العلمانية وفصل الدين عن الدولة

زينب الكلبانية

لا مِراء في أنَّ الإشكالية العلمانية هي إحدى الإشكاليات الكبرى ذات الحساسية البالغة، التي احتلت مكانة كبيرة في الفكر العربي الإسلامي، الحديث والمعاصر، منذ مطارحات محمد عبده مع فرح أنطون، داعية العلمنة الأشهر في بلادنا. وليس يخفى أنَّ ثمة سُوء فهم حاد يعتري هذه القضية لدى كلا طرفي النزاع الأيديولوجي عندنا، الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء، وهو ما يتجلى في الكيفية التي يعتري بها كلٌ من الطرفين فالإسلاميون يُسارعون إلى القطع بأنَّ العلمانية هي الدّسيسة الكبرى، التي اقتحمت على المسلمين عُقولهم وديارهم، ولا يرون فيها سوى نزعة إلحادية، أو حركة مرذولة، همها إقصاء الدين من التنظيم الاجتماعي والسياسي، ليحل محله نظام سياسي مُعاد لعقيدة المجتمع والأمة.

وهذا ما ناقشه الباحث براق زكريا في مقاله المنشور بمجلة "التفاهم"، وأضاف أنّ على الجهة المُقابلة يدأب لفيف من العلمانيين على الصدع بمواقف عقدية من العلمانية، تُقدمها على أنها موقف فلسفي مضاد للدين، أو حتمية تاريخية لا مناص منها. فما المراد بمفهوم العلمانية؟ وكيف نشأت؟ وما مواقف أبرز رواد الفكر العربي المُعاصر منها؟

في أتون الصراع الذي غرقت فيه أوروبا بين حركة الإصلاح البروتستانتية، وصُلح وستفاليا، كان الدين هو القناع الذي يختبئ وراءه الجميع، متخذين منه أداة لتحقيق مآربهم الاقتصادية والسياسية. وهو ما عبَّرت عنه "كاترين دي مديتشي" ملكة فرنسا إبان الحروب الدينية، حينما قالت عن الدين لدى فريقي القتال في فرنسا (الكاثوليك والبروتستانت): "إن هو إلا ستار لا نفع له إلا إخفاء الأحقاد والضغائن". وكان الإنجيل في إنجلترا... كما في ألمانيا وهولندا وإيرلندا وفرنسا... هو كتاب الثورة؛ ففرنسا – التي كانت أوَّل من عانى، وأول من أفاق – امتدت حروبها الدينية من عام 1562 حتى عام 1594، ثم لحقتها ألمانيا بحرب الأعوام الثلاثين (1618-1648)، ولم تكن إنجلترا بمنأى عن تلك الحروب التي اجتاحت أوروبا، فقد مرَّت بحروب أهلية دامت ما يناهز العقدين من الزمن.

تتعدد تعريفات العلمانية بتعدد زوايا النظر والخلفيات الفكرية والمشارب الثقافية، وكذا بتعدد الحقول المعرفية: فأصحاب النظر الفلسفي كثيراً ما يُشددون على قراءة العلمانية على أبعادها النظرية ومُستتبعاتها الأخلاقية، والسيكولوجيون يركزون على مراميها الاجتماعية، على حين أن رواد الفكر السياسي ينظرون إليها من زاوية ثنائية الدين والسياسة عمومًا، وعلاقة الكنيسة بالدولة خصوصا.

ولعل أكثر تعريفات العلمانية شيوعًا تعريفها بأنها "فصل الدين عن الدولة". ويفهم بعض الباحثين العلمانية على أنها دعوة إلى تخليص قطاعات المجتمع والثقافة من سيطرة المؤسسات الدينية، فالغرض من السياسة العلمانية هو تنظيم الإنسانية من دون الله. وفي قاموس أكسفورد جملة تعريفات لمصطلح "علماني"، أبرزها: أن العلماني هو من "ينتمي للحياة الدنيا". وكانت الكلمة تعني: "غير مَعنيّ بخدمة الدين" و"غير مكرس له" و"غير مقدّس". وفي مجال التعليم تشير الكلمة إلى الموضوعات غير الدينية، وصارت تعني مؤخرًا استبعاد تدريس المواد الدينية في المعاهد، التي ينفق عليها المال العام. ومن ثم فإنَّ تعبير "مدرسة علمانية" يعني "مدرسة تعطي تعليما غير ديني". والعلماني هو الذي ينتمي إلى هذا العالم، الآني المرئي؛ تمييزا له عن العالم الأزلي والروحي.

العلمانية هي العقيدة التي تذهب إلى أنَّ الأخلاق لابد أن تكون لصالح البشر في هذه الحياة، واستبعاد كل العبارات الأخرى المستمدة من الإيمان بالإله أو الحياة الأخرى، والعلماني هو المُؤمن بذلك. والعلمنة هي تحويل المؤسسات الدينية إلى ملكية علمانية، وإلى خدمة الأمور الزمنية.

