خليفة الله في الأرض وقائد السلام لنظامها

حميد بن نصير الصلتي

لقد خلق الله الإنسان ورفع مكانته وأعلى مقامه وكرَّمه على سائر المخلوقات وأمر ملائكته بالسجود له سجود تكريم وجعله خليفة في الأرض، بل وحمله أمانة ناءت السماوات والأرض بحملها إكرامًا له، وما رفع الله قدر هذا المخلوق المُتميز إلا لما له من صفات تؤهله لأن يكون قائد السلام لنظام الكوكب الأرضي.

وفي مقال "المؤتلف الإنساني واستقامة نظام الأرض" للدكتور محمد بن سعيد المعمري يسلط الكاتب الضوء في مقدمته على الكتاب الذين كتبوا عن الفكر اليوناني وما أحدثه من نقلة نوعية لاتجعل مجالا للشك أن الكائن البشري هو المنوط بحمل رسالة إصلاح الأرض وتسوية أمورها والنهوض بها إلى أرقى درجات السلام والطمأنينة.

وقد أورد الكاتب ما تطرق إليه سوك شا من مستقبل البشرية في اشتياقها نحو السلام وإيجاد قيم بديلة عن الصراع والحرب وأتفق مع ما قاله سوك شا؛ إذ إن أغلب الأمم -مهما اشتدت الأزمات بينها- تحب السلام وتميل إليه وتطمح للوصول له، هروبًا عن المنغصات التي تكدر عيشها وتقض مضاجعها وتسلب نوم أجفان عيونها.

وقد أورد الكاتب معتقد سوك شا فيما يتعلق بالتعايش السلمي بين البشر، حيث أوضح أنه على الرغم من الإيمان الراسخ لسوك شا بقضية السلام فإنِّه يساوره شكٌّ في وجود نظرية يمكن أن تكون الأنموذج المثالي للتعايش السلمي بين المجموعات البشرية، كما أن سوك شا يعزو النجاحات التي تحققت سلفًا في خلق مثل هذا التعايش إلى أن إدارة السلم كإدارة الحرب. وقد يكون جزءًا مما قاله سوك شا يضع المقصل على المفصل، إلا أنه لا يمكن الاستكانة والخضوع تحت مظلة الشك بعدم وجود أنموج مثالي للتعايش السلمي بين البشر حيث إن الله عز وجل هو من خلق الكون برمته وجعل فيه قوانين وأنظمة وتشريعات أنزلها على ألسنة أنبيائه ورسله لتبيينها للبشر حتى تكفل لهم وجود هذا الأنموذج الذي يساور سوك شا شك في وجوده.  

وقد أوضح سوك شا أن أغلب الصراعات ترتبط بطبيعة المكان والزمان والمُجتمع، كما أضاف الفيلسوف كارل أتو آبل أن الحاجة ملحة إلى وجود أخلاقيات عُليا لتحل هذه الصراعات، حيث قسم آبل الأخلاقيات إلى ثلاثة مستويات (صغرى ووسطى وعُليا) وبين أنَّ الأخلاق الصغرى والوسطى من الممكن أن تكون محصورة في التعايش السلمي بين مجموعات بشرية صغيرة وربما تصلح في أحسن الأحوال للقيام بأدوار مهنية فقط أما العليا فهي قلب التعايش السلمي بين أكبر قدر من المجموعات البشرية وهذا مما لا يتمارى فيه عاقلان؛ إذ إن الأخلاق الرفيعة والتي من الممكن إجمالها في مسألة دفع السيئة بالحسنة كفيلة بأن تجعل السلام مُتجذرًا في أعماق الأرض شاملا لأكبر قدر ممكن من المجتمعات. 

وبين الكاتب أنَّ النقاش الذي أورده رومان ريس وآبل حول جوهر موضوع الأخلاق كان حوارا ذا أهمية بالغة في سبيل كشف الغُمة المتلبسة بماهية الأخلاق المقصودة والمأمول منها أن تصل بالبشرية إلى الطمأنينة والسلام.

وانتقل الكاتب بعدها إلى الحديث عن إسهامات بوراكي في سبيل تفعيل قضية السلام لتوسعة حدوده إلى مجال أوسع وأشمل، فقد تمركز إسهام بوراكي في وضعه لسبعة سبل من أجل مستقبل البشرية للقيام بالممكن في سبيل العيش المشترك، حيث إنِّه يعتقد أنَّ مشروع الثقافة الإنسانية قد حرف مع الزمن ويرى بوراكي أنَّ إدراك التحديات التي يواجهها كوكبنا هي الشرط الأول والأساسي لقيام الثقافة الإنسانية الجديدة التي يطمح إليها الغالبية العظمى من المجتمع البشري.

