المؤتلف الإنساني في التصوّرات اليهودية المعاصرة

حاخامات-يهود-scaled.jpg

ماوريسيو أنتينوتشي | باحث إيطالي متخصص في الدراسات التوراتية

1 ـ السردية التأسيسية للائتلاف الإنساني

تتأسّس معظمُ الديانات على سرديات خارقة؛ أي ما يشبه الروايات التي تروي اقتحام المفارَقة تاريخ العالم، على صلة بجماعةٍ أو شعبٍ ما. وبما يناقض القراءةَ الوضعية أو العِلْمية، التي تختزل إنتاج الأساطير الدينية في الأنا الطفولية. والحال أنّ الخوارق والأساطير تمثّل في الواقع روايات مُفعَمة بالحقائق، وبعيداً عمّا تكتسيه من صبغة أدبية مشروطة بالتاريخ، فهي تحوي وحي الربّ للإنسان. والأسطورة التأسيسية لبني إسرائيل ـ وكما هو معروف ـ هي رواية الخروج، وما أعنيه ليس مجرّد خروج حشود الإسرائيليين فحسب من أرض مصر، بل مجمل الحدث الذي يبدأ من الخروج من مصر وإلى غاية دخول أرض كنعان، مروراً بالصحارى والجبال عبر شبه جزيرة سيناء. يتعلّق الحدث برواية موحَّدة ومتناسقة تتوزّع في الكتب الخمسة للأسفار اليهودية المقدسة التي يُطلَق عليها «التناخ»؛ حيث إنّ رواية خروج إسرائيل في مجملها هي بمثابة الرواية التعليمية للبشر كافة سُبل التآلف. وهي أكثر من كونها رواية تأسيسية؛ فهي السبب الرئيس الدافع والمحفّز. فإذا ما كان الربّ قد أوحى إلى بني إسرائيل واختارهم؛ فالغرض هو انفتاح هذا الشعب وعبر هذا الشعب على البشرية جمعاء، بوصف البشرية حاضنة بعضها لبعض. سوف تنجلي تلك العملية التأسيسية عبر مظاهر أربعة:

ـ الأرض مِلْكٌ لله

تروي الرواية التأسيسية أنّ الربّ قد حرّر شعباً من ظلم الفرعون، وقاده إلى أرض تفيض لبناً وعسلاً (الخروج 3: 8 ـ 17)، فقد كان الدخول إلى هذه الأرض ـ ضمن منطق الرواية ـ هو الغاية الرئيسة من التحرير، ومن ثم شكَّلَ ذلك الحدثُ لحظة فارقة. ومن المعروف أنّ مُثلّث التوراة والشعب والأرض بين مكوّناته رابطة قوية؛ ولكن من اللازم العثور على معنى ذلك الارتباط بين التوراة والشعب والأرض، إذا ما أردنا وُلوجَ المعنى العميق للرواية التأسيسية لإسرائيل، وفهْم وضع المؤتلف الإنساني الذي تؤسّسه. إذ تُملي الضرورة على أيّ جماعة بشرية ـ ولِقصْد العيش ـ الحاجة إلى إقليم ترابي تستمدّ منه أُسس وجودها ومصادر عيشها. والرواية التأسيسية لبني إسرائيل تصطبغ بهذا المعطى الضروري، ولكنّ الشعب يعيد صياغته في ضوء المعنى الجديد المستلهَم من الربّ مصدر الوحي. فالمعنى الأول أنّ الأرض التي يسير نحوها بنو إسرائيل بقصد العيش هي أرض موهوبة من الربّ. وتحوم كافة رواية الخروج حول فعل «نتن»، الذي يفيد الهبة والعطاء (التكوين 12: 7؛ التكوين 13: 13 ـ 15؛ التكوين 13: 17؛ التثنية 4: 10؛ التثنية 26: 2 ـ 9)(1). وحتى إن صوّرت العديد من إصحاحات التوراة دخول الأرض الموعودة بمثابة الغزو، ينبغي ألّا نغفل عن مدلولات الرواية التأسيسية؛ فهي دائماً أرض معطاة وممنوحة من قِبل الربّ، وهو ما يتناقض مع مفهوم الغزو الوارد في سِفْر المزامير (المزمور 20: 8 ـ 9؛ 33: 16 ـ 17؛ 147: 10 ـ 11). وأما المعنى الثاني فيدور حول معطى أنّ الأرض التي منحها الربّ إلى بني إسرائيل تبقى دائماً أرضاً لله، فهو يعطيها لمن يشاء وينزعها ممّن يشاء. وقد بدا هذا الحق الإلٰهيّ واضحاً في العديد من المواضع في النصِّ التوراتي (اللاويون 25: 23؛ المزمور 24: 1؛ 89: 12).