وينزع بعض الدراسين إلى أنَّ العلمانية - بوصفها نظرية – تُطرح بمعنيين مختلفين، أي أن لها من حيث ميدان عملها وجهين: أولهما، سياسي إجرائي يتعلق بتنظيم العلاقة بين الدين والدولة عامة، وميدانه المجتمع السياسي، حيث تتحول العلمانية إلى نظرية في القضاء على النظام الثيوقراطي، وذلك بغية تحرير الدولة والسياسة من تسلط الكنيسة.

والثاني فلسفي، مفاده إدارة الرصيد الفكري، وتنظيم العلاقات داخل العقل نفسه بين مصادر القيم والرموز المختلفة، الدينية والعلمية، الروحية والمادية، المُحايثة والمفارقة... وميدانه النشاط العقلي، حيث تعمل العلمانية على تصفية إرث الماضي، وتهدف إلى القضاء على النظام اللاهوتي الكهنوتي، ثم إحلال النظام العلمي محله. وفي كلا الحالين تتبدى العلمنة على أنها التعبير الأجْلى عن نمط من العقلانية يعكس الحياة الجديدة في حركاتها وتوجهها: عقلانية السياسة والتنظيم الاجتماعي، وعقلانية الوعي وتنظيم الحياة الفردية.

 لا شك أن نظريات العلمنة قد تأثرت بالتيارات المادية والتوجهات الوضعية والنزعات الإلحادية الجذرية، التي شهدت منذ بواكر القرن العشرين، وإن بدرجات متفاوتة، وليس يخفى أن المنبع الأول – والأكثر جلاء للأسس الفلسفية للعلمانية – يتمثل في نظريات فلاسفة العقد الاجتماعي، وفي تراثهم الفلسفي الذي هُجر وعلاه الغبار، كما يلحظ الفيلسوف الأمريكي جون رولز، الذي يرى أن العدالة الصالحة للجميع، لا يمكن أن تتبع تصورا خاصا للخير؛ لأن فكرة الحق هذه ستُعدُّ آنئذ بالضرورة شرعية لدى معتنقيها، وغير شرعية في نظر الآخرين.

ومن هنا تأتي ضرورة العودة إلى تراث فلاسفة العقد الاجتماعي الذين يشددون على أن المبادئ الشرعية – التي على أساس منها يُنظم المجتمع وتحدد قواعد الخير العام التي يجب أن تحكمه – ينبغي أن تعتمد على رضا الشعب بأكمله.

ولا مندوحة عن الإيماء – في هذا الإطار – إلى أنه لئن كان من الممكن نعتُ البلدان الديموقراطية بالعلمانية – بمعنى أنها تحترم الحرية الدينية – فالواقع أن من الشّطط الربط بين العلمانية والديموقراطية، وكأنهما مُتساوقتان متوازيتان لا انفصال بينهما. وآيةُ ذلك أن كثيرا من الدول الديموقراطية لا تعتمد سياسة فصلٍ كلي بين الدولة والدين، ورغم ذلك لا تعْرى عن أن تُوسم بأنها "ديموقراطية"، ومن ناحية أخرى ليست كل الدول التي تعتمد العلمانية دُولا ديموقراطية بالضرورة.

ثم إن العلمانية نفسها تنطوي على إشكاليات عدة، ومن ذلك أنها في فرنسا ذاتها – مهد العلمانية – قد أنجبت منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر تيارا فكريا وُسم بالحرية والعقلانية، ولكنه مع ذلك لم يكتف بمعارضة تدخُل الإكليوس في الشؤون العامة فحسب، بل أيضا وقف من الدين عموما موقف عداءٍ مطلق، حال الفلسفة الوضعية التي لم تكتفِ بأن تفرض على الدين انسحابا من السياسة فقط؛ بل إنها كذلك نظرت إليه على أنه ذكرى من الماضي، وتجسيدٌ لنظام قديم قد عفاه الزمن، ويتنافى مع المثُل العليا للحداثة الديموقراطية.

انطلاقا من ذلك، يمكن القول: إن العلمانية علمانيات وليست علمانية واحدة. وفي هذا السياق يميز بعض الدارسين بين نوعين من العلمانية عرفتها أوروبا، وفرنسا بخاصة: نوع فكري عقدي دوغمائي يريد فرض فكرته اللادينية على المجتمع، ويقف موقفا عدائيا إزاء الدين، على نحو يُظهر العلمانية وكأنها دعوة اجتماعية / فلسفية ذات مضمون نزاع إلى الحلول محل المضمون الديني.

فالدولة العلمانية كما تتبدّى في هذا النموذج هي الدولة اللادينية، بمعنى أنها لا تعتمد على الدين لا في بنائها وتعيين حدودها الجغرافية، ولا في تأسيس شرعية سلطتها السياسية، ولا في تحقيق تجانسها الاجتماعي ووحدتها السياسية، ولا في بناء هيكلها القيمي، ولا في وضع تشريعاتها الدستورية والقانونية. أما النوع الثاني فهو العلمانية بمعناها المحايد أو القانوني الشكلي، وهو الذي يفصل بين الدين والحكومة، لا بين الدين والمجتمع، ولا بين الدين والفرد، تاركا للدين حريته الكاملة في مجالاته الروحية والتعبدية والأخلاقية والاجتماعية.

 

أخبار ذات صلة