«السيميائيّات» الراهنة وسؤال المعنى

daily-050417-3_0.jpg

أحمد يوسف | أكاديمي من الجزائر.

تخلّقت السيميائيّات الحديثة في أمريكا وأوروبا تعميماً وفي فرنسا تحديداً في الخمسينيّات والستينيّات، ثم تلقتها الثقافة العربيّة في زمن متأخر؛ ولكنّ هذه المعرفة الجديدة شهدت انعطافاً حاسماً في الثمانينيّات والتسعينيّات، فعرفت تحوّلات غير معهودة في الموضوعات والإشكالات والغايات. ومدار هذا التحوّل على سؤال المعنى وإنتاجه وفهمه، وتنظيم الدلالة، والانتقال من العلامة(1) إلى الخطاب، ومن الفعل إلى الكينونة، ومن حالات الأشياء إلى حالات النفس. واجترحتْ لنفسها لغة واصفة حتى قيل عنها غمزاً وقدْحاً: إنّ السيميائيّات تُحدِّثنا عمّا نعرفه، بلغة لا نفهمها.

كان للنقد الأدبيّ العربيّ نصيب من هذه المعرفة الجديدة لا يستهان به؛ ولكننا نعتقد أنّنا لمَّا نبلغ حدّاً من التراكمات المعرفيّة والبحوث العلميّة، والإبداع الفكريّ الرصين باستثناء القلّة القليلة مما أُنجِز إلى الآن، حتى نستطيع أن نقدّم قراءة نقديّة تقويميّة في هذا الباب، ولكن هذا لا يعني أنّنا نبخس حقّ إسهامات العرب من القدماء والمحدثين. فقد كان للمناطقة والأصوليّين والبلاغيّين واللغويّين سهم وافر في موضوع الدلالة والعلامة. وهناك بحوث أكاديميّة وأطاريح جامعيّة أُنجِزَت حول ما تحقّق في هذا الموضوع.

وقبل أن نأتي إلى تطور النظريّة السيميائيّة ورحلتها في البحث عن سؤال المعنى أو أسئلته؛ نذكر أنّ السيميائيّات ـ ومدرسة باريس تحديداً ـ ظلّت ردحاً من الزمن تنفي عن نفسها أن تكون فلسفة، أو أنّها ترفض الاستسلام لجاذبيّة التحليل النفسيّ كما هو الشأن في تحليل الأهواء؛ بَيْدَ أنّ حوارها أو تفاوضها الإبستيمولوجيّ مع المعارف الأخرى ـ ومنها الفلسفة الظاهراتيّة ـ جعلتنا نعيد النظر في موقفنا المتحفِّظ من تطبيقاتها السيميائيّة السرديّة التي أنجزها أعلام مدرسة باريس أنفسهم، وكذا أشياعها من النقّاد العرب.

علينا أن نرجع قليلاً إلى الوراء لنلقي نظرة تاريخيّة نقديّة موجزة على ما تحقّق في مجال السيميائيّات الحديثة على صعيد منظومة المفاهيم وجهاز الاصطلاحات، ونبدأ بإشكاليّة المصطلحات؛ لأنّها مفاتيح المعارف ومصابيح العلوم.

ازدواجيّة المصطلح:

ينوء تاريخ السيميائيّات الحديثة في الغرب بحمل مصطلحيْن اثنيْن(2) لَازَمَا هذا العلم منذ نشأته الأولى، ولم يستطع هذا التاريخ أن يتخلّص من حمل هذه الازدواجيّة الاصطلاحيّة التي صاحبت هذه المعرفة في النشأة والتطوّر، وظلَّ هذا الواقع يحيل على حضور مرجعيتين أوروبيّة وأمريكيّة لهذا العلم الوليد، ولم ينفع تأسيس الجمعيّة الدوليّة للسيميائيّات(3) (AIS) لمحاولة توحيد المصطلح، ورأب الصدع الاصطلاحيّ المزدوج. وخلافاً لما اعتقده عادل فاخوري(4) (1939 ـ 2017) بقي المصطلحان يُستعملان إلى يومنا هذا استعمالاً متبايناً؛ ولا سيّما بعد سنة 1970، وقد اختارت الجمعيّة الدوليّة للسيميائيّات مصطلح (semiotics)، ونشرت مجلة (5) باسم (semiotica).

تلقت الثقافة العربيّة هذه المعرفة الجديدة تلقيّاً متأخِّراً إمّا عن طريق الترجمة من اللغتين الفرنسيّة والإنجليزيّة، وإمّا بالتعريف عنها في الدوريات، وإمّا بالكتابة والتأليف. وممّا هو معلوم أنّ هذا التلقّي فَاقَمَ الوضع الاصطلاحيّ، مما أربك القارئ العربيّ في فهم خطاب السيميائيّات، فقوبلت ترجمة المصطلحيْن(6) بعدد غير قليل من الألفاظ العربيّة، التي تعكس حال كل من يستهلك المعرفة ولا يُنتِجها، وينتهي به المطاف إلى إغراق سوقها بسيل من المصطلحات قد لا يكون بينها رابط معقول، ولا يغرنّك سحر المقولة الشائعة الذائعة «لا مشاحة في المصطلح».

سنكتفي بالوقوف على المرجعتيْن الأمريكيّة (بورس) والأوروبيّة (دو سوسير وگريماص) للنظر في المصطلح وتطوّر النظريّة، ونعطف عليها بإسهامات العرب دون الميل إلى مقارنتها مع ما تحقّق في العصر الحديث، وإن كنا لا نتقفَّى آثار المصطلح بالحفر التأثيليّ، ونحيل ـ من حين إلى آخر ـ إلى ما استقبله النقد الأدبيّ العربيّ من بعض هذه الاتجاهات، ونستأنس عند الحاجة بآراء القدماء وتصوراتهم للعلامة والدلالة والمعنى، التي تقترب ـ من وجوهٍ ـ إلى ما خلصت إليه سيميائيّات بورس ودو سوسير.

سيميوطيقا تشارلز سندرس بورس

ليس من مقاصد هذه الدراسة تقديم تاريخ مفصّل للسيميائيّات؛ وإنّما الغاية المتوخاة منها أن تقف على مسار تطوّرها منذ نشأتها الحديثة؛ ولهذا لا نكرر ما قيل عن الأصول التاريخيّة لهذه المعرفة. ونكتفي بالقول: إنّ سيميائيّات بورس الموسوعيّ(7) ظاهراتيّة(8)ومنطقيّة ومعرفيّة (ذهنيّة)، وهي مذهب سيميائيّ مجرّد «شبه ضروريّ» أو صوريّ، يفضي إلى ذكاء علميّ، قادر على أن يتعلّم من التجربة(9)؛ ولكنّه لا يلاحظ إلّا ما تصوّره ضمن عمليّة تشبه ـ في نظر بورس ـ البرهان الرياضيّ(10).

تعتني السيميائيّات بنظريّة العلامات، والعلامة لدى بورس تنشئ في ذهن الإنسان علامة مكافئة أو علامة أكثر تطورّا، وتُسمَّى المؤوَّل (interprétant) للعلامة الأولى(11)؛ ومن ثمَّ فإنّها تتولى التصنيف الثلاثيّ للعلامات(12) بحسب (الممثل والموضوع والمؤوَّل(13))، وأشهر هذه التصنيفات المتداولة في السيميائيّات الأدبيّة تلك المتفرّعة من الموضوع إلى (أيقونات ورموز ومؤشرات)، وأنّ الفكر لا يقوم إلّا بالعلامات التي هي من الضرورة الموصلة إلى «معرفة ما في ضمير الآخر، ومن المعلومات المُعينة له في تحقيق غرضه»(14)، وأنّ السيميائيّات (σημειωτική) في اعتقاد بورس ما هي إلّا تسمية أخرى للمنطق(15)في معناه العام، الذي لا يكاد ينفصل عن الافتراض والاستنباط والتجربة. وكل ذلك يصبّ في المجرى المتدفّق للمعنى، وهو إنتاج أكثر مما هو معطى. وقد عرّف بورس الإنسان في أواخر حياته بأنّه حيوان سيميائيّ (الإنسان علامة)، بل قال ابن فارس قبله: إنّ «كل جنس من الخلق هو في نفسه معلم وعلم وعلامة»(16)، وهو بذلك يمتلك كفاية سيميائيّة يحيا بها، وتساعده هذه الملكة على التواصل والتفاعل والتعارف والتعامل مع غيره.

لم يتلقَّ الفكر والنقد العربيّان هذا الاتجاه السيميائيّ أوّل مرة تلقيّاً حسناً في الحالات جميعها؛ لأنّه ـ من وجهةٍ ـ يَغْلِب عليه التحليل المنطقيّ، ومصطلحاته تكاد تَعْتَاص على أفهام المختصّين، بله غير المختصين، ومن وجهة لم يُهتد إليه إلّا بعد موته، وبعد أن قدّمه(17) شارل موريس في أمريكا، وجاك دولودال في فرنسا(18)، وأمبرتو إيكو في إيطاليا، ثم توسَّع الاعتناء بفكره من قبل مراكز بحثيّة في العالم (ألمانيا، وإسبانيا، وفرنسا، وفنلندا...).

كان الإقبال على سيميائيّاته محتشماً في النقديْن الأدبييْن الغربيّ والعربيّ؛ لأنّ هذه السيميائيّات نشأت نشأة علميّة وفلسفيّة ومنطقيّة، ولم تكن لها تطبيقات مباشرة في اللسانيّات أو في الجماليّات أو في النقد الأدبيّ؛ ولكن سرعان ما تغيّر الوضع إلى حال أضحى لها أشياع يستعملون المصطلح الأنجلوسكسونيّ (semiotics) في العالم اللاتينيّ، ويطبّقون نظريّته على النصوص الأدبيّة وغير الأدبيّة؛ وإن كانت إسهاماته متواضعة في علم الجمال الذي صنّفه ضمن العلوم المعياريّة.

يُعزى استعمال مصطلح semiotics إذاً إلى بورس، ولكن سبق أن استخدمه جون لوك John Locke. لقد اعتنى هذا الاتجاه من السيميائيّات بالمنطق وإنتاج العلامات وتصنيفها وسيرورتها، وكل ما يتصل بها من عادة واستقراء وافتراض واستنباط واستدلال وبرهان. ولهذه العلامات ـ بأبعادها الثلاثيّة المذكورة سلفاً ـ علاقة بالواقع المرجعيّ عبر الوسيط الذي يصطلح عليه بورس بالمُؤَوَّل، من حيث إنّه ذاك التمثيل الذهنيّ الذي يربط بين الممثل (représentamen) والموضوع (objet).

تنهض سيميائيّات بورس على منطق العلاقات، وهو منطق مفتوح وعام يمتاز بالاتساع (vagueness)، ويروم بناء مشروع ميتافيزيقا علميّة. وهذا المشروع قاد بورس إلى تشييد سيميائيّات صوريّة (sémiotique formelle) قوامها منطق العلاقات الثلاثيّ والرياضيّات(19) (البروتوكول الرياضيّ وأبعاده الثلاثيّة في تعريف العلامة وفق نظريّة المقولات).

ترتكز هذه المرجعيّة على ثالوث فكر القرون الوسطى (النحو والمنطق والبلاغة)؛ إذ يتكفّل النحو الخالص (الصوريّ) بمنطق المعنى (منطق الصدق)، أو كما كان يطلق عليه دونيس سكوت (Duns Scotus “grammatica speculativa”)، وأنّ المنطق لديه علم صوريّ لشروط صدق التمثيلات، وأنّ وظيفة البلاغة تتمثّل في القواعد التي تتيح للذكاء العلمي أن يولّد علامة من علامة أخرى، وفكراً من فكر آخر(20). إنّه منطق يقوم ـ كما أسلفنا القول ـ على إنتاج المعنى.

استند بورس في فلسفته إلى صيغ الوجود ومراتبه التي تنهض على نظريّة المقولات الثلاث، واستمدّ ذلك مما تمثّله من قراءاته لأرسطو وكانط وهيغل، وستصبح نظريّة المقولات(21) (الأولانيّة والثانيانيّة والثالثانيّة) من وجوه قاعدة إبستيمولوجيّة لسيميائيّاته وفلسفته البراغماتيّة التي تبلورت في النادي الميتافيزيقيّ، والملحوظ أنّه انتصر للميتافيزيقا العلميّة التي تقوم عليها نظريّة المقولات (الإمكان الخالص للدلالة والتحقّق الفعليّ والقانون).

أراد بورس للنحو الخالص أن يكون بمثابة قاعدة إبستيمولوجيّة لفلسفته الأولى، وهو لا يُخفي تأثره الشديد بفلسفة كانط النقديّة، وقراءته اليوميّة لنقد العقل الخالص؛ علماً أنّه بدأ في قراءة المنطق وعمره اثنتا عشرة سنة، وسيعترف برتراند رسل ـ بعد اطلاعه على كتاباته ـ بقيمته الفكريّة، فيصفه بأنّه كان من أعظم مفكّري أمريكا في القرن التاسع عشر، بل ذهب كارل بوبر أبعد من ذلك، فوصفه بأنّه كان من أكبر الفلاسفة في كل العصور.

تنقسم الفلسفة ـ في تصور بورس ـ إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ الميتافيزيقا.

2 ـ الفانيروسكوبيا «الظاهراتيّة» (phaneroscopy)(22).

3 ـ العلوم المعياريّة (المنطق والجمال والأخلاق).

وسيكون لبورس تأثير واضح في ويلارد ڤان أورمان كواين (1908 ـ 2000) Willard Van Orman Quine وهيلاري بوتنام (1926 ـ 2016) Hilary Whitehall Putnam في توجّهاته الواقعيّة التي تؤمن بإمكان «التوفيق بين الفلسفة الوضعيّة، أو نظريّة المعنى القابلة للتحقق، والواقعيّة»(23)؛ ولهذا تبنى في حقبة زمنيّة «واقعيّة المنطق السليم»؛ ولكن سرعان ما تخلى عنها.

يتجاوز النحو الخالص منطق «صلاحيّة الاستدلال»، ويتقصّد المعنى بطبيعته الجدليّة، و«مورفولوجيا القضية»، والطريف في هذا الطرح المنطقيّ أنّه ابتدع لغة واصفة، نُحتت مصطلحاتها نحتاً غير مألوف، لتصبح سيميائيّات واصفة قائمة على جبر العلامات؛ ولعلَّ هنا يكمن السبب في عدم التفات الفلاسفة أوّل مرّة إلى فكر بورس ما عدا مقالاته حول البراغماتيّة(24)، ومنها: «تثبيت الاعتقاد»(25) (The fixation of belief)، و«كيف نجعل أفكارنا واضحة(26)؟ (How to make our ideas clear)».

وجد الدارسون لاحقاً في شذراته الفلسفيّة والمنطقيّة متصوّرات جديدة وأصيلة ومتماسكة لمنطق العلاقات ومفهوم العلامة اللذيْن لم يسبقه إليهما أحد في طرحه، وبنى على هذا الطرح نظريّة عامة في العلامات تأثرت بالنزعة الواقعيّة التي سادت القرون الوسطى. وعلى الرغم من انتقاد إميل بنڤنيست(27) لمفهوم العلامة لدى بورس؛ فإنّه لا يعدو أن يكون انتقاداً لسانيّاً لمفهوم فلسفيّ ومنطقيّ، والأمر مختلف فيه؛ وكذلك الشأن بالنسبة إلى گريماص وفونتاني اللذين يريان أنّ موضوع السيميائيّات لم يعد قائماً على العلامة؛ وإنّما سبيله الخطاب والمجموع الدال. فثمّة فرقٌ بين التصوريْن اللسانيّ والمنطقيّ للعلامة؛ علماً أنّ العلامة لدى العرب تمثّل الدلالة. وهناك تيّار في الثقافة العربيّة المعاصرة تمثّل هذا الاتجاه على الصعيديْن الفلسفيّ والنقديّ. ونحن نعتقد أنّ عادل فاخوري خير من تمثّل سيميائيّات بورس من المنظور المنطقيّ، وقارنها بالدلاليّات العربيّة؛ وذلك بحكم تخصصه المنطقيّ، وسبق لنا أن قدّمنا عنه دراسة منشورة في هذا المجال.