ـ إسرائيل «غريب ونزيل بينكم»

إذا ما كان الربّ هو مانح الأرض، فما المطلوب من اليهود في أرض ليست مِلكاً لهم؟ في الآيات المشار إليها آنفاً، بعد أن أعرب الربّ عن حقّ ملكيتها، أوضح الشكل الذي يمكن من خلاله لليهود الإقامة فيها: «أمّا الأرض فلا تباع مطلقاً؛ لأنّ لي الأرض، وأنتم نزلاء وغرباء عندي» (اللاويون 25: 23). ومن ثم إذا ما كانت الأرض لله، فإنّ بني إسرائيل بإمكانهم سكناها فقط على هيئة «الغريب» و«المستأجر»، أو كما ورد بالعبرية «جيريم في توشافيم». والمقطع يتكوّن من جزأين متقابلين ومتكاملين في الآن نفسه؛ فمصطلح «جيريم» الأول يرد بالجمع، وهو ما يعني الأجنبي أو الأجانب، أي من يسكن أرضاً ليست أرضه، وهذا طابع الأجنبي أكثر من كونه معطىً طارئاً، يتعلّق بوضع الترحال، حين يتمّ التنقل من مكان إلى آخر بحثاً عن سُبل العيش. وفي الواقع هو خاصية ملازمة لبني إسرائيل، وبمثابة العنصر التكويني لليهود، ميّزهم سابقاً ويميّزهم لاحقاً، بمعزل عن أن تكون لهم الأرض أو لا تكون. أيضاً النبي إبراهيم (ع) ـ وكما هو معروف ـ يتعرّف في التوراة كـ «جير في توشاف» أي «غريب ونزيل بينكم» (التكوين 23: 4)، وكما يذهب «القاموس الكبير للعهد الجديد»، فعلى شاكلته تتجلّى صورة الشعب اليهودي(2)

ما الذي تعنيه التوراة بإطلاق لفظة «جير» على إسرائيل، أي غريب ونزيل؟ ينبغي إيضاح معنى ذلك من التوراة نفسها؛ فعلى خلاف المعنى الغنوصي والرومانسي للكلمة، فإنّ كلمة (جير) في التوراة لها دلالة إيجابية، وهي تلوح في النصف الثاني من المقطع (نزيل) التي تعني النزول والسكنى والإقامة والحلول والاستقرار والدوام، وهي معانٍ تناقض أي حركة للفرار من العالم، وتعني الاستقرار والرغبة في التجذّر.

ـ إسرائيل كصورة تُمثِّل ما هو إنساني

كما أوضحنا آنفاً تُحدّث الرواية التأسيسية لبني إسرائيل عن جماعة من العبريين الغرباء، تعوزهم وسائل الحماية وسُبُل الدفاع، فهم مضطَهدون رأَفَ الربّ لحالهم ولمصيرهم، فكان حاضنهم كضيوف لديه. ذلك هو المعنى العميق للعهد المضروب على جبل سيناء، حيث الأجنبي المحرَّر مدعوٌّ ليكون قريباً من أيّ أجنبي يلاقيه: «إذا أقام في أرضكم غريب فلا تظلموه، وليكن لكم الغريب المقيم عندكم كالمواطن. تحبّه كما تحبّ نفسك؛ لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر. فأنا الربّ» (اللاويون 19: 33 ـ 34)؛ «لا تضطهد غريباً ولا تضايقه، فقد كنتم غرباء في ديار مصر» (الخروج 22: 21)؛ «لا تضايق غريباً لأنّكم تعلمون مشاعر الغريب، فقد كنتم غرباء في ديار مصر» (الخروج 23: 9)؛ «لا تحرّفوا حكم العدالة فتظلموا الغريب واليتيم، ولا تسترهنوا ثوب الأرملة، واذكروا أنكم كنتم عبيداً في ديار مصر فأنقذكم الربّ إلٰهكم. لهذا أوصيكم بالعدل» (التثنية 24: 17 ـ 18). إنها بعض الآيات الواردة في الأسفار المقدسة، التي تحضّ على المبدأ الخُلقي للتشريع التوراتي المتمثّل في التكاتف والائتلاف، بتحويل التذكير الإلٰهي «كنتم عبيداً في ديار مصر فأنقذكم الربّ إلٰهكم» إلى أمْرٍ: «لهذا أوصيكم بفعل هذا».

