العدالة في معترك أقوال الفلاسفة

حميد بن نصير الصلتي

لقد خلق الله الكون، وجعل فيه سننًا ونواميسَ تحكمه؛ فقد وضع الله الميزان لأجل تحقيق العدالة لتعيش المخلوقات بسلامٍ واطمئنانٍ، وحتى يكون حق كل مخلوق محفوظًا وفق نظامٍ وضعه الصانع بنفسه فلا يعدو أحدٌ على أحدٍ.

فالعدالة متطلبٌ تتعطش له أفئدة المخلوقات بشكلٍ أجمع ويتعطش له بنو آدم بشكلٍ أخص؛ فهي يجب أن تتغلغل في كل قولٍ وفعلٍ، وأينما وُجدت العدالة وُجدت الطمأنينة، ولا خير في مجتمعٍ وُجهت فيه العدالة إلى منحنًى آخر وعُطلت القوانين التي تحفظها. لهذا؛ جعل الله العدل صفةً من أهم صفاته واسمًا من أعظم أسمائه الحسنى، وألهم بني آدم إياه، بل وجعلهم خلفاء في الأرض يحملون لواء أمانة العدل فناظرٌ بما يرجعون. وفي مقال "مسألة العدالة عند الفارابي وأبي الوليد بن رشد (دور النفس في القول الفلسفي العدل)"، للكاتب يوسف بن عدل، والمنشور بمجلة "التفاهم"، ما يروي الظمأ ويسد الحاجة؛ حيث ابتدأ الكاتب مقاله بالحديث عن وجوه الاختلاف والتقارب بين الفيلسوفين الفارابي وابن رشد في قضية العدالة، وأشار إلى أنَّ أوجه الاختلاف بينهما أكثر من أوجه الاتفاق مستشهدًا بذلك ببعض مقولاتهم.

وقد أشار الكاتب إلى أنَّ الفارابي حينما رأى الخلاف والشتات يدبُّ في الدول العربية والخلافة الإسلامية، انبرى ليوضِّح أمريْن مهمين؛ هما: وحدة الفلسفة ورفع الاختلاف بين الفلاسفة، والأمر الثاني: العلاقة التاريخية والتكوينية بين الملة والفلسفة، وقد كان هدف الفاربي من هذين الأمرين هو الجمع بين الآراء لصهر جبل الخلاف المتراكم.

وفي الزاوية الأخرى، يُشير الكاتب إلى ابن رشد الذي كان هدفه الرئيس من بزوغه لمعترك الخصام، هو تصحيح القول الفلسفي من جهة، وتصحيح القول الملي من جهة أخرى وليس لتحقيق هدف الوحدة.

ويرى الكاتب أنه وبالرغم من وجود اختلافات كثيرة بين الفيلسوفين، إلا أنَّه توجد تقاطعات مشتركة بينهما. وهذا مما لا شك فيه؛ ففي كثيرٍ من الأحيان لو أمعنَّا النظر لتبين لنا أنَّه وبالرغم من وجود الاختلاف بين كثيرٍ من الناس، فإنه لا بد من وجود بعض القواسم المشتركة بينهم.

فالكاتب يرى أنَّ الفيلسوفين اتفقا على أن الموجود الإنساني مهددٌ بسبب هيمنة أخلاق الطاعة وتوظيفها لصالح المتألِّه على جهة التناسب بين الإنسان والإله، وهذا واقعٌ ملموسٌ نراه اليوم في حاضرنا؛ إذ إنَّ كثيرًا من الناس أًصبحوا يألفون التبعية على الاستقلالية، فتجده يتبع فلانا بكل آرائه ومعتقداته حتى وإن كانت فاسدة، وهذه التبعية العمياء ليست إلا قيودًا وأغلالاً يضعها المرء على عنقه فلا يستطيع التخلص منها، وفي كثيرٍ من الأحيان يجد النصوص الدينية أمام عينيه؛ فلا يلقي لها بالاً لأنَّ فلانًا الذي يتبعه قال بخلافها وكأن لسان حاله يؤلِّه ذلك الشخص ويترك القول الأصل الذي نص عليه الشارع العظيم.

وينوِّه الكاتب إلى أنَّ العدل له مدلولاتٌ كثيرةٌ ارتبط كثيرٌ منها بمصطلحات ربما هي أقرب لتحقيق المصالح ليس إلا؛ فهناك العدل التشريعي والعدل الفقهي والعدل السياسي والعدل الكلامي والعدل الفلسفي، وهذا مما لا شك فيه هناك من شهد له التاريخ أنه كان ينادي بالعدالة، لكنه لا يطبق شيئًا مما ينادي به، بل كانت له مآرب أخرى لتحقيقها والوصول إليها، وما إنْ يصل إليها حتى يخول ما نادى به وراء ظهوره.