وعلى الرغم من ثراء سيميوطيقا بورس، وعمقها الفلسفيّ، وأصلها المنطقيّ وقاعدتها الإبستيمولوجيّة؛ فإنّ ما أنجزه دو سوسير كان له تأثير في السيميائيّات الأوروبيّة والعربيّة؛ وذلك لأنّ مرجعيّته كانت لسانيّة، وأقل صعوبة من سيميوطيقا بورس المنطقيّة. ولهذا سنلفي دو سوسير يعتقد أنّ السيميولوجيا أعمّ من اللسانيّات، في حين خالفه الرأي بارت وكريستيڤا من منطلق أنّ المشروع السيميولوجيّ لا يُبنى إلّا على أساس النظريّة اللسانيّة.

«سيميولوجيا دو سوسير»

أيمكننا من خلال جملتين أو فقرات معدودات ومحدودات تشير إلى السيميولوجيا في محاضرات اللسانيّات العامة أن نتحدّث عن «سيميولوجيا سوسير» أو ننشئ منها «سيميوطيقا»؟ سؤال كان قد طرحه گريماص(28). إنّ إشارة دو سوسير إلى «السيميولوجيا» أمرٌ رآه گريماص مثيراً للانتباه، وهو الذي يدين له في بناء مشروعه السيميائيّ، ويعترف بإسهاماته، ولا يتنكّر لها قبل أن يستكشف يامسليف مع بارت في الإسكندريّة، وكان لكليهما حضور بارز في معجمه الذي ألّفه بمعيّة جوزاف كورتاس. ومع ذلك فإنّ هذه الإشارات هي مجرد «حكي» في نظره. وقد يبدو في ذلك بعض التناقض؛ وإن كان نفاه عنه آريڤيه(29). ولكن ألم يكن دو سوسير سيميولوجيّاً في الحكاية الخرافيّة؟ وكذلك في المحاضرات وهو ينظّر لعلم اللسان، ويُعرّف موضوع اللسان تعريفاً سيميائيّاً؟ ولكن تباينت المواقف حيال اللسان(30): أهو موضوع صوريّ؟ أو موضوع دلاليّ؟ أو موضوع اجتماعيّ؟

إذا جئنا إلى مصطلح السيميولوجيا(31) (semiology)، فيسنده مستعملوه ـ كما هو معلوم ـ إلى دو سوسير وأشياعه من أهل الثقافة الناطقة بالفرنسيّة، والمتعصبة لها، وهو علم وصفه آنذاك أندريان باڤيل صديق دو سوسير أنّه «علم شديد العموميّة»(32)، وسيتخذ طابعاً أمبرياليّاً كما شنّع عليه الخصوم؛ وعليه فقد ارتبطت السيميولوجيا في أوّل نشأتها بلسانيّات دو سوسير(33)، وإن كان استعمال هذا المصطلح سابقاً على المحاضرات؛ وليس أدلّ على ذلك من أنّ باڤيل ـ وبتأثير من دو سوسير ـ اقتنع بعلم العلامات (السيميولوجيا)، ومنحه منزلة في الفصل الثاني من كتابه (تصنيف جديد للعلوم) سنة 1901؛ أي قبل ست سنوات من إلقاء المحاضرات.

يدلُّ مصطلح «السيميولوجيا» على «دراسة العلامات بتأثير من نظريّة التواصل»(34)، ونظريّة اللغة التي تطبّق على المجموعات الدالة المختلفة(35)، وظلَّ هذا المصطلح متداولاً في فرنسا إلى حدود الستينيّات، ولكنّه لم يختف من الاستعمال وإنْ بدلالات مختلفة، فظلّ يستعمله أندريه مارتيني وبنڤنيست وجورج مونان وبيريتو وبويسنس ورولان بارت.

وعلى الرغم من ذلك كان المصطلح يبدو غامضاً في المحاضرات عكس ما هو عليه الحال في دفاتره(36) وكتاباته ومخطوطاته، ويعتقد آريفيه أنّ تصوّرات دو سوسير للسيميولوجيا كانت سابقة على المحاضرات، وأكثر وضوحاً في «الحكاية الخرافيّة»(37) التي نُشرت سنة 1957، ويُعزى سبب التأثير الهامشيّ في التأسيس للسيميائيّات السرديّة إلى تأخر ظهور هذا العمل، وهو لا يشكّك في عدم علم بارت وگريماص بهذه الدراسة؛ بَيْدَ أنّهما لم يعتمدا عليها(38). يشير إنغلر إلى أنّ استعمال دو سوسير لمصطلح «السيميولوجيا» كان أسبق من المحاضرات، فقد استخدمه في مقالته عن وايتني سنة 1894، وإن كان استعماله للمصطلح مفرغاً من حمولته الاصطلاحيّة، ويدلُّ فقط على «اللسان ـ الموضوع».

اعتنى دو سوسير كثيراً بأسماء الآلهة الهنديّة واليونانيّة كما تشير إليه الكتابات، وبخاصة دراسة أسماء العلم (onomastique)، وكان يعتقد أنّ الألوهيّة كامنة في اسمها، والاسم قوام الأسطورة في الميثولوجيا القديمة؛ وهذا ما يفسّر أيضاً نقد كلود ليڤي ستراوس لڤلاديمير بروب من أنّ اسم الشخصيّة وحضورها قوام الأسطورة، ولا يمكن للوظيفة أن تسد مسدّها. ومن هنا تواترت في الحكاية الخرافيّة فكرةُ المقارنة بين «رموز» الحكاية الخرافيّة ـ التي يرى أنّها كائنات غير موجودة ـ و«كلمات اللغة» أو العلامات اللسانيّة التي «ليس لها قيمة في ذاتها»(39).

يطّرد استعمال السيميولوجيا(40) في أوراق (الحكاية الخرافيّة)، وأنّ تساؤل آريفيه التالي لجدير بالتأمل: لماذا اختفت الإشارة إلى الحكاية الخرافيّة في المحاضرات؟ في حين يضع أنساق الرموز في الحكاية الخرافيّة واللغة تحت راية السيميولوجيا؛ علماً أنّ الرمز لا يتسم بالاعتباطيّة في المحاضرات بخلاف مصطلح العلامة (Semeîon)؛ ولكنّه يفسّر ذلك بأنّ نسق «الحكاية الخرافيّة ـ كما أرسى سوسير دعائمه حتى هذه اللحظة ـ ليس له صفات العلامة اللغويّة. [92] وإنّ هذا يفسّر بلا شكّ ـ من وجهة نظر فيلولوجيّة ـ صمت الدروس عن سيميولوجية الحكاية الخرافية: ففي الحالة التي لاحظناها للتو هي سيميولوجية خارجة عن المألوف بالنسبة إلى اللسانيات»(41). ويبدو التناقض واضحاً حتى وإن لم يُرْض هذا الحكم ميشال آريڤيه، أو إن شئنا قلنا: الإخفاق في بلورة تصور مبكر للأنساق السيميائيّة غير اللسانيّة، بدليل أنّ دو سوسير في المحاضرات اكتفى بذكر هذه الأنساق مثل «الكتابة وإشارات الصم والبكم والطقوس الرمزيّة وآداب السلوك والرتب العسكريّة»(42) من دون توضيحها؛ وإنْ فضَّل عليها النسق اللسانيّ؛ ذلك أنّ موضوع اللسان على درجة كبيرة من التعقيد، فهو خارج أي مقارنة كما ورد في الدفاتر الأولى التي نشرها إنغلر 1974.

تصوّر دو سوسير في محاضراته أنّ السيميولوجيا «علم يدرس حياة العلامات داخل الوسط الاجتماعيّ، وتعدُّ فرعاً من فروع علم النفس الاجتماعيّ؛ ومن ثمَّ فهي فرع من علم النفس العام»(43)، ولكن يبدو سوسير سيميولوجيّاً في الحكاية الخرافيّة أكثر منه في المحاضرات؛ ولهذا يبدو تساؤل گريماص السابق وجيهاً؛ فأنّى لنا أن نتحدث انطلاقاً من استشهادات محدودة في المحاضرات عن «سيميولوجيا دو سوسير»، وهو الذي صرّح أنّ هذا العلم لمَّا يوجد.

إنّ العلاقة بين اللسانيّات والسيميولوجيا ليست واضحة بما فيه الكفاية. وهذا يضفي بعض الشكوك على مخطوطات المحاضرات؛ فهناك ـ من وجهة ـ الإقرار بأنّ السيميولوجيا أعمّ من اللسانيّات، وكان يعتقد أنّ اللسانيّات ستصبح ـ عندما يكتمل صرحها ـ فرعاً من السيميولوجيا، ومن وجهة أخرى فإنّ اللسانيّات ـ بوصفها العلم القائد ـ يمكن أن تصبح أنموذجاً قاعديّاً لكل سيميولوجيا، على الرغم من أنّ اللسان ليس سوى نسق خاص(44) من جملة هذه الأنساق السيميائيّة الأخرى.

خصّصت آن هينو(45) القسم الأوّل من كتاب تاريخ السيميائيّات للحديث عن سوسير والسيميولوجيا. وذهب هذا الاتجاه مذهباً جعل من اللغة والمعنى والدلالة قِبْلَته، ولكن دو سوسير ربط السيميولوجيا بالبعد الاجتماعيّ وعلم النفس العام. وقد استوحت مدرسة باريس ـ التي أسسها گريماص وأشياعه ـ مرتكزاتها النظريّة من لسانيّات دو سوسير. وأنّ هذه المحاضرات ـ مهما قيل عنها أو يقال ـ قيمتها أنّها فتحت آفاقاً منهجيّة جديدة في التفكير الإنسانيّ، ومنها «المشروع السيميولوجيّ في كنف الجسم الاجتماعيّ».

يعرّف معجم روبير الصغير السيميولوجيا على أنّها «علم يدرس نسق العلامات مثل «الألسن والسِّنن والإشارات، إلخ»...»(46)؛ ولأن اللسان من موضوعات هذا العلم؛ فإنّه يعدّ ـ في نظر دو سوسير ـ نسقاً «من العلامات التي تعبّر عن الأفكار، وهو شبيه بالكتابة وألفبائيّة الصم البكم، والطقوس الرمزيّة وأشكال الآداب، والإشارات العسكريّة، إلّا أنّ اللسان وحده يبقى أهم الأنساق»(47)، وعندما يتأسس هذا العلم ستصبح اللسانيّات في اعتقاده «فرعاً من هذا العلم العام». وإذا سلمنا جدلاً أنّ هذا ما لهج به معلم اللسانيّات في مستهل القرن العشرين؛ فإنّ نسق العلامات يعدُّ موضوع السيميولوجيا، سواء أكانت العلامات لفظيّة، أم غير لفظيّة أم كانت مجتمعة كما نلفيها في العروض المسرحيّة والسينما والأوبرا والإشهار.

واللافت في هذا الحد أنّ السيميائيّات في مبتدئها كانت تسعى إلى إقامة «نظريّة عامة لأنساق الدلالة»(48)؛ وعليه فقد تحرص أيّما حرص على وحدة «ظاهرة الدلالة» مهما كانت الأنساق السيميائيّة التي تتضمنها، ونذكر في هذا السياق السيميولوجيا الإيحائيّة لرولان بارث Roland Barthes التي ترصدت لسيرورة المعنى في مسرح الحياة الاجتماعيّة وتجارب الناس المعيشة؛ إذ شرع في نشر مجموعة من المقالات في الدوريات والصحف السيّارة ابتداءً من سنة 1954. سدّدت هذه السيميولوجيا سهامها إلى الإيديولوجيا المتغلغلة في خطاب البرجوازيّة الصغيرة والجماهير على السواء بغية تقويض سلطتها، فأعمل بارت آلة النقد السيميولوجيّ لفضح التمثيلات الاجتماعيّة في الحياة اليوميّة المعاصرة؛ مثل بلاغة الصّورة والإشهار والخمر والأثاث واللباس والسيارات والمدن والشوارع.

تترّبص هذه السيميولوجيا بالثقافة البرجوازيّة الصغيرة، وتعريّ ألاعيب خطابها، وتضليلها الدلاليّ وتناقضاتها الماثلة بين الوجود والدلالة، وهو مربط الفرس في سيميائيّات العالم الطبيعيّ، ولكن من منظور مغاير لما طرحه گريماص؛ لأنّها لا تقتصر على البعد المنهجيّ في تقطيع العالم الطبيعيّ من منظور ظاهراتيّ، بل تنصرف إلى إبراز الاختلاف عبر حركة الجدل التي تفضح التناقضات وتقوّض هيمنة الممارسات الاجتماعيّة التي تتحوّل إلى سلطة نسقيّة مهيمنة عبر العلامات والدلالات التي تكتسح مساحات كبرى من حياتنا، فتستعبد حواسنا قبل عقولنا، على نحو ما نقف عليه في كمّ استهلاك التضليل الإعلاميّ والاستلاب التكنولوجيّ.

لم تكن هذه السيميولوجيا مهادنةً من الناحية الإيديولوجيّة مع الثقافة البرجوازيّة الصغيرة، وهذا ما يفسّر سرّ نشاطها خارج المؤسسات العلميّة؛ لكونها لم تكن متصالحة مع «أسطرة» أنساقها الكبرى، وزيف خطاباتها البراغماتيّة، وتضخم دلالاتها عبر فائض المعنى، واستراتيجيات الاستلاب، فكانت تلاحق كل أشكال التضليل في كل ما هو يوميّ وهامشيّ، أي في كل ما هو معيش. إنّها سيميولوجيا لا تريد لآلة الاستهلاك أن تدجن العقول، وتطمس حسّها النقديّ.

تعرّض مصطلح «السيميولوجيا» إلى الاختزال المخلّ حينما حُصِر في أنساق العلامات التي تنصرف إلى سنن الإشارات مثل قانون إشارات المرور (بيريطو وحتى بويسنس)، فكانت مجرد سيميولوجيا ترصد الأشياء، وتصف أنساق التواصل. إذا كانت الإشارات والإيماءات ضرباً مخصوصاً من العلامات؛ فهي تدلُّ على الأشياء بالوضع مثلها مثل العلامات اللسانيّة، وتنماز بكونها أكثر اقتصاداً في الجهد من العلامات اللسانيّة؛ ذلك أنّه «إذا أشير إلى الشيء مرة واحدة فعرف، فالإشارة إليه ثانية وثالثة غير مفيدة»(49)؛ وعليه فإن أشار الإنسان أو أومأ بعضو من أعضاء جسمه مثل اليد؛ فإنّه «يشير دفعة واحدة إلى أشياء، لو عبّر عنها لا احتاج إلى ألفاظ كثيرة»(50). ويحتاج المشير بيده إلى أن يُفهم قصده وإلّا كانت عبثاً، مثلما إذا خلت العلامة اللسانيّة من الإخبار كانت لغواً. وحتى تعبير الجسم بإيماءاته هو إفراز من وجوه لقيم أيديولوجيّة عبر لغة الإيحاء التي لا تنخرط في وصف العالم، بل في بنائه، وإنتاج فيض من المعاني، وهي التي تمنحه في النهاية شكلاً قابلاً للوصف عبر النصوص والخطابات، كما أنّ هذه النصوص والخطابات ليست بمستودع للمعنى، بقدر ما هي ضرب من الإمكان لإنتاج المعنى.

ليس للعالم الطبيعي لسانٌ إلّا في عالم الدلالة، وبالعودة إلى بارت فإنّ البرجوازيّة تستعمل سلطة الخطاب لإيهامنا بإضفاء البعد الطبيعي على كل ما هو ثقافي، وهذه من حيل إيديولوجيا الاستهلاك، وإغراءات لغة السلعة. ونعتقد أنّ هذه إجابة ضمنيّة على سؤال لادوڤنسكي: أيّ سيميائيّات نريد؟ إنّنا نريد سيميائيّات لا تولي ظهرها للحياة بتجاربها الثرّة وقيمها المتعددة وأشكالها المختلفة، ولا تكتفي بالنظر إلى السرديّة على أنّها أداة تتوسط بين ما هو مجرّد (البنيات الأوليّة للدلالة)، وما هو مجسد (البنيات التصويريّة). ومن الطبيعيّ أنّ هذا المنظور السيميائيّ لم تجد فيه الذاتيّة في الطور الأوّل من السيميائيّات السرديّة مكانتها المشروعة.

