مفاهيم الإحسان في المسيحيات الحديثة والمعاصرة

زينب الكلبانية

أثناء مداخلته في المؤتمر العلمي الدولي للكاثوليك، المنعقد في بروكسل ما بين الخامس والثامن من سبتمبر 1894م، لخص جوسيبي تونيولو فلسفة العمل الخيري من وجهة نظر مسيحية في قوله: "يستند الإحسان من منظورنا إلى دلالة دينية عميقة، سواء أكان ذلك من حيث أدواته أو من حيث أشالكه التعاونية، لذلك يتخذ العمل الخيري من منظورنا طابعا كنسيا محضا". ليختتم قوله: "ولطابعه الديني والاجتماعي اتخذ الإحسان دائما وظيفة تربوية بامتياز، فهو من هذا الباب يمثل لدينا دائما عاملا من عوامل التطور الذهني"، وتبعا لذلك أن نكتب تاريخ الإحسان هو عبارة عن كتابة فعل ديني خالص. وهذا ما ناقشه الباحث جاني لا بيللا في مقاله المنشور بمجلة "التفاهم".

بدا في الحقبة المعاصرة منعرج حاسم في الموقف المتعلق بالفقراء، وذلك من خلال الرسالة البابوية "القضايا المستجدة" – 1891م – التي دشّنت مولد العقيدة الاجتماعية للكنيسة، وأرست الخطوط الكبرى للعمل الكنسي تجاه الفقراء، وإلى غاية المستجدات الحادثة مع مجمع الفاتيكان الثاني.

فقد صاغ العديد من الأشخاص والجماعات -من داخل المسيحية العالمية- وعيا جديدا تجاه الأوضاع الدرامية التي تعيش في أحضانها الطبقة الكادحة؛ ذلك أن الرسالة البابوية المشار إليها هي الوثيقة الأبوية الأولى التي عالجت بشكل منهجي الأوضاع العمالية، وعرَضت في الآن نفسه رؤية لاهوتية وعقدية حول مسألة الفقر والفقراء، وهو المجال المتعلق تقليديا بكبار السن والمرضى والعجزة والمشردين.

مثّلت رسالة "القضايا المستجدة" البابوية نقطة فارقة من خلال تشديدها على الصلة الرابطة بين البُعد الاجتماعي والإيماني. فقد خرجت الكنيسة من المقدس ودخلت ثنايا الحياة الاجتماعية بكل تفاصيلها وتعرجاتها؛ إذ مثلت هذه الرسالة البابوية عودة للتاريخ، بما سمح للكنيسة أن تتصالح مع العالم الحديث. دعا البابا رجال الدين -كما كتب الأسقف كوتانس أ. جرمان- إلى عدم الانعزال وراء جدران كنائسهم والذهاب للقاء الناس؛ "بعبارة موجزة ينبغي على الراهب أن يتذكر أن الإنجيل ينبغي أن يُبشّر به الفقراء". خلف ذلك المسعى لتقنية العلاقة بين الفقراء والكنيسة في أوروبا شكلا جديدا من ممارسة المهمة الدينية.

أما عن مأسسة الإحسان، فيتعلق الأمر بمسار مستجد في عالم الثقافة -قياسا بما هو سائد- وجد أتباعا بين من سُموا بـ "القدّيسين الاجتماعيين" حينها. لم يغب فيه البُعد العالمي لتلك الحركة بقصد اللقاء بالفقراء على نطاق واسع. كان هدف دانييلي كومبوني معانقة إفريقيا، وذلك بالسعي لخوض عملية مزدوجة للتحرر من براثن الفقر والانعتاق من نير العبودية. وكان هدف جوفاني باتيستا سكالابريني وجيريميا بونوماللي ملاحقة المهاجرين، سواء أكان في الأرجنتين أو في أمريكيا.

وكانت العملية الأخيرة تستهدف كف النزيف الذي حل بإيطاليا جراء وطأة الجوع والاحتياج والاندفاع صوب المهجر. فقد ظهر بين نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين جيلٌ من المحسنين، لم تحدد أشغالهم بتوفير الحاجات الأولية، مثل الطعام والكساء، بل تخصص بحسب الحاجات العاجلة في المجتمع.

وتميزت الفترة البابوية لرأس الكنيسة بندكتوس الخامس عشر بحدة المشاكل، الناتجة عن اندلاع الحرب العالمية الأولى، وما أنجز عن ذلك من تزايد أعمال الإغاثة جراء الأوضاع الدرامية الناتجة عن الحرب. في تلك الفترة انشغل جاكومو ديللا كييزا (البابا بندكتوس الخامس عشر) بمهمتين أساسيتين على صلة بالشأن الاجتماعي، وذلك بتشجيع منه: من ناحية أولى تشجيع الإكليروس على إيلاء تحسين الأوضاع العمالية اهتماما، من خلال التحريض على العمل التعاوني، ومن ناحية ثانية وتبعا لرسالة كونغريغاسيون المجمع إلى سقف ليل، المنشورة سنة 1919م، تم القبول والإقرار بشرعية العمل النقابي المسيحي، بعد أن كان محظورا، في مسعى لمجابهة العمل النقابي الاشتراكي والشيوعي.