وتتلخص التحديات التي أشار إليها بوراكي في سبعة تحديات يمكن إيجاز أهم أربعة منها من وجهة نظري في الآتي:

  • التربية والتعليم والأخلاق: فتعليم القيم والمبادئ والأخلاق وغرسها في أفئدة الناشئة وإبعادهم عن التعصبات والنعرات كفيل بتأسيس نظام سلمي ذي باعٍ مُمتدٍ.
  • أن ينظر كل فرد على أنَّ الأزمة عالمية على كوكبنا: وأتفق معه في ذلك؛ إذ لو أنَّ كل فرد اعتبر مسؤولية السلام مسؤولية مشتركة بين جميع الأنام لبذل الجميع جهده من أجل تحقيقه.
  •  احترام وتقدير التنوع البشري: ومن وجهة نظري فإنَّ على كل فرد أن ينظر للبشر كونهم بشراً ينتسبون إلى أصل واحد لا فرق بين عربي وعجمي ولا بين أبيض وأسود ويجب تقدير الإنسان بغض النظر عن هويته وثقافته وديانته وعرقه ومذهبه ونسبه.
  • احترام البيئة والمساواة: وكذلك احترام النظام البيئي وعدم التعدي عليها من شأنه أن يؤسس نظامًا سلمياً؛ إذ بدوام موارد البيئة ونظامها والمساواة في توزيعها توزيعًا عادلاً يشعر الجميع بالاكتفاء فلا يعدو أحد على أحد.

 وبعد أن عرض الكاتب الكثير من أقوال الفلاسفة والمفكرين عن السلام وسبل تحقيقه انطلق ليستشهد بآية قرآنية حوت في طياتها دعوة إلى العودة إلى الأصل وهي آية أشارت إلى أنَّ أصل الكون كان كتلة واحدة ففصلت حيث قال تعالى:(( أولم ير الذين كفروا أنَّ السموات والأرض كانت رتقا ففتقناهما)).

وكذلك البشر هم من أصل واحد هو آدم عليه السلام وبث الله منه ومن حواء رجالًا كثيرًا ونساءً وهذا الأصل بطبيعة النفس البشرية يحن إلى العودة إليه لتكون الأمم جسدًا واحدًا في مُواجهة الملمات.

وفي ظل التكنولوجيا الحديثة يرى الكاتب أن البشرية غالبًا أصبحت مستعبدة إلا من رُحم؛ ففي ظل وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا المُتسارعة في الحداثة أصبح كثير من الناس فاقدين لهوياتهم وأخلاقياتهم ومبادئهم وقيمهم حيث إنهم صاروا أسارى لبعض الأفكار والمعتقدات الفاسدة التي من شأنها زيادة الفجوة بين المجتمعات البشرية وهذا خطر أشد وطأة من خطر السلاح النووي والبيولوجي والذري. 

وانتقل الكاتب أخيرًا إلى الفلسفة الثلاثية التي من الممكن لو أُحكِمَ لجامها أن يصل المؤتلف الإنساني إلى قمة درجات الطمأنينة والسلام. وقد أوجز الكاتب الأبعاد الثلاثية في العقل والعدل والأخلاق؛ فبالعقل يستطيع المرء أن يفكر ويقدر الأمور ويقيسها بميزان الحكمة. وبالعدل بين البشرية تطمئن النفوس أنها لا تظلم مثقال ذرة وأن حقوقها محفوظة لا يُمكن أن تسلب أو أن يُكسر جناحها وتتهاوى دون الانتصار لها. وبالأخلاق تُحرس قيمتا العقل والعدل كما ذكر الكاتب، وهذا ما نتفق معه؛ إذ الأخلاق هي الرأس وهي قمة الهرم؛ ولذلك امتدح الله سبحانه وتعالى نبيه بها في سورة القلم حين قال جلَّ في علاه: ((وإنك لعلى خلق عظيم)). ولا قيمة لعقل أو علم دون خلق يقيده ولا قيمة لعدل دون خلق تؤطر قيامه

وختامًا، فإنَّ القيم والتشريعات التي رسخ قواعدها خالق الخلق العظيم هي الدستور الذي يجب إيضاحه للبشرية واتباعه لتحقيق الائتلاف البشري ولتكون الأمم أمة واحدة بعيدة عن كل ما شأنه أن يذهب ريحها ويدك صرح تماسكها.

 

                                 

أخبار ذات صلة