ولمّا كانت الروايةُ التأسيسية لبني إسرائيل روايةً خارقة، فهل يمكن أن تكون لتلك الرواية قيمة كونيّة؟ بناءً على ما هو موضَّح آنفاً، إنّها مبنية على ما هو إنساني، أي على أناس يغمرهم التآلف مع الآخرين، فلا شكّ أن الرواية الإسرائيلية هي رواية مقدّسة لا يطالها الشك؛ لكنّها تتعلّق بوصيّ مميَّز ومعلِن لما هو كونيّ، بمعنى أنّه يروي عمّا فعله الربّ وما طلبه من بني إسرائيل. فهو يروي عمّا يفعله وما يطلبه من كلّ فرد ومن كلّ شعب أيضاً؛ فالكل تغمرهم المحبّة، وهم على القدر نفسه من المساواة، مدعوون للتحابِّ ومودة بعضهم بعضاً، والكل مستضافون ومدعوون في الآن نفسه لاستضافة غيرهم. دائماً نجد المفكر إيمانويل ليفيناس يشرح هذا البُعد المميز في تولي حفظ هذا الأمر للإفصاح عمّا هو كوني: «ذلك أنّ حدث إسرائيل بكتبها المقدّسة وبتأويلاتها ـ بل أيضاً بمسارها المضطرب عبر التاريخ، الذي تطبعه المِحن بدافع الوفاء للوحي وللخط النبويّ لكتبها المقدسة ـ يشكّل نموذجاً تتجلّى فيه صورة أوّلية لما هو إنساني، قَبْل أي صياغة لاهوتية أو ميثولوجية»(3)

ـ قلبٌ من حجر

يطبع التاريخَ الإنساني في مجمله طابعُ العنف والغلبة والحروب، بما يعني أنّ الحرب هي أمّ الشرور كافة. ولكنّ الكتاب المقدّس يرى الأمر بشكل مغاير، فليس العنف متجذّراً في النظام الطبيعي للأشياء، ولا في النظام العقلي للبشر، ولكن في ذلك العهد الذي ضربه الربّ، يكمن نظام الحرية الإنسانية، فمن حرية لفعل الخير وَقَع الانحراف إلى فعل الشرّ. تظهر لدى النبيّ حزقيال صورة معبّرة عن مآلات الحرية الإنسانية المتبدّلة بشكل خاطئ، إلى حرية لفعل الشرّ. فبعد أن لام الربّ بني إسرائيل على نقضهم الميثاق، وغَضِب عليهم بسبب الدم الذي سفكوه بغير حقّ في الأرض، قدّم حلّاً وسطاً لهؤلاء الخطاة: «أهبكم قلباً جديداً، وأضع في داخلكم روحاً جديدة، أنتزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم عوضاً عنه قلب لحم، وأضع روحي في داخلكم» (حزقيال 36: 26). فبحسب هذه الصورة المجازية، فإنّ الشرّ المقتَرف من قِبل بني إسرائيل ـ مثال الإنسان ـ هو عائد إلى قلوبهم المتصلّبة، ووعدُ الحقّ يتمثّل في نزع ذلك الطابع عنهم: «أنتزع من لحمكم قلب الحجر وأعطيكم عوضاً عنه قلب لحم». وبالنسبة إلى التوراة يُمثّل القلبُ جوهرَ الإنسان وحقيقته أمام الله الذي يدعوه إلى محبّة القريب. فحين يغدو القلب حجراً تستعصي عليه المحبّة، وبسبب هذا العجز لا يحتفظ بذلك الطابع الإنساني. وبعيداً عن ذلك المثل الذي يضربه حزقيال، فالقلب المتصلّب هو ذلك الإنسان الذي يحوّل ما هو باطل إلى ما هو حقّ، ويقترف الشرّ دون وعْيٍ بأنّه يأتي الشرّ، فيعيش ضحية الظلم والعنف، وإنْ كان هو من يصنع ذلك ويغذّيه. لنقل ذلك بتعبير رودولف بولتمان: أن يتحوّل الذنْبُ إلى قدرٍ للمذْنِب.

