنا موجود؟ وما جدوى الآلام التي نتكبدها في الحياة؟ وعلى الرغم من وجود من "يذهب إلى أن لا بداية ولا نهاية، وإنما سيرورة وتحول وعبور من وجود إلى آخر، ومن حياة إلى أخرى في دورة لا تهدأ"، ومع تعدُّد الأديان واختلافها من حيث الممارسات والطقوس، فإنها تلتقي في محتوى العقيدة، وهي الإيمان بالله واليوم الآخر أي الثواب والعقاب، وتتقاطع جميعها في سبب وجودها وهو تعزية الإنسان وتقديم السلوى له من واقع وتناقضات ومشتتات الحياة، هذا ما يعني أنَّ الدين للحماية الإنسانية مهما بدا نوع وتاريخ الدين.

وهذا الهدف يسمو على واقع اليوم الذي يعاني من "صراع الجهالات وليس صراع الحضارات"، على حدِّ قول إدوارد سعيد.

وفي ظل تميز وتفرد كل دين بأفكاره فإننا نجد فيه دعوة حث إلى ضرورة الانفتاح على الآخر المختلف وتقبله، في سبيل تحقيق السلام والتسامح.. فأمير الشعراء أحمد شوقي اختزل هذا الفكرة في بيت شعري قائلا:

الكتب والرسل والأديان قاطبة ... خزائن الحكمة الكبرى لواعيها

والجدير بالإشارة أنَّ الحقيقة التي تفيد بأن الدين للحماية الإنسانية من المصير، جعلت منه نقطة ضعف الجموع وخضوع هذا الدين للتسييس من قبل الحكومات المستبدة والجماعات المتطرفة والمؤججة للحروب والصراع، وذلك في سبيل التحكم في الجموع ومصادرة حقوقهم وحرياتهم. وهذا ما جعل الحكومات تقوم بتوظيف ممثلين للأديان -ومنحهم مسميات رسمية- وجعلهم بمثابة مراجع للجموع، إلى جانب إبراز اهتمامها وجهودها لتوفير دور العبادة، وإنشاء مدارس دينية بالرغم من أن الدين مسألة شخصية. ومن هنا، نجد الانقسام والصراع ونشوب الحروب باسم الانتماء إلى الدين الحق في الحياة، ونتج عن هذا تشكيل فرق وخلايا تنعت " بالإرهاب" يسهمون في تشويه حقيقة الأديان من خلال التطرف بالأفكار، ويشكلون خطرا كبيرا في استقرار المجتمعات -إيمانهم بتفردهم ولابد من مقاومة ومحاربة الآخر المختلف- ويعدون عائقا أمام التنمية والتطور الإنساني والمعرفي والحضاري. وفي حقيقة الأمر، هذا الصراع ليس صراعا بين الأديان وليس صراع حضارات، وإنما هو صراع إنساني نتيجة الأنا عند الإنسان وحب السيطرة والتحكم في الآخر وضرورات اللحظة والأيديولوجيا والولاء المطلق، كما يعد نتجية للاختلاف والتعدد والتناقض. فالإنسان على حد وصف جان جاك روسو "المفترس الطيب".

والأستاذ الباحث محسن العوني في مقاله "الإرث الروحي العالمي والمشترك الإنساني الجامع"، يناشد جموع الأديان المختلفة أن تعيد النظر وقراءة الكتب المقدسة التي تخاطب الإنسان بصفة عامة، غير مخصصة فئة ما دون أخرى، ويستدل ذلك من القرآن الكريم في قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، متسائلا: ماذا لو أن هذه الأديان تعايشت وتساكنت، وعملت معا لما هو خير وأبقى. وفي الجانب الآخر نحن نشدد على نبذ الفروقات والاختلافات في سبيل خدمة الإنسانية والأخلاقيات الكبرى. وهذا ما يعكس حرصه على مستقبل البشرية مناشدا أن نقرأ الكتب المقدسة بلطف وود، فإذا احترم كل منا ديانة الآخر سوف تصبح دراسة الديانات نورا. كما أن جميع الأديان أوصت بهذه الفكرة مع اختلاف الأسلوب مستدلا على ذلك بالنصوص التي جاءت في كل ديانة على سبيل المثال: في الإسلام " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وفي المسيحية: "كل ماتريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم"، وفي اليهودية: "لاتفعل بجارك ما تكرهه أنت؛ هذا هو كل التوراة والباقي تفاصيل"، وفي البوذية: "لا تؤذ الآخرين بأشكال تجدها أنت مؤذية لنفسك"، وفي عقيدة السيخ: "عامل الآخرين كما تعامل نفسك"... إلخ، هذا ما يؤكد ويعزز فكرة الباحث محسن العوني في مقالته.

