الكرامة رائد رئيسٌ في سبيل تحقيق المؤتلف الإنساني

رية الخزيرية

إن الإنسان هو المخلوق الأول في هذا الكون فقد كرمه الله وأعلا شأنه على سائر المخلوقات حيث قال تعالى: ((ولقد كرمنا بني آدم)) وكيف لا يكرمه كل هذا الإكرام وهو جل في علاه من صنعه بيديه وأمر ملائكته بالسجود له سجود تشريف وتكريم. 

رفع الله قدر بني آدم إلى أعالي الدرجات وخصهم بالأنبياء والرسالات التي تحمل في طياتها الرحمة للعالمين أجمعين، قال تعالى مخاطباً سيد المرسلين: ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)). وإلى جانب تكريم الله للبشرية فقد جعل لها دستوراً يحفظ كرامتها حتى لا تتناولها الأقدام وتطأها الأنعل وحتى لا تهان تلك الكرامة فتُجعل تحت الركام أو تُدفن تحت التراب.

وفي مقال بعنوان "قيمة الكرامة والمؤتلف الإنساني" لمحمد الشيخ، يطرق الكاتب أبوابًا عديدة ذات زوايا متعددة لأجل إيصال الأفهام إلى حقيقية قيمة الكرامة ودورها العظيم في سبيل تحقيق المودة والمحبة والائتلاف للوصول إلى ما يُعرف بمفهوم المؤتلف الإنساني.

في مقدمة المقال يطرح الكاتب ما دار من أخذ ورد بين المفكرين في مختلف التخصصات (فلسفة، طب، قانون، سياسة، اقتصاد...إلخ) حول مفهوم كرامة الإنسان وما إذا كان هذا المفهوم مرتبطا بالإنسان وحده أم أنه يطال الحيوانات أيضًا.

ويرى الكاتب أن مفهوم كرامة الإنسان تصطدم بحدين اثنين وقد قسمهما إلى حدٍّ داخلي وحدٍّ خارجي، فالحد الداخلي يشير إلى أن مصطلح الكرامة قد يكون مخصوصًا بفئة من البشر دون غيرهم بناءً على معتقدهم أو مذهبهم أو طبقتهم الاقتصادية وغيرها، أما الحد الخارجي فهو الحد الذي يُعنى بعدم ربط مفهوم الكرامة ببني البشر وحدهم، بل يتعدى هذا المفهوم ليشمل الحيوانات كذلك.

وأنا أرى أن البشرية إذا التزمت بالدستور الإلهي المنزل من قبل الإله الصانع للكون والعالم بكل دقيقٍ وجليلٍ فيه، فإن مصطلح الكرامة سيكون شاملاً لكل مخلوق سواءً كان إنساناً أو حيوانًا أو حتى جمادًا، ذلك أنَّ رسالة الله للبشرية رسالةٌ إصلاحيةٌ تبين للمرء سُبل التعامل الحسن مع كل ما خلق الله في هذا الكون (بيئة أو حيواناً أو إنساناً أو جانًّا أو ملاكًا).

ويشير الكاتب إلى الدستور السويسري وما أقره بما سماه كرامة الخليقة بدلاً من كرامة الإنسان واتفق مع المصطلح المستخدم؛ إذ إنه مصطلحٌ أشمل وأكثر جذبًا لمن ينزعج من مصطلح حقوق الإنسان أو مصطلح كرامة البشر.

ويناقش الكاتب الاضطراب الحاصل عند بعض الفلاسفة في استخدام مصطلح كرامة الحيوان حيث إن فيلسوف الكرامة الألماني إيمانويل كانط كان يرى أن مصطلح الكرامة لم يكن يُذكر إلا مقرونًا بالبشر فمن يقرنه بالحيوان فكأنما أهان بني البشر أو خرق حرمتهم. وبرأيي أنَّه تحامل على هذا المصطلح وحمَّله ما لا طاقة له به؛ إذ إنه ليس من الضروري بل ليس من العدالة أن نربط مصطلح الكرامة بمصطلح البشر فقط وليس من الضروري أن تُخترق الحرمات بمجرد التلفظ بمصطلح كرامة الحيوان، إن كانت النية حسنة ولم يُقصد بها الإساءة. وأوضح الكاتب أن فيلسوف الحق ومؤرخ القانون الفرنسي ميشيل فيلي كان له أيضًا مأخذ جدليّ في مفهوم حقوق الإنسان وكرامة البشر؛ فيرى ميشيل أن حقوق الإنسان عبارة عن طموحاتٍ شخصية وتطلعاتٍ ذاتية وأمانٍ فردية لا تراعي وجهة نظر الغير. وأنا أتفق مع الفيلسوف في ما ارتآه؛ فمن وضعوا مصطلح حقوق الإنسان ونادوا به ما هم إلا بشرٌ وضعوها لأجل حماية وصون ما رأوا أنه انتُهِك من وجهة نظرهم ولا يُمكن الجزم بشمولية ما أُدرج من قبلهم من قوانين وتشريعات تحت مظلة هذا المصطلح.