2 ـ السبيل إلى المؤتلف الإنساني

في حوار يعود إلى سنوات مضت صرّح المفكر اليهودي جورج شتاينر: «لا يتسنّى العيش ما لم نتعلّم أن نكون محتضِنين للآخر؛ فنحن ضيوف في هذه الدنيا دون أن ندرك لماذا وُلِدنا، ونحن ضيوف في هذا الكون الذي نقترف فيه أشياء فظيعة. فأن نكون محتضنين للآخر يعني أن نأتيَ الخير كيفما كان، مع البقاء على أُهْبة الاستعداد لخوض هذا المسار مجدّداً إذا ما تطلّب الأمر ذلك. أعتقد أنه من الواجب أن نعيش مفهوم الاستضافة للآخر بشكل عميق، وتلك هي مهمّة اليهودي ووظيفته»(4)، أضيف: ينبغي أن يغدو ذلك فنّاً لدى كلّ إنسان فردٍ وكل شعب. فلهذا الفنّ لا تقدّم التوراة القاموس اللازم ـ الذي استوحينا منه تلك العبارات ـ فحسب، بل الأسس أيضاً كما أشرنا إلى ذلك في رواية خروج بني إسرائيل من مصر.

فكل الثقافات ـ بشكل أو بآخر ـ تحضّ على مبدأ قبول المغاير. وهو جوهر ما عبَّر عنه المرور من عالم الحيوانية إلى عالم الإنسانية لمّا وعى الإنسان بالمغايَرة؛ أي بذلك الذي يقبع خارج دائرته الحضارية وخارج مجاله الحيوي، بوصفه خصماً وعدواً، فأصبح ضيفاً وشريكاً(5) فالعبور الشاق من عَدِّ الغريب بمثابة القوة المناهضة إلى الاعتراف به نِدّاً للأنا والانفتاح لقبوله هو فتْحٌ مبين. يبيّن عالم الاجتماع الأمريكي ريتشارد سنيت أنّ ظاهرة العولمة تترافق مع ظهور سلوكات مميزة للعالم القَبَلي: «حيث يرافق الوعي القَبَلي التضامن مع الآخر الشبيه لي والعنيف مثلي ضد المغاير لي»(6).

فالوعي بالائتلاف المقبول أو المصادَر، يجد مجالاً في التوراة. وفي هذا السياق يُقدّم سِفْر التكوين في (الإصحاحين: 18 و 19) دروساً تعليميّةً. فمن جهة نجد استضافة النبيّ إبراهيم (ع) لثلاثة من عابري السبيل الغرباء (التكوين 18: 1 ـ 16)؛ ومن جانب آخر نجد العنف المسلَّط تجاه أهالي مدينة سدوم التي ترمز لرفض الآخر وعدم استضافته (التكوين 18: 17 ـ 19، 29). إذ يبيّن النصّ التوراتي أنّ الربّ هو الحَكَم، وهو من يتولى الفصل فيما يجري في التاريخ، ويتحوّل ذلك الفصل إلى ما يتّصل بالعلاقات مع «الغريب»، رمز المغايَرة بشكل عام، فهو دائماً في بحث عن الاعتراف والاحتضان. وفي المَشاهد المروية في إصحاحيْ سِفْر التكوين: 18 و 19 بيانٌ لِما هو وارد في الإصحاح الثالث عشر، الذي يتحدّث عن الافتراق الحاصل بين النبيّ إبراهيم ولوط ابن الأخ المتوفّى. فعندما هجر إبراهيم أرض آبائه اصطحب معه لوطاً بوصفه وليّ أمره (التكوين 12: 4). وقد جاء قرار الافتراق ـ بحسب رواية التوراة ـ نتاج خلاف نشب بين الرعاة حول استغلال المراعي (التكوين 13: 7)؛ فقد ذكّر إبراهيمُ لوطاً بأنّ ما حصل ينبغي ألّا يحدث بين الإخوة قائلاً: «لا يكن نزاع بيني وبينك، ولا بين رعاتي ورعاتك؛ لأنّنا نحن أخَوان» (التكوين 13: 8). وتنازل إبراهيم لابن أخيه لوط عن عدم البدء باختيار الأرض التي ينوي النزول فيها. ومن ثمّ اِتجه لوط شرقاً، صوب الأرض الخصبة نحو نهر الأردن، التي «كأنها جنّة الربّ» بحسب وصف التوراة، وقنع إبراهيم بالناحية الغربية شبه الصحراوية، وضرب فيها خيامه. في تلك اللحظة العسيرة على إبراهيم جاءته بركة السّماء: «ارفع عينيك... فإن هذه الأرض التي تراها سأعطيها لك ولذرّيتك إلى الأبد» (التكوين 13: 14 ـ 15). نلحظ أن إبراهيم الذي تنازل عن حيازة الأرض الخصبة في البدء قد نالها من يد الربّ عطية وبشكلٍ وافرٍ.