قلّما انتبه الدارسون والمؤرخون لكلمة «حياة العلامات» على أنّ هذا العلم لا يطلب دراسة هذه الأنساق التواصليّة والدلاليّة والثقافيّة إلّا داخل الجسم الاجتماعيّ الذي يمور بالتناقضات، وهذا الجسم يعبّر عن نفسه في شكل خطابات، وليست علامات معزولة خالية من القصد، فهُويّة هذه الأنساق مستمدّة من بنيات «خطاب هذا الجسم الاجتماعيّ»، الذي يحكمها منطق دلاليّ متماسك، قوامه استعاراتُ الاستهلاك وطبيعة «الاستملاك» في العالم الذي نحيا فيه، إنّه عالم معقد، وليس بهيِّنٍ، وإنّه عالم متعدد وممكن، وليس بعالم وحيد؛ ومن ثمّ فإنّ السيميائيّات التي انطلقت من المشروع اللسانيّ أخذت المسألة الاجتماعيّة في حسبانها، وبتأثير من وايتني الذي شمله دو سوسير بمقالة، حتى وإن ظهرت لغتها الواصفة على أنّها شكلانيّة. وقلّة هذا الانتباه تفسّر تأخر ظهور السيميائيّات الاجتماعيّة من وجهة، والسيميائيّات المعرفيّة من وجهة أخرى. ونحن نؤمن إيماناً لا يتضعضع أنّ وراء كل معرفة شرطاً سوسيوتاريخيّاً؛ لأنّه محصّن بالشكِّ الذي هو أعلى مراتب اليقين كما قال أبو حامد الغزالي؛ وعليه فإنّنا نعتقد بأنه في ضوء هذا الشرط يمكننا مقاربة إسهامات «السيميائيّات العربيّة»، التي لم تستمر تراكماتها المعرفيّة، حالها حال سائر المعارف الأخرى.

إسهامات العرب والمسلمين:

يشيد عادل فاخوري(51) ـ في هذا السياق ـ بإسهامات العرب في المرحلة المتأخرة التي قادتهم إلى «وضع نظريّة مستقلة وشاملة، يمكن عدّها أكمل النظريّات التي سبقت الأبحاث المعاصرة»(52)، وكان مدار اعتنائهم على الدلالة اللفظيّة، وعمّموها على أصناف العلامات الأخرى، وسلكوا في ذلك سبيل الاستقراء، والتزموا بمتصوّرات أنطولوجيّة، وتقيّدوا بأُسسٍ ميتافيزيقيّة. وعلى الرغم من أنّنا لا نتحمس لمثل هذا المذهب في الرأي، الذي يقوم على شهوة التقريظ، ولا نطرب لمثل هذه اللغة الرائجة في سوق العرب؛ فإنّنا لا نحسب عادل فاخوري من صنف الباحثين الذين يبالغون في تمجيد تراث الأسلاف بدافع العاطفة والتعصب للحضارة العربيّة الإسلاميّة، وهو ليس من المروّجين لهذه البضاعة. وهو من أبرز المفكرين العرب الذين تناولوا السيميائيّات تناولاً منطقيّا ولسانيّاً، وبحثوا في السيميائيّات الإسلاميّة (منطق العرب، وفلسفة الدلالة، ومنطق الأصول).

فمن يقرأ مؤلفاته ومقالاته يدرك أنّه مفكرٌ ألمعيٌّ ومنطقيّ حصيف وسيميائيّ متميّز يعي ما يقول، ويأتي بالبيّنة على ما يدّعي؛ ولا سيما عندما يرتكز في طرحه على ما قدّمه المناطقة العرب في وصولهم إلى نظريّة النسب(53) في القرن الثالث عشر، بالاعتماد على الدلاليّات بمنحاها الصوريّ، بما يعادل نظريّة المجموعات في مجال الرياضيّات الحديثة. والمطّلع على التراث العربيّ الإسلاميّ في العصر الوسيط لا يعتريه الشكّ فيما ذهب إليه عادل فاخوري، بل يشعر بالحيف الذي لحق هذا التراث من قبل أهله، الذين لم يُوفّوه حقه من العناية والدراسة والتحليل، ومن الغربيين الذين بيّتوا النيّة في إهمالهم له أو تغافلهم عنه أو جهلهم بما أسهم به علماء العرب والإسلام في هذا المجال.

وعندي أنّ عادلَ فاخوري من أبرز ـ إن لم يكن من أوائل ـ العرب الذين فهموا السيميائيّات في العصر الحديث من الوجهة المنطقيّة والفلسفيّة وحتى اللسانيّة، ولم يأخذ حقّه من الدراسة، والتنبيه على إسهاماته. لقد فضّل فاخوري مصطلح «السيمياء»(54) على غيره من المصطلحات الكثيرة مجاراة على مصطلح «الكيمياء»؛ بَيْدَ أنّه يلتبس بالعلم الذي «قد يطلق على غير الحقيقيّ من السحر كما هو المشهور. وحاصله إحداث مثالات خياليّة في الجو لا وجود لها في الحسّ. وقد يطلق على إيجاد تلك المثالات بصورها في الحسّ... ولفظ سيمياء عبرانيّ معرّب، أصله سيم يه: ومعناه اسم الله»(55). وإذا صحت الرواية فإنّ اقتراح عادل فاخوري قد جانبه الصواب، وذلك ينطبق على كلمة «الكيمياء» التي تعني بالعبرانيّة (كيم يه): آية من الله(56).

قارن الدلالة عند العرب بما طرحته سيميوطيقا (semiotics) بورس من وجهة، وسيميولوجيا(57) (semiology) دو سوسير من وجهة أخرى؛ ولكنّه يشير إلى أوجه الاختلاف بين طرح المناطقة والأصوليّين والبلاغيّين العرب ومتصوّرات السيميائيّات الحديثة، وبخاصة سيميائيّات بورس، ومن ذلك عدم استثناء ابن سينا للمرجع الخارجيّ من مفهوم الدلالة اللفظيّة؛ ولكنّه يبرز في الوقت نفسه أنّ الألفاظ دالّة على «المعاني الذهنيّة دون الموجودات الخارجيّة» مستشهداً بعبارة العلويّ صاحب دار الطراز.

قد يلمس مَنْ تستهويه الدراسات المقارنة تأثير المدرستين الإغريقيّتين المشائيّة والميغاريّة ـ الرواقيّة في التراث العربيّ الإسلاميّ؛ ولكن المتصوّرات السيميائيّة حول الدلالة والمعنى والعلامة تبلورت في ظل المرجعيّة العربيّة الإسلاميّة، القائمة على مداخل علم المنطق الذي هو بمثابة الأصول والتنبيهات، والطرائق التي تُكتسب بها «المجهولات التصوريّة أو التصديقيّة من معلوماتها»(58)، وهو «نظر في آلة الفكر في المعقولات، ولا يتفق فيه خلاف به مبالاة»(59)، ولاستيعاب مقاصد الفلسفة بحسب ابن سينا، وللولوج إلى الطبيعيّات والإلٰهيّات(60) إلى حدٍّ يمكن أن نزعم مع عادل فاخوري بوجود مقوّمات أصيلة لسيميائيّات عربيّة شارفت على النضوج، إنْ لم تكن استوت على عودها في العصر الوسيط. والذي يشجعنا على مثل هذا الزعم أنّ السيميائيّات الحديثة مدينة إلى الفلسفة الإغريقيّة القديمة تعميماً والتراث المسيحيّ في القرون الوسطى(61)تخصيصاً.

الدلالة عند العرب عقليّة وطبيعيّة ووضعيّة، ولها علاقة بمراتب الأشياء في الوجود (الأعيان والألفاظ والأذهان والكتابة «الخط»)، ونكتفي ها هنا من دون تفصيل بذكر آراء ابن سنان الخفاجي وأبي حامد الغزاليّ وحازم القرطاجنّي وطاش كبري زاده. والملحوظ أنّ المنطق عند العرب قوامه المعنى، دون اللفظ إلا إذا استثنينا فرادة التحتانيّ؛ ولهذا كان أساس المعاني لدى ابن سنان الخفاجي «العقل والعلم وصفاء الذهن، ولها في الوجود أربعة مواضع: الأوّل: وجودها في أنفسها، والثاني: وجودها في أفهام المتصورين لها، والثالث: وجودها في الألفاظ التي تدلُّ عليها، والرابع وجودها في الخطّ الذي هو أشكال تلك الألفاظ المعبّر بها عنه»(62). لقد أضافت السيميائيّات العربيّة موضوع الكتابة بوصفه مرتبة رابعة للأشياء في الوجود، والسبب ـ كما ذكر ابن سينا ـ «إعلام الغائبين من الموجودين في الزمان أو من المستقبلين إعلاماً بتدوين ما علم»(63). في حين سيجعلها دو سوسير نسقاً سيميائيّاً مستقلاً؛ في حين سيمجدها جاك دريدا، ويعلّي من رُتَبِها على حساب الصوت، منتقداً الأساس الميتافيزيقيّ للسانيّات والسيميائيّات، مرتكزاً على قراءة العلامة(64) لدى إدموند هوسرل.

وعلى منوال ابن سنان سار أبو حامد الغزالي في التقيّد بالمراتب الأربع لوجود الأشياء بقوله: «اعلم أنّ المراتب فيما نقصده أربع، واللفظ في الرتبة الثالثة؛ فإنّ للشيء وجوداً في الأعيان، ثم في الأذهان، ثمّ في الألفاظ، ثمّ في الكتابة. فالكتابة دالة على اللفظ، واللفظ دال على المعنى الذي هو في النفس، والذي في النفس هو مثال الموجود في الأعيان»(65). والطريف في رأي الغزالي في العلم أنّه مقصور على المحسوسات؛ إذ «لا معنى للعلم إلّا مثال يحصل في النفس مطابق لما هو مثال له في الحس، وهو المعلوم»(66)، وإن كان وسّع المفهوم في الرسالة اللدنيّة.

أقرّ حازم القرطاجني بأولويّة المرجع؛ إذ المعاني لديه «هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان، فكل شيء له وجود في خارج الذهن؛ فإنّه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه؛ فإذا عبّر عن تلك الصورة الذهنيّة الحاصلة عن الإدراك أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنيّة في أفهام السامعين وأذهانهم، فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ، فإذا احتيج إلى وضع رسوم من الخط تدلّ على الألفاظ من لم يتهيأ له سمعها من المتلفظ بها، صارت رسوم الخط تقيم في الأفهام هيآت الألفاظ، فتقوم بها في الأذهان صور المعاني، فيكون لها أيضاً وجود من جهة دلالة الخط على الألفاظ الدالة عليها»(67) فالمعاني ذات طبيعة ذهنيّة تنهض على الإدراك والفهم، وتصبح الدلالة «فهْم أمرٍ مِنْ أمرٍ»، ونحسب هذه المتصوّرات مداخل لطيفة للسيميائيّات المعرفيّة.

وسنلاحظ تبايناً في ترتيب الموجودات؛ إذ يحظى المرجع (الوجود العينيّ) بالرتبة الأولى، من حيث كونه موجوداً في نفسه بحسب ابن سنان وأبي حامد الغزاليّ وحتى القرطاجنيّ، ولكن طاش كبري زاده يخالف ترتيب الموجودات؛ بَيْدَ أنّه لا يختلف معهم في أنّ عالم الأعيان هو «الوجود الحقيقيّ الأصيل»؛ إذ بدأ بالكتابة. إنّ «للأشياء وجوداً في أربع مراتب: في الكتابة، والعبارة، والأذهان، والأعيان. وكل منها وسيلة إلى اللاحق؛ لأنّ الخط دالّ على الألفاظ، وهذه على ما في الأذهان، وهذا على ما في الأعيان، ولا يخفى أن الوجود العينيّ هو الوجود الحقيقيّ الأصيل، وفي الوجود الذهنيّ خلاف في أنّه حقيقيّ أو مجازيّ»(68). وقد بنى على هذا الترتيب منهجه في تقسيم العلوم؛ إذ بدأها بالخط. والملاحظ أنّه استبدل كلمة الألفاظ بمصطلح العبارة.

ميّز أبو هلال العسكريّ بين العلامة والدلالة؛ وذلك على أساس أنّ العلامة تقوم على الوضع، والدلالة تقوم على الاقتضاء(69)؛ وعليه فإنّ «الأسماء لا منازعة فيها؛ إذ كانت علامات» بحسب قدامة بن جعفر(70)، وجعلت هذه الأسماء للتفاهم. وهذا غيضٌ من فيض، وإن كان المقام لا يسمح بالتفسح في هذا الحديث؛ لكوننا التزمنا في مستهل البحث أن نكتفي ببيان تطور النظريّة السيميائيّة الحديثة. والمقصود من الوقوف على السيميائيّات العربيّة هي دعوة للتفكير في هذا التراث من أجل تمثله ونقده والإضافة إليه من دون تبجيل ولا تبخيس، ومن دون تقريظ أو قدح. ومن ذلك فضلنا مصطلح السيميائيّات ليتضمن الإرثين العربيّ والغربيّ.

وآية القول إنّ مصطلح السيميوطيقا (semiotics) شاع وذاع في الدراسات الغربيّة، وحاز على غلبة الاستعمال في الثقافة العالميّة، إمّا بالاتفاق الذي حصل بعد تأسيس الجمعيّة الدوليّة للسيميائيّات، وإمّا برواج اللغة الإنجليزيّة وهيمنتها على اللغات الأخرى، وطفقت مدرسة باريس تستخدم مصطلح سيميوطيقا(71) في أعمالها وبحوثها بداية من سنة 1970، وبقي نفر من الفرونكوفونيّين مخلصين ـ أشدّ ما يكون الإخلاص ـ لاستعمال مصطلح السيميولوجيا(72)، وإن كان هناك من حاول أن يجد تعريفاً متبايناً بين السيميولوجيا على نحو ما اقترحه يامسليف؛ ولكن قسماً كبيراً ظلَّ ـ كما يقول فونتاني ـ وفيّاً للسيميوطيقا؛ لكونها تنهض على «مبدأ دلالة الخطابات والنصوص والصور»(73)، فبالخطاب تحصل «الإبانة عن المقاصد»(74). وهذا المبدأ لا يُدرك خارج الطبيعة النسقيّة للسنن (codes) المتواضع عليها.

من العلامة إلى المعنى

لا وجود للعلامات خارج الجسم الاجتماعيّ الذي تتخلّق فيه، وتحيا فيه، ولكونها أسماء تدور بين النّاس ـ كما قال الجاحظ ـ صارت علامات بالوضع «لخصائص الحالات، لا لنتائج التركيبات»(75)؛ بَيْدَ أنّها طرائق حسيّة مؤديّة إلى العلم الحاصل بالاعتبار. إنّ العلامات من الوجهة الباختينيّة قائمة على منطق التبادل الاجتماعيّ في لحظة تاريخيّة محدّدة؛ ولا غرو أن تكون العلامات مسكناً أثيراً للإيديولوجيا؛ فلا يمكن عزل السيميائيّات عن أساسها الاجتماعيّ مما جعل روبرت هودج (Robert Hodge) وغانثر كريس (Gunther Kress) يسعيان إلى بناء «سيميائيّات اجتماعيّة»، وينحو پيير زيما (Pierre Zima) إلى التركيز على اللهجة الاجتماعيّة في تحليل الخطابات مستفيداً من النظريّة السيميائيّة التي تنهض على مبدأيْن: الاقتصاد والتعميم.

يعرّف معجم روبير السيميائيّات على أنّها «نظريّة عامة للعلامات وتقطيعاتها في الفكر»(76)، وأنّ السيميولوجيا «نظريّة العلامات والمعنى وعملها في المجتمع». وما هو مهم ذلك الحدّ الذي عرّف السيميائيّات على أنّها «نظريّة للعلامة والمعنى». إنّ جعلَ العلامة والمعنى موضوعاً للسيميائيّات أمرٌ لافتٌ دَفَعَ بها إلى الاعتناء بالمعنى على المستوى التقريريّ، وبمعنى المعنى على المستوى الإيحائيّ، وصرنا أمام ضربين من السيميائيّات بخصوص المعنى: السيميائيّات التقريريّة والسيميائيّات الإيحائيّة.

