الأخلاق وتأثيرها على منحنى المؤتلف الإنساني

حميد الصلتي

الأخلاقُ هي الركيزة الأساسية التي تُكسَب بها القلوب، وتُؤسر بها النفوس، وتُوطَّد بها العلاقات، وتقوَّى بها الصلات؛ فهي التي ترفع الفرد والمجتمع إلى أعالي الدرجات.

والأخلاقُ هي الجاذبة العظيمة للطرف الآخر، وحين امتدح الله سبحانه وتعالى رسوله العظيم محمد نعته بقوله: "وإنك لعلى خلق عظيم"، ولم يعرج إلى جماله وإلى نسبه وإلى ما شابه ذلك، بل اختار أعظم صفة تعلو على كل ما سواها من صفات. ويتحدَّث الكاتب مصطفى النشار في مقاله "نظرية الأخلاق العالمية والمؤتلف الإنساني عند هانز كونج" -والمنشور في مجلة "التفاهم"- عن الأخلاق وارتباطها الوثيق بالمؤتلف الإنساني من زوايا متعددة.

وقد اعتبَر الكاتبُ في مقدمة مقاله أن مبحث الأخلاق يعد المبحث الفلسفي الأم الذي دارت حوله تأملات الفلاسفة والمفكرين لخلق اعتبارية واحدة ذات معايير محددة للأخلاق، كما يُشير الكاتب إلى الدور التاريخي الذي لعبته الأديان في سبيل الوصول إلى أخلاق عالمية شاملة. وأتفق معه فيما قاله؛ إذ أن المنتمين إلى كل ديانة كثيرًا ما يعتقدون اعتقادًا جازمًا بأن الديانة التي ينتمون إليها ويؤمنون بها هي الديانة الصالحة لجميع الأمم والتي تحتوي على الفضائل والأخلاق التي لو سار عليها الناس لوصلوا إلى القمم.

وانتقلَ الكاتبُ إلى إلقاء نظرة على ثورة العلم الحديث والتكنولوجيا العالمية التي أثرت تأثيرًا سلبيًّا بالغًا في القيم الأخلاقية، وأحدثت فيها جرحًا عميقًا، وهذا ملحوظٌ في مختلف المجتمعات؛ حيث إنَّ وسائل التواصل الاجتماعي وما نشاهده فيها من انحلال أخلاقي وانهدام للقيم لهو أكبر دليل وشاهد على ما سطره الكاتب.

وقد عرَّج الكاتبُ في مقاله للحديث عن أحد أهم فلاسفة العصر الحاضر ألا وهو هانز كونج الذي كان له دور بارز في دفع عجلة مبحث الأخلاق؛ وذلك بهدف التعاون بين الديانات الكبرى والصغرى السائدة في العالم؛ حيث إنَّ هذا الرجل دخل في صراعات بين اتجاهات مختلفة ليصل إلى حقائق لم يطلها كثيرٌ من الفلاسفة والمفكرين.

وتناول الكاتب سؤالاً مهمًّا يستعرض فحواه أي المنحنيين أهم: منحنى التكنولوجيا أم منحنى الأخلاق؟ ويرى الفيلسوف هانز كونج أن الحداثة والتكنولوجيا قد تركت الأخلاق من المخلفين وراء ظهرها، خاصة في الدول الأوروبية، وانتقد ما آلت إليه الدول الغربية من انحلال أخلاقي في ظل تنامي التكنولوجيا الحديثة والحركة الاقتصادية، وهذا ما يفسره الواقع المرير؛ إذ إنَّ أغلب الدول صار أكبر همها المادة والتكنولوجيا أكثر من أي شيء آخر، ولكن لا يُمكن التعميم على الأفراد بهذه المقولات، وإنما من الممكن تناول الغالبية العظمى في هذه المجتمعات.

كما يَرى كونج أنَّ التكنولوجيا الحديثة والنمو الاقتصادي كغاية بحد ذاته أدى لخلق نتائج سلبية وغير إنسانية تندرج تحت مسميات مختلفة في وسائل الإعلام كتلوث البيئة وشح الموارد والديون العامة... وغيرها، وهذا لا يتمارى فيه عاقلان؛ إذ إنَّ التكنولوجيا المتسارعة استنزفت الكثير من الموارد البيئية دون أخلاق تمسك لجامها حتى آل الأمر بها إلى خلق طبقيات بين الدول نفسها؛ فنرى الدول الفقيرة فقرًا مدقعًا والدول الغنية غنى فاحشًا.