لقد مثّل إبراهيم الصورة السامية لمفهوميْ الإيثار والائتلاف لدى الكائن البشريّ(7)؛ حيث صوّر سِفْر التكوين (18: 1 ـ 16) إبراهيمَ وهو قابعٌ في مدخل الخيمة في صحراء النقب، في ساعة اِشتدّ فيها القيظ منتظراً من تقطّعت به السبل وأدركه اليأس. ويقول لويجي ديبنتو: «لا يُولَد المرء مضيافاً ولا يغدو كذلك، ولِيكون مهيَّأً لذلك ينبغي أن تتوفّر له بيداغوجيا الانتظار». وهو ما يتطلّب في مستوى أول الانسجام مع نسق الطبيعة، من خلال القبول أمام لظى الحر، بإيقاف نشاطه الخاص، وهكذا بذلك الشكل يجد «حقيقته في حقيقة الأشياء». إنها الطريق التي تسمح «بالتصالح مع الأنا، والدُّربة على استقبال الضيوف من خلال العثور على الحافز الذاتي». ولإتيان المرء فعل الضيافة ينبغي أن يحقّق السّلمَ مع ذاته؛ لأن ذلك الفعل يقتضي بيداغوجيا ثانية، ألا وهي الاستعداد «ضمن فضاء يتمتّع ببُعدٍ حمائيّ وببُعدٍ تواصليّ». فالمدخل الذي كان يقبع فيه إبراهيم (ع) يرمز إلى فاصل معلوم بين ما هو خاصّ وما هو عامّ. والبقاء فيه يعني ـ في الآن نفسه ـ البقاء على استعداد لتوفير الحماية لعالمه الخاص «العائلي»، والقدرة على الانفتاح على التواصل مع العالم الخارجي(8)

وإبراهيم المفعَم بالسّلم الداخليّ الذي بلغه هو قادرٌ على التوفيق بين المستويين: المجال الخاص والمجال العام؛ فهو يقف في المدخل في ساعة العسرة خلال القيلولة حين يندر أن يمرّ عابرو السبيل. إذ يظهر النبي إبراهيم مستعدّا لاستضافة الغريب المارّ في أي ساعة، وذلك ما حصل مع الغرباء الثلاثة ممن نزلوا بأرضه في ساعة غير منتَظرة. إنّ حفاوة إبراهيم جاهزة وغامرة ومجانية، يشاركه فيها أهل بيته كافة، حيث ينصب مائدة لضيوفه خِدمةً لهم ودون أن يبالي بنفسه. هكذا يحتفي إبراهيم بالغرباء الثلاثة كما يرد في سِفْر (التكوين 18: 1). ومع ابتهاج إبراهيم بضيوفه تنزّلت كلمة المباركة المعلَنة من قِبل من تمّت استضافته. يرد فيها صوت الله، معلِناً لإبراهيم وعْدَه بولادة صبيّ يرثه ويرث رسالته، فيغدو مكان الضيافة مكان الخصوبة والولادة. يتعلق بميراث وبمستقبل واعد، كان يبدو مستحيلاً (التكوين 18، 14؛ إشعياء 51: 1 ـ 2). إنه المنطق نفسه الذي نصادفه في سِفْر (التكوين 13: 14 ـ 15) مع رفض إبراهيم حيازة المكان، وهو ما نال مكافأته بعطاء عظيم.

فللإحاطة بموضوع الائتلاف العميق في اليهودية ينبغي أن نولي الجانب الفيلولوجي اهتماماً: يرد مصطلح «أَخَوَا» (إخوة) مرة واحدة في «التناخ»، وذلك بشأن التآخي بين يهوذا وإسرائيل «وحطّمت عصايَ الأخرى «وَحدَةَ» لأنقض الإخاء بين يهوذا وإسرائيل» (زكريا 11: 14). ففي التوراة يأتي التعبير عن الأخوّة باستعمال لفظيْ «أخ» (أخ) و«أخوت» (إخوة)، وبشكل موسَّع هو ما يجمع بني إسرائيل كافة. كما أنه عادة ما يرد لفظ (أخ) مرادفاً للفظ صديق أو قريب. ومن ثم بالنسبة إلى التوراة الأُخوّة هي رابطة التشابه التي تربط مع الآخر، تشابه الدم والحقوق والواجبات، بشأن أدوارِنا في الحياة. كافة البشر المتماثلين وغير المتساوين تجمعهم رابطة الأُخوّة في هذا العالم، كما يبيّن ذلك أستاذ تاريخ اليهودية في جامعة سالينتو الأستاذ فوريو أهارون بياجيني(9). تروي التوراة قصصاً عن الأخوّة (بين قابيل وهابيل، بين إسماعيل وإسحاق، بين عيسو ويعقوب، بين يوسف وإخوته)، من هنا يظهر القبول بالأخ، والقبول بالاختلاف عن الآخر حتى وإن كان هناك شبهٌ.