فتح هذا المسار المجال أمام دراسة الأنساق السيميائيّة مثل الأساطير (أساطير البرجوازيّة الصغيرة)(77) ، ولاحظ بارت ودريدا أن المدلولات حاملات للأيديولوجيا، من حيث إنّها قيم إيحائيّة يحدّد دلالتها الاستعمال؛ ومن ثمَّ فإنّ جمع العلامة مع المعنى لأمرٌ جدير بالتأمل؛ لكونه يفتح آفاقاً جديدة أمام التطبيقات السيميائيّة. وسبق أن أتينا على متصوراته السيميولوجيّة في هذا المقام، ونضيف أنّ المدلول ـ من حيث كونه حاملاً للإيديولوجيا ـ إنّما هو تصوير لقيم تاريخيّة متداولة، وممارسات اجتماعيّة ليست بالضرورة تكون حكماً قيميّاً، نَصِفُهُ طوراً بالوعي الزائف (ماركس)، وطوراً آخر بالسلاح الذي يحتمي به البروليتاريّ (لينين)، فهو لدى بارت إيحاء أكثر منه تقريراً، وهو لدينا «استعادةٌ للوعي المسلوب» عبر خطاب يبدو لنا غير عقلانيّ وغير علميّ أو ما قبل علميّ (ألتوسير)، وما ينماز به أنّه خطاب صريح وملتزم وتاريخانيّ غير ثابت وأحياناً عنيف؛ لأنّه ينجر إلى الطبيعة، وحتى فارغ؛ لكونه يتجرّد من الثقافة. تلكم هي ألاعيب المدلول.

للمعنى نظريّات لا حصر لها، تناولتها علوم وتخصّصات لغويّة متعدّدة، ولكنّها مَهْما تباعدت في الرؤى والمناهج؛ فإنّها تلتقي عند مفترق الطرق، ألا وهي اللغة التي تصبح حقلاً توضح فيه السيميائيّات أنساق العلامات الدالة وبنياتها، والمعاني المتداولة في الخطابيْن الاجتماعيّ والفرديّ. وتظل أسئلة من أين ينبثق المعنى؟ وما أوّلياته؟ وكيف يمنح الإنسان المعنى لهذا العالم الذي يعيش فيه، ويحيط به؟ الهاجس الأكبر للسيميائيّات وفلسفة اللغة. فالعالم يصبح معنى حسب الجسـم المدرِك(78) بل إنّه لا حيلة لنا خارج المعنى، فنحن مجبرون على المعنى بحسب ميرلو بونتي(79)؛ لوجودنا في هذا العالم الذي هو عبارة عن مجرات من العلامات، وفيضٌ من المعاني.

وبناءً عليه فلا يمكن فَصْلُ المعنى عن القصد والتجربة، من منطلق أنّ المعنى ينبثق من التجربة التي يشتبك فيها الطبيعيّ بالثقافيّ؛ وهذا ما سيفسّر لاحقاً الحديث عن «أشكال الحياة» في تطوّر لافت للنظريّة السيميائيّة لدى فونتاني ولادوڤنسكي. ولكن المعنى يطفو على سطح العلامات، وكان طلبه يأتي من فيضها، وأمام هذا التحوّل سيزيح مفهوما المعنى والدلالة مركزيّة العلامة وهيمنتها، وسيسدّ مسدها مفهوم الخطاب(80)

نلفى گريماص نفسه يقرّ منذ «الدلاليّات البنويّة» أنّ اللسان ليس بنسق من العلامات، وإنّما هو تجميع لبنيات دلاليّة(81)، خلافاً لتعريف دو سوسير للسان كما وصلنا ذلك في محاضراته. وهذا يستكشف الوعي المتقدّم بأنّ «البنيات الدالة» و«الأشكال اللغويّة» و«المجموعات الدالة» و«الوحدات الدالة» كلها صيغ تستعملها السيميائيّات للتعبير على أنّ مِحَجَّها الخطاب لا العلامة، بل كان گريماص يعتقد أنّ نظريّة العلامة صارت عائقاً أمام أيّ تقدّم في تطوير المشروع السيميائيّ؛ ذلك أنّها أغلقت على نفسها المجال، ولم تسمح بالنظر خارجها.

تعامل گريماص ـ الذي كان يشعر بالبهجة وهو يرى العلم يتخلّق أمامه، فيُنظّر ولا يوثّق ـ مع مستوى العلامات على أنّها صيغة تتجلّى فيها الأنساق السيميائيّة، وأنّها ليست بصيغة لوجودها وتنظيمها. «وإذا أخذنا بعد ذلك بجديّة تأكيد دو سوسير الذي مفاده أنّ الكلمات ـ الدلائل تعدّ خالية من المعنى، وأنّ علائقها الاختلافيّة وحدها تعدّ دالة، يجب أن يقبل «السيميوطيقيّ» يتموضع بين الدلائل، وبأنّه مفترض وسابق على الدلائل»(82). وقد شدّد على أنّ مطلب الدلالة لا يتحقّق خارج البنيّة، والبنيّة مفهوم إبستيمولوجيّ وإجرائيّ في الآن نفسه؛ لأنّه ينهض على البعد العلائقيّ (نظريّة العلاقات)، وعزى انبثاق المعنى إلى البنية الأوّلية، وأنّ الخطاب ـ من بنياته الأوليّة الأكثر تجريداً إلى بنياته التصويريّة الأكثر تجسيداً ـ ما هو إلّا نتاج التلفظ، والدنيا كما قال الجاحظ(83)«بحذافيرها مصوّرة». إنّه «الشبيه الصوريّ للـ «ذاكرة» السيميائيّة لذات التلفظ، في اللحظة التي تتلفظ فيها»(84)، فهو يتّسع للنماذج السرديّة والتلفظيّة والتصويريّة والانفعاليّة (حالات النفس).

وإذا احتكمنا إلى البُعد المعرفيّ للخطاب جاز لنا الحديث إفراداً وجمعاً عن الجسم والذاكرة والإدراك والموسوعة؛ إذ إنّ السرد يستمد كينونته من القوالب الراسخة في الذهن قبل أن يكون مجرد تركيب نحويّ مجرّد وصوريّ. وهذا مربط الفرس في إطلاق العنان لتطوير النظريّة السيميائيّة في طورها المعرفيّ، وهي بذلك تكون قد تجاوزت(85)السيميائيّات التقليديّة (الدلاليّات البنويّة 1966، والجزء الأوّل من المعجم المعقلن لنظريّة اللغة بمعيّة جوزاف كورتاس 1979) التي كانت تتأسس على مفاهيم رئيسة، حدّدها فونتاني في المربع السيميائيّ، والسرديّة والمسار التوليديّ الذي لم يقدّم لنا كيف يختار التلفظ أو يحرّف أو يخلق المقولات؛ ولهذا تحتاج النظريّة السيميائيّة إلى مفاهيم جديدة منها «الممارسة التلفظيّة»(86). والملاحظ أنّ نقد جاك فونتاني المخضرم للمكتسبات السيميائيّة يتسم بالنعومة التي لا تُحدث جرحاً غائراً في وجدان السيميائيّات التقليديّة، وتُدخل على الجهاز النظريّ مفاهيم تبدو للوهلة الأولى ناشزة، مثل «وجهة النظر للخطاب الفاعل» و«جسم العامل».

إذا كانت العلاقة بين الدال والمدلول في اللسان ـ على الأقل ـ قائمة على الاعتباطيّة، والاعتباطيّة قائمة على المواضعة، فإنّ هذه المواضعة ستصبح أوّلية لمقاربة المعنى في الخطاب، وكل خطاب فاعل (discours en acte) ينهض على خصيصة التلفظ، الذي قوامه التواصل والتبادل والتفاعل والحوار والسجال والجدل، وبطبيعة الحال فذلك يقتضي التسليم بوجود سنن مُتبادَلة بين المتخاطبين. وهذا يجعل المعنى في قلب الدراسات المعرفيّة والاجتماعيّة؛ بَيْدَ أنّ السيميائيّات اللسانيّة (البنويّة) في أوّل عهدها ـ والتي انطلقت من «الدلاليّات البنويّة»، ومقالة «راهنيّة السوسيريّة»(87) ـ لم تقترب من هذه المسائل بدافع الاحتراز من الوقوع في المقاربات السياقيّة النفسانيّة والاجتماعيّة والفلسفيّة؛ التزاماً بمبدأ المحايثة وسياجه البنويّ، وظلَّ هذا الهاجس يلازمها حتى في مؤلف «سيميائيّات الأهواء».

جعل مفهومي التقابل والتطابق طريقاً سالكاً للمعنى على نحو ما أوضحته جماعة أنتروفرن، في تقديمها البيداغوجيّ للسيميائيّات السرديّة وتطبيقاتها على النصوص الدينيّة، وأفرز هذان المفهومان ثنائيّات صارت بمثابة الهُويّة في التطبيقات البنويّة مثل الدالّ والمدلول، والتزامن والتعاقب، والإثبات والنفي، والحضور والغياب. لكن سيميائيّات العالم الطبيعيّ وسيميائيّات المرئيّ أثبتت أنّ هذين المفهوميْن متزامنان، وإنْ تمايزا على الصعيد المنطقيّ على نحو ما انتصرت إليه السيميائيّات ذات المنزع البنويّ. وقاربت موضوع المعنى من منظور مفهوم الاختلاف الذي هو أساس اللسان لدى دو سوسير.

بدأ هذا المسار في واقع الأمر قبل ظهور اللسانيّات لدى دو سوسير وحتى النزعة الواقعيّة والبراغماتيّة لدى بورس. إنّه يعود إلى إيميل دوركهايم(88) الذي تُظهر بعض محاضرات دو سوسير تأثره به؛ وبخاصة ربط اللسان بالمؤسسة الاجتماعيّة، وفصْل موضوع اللغة عن علوم الطبيعة على نحو ما كانت سائدة في زمن داروين، وما روّجت له نظريّة النشوء والارتقاء. وقطعت ذلك التواصل الذي كان قائماً بين فلسفة اللغة والعلوم الطبيعيّة من أجل بناء تاريخ طبيعيّ للغات أملاً في الوصول إلى النشأة الأولى للغة التي تكلمها البشر، فاحتكمت إلى مفاهيم الأصل والتطور والتصنيف؛ وذلك في ضوء منهج الاستقراء.

ومن الطبيعيّ أنّ المعنى ستخرجه اللسانيّات البنويّة من دائرة اشتغالها، وكان يمكن أن يُلقى به في أحضان السيميائيّات الاجتماعيّة التي تعتني بمدارسة السنن وأشكال التواصل بين المتخاطبين وضروب التفاعل بينهم. ومن هنا فإنّ هذه الدراسات ـ التي نبّهت على أهميّة التواصل والتفاعل والحوار والتفاوض من أجل الوصول إلى المعنى ـ لم تستكشف كيفيّة انبثاق المعنى، وبدت هذه المحاولات غير قادرة على الإجابة عن سؤال: كيف ينبثق المعنى من التجربة(89)؟ ولعلَّ الدراسات المعرفيّة والعلوم العصبيّة تبدو أكثر من غيرها قدرة على النهوض بهذا المطلب المحيّر، وقد تعقد الآمال على إسهامات البيوسيميائيّة.

السيمي


ائيّات وفلسفة المعنى

أظهرنا في مستهل الدراسة أنّ للسيميائيّات الحديثة تياريْن: أوروبيّ يعود إلى دو سوسير ويامسليڤ وأشياعهم من السيميائيّين ممثلين في «مدرسة باريس»، التي تزعّمها گريماص، وهو تيار عقلانيّ ووضعيّ، له أتباع من النقاد العرب(90) كثيرون، ومنهم من تتلمذ عليه، واستمع إلى محاضراته، ومنهم من حظي بمناقشته لأطروحته. وتيار أمريكيّ يعود إلى بورس وموريس، ويغلب عليه المنطق والتداوليّات والبراغماتيّة والنزعة السلوكيّة، ومن النقاد العرب(91) نفر قليل من سلك مسلكه، ومنهم من استدرك فغيّر وجهته السيميائيّة من گريماص إلى بورس(92). ولهذا صار تاريخ السيميائيّات الحديث رهن تياريْن بنويّ (عقلانيّ) ومعرفيّ (ذهنيّ). وكلاهما له مسوغاته الإبستيمولوجيّة والمنهجيّة، وامتداداته في تطبيقات العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة.

لم تكن السيميائيّات بمنأى عن الإبدالات الإبستيمولوجيّة الكبرى التي أحدثتها العلوم في نهاية القرن العشرين، سواء أكانت في مجال الفلسفات القاريّة والتحليليّة أو النظريّات المعاصرة في الرياضيّات والفيزياء وعلوم الأحياء (الجينات والهندسة الوراثيّة)، والهندسة الكسريّة (gémiotrie fractale) أو نسبيّة السلم أو نظريّة الكوارث لروني طوم، وتطبيقاتها على السيميائيّات من قِبَل جون بتيطو كوكوردا، ومن دون إغفال سيميائيّات الثقافة من جماعة تارتو، والسعي إلى إدراج موضوع «أشكال الحياة أو أساليبها».

مدار السيميائيّات على المعنى الذي تتخذه موضوعاً لها(93)، وهي تشترك مع بقية العلوم الإنسانيّة الأخرى في هذا الموضوع، وتساعد الباحث على التدبير الحسن للوقوف على انسجام المعنى في ضوء ما تقدّمه بين يديه من طرائق للتحليل وبناء المدوّنة بناءً محكماً(94) وقد أشار گريماص(95)في مقدّمة كتابه (في المعنى: مقالات سيميائيّة) إلى أنّ تطوّر السيميائيّات آنذاك قطع شوطاً في توسيع حقل عملها وبحوثها والدفع نحو استثمار الإمكانات والقدرات الاستراتيجيّة التي تدفع الباحثين إلى فهْمٍ أفضل لموضوع الدلالة، ولكن المعنى ـ في نظره ـ لم يحظ بهذه المزيّة.

ظلّت قسمة طبيعة «المعنى» ضيزى؛ إذ لم يتمكّن الدرس السيميائيّ من الوقوف على مواطن تجلياته، وطبيعة تحولاته. ولعلَّ ذلك ما جعله ورفيقه جوزاف كورتاس Joseph Courtes يعتقدان أنّ «المعنى» عصيّ على التعريف(96)، ومفهوم ملتبس، ولكن الأمر لم يبق على هذا الحال، فتغيّر عندما دشّن «شيخ» مدرسة باريس ـ ببحثه الموسوم بـ: «شروط سيميائيّات العالم الطبيعيّ» ـ المجال للسيميائيّات لتتقصى المعنى خارج مجال سيميائيّات اللغات الطبيعيّة. ولم يتوان البحث السيميائيّ في محاولاته للإجابة عن سؤال «المعنى»، بل إن شئنا أن نتفسّح في الطرح قلنا: «توليد المعنى». ومن هنا كان رهان گريماص على «أَحاديّة المعنى» خاسراً، وسبب هذا الخسران السياج الإبستيمولوجيّ للبنويّة القائم على المنطق الثنائيّ، وإن انتبه إلى متصوّرات بروندال وبرنار بواتيه، وعدم انفتاحه على تطوّر المنطق المتعدّد القيم.

من المعلوم لدى فقهاء المعرفة أنّ السيميائيّ لم يعد يعنيه طلب المعنى في الكلمات فقط على نحو ما تتوخاه الدلالات المعجميّة(97)، أو يطلبه في الجمل والملفوظات المعزولة(98)، وبدت ملامح هذا الانعطاف منذ «الدلاليّات البنويّة» ـ إن توخينا الدقة التاريخيّة ـ في رصْد هذا التحوّل. لقد صار الدرس السيميائيّ ينشد المعنى في عوالم التجارب الإنسانيّة، ونشاطاته التي تتخلق في رحمها المعاني والدلالات؛ ولا سيما بعد ما تخطى حاجز اللسانيّات البنويّة، التي لم تدرج موضوع المعنى في دائرة انشغالاتها؛ ولهذا سيقترح جاك فونتاني(99)ستة أنماط للتجربة يمكنها أن تكون مجالاً للدراسات السيميائيّة:

1 ـ العلامة.       2 ـ النصّ.