وفي المقال، يُثير الكاتب عدة تساؤلات؛ حيث يتساءل عن الفارابي، ولماذا لم يكتب كثيرًا عن العدل وكتب فقط عن السعادة، ولماذا ابن رشد لم يكتب عن السعادة وكتب عن العدل؟ فهل السعادة منفصلةٌ عن العدل، والعدل منفصلٌ عن السعادة؟

ومن وجهة نظري، أرى أنَّ السعادة والعدل مصطلحان لا ينفصلان عن بعضهما، فأينما وُجد العدل خُلقت السعادة، فإن لم يكن العدل البشري موجودًا، فيكفي أننا نثق بوجود العدل الإلهي، وهذا كفيل بأن يحقق لنا السعادة.

ويقسِّم الفارابي الفلاسفة إلى أربعة أقسام: الفيلسوف الباطل (ينال العلوم النظرية من غير أن يكون له ذلك)، والفيلسوف المزور (يتعلم العلوم من غير أن يكون معدًا لها)، والفيلسوف البهرج (تعلم العلوم إلا أنه لم يطبق الأخلاق الفاضلة)، والفيلسوف الحق (ينال العلوم ويطبقها على أرض الواقع وله من الأخلاق الفضيلة ما يجعله قدوة لغيره)، وربما تقسيمته هذه لم تُجَانب الصواب؛ حيث إنَّ كثيرًا من الفلاسفة ليس لهم نصيبٌ من فلسفتهم إلا بغية الشهرة أو حب تحقيق الذات، أما الفيلسوف الحق فهو الذي يسعَى بكل ما أوتي من قوة من أن يحقق التوازن في غالب ما يأتي وما يذر من أقوالٍ أو أفعال.

فقدرة الفيلسوف تتضح من خلال قدرته على الإقناع وليس الإقناع وحده كافيًا إن لم يكن له حظٌ من الاطلاع على الجوانب البعيدة؛ فربما تستطيع أن تقنع شخصًا ما بفكرةٍ ما، ولكن لا يتأتى لك ذلك مع الشخص الآخر؛ فالإقناع الذي نشير إليه هو الإقناع الذي لا يترك مجالاً للتساؤل ولا يترك مجالاً للاستفهام ولا يترك فرجةً من الممكن أن تكون فارغةً ويمكن الولوج منها.

وارتأى الكاتب أنَّ العدل يكمُن مفهومه في دلالتين:

 - الأولى: قسمة الخيرات المشتركة (السلامة والكرامة والأموال)، وأتفق مع الكاتب في ذلك؛ إذ إنَّ قسمة الخيرات على المجتمع، كل وفق استحقاقه وحفظ كرامة أفراد المجتمع، والسعي نحو كل ما من شأنه سلامتهم هو عدلٌ بحد ذاته.

- الثانية: استعمال الإنسان أفعال الفضيلة فيما بينه وبين غيره، وهذا مما لا يختلف فيه اثنان؛ إذ إنَّ الإنسان الذي يقوم بالرذيلة بشتى أنواعها، صغيرةً كانت أو كبيرةً، هو جائرٌ في حق نفسه، ظالمٌ لها، والذي يحرص كل الحرص على فعل الفضائل التي دلت عليها الشريعة الغراء والمبادئ الإنسانية هو عادلٌ في حق ذاته.

ويرى ابن رشد أنَّ العدل في نفس الفرد هو بعينه العدل في المدينة، وهذا مما نتفق معه فيه؛ إذ إنَّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال فيما معنى حديثه: "كيفما تكونوا يُولَّ عليكم"؛ فالفرد إنْ انتهج نهج العدالة مع نفسه يسخر الله له من يتولاه ويتولى قضية عدالته وفق المنهج السوي، ومن جار فإنما يسخر الله له من يجور عليه وإلا كان له نصيبٌ من عذاب الآخرة.

وختامًا.. على كل فردٍ أنْ يعي أن العدل يجب أن يكون مُولَجًا في كل دقيقٍ وجليلٍ في الحياة حتى مع الأعداء ومع من هم في اختلافٍ معه في الآراء؛ فاختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.. فالعدل ما وُجد في شيءٍ إلا وغمرته السعادة والمحبة والسرور والوحدة ولا يُنزع من شيءٍ إلا وتكالبت عليه التعاسة والتفكك والتشتت وهاجمته الأمراض والأسقام والأوبئة.

أخبار ذات صلة