وقد أشار الكاتب في مقاله إلى تساؤلٍ مُهم جدًّا يدور في أدمغة المفكرين والفلاسفة؛ ألا وهو: هل يمكن للعلم والتكنولوجيا الحديثة أنْ يقُودا التقدم الإنساني على النحو الذي يتسم بالآلية والمادية المطلقة؟ أم أنه أصبح من الضرورة بمكان أنْ تدخل المبادئ الأخلاقية والدينية لتكون جنبًا إلى جنب في القيادة والتوجيه؟

ومن وجهة نظري، لا يمكن للعلم أن يقود العالم الإنساني وحده إن لم يُتوج ربه بأخلاق ومبادئ تحكمه، خاصة ونحن نرى كمًّا هائلاً من أصحاب العلم الذي وصلوا إلى القمم في التكنولوجيا الحديثة ولكن ما فعلوه في النتيجة ألحق الضرر بهم وبالأمم الأخرى، بل وبالمستعمرة الأرضية ككل أيضًا.

ومن زاوية أخرى يُؤكد هانز كونج أنَّ أخلاق المستقبل ينبغي أن تتسم بعدة سمات، إضافة للشمولية والعمومية ومن أهم ما ذكر من صفات:

- أنها أخلاق تعتمد على المسؤولية بدلا من اعتمادها على النجاح:

وأتفق مع الفيلسوف هنا؛ إذ إنَّ الأخلاق التي تعتمد على النجاح فقط دون تحمل المسؤولية هي أخلاق فاسدة، حيث تتبع كل السبل وكل الطرق من أجل النجاح بغض النظر عن النتائج السلبية التي قد تحدث، وبغض النظر عن الأضرار الناجمة بعد ذلك النجاح.

- أنها أخلاق تسعى نحو المؤتلف الإنساني:

وهذا ما لا يسعنا أن نختلف فيه مع كونج؛ إذ إنَّ التطور التكنولوجي والعلم الحديث لا يمكن أن يتوجه إلى توجه حكم الغابة؛ بحيث يأكل القوي الضعيف، بل عليه أن يتوجه إلى توطيد أواصر المحبة والإلفة، والسعي نحو خلق مجتمعات متماسكة وليس مجتمعات قمعية يقمعُ بعضها الآخر بحكم القوة التكنولوجية التي وصلت إليها.

- أنها أخلاق تحقق مطالب الإنسان في عصر ما بعد الحداثة:

والمطلب الإنساني الأهم هو تحقيق العدالة والمساواة ووضع الحد للفروقات بين البيض والسود وبين الفقراء والأغنياء وبين الأقوياء والضعفاء.

ويرى الكاتب مصطفى النشار أن الحوار بين الأديان هو نقطة البداية للمشروع الأخلاقي العالمي، كما يضيف أن هناك أسسًا أولية تحكم قيام الأديان العالمية ككل بدور الداعم للأخلاق العقلية العالمية، وأرى أن ما يقوله الكاتب قد أصاب كبد الحقيقة؛ إذ إنَّ الأديان على مختلف معتقداتها وبخاصة ما يصطلح عليه بعضهم بالأديان السماوية (الإسلام، واليهودية، والمسيحية)، لا بد من وجود قواسم مشتركة بينها؛ فعلى كل فرد من أفراد أي ديانة أن يُؤمن ويبحث عن القواسم المشتركة وليس عن الاختلافات حتى تصل المجتمعات إلى الوحدة والتكاتف ونبذ التعصب لديانة معينة أو مذهب معين، كما أن على كل فرد أن يأخذ ويتقبل من الطرف الآخر ما هو نافع له ويترك ما هو ضار ولا ضرر ولا ضرار.

وفي الأخير، لا يسعني إلا أن أذكر قصة النبي محمد معلم الأمة مع المرأة العجوز التي ساعدها في حمل الحطب في يوم مشمسٍ شديد الحرارة، فحمله عنها وأوصله إلى بيتها، وعندما وضع الحطب بيديه الشريفتين، قالت له المرأة العجوز: لا أجد أجرة أعطيكها ولكن أهديك نصيحة، فإذا رجعت إلى مكة فإنَّ هناك ساحرًا يُدعى محمد يَدَّعي أنه نبي فلا تتبعه، فأجابها النبي عليه السلام فيما معناه: وإذا قلت لك أنني أنا محمد فقالت العجوز: إذا كنت أنت محمد فإني أشهد أنك رسول الله، وهكذا سحرت الأخلاق هذه العجوز فدخلت في دين محمد العظيم.

وقد قال رسول الله عليه السلام فيما معنى حديثه: "الدين المعاملة"؛ فكأنَّما حصر كل الدين "صلواتك، زكواتك، حجك، صومك... إلخ" في المعاملة، فإنْ صحت معاملتك وأخلاقك فقد صح دينك وإلا فراجع الخلل الذي أحدثته في أركان دينك.

فالأخلاق هي المبعث الرئيس لخلق أممٍ يجمعها شملٌ واحدٌ لا يتقهقر، ولا يُهد بنيانه ولا تتقوض أركانه ولا تُدك قوائمه ولا يُزعزع صرحه.

أخبار ذات صلة