3 ـ الموضوع.     4 ـ المشهد.

5 ـ الممارسة.    6 ـ شكل الحياة.

تساعد هذه الأنماط في تطبيق النظريّة السيميائيّة على موضوعات متعددة، ومجالات مختلفة، ولا تجعلها محصورة في الخطابات الأدبيّة، بل تتسع إلى مجالات الدراسات الثقافيّة، أو ما يطلق عليه سيميائيّات الثقافة. وقد خصّصت مجلة «أفعال سيميائيّة» عددها 115، سنة 2012 لهذا الغرض(100).

سبق لرولان بارت أن خاض مغامراته السيميولوجيّة، ووسّع مدارك السيميائيّات لتشمل مجالات خارج حدود اللغات الطبيعيّة منذ مؤلفه الموسوم بـ «أسطوريّات»؛ ولا ضير أن نتأمّل رأيه الذي يرى أنّ المكان الأرحب للدلالة هو اللامعنى. ويذكر في هذا المقام ما أنجزته سيميائيّات أمبرتو إيكو ذات التأطير الفلسفيّ والجماليّ والأدبيّ في محاربة أشكال التضليل، والذي يعدو لها الفضل في التعريف بسيميائيّات بورس وربطها بفلسفة اللغة.

سيّجت السيميائيّات «مشروعها العلميّ» بالمنهج البنويّ الذي قدّم لها آليات لوصف الموضوعات التي تدرسها وتحلّلها، ومن ضمنها موضوع المعنى أينما حلّ. وإذا كانت المقاربات السيميائيّة أفلحت في الإجابة عن الأسئلة من طبيعة «كيف» يتجلّى المعنى؟ فإنّنا لسنا متأكدين من قدرة هذه المقاربات على الإجابة عن أسئلة من قبيل «لماذا» المعنى؟ ولكن لا نعدم وجود محاولات جادة في هذا المضمار، وليس أدلّ على ذلك جملة المقالات التي جمعها عبد السلام بنعبد العالي(101) في كتاب اختار له «سيميولوجيا الحياة اليوميّة». ولا يكاد يخلو نقد پول ريكور من وجاهة في وصف السيميائيّات بأنّها مرتهنة للتفسير دون الفهم.

لا يحتكر «المعنى» منهج من المناهج، ولا علم من العلوم. المعنى صار موضوعاً بينيّاً عابراً للحدود والتخصصات، يحتاج إلى مقاربات سيميائيّة متعددة المشارب سواء أكانت متعلقة بالمجال الماديّ الأيديولوجيّ (جوليا كرستيڤا)، أم بالمجال الحواريّ (ميخائيل باختين)، أم بالمجال التفاعليّ (لادڤنسكي)، أم بمجال توحيد العلوم unification des sciences؛ إذ رأى تشارلز موريس أنّ السيميائيّات هي «علم العلم».

تحوّل النظريّة السيميائيّة

ولا يخفى على الحُذّاق من المتتبعين لتطوّر النظريّة السيميائيّة أنّ ثمّةَ خلفيّات معرفيّة أسهمت في الدفع بالسيميائيّات نحو آفاق جديدة، ومنها الظاهراتيّة (هوسرل وميرلو بونتي) والأنثروبولوجيا (كلود ليفي ستراوس) والبلاغة (بارت) والجماليّات (گريماص وفلوش)(102) ، والعلوم المعرفيّة. وللأمانة التاريخيّة إنّ حركة التطوير شرع فيها الجيل الأوّل من سيميائيّي مدرسة باريس، وعلى رأسهم شيخ المدرسة؛ بَيْدَ أنّ هذا التحول لم يخلُ من الارتباك المنهجيّ، والالتباس في المفاهيم، وما كان ينكره نظريّاً يقع فيه عمليّاً.

يمكننا أن نستشهد في هذا المقام على علامات التحوّل بكتابيْن كانا من أهم المؤلفات التي أسهمت إسهاماً في التجديد المنهجيّ لسيميائيّات مدرسة باريس، ويتمثلان «في المعنى II» لگريماص، و«الخطاب وذاته» لجون كلود كوكي؛ إذ تناول الكتاب الأوّل موضوعي «من أجل نظرية الجهات»(103) و«في البناء الجهيّ للكينونة»(104)، في حين أعاد الكتاب الثاني تشكيل نظريّة المحافل (instances)، فكلا الكتابين أحدث تغييراً في مسار السيميائيّات، وساعد على الانتقال من السيميائيّات الموضوعيّة إلى السيميائيّات الذاتيّة، ومن سيميائيّات الفعل إلى سيميائيّات الكينونة.

علماً أنّ جون كلود كوكيّ(105) عَلَمٌ من أعلام مدرسة باريس بداية من سنة 1965؛ إذ حاز فيها على منزلة خاصة ومحمودة. وهو يعدّ من مريدي إيميل بنڤنيست (É. Benveniste) الذي يممّ وجهته بيقظة علميّة حذرة إلى الارتواء من دروس الفلسفة الظاهراتيّة، مكتفياً بأن يكون قارئاً لموريس ميرلو بونتي ولتأويليّات بول ريكور المركّبة من الفلسفة التحليليّة والظاهراتيّة والسيميائيّات والسرديّات.

تصف جهات الكينونة العلاقات بين ذات الحالة وموضوعات القيمة، وتعرض حالات النفس للذات، وتفتح المجال أمام سيميائيّات الأهواء التي أنجزت انطلاقاً من دراسة گريماص للغضب والتحديّ، وأعماله حول «الجماليّات» في كتابه (Del’imperfection) الصادر سنة 1987، و(سيميائيّات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس) بمعيّة جاك فونتاني الصادر 1991. وهذه السيميائيّات مدينة لنظريّة الجهات، وفي البناء الجهيّ للكينونة التي أشرنا إليها أعلاه.

تمكنت سيميائيّات الأهواء إلى حدٍّ بعيد من الإمساك عبر الكفاية الوصفيّة بالسيميائيّات السرديّة التقليدية(106) التي اعتنت بصوغ الحدود التي تتحكم في البناء الجهيّ للفعل، وترسيخ القدرة الجهيّة للذات السرديّة؛ ولكن ما كان يشغل بال هؤلاء السيميائيّين محاولة فهم طبيعة عمل «السلاسل القاعديّة» على أيّ أساس، وبأيّ مرونة منهجيّة تسير؟ وكيف نمسك بتوتر الانفعالات المصاحبة للأفعال، وتقلباتها من حيث الامتداد والكميّة والكثافة؟ وقد اختلف هؤلاء السيميائيّون في توصيف هذه التقلبات (البنيات توتريّة: فونتاني وزيلبربرغ)، و(التحويرات المشهودة: هينو)، (العدوى الحساسة: لاندوفسكي)، (الإمساك المثير للإعجاب: جنيناسكا). فكلها ترتكز دوماً ـ قليلاً أو كثيراً ـ على تنوع الشدة والكثافة.

ظهرت في سنة 1998 السيميائيّات التوتريّة لفانتاني مع زيلبربرغ في كتابهما المشترك (التوتر والدلالة)، وبحسب نظريّة السيميائيّات التوتريّة، فإنّ الذات توجد في حالة صراع مع تعيين القيم السلبيّة والإيجابيّة لموضوع واحد؛ إنّ الموضوع نفسه مثلاً يمكن أن يوجّه بوصفه (مرغوباً فيه) و(مستحيلاً) من قبل الذات. فالهوى ينتج عن تلازم الجهات؛ أعني جهة (إرادة ـ الكينونة)، وجهة (لا قدرة الكينونة). إنّ استحالة الاتصال بموضوع القيمة المرغوب فيه يخلق توتراً لدى الذات.

علاوة على سيميائيّات الكينونة وسيميائيّات الأهواء التي أعاد گريماص تشكيلها بمعيّة فونتاني، ما ينبغي نسيان إسهامات جون كلود كوكي في تجديد السيميائيّات. وكما أشرنا إلى ذلك فإنّ السيميائيّين الذين استلهموا الدراسات اللسانية والفلسفيّة منحوا دوراً رئيساً للجسم(107). ففي كتاب «الخطاب وذاته» الذي نشر سنة 1984 نقد فيه كوكي أُسس سيميائيّات الذات من منظور «البرهنة على أن المحفل المتلفظ يمكن أن يكون مصدراً للخطاب»(108). كما أنه يستطيع بناء «منطلق الأصل لكل تنظيم نصّيّ»(109). ومن منطلق أنّ الإنسان كما قال ابن سينا: «قد أوتي قوة حسيّة ترتسم فيها صور الأمور الخارجيّة، وتتأدى عنها إلى النفس، فترتسم فيها ارتساماً ثنياً ثابتاً، وإن غابت عن الحسّ»(110). وهذه الصور المرتسمة في الذهن قد تنقلب من المحسوس إلى المجرّد، على نحو ما نقف عليه في الثيمات والصور في البنيات الخطابيّة داخل المسار التوليديّ للدلالة.

تتخذ سيميائيّات المحافل لدى جون كلود كوكي دراسة الخطاب بوصفها موضوعاً، وتحددها «بوصفها كلّاً يتكوّن من أربعة مكونات: المحفل الأساس (الجسم)، محفل الحكم (العقل)، المحفل المحايث والمحفل المتعالي»(111). يخصّ المحفل الأساس (instance de base) عمليّة إدراك الظواهر بوساطة الجسم، ومحفل الحكم يشير إلى مرحلة البرهان عن طريق العقل، ويُجمل المحفل المحايث، القوى الداخليّة (الأهواء أو الميول الغريزيّة)، ويخص المحفل المتعالي (الكونيّ أو الرمزيّ) القوى الخارجيّة التي تتحرّك بناء على المحفل الأساس.

ارتبط هذا التجديد ـ أيضاً ـ ارتباطاً محدوداً بالأعمال التي انصرفت إلى مدارسة موضوع التلفظ وإشكالاته وعلاقته بالبلاغة والتداوليّات والحجاج، فدفع بالبحث السيميائيّ إلى تجديد الفحص «في الخطاب الفاعل، ومعالجة مسألة المحسوس الذي أعاد النظر في الوقوف على الإشكالات الظاهراتيّة»(112)؛ وعليه فإنّ تحليل الخطاب الفاعل من منظور گريماص يقتضي ـ قبل كل شيء ـ البحث عن التجارب الحسيّة، واللحظات التي تنصهر فيه الذات مع العالم المحسوس(113)؛ مما جعل البحوث السيميائيّة الأخيرة في نظر نيدريت أوزتوكات (Nedret Öztokat) تركّز «على الخصائص الحسيّة والمثيرة للخطاب، ففتحت لنا طريقاً لحصر العلاقة بين الجسم وتمثيل العالم الذي شيّد نفسه بنفسه عن طريق الوسيط المعيش لهذا الجسم وفهمه»(114)، ومنحت للذات دورّا لافتاً في إنتاج المعنى؛ وذلك بالارتكاز على معطيات ظاهراتيّة الإدراك لميرلو بونتي، والآفاق التي فتحتها لسانيات التلفظ انطلاقاً من بحوث بنڤنيست وإريكيوني وكيليولي لاحقاً.

استطاع السيميائيّون تحديد وظيفة الذات في الخطاب، ووظيفة الجسم في عمليات الإدراك. إنّ علاقة الذات بالعالم المحسوس أنشأت مجالاً جديداً لفحص الدلالة، كما يمكن أن نعاين ذلك في السيميائيّات الراهنة التي أُعيد تشكيلها تحت مسميات عديدة مثل: سيميائيّات الخطاب، والسيميائيّات التصويريّة، وسيميائيّات الذات، وسيميائيّات الجسم، والسيميائيّات التوتريّة، وسيميائيّات الأهواء، وسيميائيّات البصمة، والسيميائيّات المعرفيّة.

طبيعة المعنى والجسم:

إنّ مفهوم الطبيعيّ (naturel) مرتبط فلسفيّاً بالأشياء وقوانينها في الطبيعة، وقد يكون فطريّاً في مقابل ما هو مكتسب؛ ولهذا صار مفهوم الطبيعيّ أحد المصطلحات المستعملة في قواميس القانون والفلسفة والدين والرياضيّات والإبستيمولوجيا (العلوم الطبيعيّة) والتاريخ والسيميائيّات، والحق الطبيعيّ مرتبط بطبيعة الإنسان والحقوق المتوقفة على هذه الطبيعة. وكان مصطلح العلوم الطبيعيّة يعني في الأدبيّات التعليميّة تلك العلوم التي تدرس الأحياء والحياة والجيولوجيا، وانضافت إلى هذه التسمية الفيزياء والبيئة. إنّ موضوع العلم الطبيعيّ «الجسم من حيث كونه متغيّراً»(115)، ومن جملة ما يتفرّع عن هذا العلم: الطبّ الذي «موضوعه بدن الإنسان من حيث الصحة والمرض»(116). وليست العلوم الإنسانيّة بدعاً من هذه العلوم في دراسة طبيعة الإنسان النفسيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة والتاريخيّة والأنثروبولوجيّة واللغويّة والأدبيّة.

إنّ طبيعة المعنى سبيلها هذه المجالات وتجاربها، التي تنهض على التجارب الحسيّة والحضور والتفاعل، وهي تتمثل الكينونة في العالم، ومنها متصوّر «أشكال الحياة» كما يتجلّى في اليوميّ والهامشيّ وكل ما هو معيش؛ وعليه مدار الحديث في السيميائيّات الراهنة(117)، التي تتطلع إلى الانخراط في الدراسات الثقافيّة أو في سيميائيّات التجربة، من حيث إنّها تصب في مجرى «السوسيوسيميائيّات»(118) التي تنخرط في كل ما هو معيش، ومن موضوعات هذا المعيش إدراج الجسم والبعد الحسيّ في آليات فهم المعنى بعيداً عن منطق الثنائيّات التقليديّة، أو في ظلِّ ما يمكن وصفه بالسيميائيّات المتشبعة بالوضعانيّة المرنة التي تتقبل أنّ واقع الجسم والكينونة يُعدّان مصدراً للمعنى.

تستمد السيميائيّات الراهنة ـ كما أسلفنا القول ـ مرجعيّتها من ظاهراتيّة الإدراك لدى ميرلو بونتي، التي ترتبط بما نقف عليه بأعيننا(119) وأحاسيسنا(120) إنّ العالم لا وجود له خارج إدراكنا؛ ولهذا نحتاج ـ كما ينصح لنا بيل نيكولز ـ أن «نتعلّم قراءة العالم المحسوس، كما نحتاج أن نتعلّم قراءة الصورة»(121). لقد كان الإحساس مقصى من الأعمال السيميائيّة حتى الثمانينيّات. إنّ العلاقة التفاعليّة بين المرئي والمحسوس، والتجربة الحسيّة للجسم والإدراك شملتها فلسفة ميرلو بونتي بالدرس والتحليل. إنّ الحواس الخمس من المنظور الظاهراتيّ (البصر والسمع واللمس والشم والذوق) عُدّت كأنها طرائق للولوج إلى الموضوع. والإدراك حُدِّد بوصفه «رسوخاً لجسم نشيط داخل موضوع»(122)، و«اقتران جسمنا مع الأشياء»(123) تنبثق منه المعاني.

وهكذا تغدو الحواس سبيلاً إلى المحسوسات، ولكن المكانة كانت للمعقولات أكثر من المحسوسات؛ لأنّ التصوّر السيميائيّ ذا النزعة البنويّة انحاز لعالم الأذهان، وأقصى عالم الأعيان، ومدار العلامات اللسانيّة على الأمور الذهنيّة، وأنّ «اختلاف الأسماء عند اختلاف التصورات الذهنيّة يدلّ على أنّ مدلول الألفاظ هو الصور الذهنيّة لا الأعيان الخارجيّة»(124). والناظر في التراث الإسلاميّ يقف على أنّ المرجع الخارجيّ لم يؤخذ في الحسبان لدى تعريف العلامة اللسانيّة؛ إذ تقوم على الدوال من حيث هي ألفاظ حوامل، وعلى المدلولات التي بها تقوم المعاني التي هي في نظر الخطابيّ «نتائج العقول وولائد الأفهام، وبنات الأفكار»(125)؛ ولكن سبق وقلنا: إنّهم عدُّوه «الوجود الحقيقيّ الأصيل».

