الدولة- الأمة وليبراليتها في زمن العولمة

رقية الكندية

توسعت دراسة مفهوم الدولة كما ذكرها الكاتب محمد نور الدين أفاية في مقاله ( الدولة – الأمة؛ قضاياها وتحولاتها المُعاصرة)؛ لشمولها العديد من المقومات بدءا من تاريخها وتطورها وانتهاء بخمولها، وتجنباً للمشاكل الداخلية، والنزاعات  بين الشعوب برزت أهمية التركيز على مفهوم الدولة والتدقيق فيه، ولذلك تعددت التعاريف حولها من مختلف النظريات والعلماء - لا سيما النظرية السياسية- . فكيف عرفت هذه النظريات الأمة؟ وما مدى تداخلها مع الوطنية؟ وكيف هو تأقلمها مع التغيرات الحاصلة نتاج الأزمات المالية والمجتمعية؟ وما أهمية تجددها وتطورها بالاستعانة بالفلسفة الليبرالية؟.

تعددت مفاهيم الدولة؛ وكيف لا وهي قد تأسست منذ الماضي ولا تزال تتماشى مع الحاضر بعوامله الإيجابية والسلبية تهيئا للمستقبل المجهول، فنجد أن عبدالله العروي عرفها بأنها تتركز على ثلاثة مقومات أساسية وهي الهدف والتطور والوظيفة، بينما عرفها ماكيافيلي في كتابه الأمير من جانب سياسي وأكد على استقلاليتها وسلطتها على القوة الخارجية، وفي المقابل ركز طوماز هوبز في كتابه الليفياثان في مفهوم الدولة على الجانب الإنساني دون السياسي فعرفها في أنها قوة ردع دائمة وتتيح الفرصة للمواطنين للعيش والتصرف بطمأنينة. من منطلق هذه التعاريف نجد أن هناك من يخالف بعضها ويؤيد البعض الآخر، ولكن لا ننسى في أن هناك من هو محايد لهذه التعاريف من زاوية معينة؛ والذي أدى إلى نشوء فلسفة ليبرالية شملت الجانب الإنساني والسياسي وفقاً لمعايير معينة، فقد ركز جون لوك على أهمية الترابط بين وضع تشريعات وضوابط من الدولة تتماشى مع مصلحة المواطنين والدول ككل، وأيد كل من سبينوزا وكونستان وهيغل ما جاء به جون لوك وأصروا على أن استقلالية فكر المواطنين تطور من المجتمع وبدوره تطور من الدولة، ولكن جاء بعد ذلك ماركس الذي ناقض هؤلاء الفلاسفة وقلل من قيمة الدولة وتشريعاتها، وماركس درس الدولة بطريقة ذكية وعزز من أهميتها وديكتاتوريتها بصورة كبيرة تصل إلى إكراه المواطن في سبيل تحقيق شروط وضوابط الدولة مما أدى إلى نشوء الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر الذي يسهم بدوره في حماية الطبقات الضعيفة في المجتمع. أوليس من حق المواطن العيش بفكر مستقل وممارسة حرياته وأهدافه؟ فعندما نؤيد المواطن لا يعني بذلك تنافينا لقوانين الدولة وضوابطها، بل على العكس تماماً؛ فإن رقي الدولة وازدهارها مبني كثيرا على طريقة عيش المواطن.