إنَّ الإرث الروحي الإنساني يُخبئ قيما إنسانية أصيلة وجوهرية تعزز قيم الوصل والجمع بين الناس، وتقبل الاختلاف والانفتاح على الآخر.

وفي هذا السياق، نتساءل عن مبدأي الانفتاح والاختلاف: هل الانفتاح أمر يصعب على الإنسان؟ وما هي عوامل وجود الإنسان المنفتح على الآخر، وفي المقابل عوامل وجود المتعصب ذي الرؤية الأحادية؟ ولماذا نجد أنَّ الإنسان يحارب المختلف عنه وغير المألوف بالنسبة إليه؟ وما هي الأدوات لجعل الإنسان منفتحا على الآخر ومتقبلا لاختلافه في الوقت الراهن؟ كلُّ هذه الأسئلة تقودنا للتأمل وتحليل طبيعة وتكوين الإنسان من مختلف النواحي النفسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية، وفي حقيقة الأمر نجد أنَّ الإنسان يتشدد تجاه كل فكرة أو معتقد أو تقليد نشأ عليه، وهناك تاريخ ما يُعزز هذا التعصب والتطرف. هذا ما يعني أن الإنسانية مهددة بفعل القصور الذاتي وليس الدين الذي ينتمي إليه، كما يحاول الإعلام أن يبثه لنا؛ فالأديان بريئة من كل هذه التهم. وفي الجانب الآخر؛ يتعين علينا الوعي والإدراك بأن الاختلاف والتنوع هو سنة كونية تؤدي إلى إذكاء الحيوية وإضفاء طابع ديناميكي للحياة.

وهنا، يُمكننا التعويل على التربية والتعليم من خلال تضافر جهود الأسرة ومنظومة التعليم. وفي ظل الزخم والتنوع الذي أحدثته ثورة التكنولوجيا والمعلومات، لا يمكن لأفراد من ذوي الرؤية الأحادية البقاء، فقانون الطبيعة هو البقاء للأقوى، وصفة الأقوى وفقا للظروف الآنية تأتي لصالح الأفراد الأقوى معرفيا وليس حتى ماديا. يمكن للإنسان أن يحقق الحياة المنشودة التي تتسم بالسلام والتسامح والإخاء الإنساني والهدوء من خلال هذا الثراء. وهذا يتطلب كما أشرت أعلاه إلى تضافر جهود منظومة الأسرة، وذلك من خلال إعادة النظر في الأفكار التربوية، والمعتقدات والعادات التي تشكل نتاج المجتمع؛ بحيث أنَّ تربية الأجيال تقوم على منوال التربية على حقوق الإنسان.

وكذلك لابد من منظومة التعليم أن تُعيد النظر في المساقات التعليمية، لاسيما المساق المتعلق بتعليم الديانة، ولابد من حضور لغة التسامح وغرس احترام الاختلاف بين الديانات وتعددها عند النشء الجديد -في المؤسسات التعليمية والمجتمع على حد سواء- لا سيما المنتمية إلى الطبقة التي تتسم بانخفاض الوعي والمستوى المادي؛ لأنهم يشكلون فئة جاذبة للحكومات المستبدة والجماعات الإرهابية. وعلينا التذكير بقول الله تعالى: "وإلهاكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم" مهما اختلفت الممارسات والشعائر الدينية.

أخبار ذات صلة