يرتبط الإمساك بكل صورة بالعلاقة التفاعليّة الموجودة بين الجسم والعالم المحسوس؛ إذ يسهم الإدراك والتصويريّة. وبالتأكيد فإنّ الإمساك بالموضوع مرتبط بالتجربة الحسيّة (اللمسيّة والبصريّة والسمعيّة والشميّة والإيمائيّة) للذات المُدرِكَة، فالإدراك «هو إعادة خَلْقٍ أو إعادة بناء للعالم في كل لحظة»(126)، ولكن هذا الإدراك لا يحصل خارج السنن؛ ومن هنا يمكن النظر إلى النسق الإدراكيّ على أنّه لغة تتمثل العالم تمثّلاً ذهنيّاً. وإذا استأنسنا بالمتصورات الجشطالتيّة لأمكننا القول: إنّ العالم لا يتشكّل خارج سيرورة الإدراك.

يتمُّ الإدراك عبر الأعضاء الحسيّة التي تستدعي الموضوع بطريقتها الخاصة؛ لأن كل إحساس مكانيّ أو زمانيّ وجود تواجد الموضوع والجسم المحسوس قابلاً للتقطيع بطريقة مختلفة في كل موقف، وهذه خلاصة تجاربنا الحسيّة التي تعيد بناء الموضوع. يوضح ميرلو بونتي العلاقة بين الموضوع والذات المدركة بالتركيز على النزعة غير المادية (l’immatérialisme) لباركلي(127). «إن الشيء لا يمكن أن يكون منفصلاً عن الشخص الذي يدركه، لا يمكن أن يكون فِعْلاً في حدِّ ذاته؛ لأن تقطيعاته هي نفسها التي هي لوجودنا، والتي تضع في لمحة بصر أو بعد الاستكشاف الحسيّ الذي يستثمر الإنسانيّة»(128)

أعاد گريماص تعريف التصويريّة بعد استلهام ظاهراتيّة ميرلو بونتي بوساطة مفهوم الدلالات المفتوحة (semiosis)، (إنها سيرورة تبدأ بالإدراك البصري للموضوع، وتنتهي بالتعرف إلى الصور)، وعن طريق مفهوم التجربة الحسيّة (l’esthésie) يحصل انصهار بين الذات والعالم المحسوس؛ وهكذا لا تصبح التصويريّة «مجرد تزويق الأشياء، إنها شاشة للظهور التي تؤلف الفضيلة، الانفتاح أو تفسح المجال لفهْمِها بفضل نقصها بوصفها إمكاناً أو خارج الشعور»(129). وهكذا انفتحت السيميائيّات على انفعالات النفس وتوتراتها.

تضع الذات في المشهد كل ما يُحَسّ على صعيد الاستقباليْن الخارجيّ والداخليّ. إن مقولة «الاستقبال الخارجيّ» (extéroceptivité)(130) التي تعيّن المثيرات الآتية من العالم الخارجيّ وتؤلف مستوى التعبير بينما تشير مقولة «الاستقبال الداخليّ» (intéroceptivité) إلى المثيرات الصادرة من داخل الجسم، وتؤلف مستوى المحتوى. إنّ مقولة «استقبال الحسّ العميق»(131) (proprioceptivité) تسم «موقف الجسم الذي يحدد التمييز بين الاستقبال الداخليّ والاستقبال الخارجيّ»(132) وفي عملية الدلالات المفتوحة فإنّ «جسم المحفل المتلفظ» الذي ينتمي إلى مستويي اللغة يُنمّي الروابط بين الأحاسيس والعواطف، وبين «الخالص» و«غير الخالص («propre» et le «non-propre»)، وبين «المجال الداخليّ» و«المجال الخارجيّ»(133)

إن الجسم المُقصى من السيميائيّات ـ بموجب النزعة التصويريّة والمنطقيّة في الستينيّات ـ عاد مرة أخرى في سيميائيّات الثمانينيّات، وبناءً على ذلك فإنّ التصويريّة أُعيد تحديدها بالنظر إلى علاقتها بالجسم. إنّ سيميائيّات الفعل ـ التي صارت «تقليدية» ـ كانت تهدف إلى دراسة الدلالة انطلاقاً من الدال والمدلول محللة مستويين التعبير والمحتوى، في حين تستهدف سيميائيّات الجسم الموسومة بـ «الراهنة» تقطيع مستويي اللغة عبر الجسم الموصوف بأنّه «مكان الدلالات المفتوحة (السيميوزيس) وشعاعها وموجهها»(134)، الذي يجمع بين المستويين داخل المجموع الدال.

حدّد السيميائيّون في الثمانينيّات والتسعينيّات هدف السيميائيّات الراهنة انطلاقاً من سؤال: «كيف ينبثق المعنى من الإدراك، وينظم كذلك الدلالة؟ وعلى أي نحو يتحول الفهم المحسوس إلى عالم دال(135)؟ يخص هذا العمل إعادة بناء الفضاء من قبل الرحّالة في محكيات الرحلة، ويوميات الرحلة، والأدلة السياحية من أجل استخلاص «التعرف للتجربة الجسميّة في أشكال العالم الذي يحيط بنا (monde environnant)  (136) نقترح للإجابة عن هذين السؤاليْن دراسة بزوغ القيم وبناء الدلالة انطلاقاً من الذات الحسيّة وتجربتها الجسميّة (somatique).

كنا أشرنا أعلاه إلى أنّ متصوّر «أشكال الحياة»(137) يأتي في الرتبة الأخيرة من سلم موضوعات السيميائيّات كما رتّبها جاك فونتاني، وباشرها في مؤلفه «ممارسات سيميائيّة»؛ وإن كان لاندوڤنسكي يفضل مصطلح «أسلوب» على مصطلح «شكل» لوضوحه؛ علماً أنْ ليست ثمّة رؤية واضحة وموحدة بين السيميائيّين في هذه المسألة؛ ولكن الذي ليس عليه خلاف أنّ الحياة ـ سواء أنُظِر إليها من منظور الشكل أم من منظور الأسلوب ـ تبقى الموضوع الذي يحج إليه السيميائيّون في عصرنا الراهن. ويمكن للدارسين العرب أن يجدوا في كتابات الجاحظ والتوحيدي وكتب الأخبار والنوادر والحكايات والقصص والجماليّات العربيّة مجالات رحبة لهذه الموضوعات، وعلى نحو ما قام به عبد السلام بنعبد العالي في مقاربة اليوميّ والهامشيّ مقاربة بارتيّة.

يستدعي الطبيعيّ الجسم بإيماءاته وانفعالاته وأحاسيسه وعواطفه وأهوائه، فالأفعال نابعة من الانفعال أو مصاحبة له. فللجسم ـ من الوجهة الفلسفيّة والدينيّة والأدبيّة ـ حضور لافت في تاريخ الفكر الإنسانيّ، ويعني كل ما هو ماديّ، وهذه الماهيّة الماديّة تجعله أمام الإدراك عبارة عن مجموعة من الخصائص والكيفيّات القارة والمتضامة؛ والمتضامنة مثل قوله (ص) ؛ فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص) : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(138). وهو يشغل حيّزاً ماديّاً في الفضاء بأبعاده الثلاثيّة (الطول والعرض والكتلة).

سادت ثنائية «الجسم والنفس» تاريخ الفلسفة والأديان ردحاً من الزمن؛ بَيْدَ أنّ الجسم ـ بوصفه طبيعة عضويّة حيوانيّة ذات علاقة ترابطيّة ـ يمتاز بخصيصة الحركة الخالصة؛ وبناء على ذلك صارت الأشياء والموضوعات التي تكتسب بعض هذه الخصائص يطلق عليها مجازاً الجسم (مثلاً جسم الدولة والجسم الاجتماعيّ...). ويُعدُّ الجسم موضوعاً للطب والفيزيولوجيا وعلم الرياضة والرقص والتمثيل... وأضحى في الفلسفة الظاهراتيّة علامة أنطولوجيّة دالة على الوجود. وسيكون الوعي لدى ميرلو بونتي كينونة الشيء بوساطة الجسم. وهكذا يغدو المحسوس مسكناً للمعنى، بسبب حضور الجسم في العالم الذي نعيش فيه؛ وعليه لم يعد الحسيّ في مقابل المعقول فضلة في تركيب المعنى.

خصّص إريك لادونفسكي الفصل الرابع من كتابه «أهواء بلا اسم» الحديث عن أنظمة دلالة الجسم. وهو يلاحظ أنّ «الجسم» «عنصر مبهم، وغريب ومألوف في الآن نفسه»(139)، وقد يكون هذا الوضع سبباً في عدم خضوعه للبحث العلميّ باستثناء الطب والفن، ولم يلتفت إليه بوصفه منبعاً للمعنى، أو إشكالاً يستحق المدارسة خارج ثنائيّة (الجسم والنفس) أو (العقل والهوى)، وخارج صنافة الفلاسفة منذ أفلاطون والإكويني وفلاسفة المسلمين وديكارت وسبينوزا وهيوم وكانط، وهي أبعاد مفقودة في الدلالة؛ لأنّها لم تأخذ التجربة الحسيّة والجماليّة بوصفها مكوّناً يساعد على فهم المعنى والإمساك، وكان في السابق يقتصر على كلّ ما هو خطابيّ ومعرفيّ وعقلانيّ، وكل ما هو قابل للتقطيع تحت رقابة وضعانيّة صارمة؛ ولهذا كان لزاماً أن تُبنى سيميائيّات المحسوس متحديّة سياج المعقول، وثنائيّة (الجسم والنفس)، والذي نراه صواباً في مذهب لاندوفسكي أنّ «المعنى واحد»(140)، وهو ليس على منوال گريماص لمنطلقه الظاهراتيّ والسوسيولوجيّ.

يسجل في هذا السياق جون كلود كوكي(141) أنّ دراسة الظواهر في راهن السيميائيّات صارت تدور حول مقولة «جسميّ أنا» mon corps، في إدراكه للعالم أو المحفل الجسميّ في الخطاب الذي ينبثق منه المعنى في حدود ما تتيحه «مساحة الاتصال» كما يرى ميرلو بونتي(142). وهنا قد تتحول الذات إلى ملاحظ، فتكون لها وجهة نظر في سير الأحداث وسردها، وهذا يقتضي وجود كينونة الآخر من وجهة؛ ليس كيف تقول الكينونة؛ وإنّما كيف تقال الكينونة؟ من وجهة أخرى بحسب تقويضيّة دريدا؛ بَيْدَ أنّ الآخر ليس كائناً واقعيّاً بقدر ما هو «لعبة من الأشباه»، وفكرة الأشباه (simulacres) تعود إلى هيبوليت تين الذي يرى أنّ «الموضوعات التي نلمسها ونراها وندركها بحاسة من الحواس إنّما هي مجرد أشباه»(143).

عاد الجسم ليأخذ مكانه الطبيعيّ في السيميائيّات منذ الثمانينيّات من القرن العشرين بحسب جاك فونتاني، مع دراسة ثيمات الأهواء والتجارب الحسيّة، وترسيخ الدلالات المفتوحة في التجربة الحسيّة(144). إنّ الجسم لم يعد كتلة من اللحم البيولوجيّة فقط؛ وإنّما يتعرّف ويدرك ـ عن قُرْب أو بُعْد ـ ضمن «مساحة الاتصال» أو الجوار المتفاعل بين الأجسام الذي تنظمه المواضعات الاجتماعيّة والأعراف الثقافيّة. ويمكن أن نقف على ذلك في إشاريّات التلفظ (أسماء الإشارة)، وصيغ لغويّة مثل النداء؛ إذ تفترض صيغة النداء وجود ذاتين (المنادِي، والمنادَى)، ولكي يتمّ النداء يجب أن يكون هناك تباعد مكانيّ؛ بمعنى وجود مسافة بينهما، وأن يرى المنادِي المنادَى، وأنّ المنادَى يمتلك حاسّة السمع ليستجيب لصوت النداء. ومن دون أن نهمل أيضاً العمليّات الذهنيّة التي تسهم في تحقيق التواصل، بعد أن كان مجرد اتصال. فالذهن يقوم بتحليل الصوت، ويفحصه. هل هذا الصوت غريب على الذاكرة أم أنّه مألوف؟ وبناءً على هذا التحليل تحصل الاستجابة من عدمها؛ وبهذا نكون في قلب السيميائيّات المعرفيّة.

السيميائيّات معنية بتحليل الخطاب وفهم اتساقه وانسجامه، وليس فقط تفسيره؛ بَيْدَ أنّ هذا التحليل لمنطق المعنى وعناصر توليفاته الممكنة لا يحتمي بالجوانب السيكومنطقيّة، ولا يستعين بالمحددات السوسيومنطقيّة؛ وإنّما يبقى في حدود دائرة المنطق السيميائيّ وجبر العلامات، وهذا ما قامت عليه سيميائيّات بورس وگريماص ورولان بارت. وإذا سلمنا جدلاً أنّ السيميائيّات علم أو «مشروع علميّ»؛ فإنّها ابتدعت لغة واصفة لتضع مسافة بينها وبين الموضوعات التي تتقصد دراستها.

انشغل السيميائيّ ـ غاية ما يكون الانشغال ـ باستكشاف منطق المعنى وإنتاجه وفهْمه، وحتى قسمته الاجتماعيّة، بل إنّها تعتني ـ على وجه الخصوص ـ بـ «مظهر المعنى» (paraître du sens) الذي لا سبيل إلى فهمه خارج تجلّياته في الخطاب. وظلَّ الطريق إلى الإمساك بالمعنى وفهْمِه ملتزماً بمبدأ الاختلاف وفق المقترب البنويّ الذي وضعه دو سوسير؛ وعليه فالمعنى في نظر گريماص ما هو إلى مجموع آثار هذا الاختلاف الذي يجعله فعلاً قابلاً للتواصل؛ ولهذا لا يمكن الإمساك به وفهْمُه إلّا داخل ملفوظات النص، فالتحليل السيميائيّ للنصوص الأدبيّة الملتزم بمبدأ المحايثة لا ينصرف إلى قصد المؤلف، ولا إلى الواقع الخارجيّ.

احتفت السيميائيّات السرديّة بالملفوظ دون التلفظ الذي كانت تتوجس منه خيفة؛ خشية أن ينزلق التحليل السيميائيّ إلى الذاتيّة والنزعة النفسيّة؛ وعندما انفتحت على مسألة التلفظ؛ فإنها ظلّت في حدود عوالم الخطاب دون أن تحيد عنه، وتمرق عن مبدأ المحايثة الذي يعدّ سياجاً نظريّاً لحدوده، ونظرت إليه على أنه فعل لصوغ المعنى صوغاً بنويّاً، وأنّ مقام الذات يتحدد في نسق الخطاب لا في سياقه الخارجيّ؛ ولهذا استدعى موضوع التلفظ ملاحظة التحقق الفعليّ (factitivité) للخطاب.

ينتسب مصطلح التحقق الفعليّ (factitivité) إلى مجال السيميائيّات التطبيقيّة التي تُعنى بالخطاب، من حيث إنّه جملة من الملفوظات المتعددة الذي ينبثق فيها المعنى من الاختلاف. وهذا يفترض الموضوعات واستعمالها اليوميّ، فعندما نستعمل معنىً ما سياقيّاً مثل السرير فهل يدعونا ذلك فقط إلى الاستلاقاء والاسترخاء أو الخلود إلى النوم(145)؟ ومثل هذا السؤال يلقي بنا في المنطق الجهيّ الذي يمكن تصنيفه إلى مقولتين:

1 ـ فعل الفعل(146) (faire-faire) ويمثّل مجموع الدعوات للفعل.

2 ـ فعل الكينونة(147) (faire-être) الذي يشترط جهات تمتلكها الذات:

ـ فعل المعرفة.

ـ فعل الوجوب.

ـ فعل الاعتقاد.