تتمثل الدولة إضافة إلى شمولها لأعمال المراقبة كتكوينها للشرطة، وإلى أنظمتها كالتعليم  في إنشاء مؤسسات عقلية واجتماعية، وأجهزة بيروقراطية تساعدها على إدارة الأمم والشعوب؛ ولذلك نجد اختلافا بين مستويات الدول وسلطتها وبنائها للأمة، ويعرف التصور الألماني الأمة على أنها تتأسس من الثقافة، بينما يرى التصور الفرنسي أنها مبنية على الثقافة، وتتمثل وجهة نظر رينان وغلنر في أن الأمة هي مجموعة شعوب متداخلة مع بعضها البعض مشكلة ما يسمى بالدولة، وفي القرن الثامن عشر والتاسع عشر عرفت الثورة الفرنسية الأمة على أنها كيان اجتماعي مرتبط بالدولة العصرية المحددة ترابيا، وتتعزز علاقة الدولة وانتماؤها للأمة من خلال  فرضها لغة رسمية موحدة،  وإنشاء مدرسة وطنية، وغيرها من الأعمال التي تدل على القومية، ولكن يختلف الحال في بعض الدول الأخرى؛ فبعضها تشمل أمما مختلفة ومتفرعة كما هو الحال مع الإنكليز والإيرلانديين، وهناك دول تأسست بدون قواعد وطنية صلبة كتلك التي صنعها الاستعمار بإفريقيا وآسيا.

رغم الترابط العميق بين الدولة والأمة إلا أننا نجد أن هناك العديد من الانقلابات كانهيار العمل السياسي، وسطوة العوامل الاقتصادية في زمن العولمة مما أدى إلى اتخاذ الدولة العديد من الشروط من أجل الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتشمل رفع المراقبة على الأسعار، والتبادل والرسايل، ومعدل الرواتب وإلغاء كل الإجراءات الكابحة للمبادرات الاستثمارية ..الخ دون النظر إلى الآثار الاجتماعية المترتبة على هذا الفعل.

ولكن، هل يتفق مجاراة العولمة من أجل الحفاظ على الاستقرار السياسي مع استقلالية المواطنين وحرياتهم في التعبير عن الرأي وحقوقهم في الدولة؟ وهل يتواكب مع النظرية الليبرالية؟ فعندما ندقق في إجراءاتها المتخذة نجد هناك تحيزا لطرف دون آخر، مما يدفع بعض الأمم للتظاهر والقيام بأعمال شغب في الدولة.

ومن وجهة نظر الدولة فإنَّ الديمقراطية والتعاون مع المواطن واحترام مبادئه أدى إلى ثقل المديونية، وحدوث مشاكل مجتمعية مما يدفع الدولة إلى إلزام المواطن بتحمل جانب من مسؤوليتها كأن يتحمل دفع ضرائبه، ومصاريف أبنائه في التعليم والعلاج .... إلخ وبدوره أدى إلى اختلال توازن الدولة بعد عقود عدة من محاولتها السيطرة على وضعها.

أدى عدم استقرار الدولة وعدم قدرتها على السيطرة على الشعوب والأمم إلى نشوء عدد من المتظاهرين، ومجموعات من الناشطين الذين يميلون إلى الاستقلال بأفكارهم وآرائهم عن الدولة، ولكن، هل يترتب إزاء هذه الخطوة مشاكل أخرى بسبب اختلاف آراء الشعوب فيما بينهم؟

من هنا تكمن الحاجة المتجددة إلى تطور الدولة، وزيادة القوة الليبرالية بشكل وسطي يتوافق مع متطلبات الشعوب لتجنب المشاكل المجتمعية كما هي الحرب في يوغوسلافيا، والمأساة العراقية بفعل الاحتلال الأمريكي، والتشدد في السلطة الصينية. يمكن للدولة أن تكون غنية عن هذه الحروب والمظاهرات إذا ما تمت موازنة العلاقات بين السياسي والاقتصادي، وتحقيق العدل والمساواة بين الشعوب.

وفي الختام ليس غريباً أن هناك مفاهيم كثيرة حول الدولة، وكيف أن الليبرالية بشكل عادل تحل الكثير من الأزمات الاقتصادية والسياسية والمجتمعية بين الأمم التي تمثل رمزاً أساسياً للدولة، وجدير بالذكر أنَّه لا تنشأ دولة بدون صعوبات ومعوقات؛ ومن هنا نجد دور المواطن في فهم شروط الدولة،  فلا غنى له عنها ولا غنى  للدولة عن المواطن والاثنان يستطيعان حل الأزمات إذا ما توفرت إرادة حقيقية واحترام متبادل بين الطرفين.

 

أخبار ذات صلة