انشغلَ العديد من الأساقفة -لا سيما في مناطق الصراع- بالأنشطة الخيرية الموجهة للمجموعات المحاربة وللشعوب المحلية أيضا الواقعة ضحية الغزو. ومع اعتلاء البابا بيوس الحادي عشر السدّة البابوية العمل الخيري -الاجتماعي والإغاثي- ليشمل أرجاء واسعة من أوروبا. كان الإعلان الأبوي "السنة الأربعون" الصادر خلال عام 1931 -بمناسبة الذكرى الأربعين لصدور الرسالة الأبوية "القضايا المستجدة"- قد حثّ الكنيسة على الانشغال بالعمل الاجتماعي على نطاق عالمي من أجل مستقبل أفضل للمسيحية. ومما حثّ عليه الإعلان: الدعوة إلى ترسيخ نظام اجتماعي عادل، والمناداة ببناء اقتصاد تعاوني يتميز عن نظيره الرأسمالي والاشتراكي.

وفي إحدى خطب البابا بولس السادس سنة 1963م، على أن الكنيسة تنظر بعين الرأفة للفقراء والمحتاجين والمصابين والجياع والمعذبين والمسجونين، مما يعني أنها تنظر إلى كافة الذين يعانون؛ فهناك ارتباط إنجيلي بين الطرفين، حيث رفض البابا مراسم التتويج، وفي كاتدرائية القديس بطرس في روما وضع التاج ليهبه في عملية رمزية للفقراء والمحتاجين. كان للبابا بولس السادس حسٌّ ديني رمزي متطور، هدف من خلال تلك العملية إلى إبراز تخلي الكنيسة أمام عيون العالم عن كل سلطة دنيوية، لتنضمّ إلى صفوف الفقراء والمساكين.

لقد دشن صعود البابا يوحنا بولس الثاني إلى سدة بطرس سنة 1987م دورة جديدة في تاريخ الكنيسة مع العمل الخيري، ومن بين التطلعات الكبرى للبابا كارول ووجتيلا (يوحنا بولس الثاني) وهو المسعى الجاد للتقريب بين العائلة البشرية المقسمة بين الشمال والجنوب، بين الرفاه والاحتياج، بين عالم مطور وآخر متخلف.

وبهدف تخطي هذا التفاوت الفاضح وجه البابا جانبا كبيرا من طاقته إلى هذا العمل، وإن لفت ذلك جدلا كبيرا مع ما يعرف بـ"لاهوت التحرير"؛ ففي كل رحلاته إلى عالم الجنوب أصرّ الرجل على أنّ الكنيسة تريد أن تكون صوت من لا صوت لهم، من خلال المطالبة بالعدالة للفقراء وليس فقط العيش من الصدقة. وبشكل منهجي يمكن تلخيص رؤاه في الرسالتين البابويتين العامتين: "الاهتمام بالشأن الاجتماعي" (1987م) و"السنة المائة" (1991م)، عَدَّ فيهما يوحنا بولس الثاني مسألة التخلف في جوهر انشغالات الكنيسة لولوج الألفية الثالثة.

وبالحماس نفسه، اكتشفت المؤتمرات الأسقفية -مع سنوات الثمانينيات- الطريق إلى بناء عالم جديد أكثر التحاما بقضايا الفقراء، وقد تجلى هذا من خلال العديد من الأنشطة المحلية. نذكر أنّ البابا السابق بولس السادس قد أبدى فتورا نحو عمل المساعدة وسعى في تأسيس ما عُرف بمنظمة الكاريتاس الخيرية، وهو تحوّلٌ جذري في رؤية العمل الخيري وفهمه، فأثناء عام 1972م حين التقى البابا بولس السادس بالقائمين على هذه المنظمة، تحدث عن بيداغوجيا الإحسان، الذي يتخطى مجرد توزيع الإعانات المادية إلى مأسسة الفعل الخيري.

حيث لا يقاس عمل الإحسان بحسابات الأرقام وبالميزانيات المضبوطة، ولكنه يتحول ضمن الفلسفة الخيرية الجديدة إلى نشاط اجتماعي حقيقي؛ فالهدف الجديد هو النهوض بالحياة البشرية وتحسينها عبر المشاركة وعبر ترسيخ مبدأ العدالة.

مع مطلع القرن الواحد والعشرين وتحديدا مع بابوية بندكتوس السادس عشر (راتسينغر)، شهد عمل الإحسان تحولا باتجاه الانفتاح على قضايا العالم ومشاغله. بدأ ذلك من خلال الرسالتين العامتين: "الله محبة" سنة 2005، و"المحبة في الحق" سنة 2009. حث البابا رجال الدين على اغتنام الفرص الجديدة التي يتيحها سياق العولمة. فالمسيحيون مدعوون لإبداع فكرٍ جديد، وبذل طاقات أوفر، تتمثل في ألا تنثني الكنيسة عن فعل الإحسان بوصفه العمل الأثير للمؤمنين، ولم يغفل البابا بالمناسبة عن دعوته إلى تحمل المسؤولية المدينة والسياسية من جانب المؤمنين لأجل خدمة الصالح العام.

أخبار ذات صلة