ـ فعل القدرة.

ـ فعل الإرادة.

تعدّ الجهات محمولات تشترط محمولات أخرى؛ ولكن هذا المنطق الجهيّ الذي طوّرته النظريّة السيميائيّة اعترضته عقبات كَأْدَاء، بفعل السياج البنويّ الذي ظلّ يحدّ من المغامرة السيميائيّة.

العاطفة والدلالة:

من المعلوم أنّ السيميائيّات السرديّة اعتنت على الدوام بالتغيير والسيرورة؛ ولكن هدفها لم يكد يتجاوز انتقال الأشكال: وما التحولات إلا عبارة عن انتقال من شكل إلى شكل آخر، ومن حالة بنويّة إلى حالة أخرى. وفي المقابل عندما نعتني بالديناميّة في ذاتها بمعنى أن مجموع التحولات المدركة ليس بوصفها انتقالاً بين حالتين؛ ولكن التحول المدرك بوصفه حدثاً حسيّاً؛ إذا فالعاطفة(148) (l’émotion) تكون في قلب فهم الدلالة. نستطيع القول: إنّ الانفعال هو الشعاع الأول للقصديّة، من وجهة مستوى التعبير: هناك شيءٌ ما يمسني، فيؤثر في وأتأثّر به، وتبعاً لذلك أشرع في استغلال الأشكال الدالة؛ ولكن لا أستطيع بطبيعة الحال أن أكون موضع تأثر؛ لأنّني لست حاسوباً معرفيّاً؛ وإنّما أنا جسم يحسّ، يتأثر ويؤثّر، يجرّب ويفكر.

إن منزلة العاطفة ما زالت غامضة، فلقد كانت فيما مضى منذ سنوات قليلة مجرد مرحلة سهلة من سلسلة أهواء مقبولة؛ في الحالة التي يعبر فيها العامل بالنسبة إليه، وبالنسبة إلى غيره الآثار الجسميّة (somatiques) للتحولات الهوويّة، وتخطيب الذاتيّة، ولكن هذا الوضع لا علاقة له بأيّ شكل من أشكال العاطفة، ينضاف إلى ذلك فلا يعبّر إلا عن جانبه الوظيفيّ والتبيئيّ، وبالتأكيد لا ينصرف إلى خصائصه الحسيّة على وجه التحديد.

وكان أيضاً اسماً للحالات الحرجة أحياناً (بمعنى «لحظات الأزمة»)، والتقلبات التوتريّة: تقلُّب مفاجئ للكثافة أو الاتساع ترتبط في الواقع بالعاطفة ولكن تحديداً بالتحولات العاطفية، لأننا سنأخذ في الحسبان وجود حالات عاطفيّة غير نقدية، ودون تقلبات مفاجئة. وتقتضي مباشرة لتجعل تحولات صور الجسم معقولة، وبخاصة من منظور سيميائيّات «غطاء جسميّ» (enveloppes corporelles) ضغوط وتدوينات وتعديلات بنويّة التي تمارس على هذه المظاهر.

إن عدم ثبات منزلة العاطفة في مجموع هذا المسار من البحوث التي دامت ثلاثة عقود لا تبعث على الحيرة؛ لقد تمكّنت من تصنيف الأهواء وبناء تراكيب مؤثرة، وظهرت تحليلات للمحسوس، دون أن تستطيع الاتفاق على نظام العاطفة. ولكن ومع ذلك فإنّه من الواضح اليوم أنّ العاطفة تستطيع تقُّبلَ المؤثرات القارة داخل حقل نظريّ وإبستمولوجيّ لم يمنح البتة نظاماً واضحاً للجسم سوى الطاقة والديناميات، وستكون العاطفة من وجوه ضرباً من التجلي التصويريّ (الطاقات التي تشتغل على الجسم بتغيير الأشكال والأنسجة والإيقاعات والسطوح)، إنّه عمل عميق للتلفظ والدلالات المفتوحة والقصديّة.

صفوة القول:

وفي الأخير يمكن أن ننتقل من طور التفكير في إنتاج المعنى إلى طور السؤال: كيف يتخلّق المعنى؟ وكيف يتلوّن ويتعدد؟ ومن أين ينبثق؟ وما طبيعته؟ ومنازله؟ ولا ننتظر أن يكون سؤال المعنى الذي تتقصده السيميائيّات مجرد مقاربة تأمليّة. لقد فتحت لنا العلوم المعرفيّة (وعلم الأعصاب والذكاء الاصطناعيّ والرياضيّات وعلم النفس الإدراكيّ) آفاقاً رحبة لتقديم أجوبة علميّة في ظل حقل الدراسات البينيّة.

 

المراجع والمصادر والهوامش:

(1) نفضِّل مصطلح (العلامة) في مقابل (signe) على غيره؛ لكون القدماء كانوا يرون السمة والوسم والسيماء والسيمياء والأمارة والاسم والآية والدليل على أنّها ضَرْبٌ مخصوص من العلامات، كما أشار إلى ذلك صاحب الفروق في اللغة، وقال عبد القاهر الجرجانيّ: «ليس للدليل إلّا أن يُعلمك الشيء على ما يكون عليه». دلائل الإعجاز، بيروت، دار المعرفة، 1984، ص 369. والدليل مضمن بالعقل، وبه يُعرف ما لا يُعلم عبر اللسان والتلفظ والاستدلال. وهو الطريق إلى المطلوبات الخبريّة بصحيح النظر فيها... يراجع معجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة [أمر، وسم]، و(الفروق) في اللغة لأبي هلال العسكري، والمفردات في غريب القرآن للراغب الاصفهانيّ، وشرح شذور الذهب لابن هشام، والتعريفات للشريف الجرجاني.

(2)بل بثلاثة أسماء أو أكثر (sémiologie-sémiotique- sémanalyse)، لكن أشهرها (sémiologie-sémiotique).

- M. Arrivé, La sémiotique littéraire, in Sémiotique: L’école de Paris, Paris, éd. Hachette, 1982, p. 127.

(3)  عقدت أول مؤتمرها في مدينة ميلان الإيطاليّة 2 ـ 4 يونية 1974. وترأس مكتبها كل من إيميل بنڤنيست ورومان ياكبسون، وتولى أمبرتو إيكو أمانتها العامة، وهو من تولى تنظيم هذا المؤتمر، وأسند إلى سيبوك الأمريكي مهمة التحرير. وكان رولان بارت أحد أعضاء اللجنة التنفيذيّة لبرنامج المؤتمر، وجوليا كرستيڤا وكريستيان متز مقررين عامين للسينما (الحالة الراهنة لسيميولوجيا السينما في العالم). كما قدّم كلود بريمون بحثاً عن الدراسة البنويّة للمحكي بدءًا من بروب، وقدّم تودوروف ورقة عن سيميائيّات الأدب، وكذلك إ. ڤيرون دراسة عن السيميائيّات والعلامات الاجتماعيّة.

(4) يفضل عادل فاخوري ترجمة هذا العلم (semiotics) بـ «السيمياء»؛ لأنّها في نظره «كلمة قديمة متعارفة على وزن عربيّ خاص بالدلالة على هذا العلم. أما التفرقة بين السيميوطيقا والسيميولوجيا، فلم تعد قائمة بعد أن قرر المؤتمر العالميّ للسيمياء تبنِّي مصطلح semiotics». حول إشكاليّة السيميولوجيا، مجلة عالم الفكر، الكويت، مج: 24، ع 3، يناير/ مارس، 1996، ص 187.

(5) وظهرت مجلات أخرى (semiosis) الألمانيّة، و(versus) الإيطاليّة، و(degrés) البلجيكيّة.

قد ألفينا الترجمة العراقية لمحاضرات في اللسانيّات العامة (ص 35) تقابل مصطلح السيميولوجيا بالأعراضيّة من قبل يوسف غازي ومجيد النصر في ترجمتهما لدروس سوسير اعتقاداً منهما أنّ هذا العلم يضطلع بدراسة الأعراض المرضيّة التي تقابل مصطلح (sémiotiké)، والذي يعني أيضاً المنطق لدى أفلاطون، وفي العصر الحديث يقابل مصطلح symptomatologie، ومنهم من ترجمه بعلم الألفاظ وعلم العلاقات وعلم الدلالة وعلم الإشارات وعلم الرموز والرموزيّة وعلم الأدلة والدلائليّة والسيمياء والسيميائيّة، ونحن نفضّل السيميائيّات على منوال الرياضيّات واللسانيّات.

(6) شمل فكره مجالات معرفيّة عديدة: الرياضيّات والمنطق والفلسفة، والكيمياء، والفلك، والاقتصاد، وتاريخ فلسفة العلوم، والإحصاء... إلخ.

(7) والمقصود هنا ظاهراتيّة (phanéroscopie) بورس لا هوسرل. إنّ مصطلح (phaneron) قريب إلى مصطلح فكرة (idée) في أدبيّات الفلاسفة الإنجليز؛ ولكنها تختلف عمّا في ذهنه كما يقول بورس، بل هي من وجوه أقرب على المعنى الأفلاطونيّ. فعلم الظواهر (علم الأفكار) عنده هو وصف للظاهرة في كليّتها كما تتمثّل في الذهن، ومن دون النظر أهي مطابقة للواقع، أم غير مطابقة له، وهي بذلك ليست مرادفة للحقيقة بالمفهوم الهيغلي. ولم يَعْتَرِه الشك أدنى لحظة في أنّ سمات الظاهرة التي يقف عليها في ذهنه حاضرة في كل الأزمنة، وفي كل الأذهان؛ وعليه فعلم (الڤانيروسكوبيا) ذو طبيعة صوريّة.

(8) انظر: - Charles S. Peirce, Écrits sur le signe: Textes rassemblés, traduits et commentés Par Gérard Deledalle, Paris, éd. Seuil, 1978, p. 78.

 (9) Ibid., p. 140.

(10) Ibid., p. 141.

(11) Ibid., p. 141.

(12) Ibid., p. 140.

(13) Ibid., p. 142.

(14) الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، تح: سيد الجميلي، بيروت، دار الكتاب العربيّ، ط 2، 1986، 1/31.

(15) Charles S. Peirce, Écrits sur le signe: Textes rassemblés, traduits et commentés Par Gérard Deledalle, p. 140.

(16) معجم مقاييس اللغة، مادة [وسم].

(17) يعدُّ موريس رافائيل كوهن Morris Raphael Cohen أوّل طالب أنجز أطروحة حول بورس بتوجيه من أستاذه جوزياه رويس Josiah Royce، وقدّم أول سيرة علميّة لكتاباته.

(18) بدأت تترجم أعماله إلى الفرنسيّة من قبل كلودين تيرسلين C. Tiercelin المتخصصة في فلسفة بورس:

- Pragmatisme et pragmaticisme, 2002.

- Pragmatismes et sciences normatives, 2003.

- Écrits logiques, 2006.

 (19)      كان والده أستاذاً للرياضيّات في جامعة هارڤرد، ومؤسساً لقسم الرياضيّات فيها. وقاد الباحثة في تاريخ الرياضيّات كارولين إيزيل Carolyn Eisele (1902 ـ 2000) لإبراز الجانبين العلمي والرياضياتي لبورس.

(20) Charles S. Peirce, Écrits sur le signe: Textes rassemblés, traduits et commentés Par Gérard Deledalle, Paris, éd. Seuil, 1978, p. 142.

 (21)      Firstness – Secondness – Thirdness.

(22)ـ Firstness – Secondness – Thirdness.

(23)حوار بيل كوڤالسكي مع هيلاري بوتنام عن الرياضيات والواقعيّة والأخلاق، مجلة هارڤارد الفلسفيّة، عام2011، تر: سعيد منتاق، مجلة ألباب، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، ع: 3، 26/4/2017، ص 6.

(24)يعدُّ أحد المؤسسين لهذا الاتجاه الفلسفيّ بمعيّة ويليام جيمس، ولم يستمر في التدريس بجامعة جونز هوبكنز إلّا قليلاً. يضاف إلى ذلك أنّه لم ينكبّ على تأليف الكتب في حياته مثل فلاسفة عصره، إلّا مقالات كان بعضها استكتاباً لسد رمق العيش؛ ولكنّه ترك شذرات فلسفيّة ومنطقيّة وسيميائيّة جمعت بعد حياته في ثمانية مجلدات (collected papers) قدّرت بـ 12000 ورقة، بيعت إلى قسم الفلسفة بجامعة هارڤارد من قِبَل أرملته.

(25)نشرت سنة 1877. إنّ تثبيت الاعتقاد لديه بحث يروم خوض معركة للانتقال من الشكِّ إلى سلامة الاعتقاد واليقين، وهذه مقدّمة للفعل. وإن كان الاعتقاد عبارة عن قاعدة فاعلة في داخلنا، تتسم بالنشاط والحيويّة.

(26)قدّم هذه الورقة في سنة 1878.

(27) Emile Benveniste, Problèmes de linguistique générale, 2, Paris, éd. Gallimard, 1974, pp. 43-67

(28)بدأت مسيرة گريماص العلميّة بالمعجميّات سنة 1956، ثم الدلاليّات سنة 1966، ثم السيميائيّات ابتداءً من 1970، ولكنها سرعان ما تضافرت هذه العلوم، وتضايفت في سميائيّات الأهواء.

(29)ميشال آريڤيه، البحث عن دو سوسير، تر: محمد البقاعي، مر: نادر سراج، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط 1، 2009، ص 259.

(30) Jean-Claude Coquet, L'école de Paris, in Sémiotique: L'école de Paris, Paris, éd. Hachette, 1982, p. 10.

(31)وقد إنجزّ إلى أنّ سوسير استخدم مصطلحاً آخر في الكتابات (سينيولوجيا) أي علم العلامة (signiologie).

Sémiologies saussuriennes II, Cahiers Ferdinand de Saussure, 34, 1980, pp. 1-16.

(32) ميشال آريڤيه، البحث عن دو سوسير، سبق ذكره، ص 68.

(33)شرع دو سوسير في تقديم محاضراته في اللسانيّات العامة بعد أن أحيل جوزيف فيرثايمر حاخام جنيڤ القبالي إلى التقاعد، فعهدت له كليّة الآداب بجامعة جنيف بتدريس هذا المقرر بداية من الثامن من ديسمبر سنة 1906، وكان يتابع محاضراته عدد من الطلبة لا يتجاوزون الإثني عشر طالباً. انقسمت محاضراته على النحو الآتيّ:

ـ من 16/1/1907 إلى 3/7/1908.

ـ من 11/1908 إلى 24/6/1909.

من 29/10/1910 إلى 4/7/1911.

ينظر ميشال آريڤيه، البحث عن دو سوسير، سبق ذكره، ص 60.

(34)Jacques Fontanille, Sémiotique et littérature: Essais de méthode, op. cit., p. 1.

(35) A. J. Greimas et G. Courtes, sémiotique: Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, Paris, éd. Hachette, 1993, [sémiologie].

(36) voir R. Engler, sémiologies saussuriennes I, Cahiers Ferdinand de Saussure, 29, 1974- 1975, pp. 45-73.

ــــــــــ. Sémiologies saussuriennes II, Cahiers Ferdinand de Saussure, 34, 1980, pp. 1-16.

(37) تحقيق آنا مارينتي (Anna Marinetti)، ومارشيلو ميلي (Marcello Meli)، 1986.

(38)ميشال آريڤيه، البحث عن دو سوسير، سبق ذكره، ص 130.

(39)ميشال آريڤيه، البحث عن دو سوسير، سبق ذكره، ص 149.

(40)ميشال آريڤيه، البحث عن دو سوسير، سبق ذكره، ص 136.

(41)ميشال آريڤيه، البحث عن دو سوسير، سبق ذكره، ص 141.

 

(42) F. de Saussure, Cours de linguistique générale, Paris, éd. Payot, 1972, p. 33.

(43) Ibid., p. 33.

 

(44) Ibid., p. 101.

 

(45) Anne Hénault, Histoire de la sémiotique, Paris, éd. PUF,) Que sais-je (?, 1992.

 

(46) Robert, Petit Robert, [sémiologie].

(47) F. de Saussure, Cours de linguistique générale, p. 33.