وانتقل الكاتب إلى الحديث عن أهم ملامح مشروع الفيلسوف الشخصاني الروسي نيكولاس بريادييف التي تتمحور في إدانته لقضية توضيع الشخص أو التوضيع الإنساني، وهذا ما نلحظه في كثير من المجتمعات، حيث أنها تنظر إلى الإنسان على أنه عبارة عن وسيلة تُستخدم، ولا تنظر إليه بكونه إنسانًا له كرامته وحقوقه؛ فتجدها تهينه دون أدنى تفكيرٍ بإنسانيته. وهذا المستنقع هو الذي اجتهد نبي الأمة العظيم في ردمه ردمًا تامًا لحفظ الكرامة البشرية؛ فلم يكن نبي الأمة يهين أسيرًا أو ضعيفًا أو عاجزًا بل كان يبذل قصارى جهده في تقديم المساعدة للمحتاجين ومن هم دونه علمًا ومالًا ونسبًا دون أن يُشعرهم بنظرة دونية.

 

كرامة الإنسان كما يرى الفيلسوف بريادييف لا تحددها أمواله ولا جاهه ولا سلطانه ولا ملكه ولا وظيفته بل تحددها إنسانيته وروحانيته (صورة الرب في الإنسان) وربما وُفق الأخير في نية عبارته وإن كنا نختلف معه في صياغتها ذلك أنه أورد العبارة تماشيًا مع سياق عقيدته.

وقد أوضح الفيلسوف الوجودي الفرنسي غاربيل مارسيل أن الكرامة البشرية تعني أنها هيئة شرفية تُضفى على الإنسان فتُلزم غيره باحترامه، وهذا المعنى الذي أضافه متوافق تمامًا مع تعاليم العقيدة الإسلامية؛ كون عقيدة الإسلام تلزم جميع منتسبيها بحفظ الكرامة البشرية واحترامها وعدم الاعتداء عليها بأي شكل من الأشكال؛ فقواعد الإسلام الخمسة تنص على ضرورة حفظ الدين، والعقل، والنفس، والمال، والعرض وكل هذا كفيل بحفظ كرامة المرء فلا يُهان أي إنسان باغتصاب ماله أو عرضه أو نفسه أو دينه أو بالتجريح وتفنيد عقله.

 

وينظر غاربيل أن أفق الأخوة إنما هو أساس الكرامة، ولكن الأخوة التي يشير إليها غاربيل والنابعة عن نزعة دينية أو معتقد لا يمكن أن تحقق المؤتلف الإنساني وستكون عاجزة أمام تحقيق الغاية المنشودة، أما لو وسعنا نطاق مصطلح الأخوة ليشمل جميع بني البشر وأنهم إخوةٌ ووحدةٌ واحدةٌ بصرف النظر عن معتقداتهم ومذاهبهم وعرقيتهم لكانت النتائج أفضل، وإن كان الوصول إلى هذه الغاية وجعلها واقعًا ملموسًا سيكون أمامه عراقيلٌ وجبالٌ من الصعوبات، إلا إذا آمنا بألا مستحيل مع تكاتف الجهود والسعي نحو رص الصفوف وإزالة الحواجز ودحر الدونية والارتقاء بمستوى التفكير والنظر إلى الإنسان بمنظور أوسع وأعمق.

وفي الختام لا يسعنا إلا أن نقول إنَّ المجتمعات التي تحرص أشد الحرص على الحفاظ على كرامة شعوبها وترفع قدر البشر مهما كان حجم المُفارقات بينهم لهي أنجح المُجتمعات وأكثر الأمم المؤهلة لتحقيق المؤتلف الإنساني والنهوض بوحدة الصف ورفع الظلم عن المظلوم وصون الكرامة من الاعتداء عليها؛ فينظر كل فرد فيها أنَّه مساوٍ لجميع إخوته في الحقوق فتسود المحبة والألفة بينهم ويزيد التلاحم.

                                                                             

أخبار ذات صلة