 

(48) Jean-Claude Coquet, L'école de Paris, in Sémiotique: L'école de Paris, Paris, éd. Hachette, 1982, p. 5.

(49) أبو هلال العسكريّ، الفروق في اللغة، تح: لجنة إحياء التراث العربيّ، بيروت، دار الآفاق، ط 4، 1963، ص 13.

(50) الحمويّ، خزانة الأدب وغاية الأرب، شر. عصام شعيتو، بيروت، دار الهلال، د.ت، 1/258.

(51) يا للأسف لم يُنْصَف هذا الباحث، ولم يأخذ حقّه من الدراسة. فهو منطقيّ ولسانيّ وشاعر وله دراية بالذكاء الاصطناعيّ، تلقى دراسته في إيطاليا وفي فرايبورغ وإرلنغتون ونورنبيرغ بألمانيا وفي السربون بفرنسا، ويتقن لغات عديدة مثل الفرنسيّة والإنجليزيّة والألمانيّة واللاتينيّة واليونانيّة. ومن مؤلفاته:

ـ علم الدلالة عند العرب: مقارنة مع السيمياء الحديثة.

ـ تيارات في السيمياء.

ـ منطق العرب من وجهة نظر المنطق الحديث.

ـ المنطق الرياضيّ.

ـ اللسانيات التوليديّة والتحويليّة.

ـ الرسالة الرمزيّة في أصول الفقه.

. أفكّر أنا إذن كمبيوتر.

(52) يراجع عادل فاخوري، علم الدلالة عند العرب: مقارنة مع السيمياء الحديثة، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط 2، 1994، ص 5.

(53)عادل فاخوري، علم الدلالة عند العرب مقارنة مع السيمياء الحديثة، ص 6.

(54)ورد على لسان أسيد بن عنقاء الفزاريّ

غلام رماه الله بالحسنى يافعاً

له سيمياء لا تَشقُّ على البصر

ينظر ابن منظور، لسان العرب، مادة [وسم].

(55) أحمد بن مصطفى (طاش كبري زاده)، مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، منشورات محمد علي بيضون، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط 3، 2002، 1/316.

 

(56) المصدر السابق، 1/317.

(57)يعني هذا المصطلح ـ أيضاً ـ فرعاً من فروع الطب الذي يدرس الأعراض المرضيّة.

(58)مفتاح السعادة ومصباح السيادة، 1/272.

(59)المصدر السابق.

(60)سَبَّق ابن سينا الطبيعيّات على الإلٰهيّات، والعكس عند أبي حامد الغزاليّ، ويأتي اعتراض الغزالي على الفلاسفة لاعتقادهم بقدم العالم، ونفيهم لعلم الله بالجزئيّات، واعتراضهم على البعث الجسمانيّ، ولعلَّ هذا النهج دفع بالغزالي لتقديم الإلٰهيّات على الطبيعيّات.

(61) تأثر بورس بدونيه سكوت، وإيكو بتوماس الأكويني، وكذا القديس أوغسطين، وگريماص بالقديس أنسالم في مربعه السيميائيّ... إلخ.

(62)ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط 1، 1982، ص 235.

(63)ابن سينا، الشفاء، العبارة، تح: محمد خضيري، القاهرة، 1970، ص 2.

(64)جاك دريدا، الصوت والظاهرة: مدخل إلى مسألة العلامة في فينومينولوجيا هوسرل، تر: فتحي إنقزّو، الدار البيضاء، بيروت، المركز الثقافيّ العربيّ، ط 1، 2005، الفصل الأول.

(65)أبو حامد الغزالي، معيار العلم في فن المنطق، شرحه أحمد شمس الدين، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط 2، 2013، ص 47.

(66)المصدر السابق نفسه.

(67)القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تح. محمد الحبيب بن الخوجة، بيروت، دار الغرب الإسلاميّ، ط 3، 1986، ص 19.

(68)مفتاح السعادة ومصباح السيادة، 1/75.

(69)أبو هلال العسكري، الفروق في اللغة، ذكر سابقاً، ص 62.

(70)نقد الشعر، تح. محمد عبد الغني خفاجي، بيروت، دار الكتب العلميّة، ص 68.

 

(71) Jean-Claude Coquet, L'école de Paris, in Sémiotique: L'école de Paris, op. cit., p. 6.

سرد جون كلود كوكي عناوين المؤلفات الفرنسيّة التي تستخدم مصطلح (sémiotique)، وعددها سبعة مؤلفات صدرت من 1970 إلى غاية 1979، يُضاف إليها أعمال مركز تحليل الخطاب الديني بمدينة ليون الفرنسيّة.

(72)     ظلّت هذه الازدواجيّة مزعجة، ولعلنا نتذكّر ذلك السؤال الذي طرحه روجر ب ـ ول دروا الصحافي بجريدة لوموند الفرنسيّة بتاريخ 7 يونية 1974 في صفحة خاصة لـ: «علم العلامات». ما الفرق بين السيميولوجيا والسيميوطيقا؟

- M. Arrivé, La sémiotique littéraire, in Sémiotique: L'école de Paris, Paris, éd. Hachette, 1982, p. 128.

(73) Jacques Fontanille, Sémiotique et littérature: Essais de méthode, op. cit., p. 1.

(74) الباقلانيّ، إعجاز القرآن، بيروت، دار الفكر العربيّ، 2/112.

 

(75)الجاحظ، الرسائل الأدبيّة (رسالة الجدّ والهزل)، تح. وشر: عبد السلام هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1964، 1/ 263.

(76) - Robert, Dictionnaire Robert, [sémiologie].

(77) وهي عبارة عن مجموعة من المقالات كتبت ما بين 1954 و1956. وتقدّم كما يقول بارت قراءة إيديولوجيّة للغة الثقافة الجماهيريّة من وجهة، ومن وجهة أخرى هي تفكيك سيميولوجيّ لهذه اللغة. ويعترف بارت بفضل دو سوسير في مساعدته على معالجة «التمثيلات الجماعيّة» على أنّها أنساق سيميائيّة تفضح ثقافة البرجوازيّة الصغيرة.

Roland Barthes, Mythologies, Paris, éd. Seuil, 1957, p. 7.

 

(78) ألجيرداس ج. گريماص وجاك فونتاني، سيميائيّات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس، تر، وتق، وتع: سعيد بنگراد، بيروت، دار الكتاب الجديد المتّحدة، ط 1، 2010، ص 57.

 

(79) M. Merleau-Ponty; Phénoménologie de la réception, Paris; éd. Gallimard, 1945, p. XV.

 

(80) ينظر كتابنا النظرية السيميائيّة من العلامة إلى الخطاب، السعوديّة، منشورات جامعة الملك سعود، 2018.

 

(81) A. J. Greimas, Sémantique structurale: Recherches de méthode, Paris, éd. PUF, p. 20.

 

(82) أ. ج. گريماص، سيميائيّات السرد، تر: وتق. عبد المجيد نوسي، الدار البيضاء، المركز الثقافيّ العربيّ، ط 1، 2018، ص 38.

(83)ينظر الرسائل السياسيّة، بيروت، دار مكتبة الهلال، ط 1، د.ت، ص 84.

 

(84) Jacques Fontanille, Sémiotique et littérature: Essais de méthode, op. cit, p. 4.

 

(85) والتجاوز لا يعني بالضرورة القطيعة.

 

(86) Jacques Fontanille, Sémiotique et littérature: Essais de méthode, op. cit, p. 3.

 

(87)وهي مقالة قدمها گريماص بمناسبة مرور أربعين سنة على وفاة دو سوسير. وعلماً أنّه لم يكن مرحباً به داخل مجتمع اللسانيّين.

 

(88) Anne Hénault, Histoire de la sémiotique, p. 35.

 

(89) Jean-Marie Klinkenberg, Pour une sémiotique cognitive, http://journals.openedition.org/linx/1056 ; DOI: 10.4000/linx.1056, pp. 133-148.

 

(90) نذكر على سبيل المثال لا الحصر الذين كان لهم السبق في التعريف بالسيميائيّات السرديّة وتطبيقاتها؛ ففي الجزائر نجد عبد الحميد بورايو، ورشيد بن مالك، وفي المغرب مصطفى الشاذلي (تتلمذ على جورج موران)، وعبد المجيد نوسي، ومحمد الداهي (سلك سبيل سيميائيّات الكلام)، وفي تونس ناصر العجيمي وعادل الخضر. وهناك جيل جديد واعد يتفاعل مع تطور النظريّة السيميائيّة.

 

(91) نذكر منهم عادل فاخوري، ومحمد مفتاح، ومبارك حنون، ومحمد الماكري، وأحمد يوسف، والطائع الحداويّ.

(92)سعيد بنگراد ومحفوظ عبد اللطيف.

(93) Bertrand Denis, Précis de sémiotique littéraire, 2000, p. 7.

 

(94) Jacques Fontanille, Pratiques sémiotiques, Paris, éd. PUF, 2008, p. 17.

 

(95) A. J. Greimas, Du sens: Essais sémiotiques, Paris, éd. Seuil, 1970, p. 17.

 

(96) A. J. Greimas & J. Courtes, Sémiotique: Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, 2003. [Sens].

 

(97) وهذا السبب جعل گريماص يهجر الدراسات المعجميّة التي كانت منطلقاً لمسيرته العلميّة.

 

(98) وهذا ما جعل السيميائيّات تنتقل من دراسة الملفوظ إلى التلفظ.

 

(99) Jacques Fontanille, Pratiques sémiotiques, Paris, éd. PUF, 2008, p. 18/34.

 

(100) A. Beyaert-Geslin et P. Basso Fossali (éds.), «Les formes de vie à l’épreuve d’une sémiotique des cultures», Actes sémiotiques, 115, 2012.

 

(101) سيميولوجيا الحياة اليوميّة، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط 1، 2016.

 

(102) Herman Parret, Sutures sémiotiques, Limoges, éd. Lambert-Lucas, 2006, p. 8.

 

(103) A. J. Greimas, Du sens II, Paris, éd. Seuil, 1983, pp. 67-91.

 

(104) Ibid., pp. 93-102.

(105)يُعدُّ أحد الممثلين البارزين في حقل السيميائيّات اللسانيّة، والباعثين لموضوع الذات وحضورها الجسميّ، وإحداث قطيعة إبستيمولوجيّة لكي تسمح بإعادة تمفصل اللغة والواقع.

(106)لا نضفي ـ هنا ـ طابعاً سلبيّاً على صفة «التقليدية»؛ وإنما نستعملها من منظور زمني فقط.

(107)ويقابل باللغة الإغريقيّة (Soma).

 

(108) Michel Costantini, Ivan Darrault-Harris, «Vers une sémiotique du continu», Sémiotique, phénoménologie, discours: du corps présent au sujet énonçant, dirigé par Michel Costantini et Ivan Darrault-Harris, Paris, Harmattan, 1996, p. 13.

 

(109) Ibid., p. 21.

 

(110) ابن سينا، العبارة من كتاب الشفاء، تح: محمود الخضيريّ، القاهرة، دار الكتاب العربيّ للطباعة والنشر، 1970، ص 1 و 2.

 

(111) Sündüz Öztürk Kasar, «Pour une typologie des non-sujets: Au carrefour de la sémiotique et de la phénoménologie», [en ligne], Association Française de Sémiotique Semio 2007 Les interfaces disciplinaires, des théories aux pratiques professionnelles, Disponible sur:

, consulté le 27 juillet 2011.

 

(112) Louis Panier, «Ricœur et la sémiotique: Une rencontre “improbable”?», Semiotica, volume 168, numéro 1/4, 2008, Walter de Gruyter, pp. 305-324, [en ligne], Disponible sur:

consulté le 3 août 2011.

 

(113) Jacques Fontanille, Sémiotique et littérature: Essais de méthode, Paris, éd. PUF, 1999, p. 229.

 

(114) Nedret Öztokat, «L’esthésie, la présence et l’imperfection dans l’univers de Chateaubriand», Frankofoni: Revue d’études et recherches francophones, no 16, Ankara, 2004, pp. 135-145.

 

(115) أحمد بن مصطفى (طاش كبري زاده)، مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، ذكر سابقاً، 1/301.

(116) المصدر السابق، 1/303.

 

(117) Alain Perusset, Des formes de vie aux styles de vie, et vice-versa, in Actes sémiotiques, n° 122, 2019, p. 1.

 

(118) Eric Landowski, Passions sans nom, Paris, éd. PUF, 2004, p. 35.

 

(119) Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, Paris, Gallimard, 1945, p. 29.

 

(120) Ibid.,

 

(121) ينظر دانيال تشاندلر، أسس السيميائيّة، تر: طلال وهبه، مر: ميشال زكريا، بيروت، المنظمة العربيّة للترجمة، ط 1، 2008، ص 259.

(122) Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, p. 130.

 

(123) Ibid., p. 376.

 

(124) الرازي، التفسير الكبير: مفاتيح الغيب، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، ط 3، د. ت. 1/23.

 

(125) الخطابي، بيان إعجاز القرآن، تح: محمد خلف الله ومحمد زغلول، مصر، دار المعارف، ط 2، 1968، ص 36.

 

(126) Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, p. 251.

 

(127) Georges Berkeley, philosophe Irlandais suppose que tous nos idées sont relatives à nos sens et que la forme, la dimension, la couleur d’un objet varient par rapport à la position et à l’état d’esprit de l’observateur. Sa philosophie exclut le scepticisme en attribuant la priorité au témoignage des sens.

 

(128) Maurice Merleau-Ponty, op. cit., p. 376.

 

(129) Algirdas Julien Greimas, De l’imperfection, Périgueux, Fanlac, 1987, p. 78.

 

(130) Jacques Fontanille, Sémiotique du discours, Limoges, Pulim, 1988, p. 35.

 

(131) Ibid., p. 41.

 

(132) Jacques Fontanille, Soma et séma: Figures du corps, Paris, Maisonneuve & Larose, 2004, p. 21.

(133) Ibid., p. 22.

 

(134) Ibid., p. 13.

 

(135) Jacques Fontanille, Sémiotique et littérature, Paris, PUF, 1999, p. 228.

 

(136) Jacques Fontanille, Soma et séma: Figures du corps, op. cit., p. 16.

 

(137) J. Fontanille, Formes de vie, Liège, éd. PUL, 2015.

 

(138) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، (4/1999)، برقم: (2586)، والبخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، (8/10) برقم: (6011)، بلفظ: ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى.

 

(139) Eric Landowski, Passions sans nom, p. 77.

(140) Ibid., p. 5.

 

(141) Jean-Claude Coquet, Instances du discours et phénoménologie, in «La transversalité du sens: Parcours sémiotiques, Paris, éd. PUV, 2006, p. 16.

 

(142) Ibid., p. 18.

(143) Ibid., p. 18.

(144) Jacques Fontanille, Corps et sens, Paris, éd. PUF, 2011, p. 2.

(145) Voir Michela Deni, Les objets factitifs, les objets au quotidien, Limoges, éd. NAS Pilum, 2005, pp. 79-96.

(146) A. J. Greimas & J. Courtés, Sémiotique: Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, 2003, p. 230.

(147) Ibid., p. 143.

(148)والكلمة اللاتينيّة (emovere)، وتعني من الوجهة النفسيّة: حالة ذهنيّة مكثّفة ومفاجئة مثل الخوف والفرح والغضب؛ وذلك بفعل الإثارة لها تداعيات جسميّة. وهذه تعدّها السيميائيّات أهواء. وهناك حدود رفيعة بين العاطفة والهوى، وترجمتها إلى العربيّة بالهوى ليست مثاليّة. وما يعنينا كيف يتخذ الاستهواء «شكل «مقولة انفعاليّة»». ينظر ألجيرداس ج. گريماص وجاك فونتاني، سيميائيّات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس، تر: وتق: وتع: سعيد بنگراد، بيروت، دار الكتاب الجديد المتّحدة، ط 1، 2010، ص 48. إنّ الحالة النفسيّة التي تعتمل في الذات، وما يصاحبها من اضطرابات وتقلبات قد جسّها الشعراء منذ القديم كما تشير إلى ذلك آن هينو.

- Voir Anne Hénault, Pouvoir comme passion, Paris, éd. PUF, 1994,

 

أخبار ذات صلة