فكما تُبيِّن التوراة أنّ «الائتلاف بين الناس ليس شيئا فطريّاً؛ لكنه نتاج مسار يدرِك فيه الإنسان كيفية التحكّم بنوازعه للوصول إلى حدّ الوعي بالائتلاف الجماعي الذي يمثّل الهدف السامي للمسيحانية»(10)؛ لأنّ تاريخ الأُخوّة المغدورة يعود إلى البشرية الأولى؛ فحين سأل الخالق عز وجل قابيلَ عن مصير هابيل، أجاب قابيل: «لا أعرف، هل أنا حارس لأخي» (التكوين 4: 9). فإمكانية التنكّر للأُخوّة واردة دائماً، لذلك نجد في التوراة جملة من التعاليم على صلة بالعلاقة بين البشر، بينما ـ وكما يُلاحِظ فوريو أهارون بياجيني ـ تَرِدُ تلك التعاليم المتعلّقة بالعلاقة بين الإنسان وبارئه قليلة. ومن هذا الجانب كان من واجب الإنسان تنظيم العلاقات الاجتماعية مع القريب. نلحظ أيضاً وُرود لفظ الأخوّة ضمن التقليد الليتورجي اليهودي أيضاً؛ فاللفظة حاضرة في التبريكات المردَّدة أثناء الزواج: «يا واهب البركة، يا أزل يا ربّ، يا مالك الكون، أنت خالق البهجة والسعادة، وخالق الزوج وزوجه، والمرح والفرح، والحبّ والتآخي، والسلام والصّحبة».

3 ـ في البحث عن التعاليم الكونيّة

نجد في التوراة موضوع الائتلاف الجماعي حاضراً بشكلٍ غير مباشرٍ ضمن محبّة القريب، بشكل متكرّر، ومرتبطاً بمحبة العبد لربّه، النابع من محبة الربّ لشعبه ولخلقه كافة. وكما يؤكد المؤرخ بينشاس لابيد: محبة القريب، والأخوّة الإنسانية ـ بحسب اليهودية ـ لها معنى فقط ضمن محبة الله، كإجابة عن ربوبيته الكونيّة، وإلّا غدا الائتلافُ وسيلةً أداتية لا غير، نوعاً من تعاون الأنانيّين المفتقِر إلى الله(11). لذلك كانت المحبةُ الموضوعَ الأثير في التوراة، فمحبة الله كما تؤكد «التناخ» تتجلى في «الـ ـ رَحَميم» (الرحمة والطّيبة والشفقة). فالعهد بين الربّ وشعبه هو دعوة إلى المحبة المحرِّرة للبشر. واليهودي مدعوّ إلى عيش محبة الله: «اسمعوا يا بني إسرائيل: الربّ إلٰهنا ربٌّ واحدٌ، فأحبّوا الربّ إلٰهكم من كل قلوبكم ونفوسكم وقوتكم» (التثنية 6: 4 ـ 5). هذه العلاقة الوديّة مع الربّ تقود إلى التحرّر من كلّ معبود سواه: «لا يكن لك آلهة أخرى سواي» (الخروج 20: 3). وتتجلى محبّة القدير في محبة القريب، وتتجسّد في عفوِه تجاه شعبه وتجاه خلقه. أحياناً يُطلِق الحاخام برنار بامبرجر على الوصية الثانية: الوصية الكبرى؛ «ولكن تحبّ قريبك كما تحب نفسك» (اللاويون 19: 18)، فهذه الوصية تشكّل جوهر الكتاب الرئيس في التوراة (12). وبحسب المعلم هليل الحكيم (القرن الميلادي الأول) تتمثّل الأخوّة الإنسانية في محبّة القريب كالذات، أي أنّ الحبّ الحقيقي هو اعترافٌ بالآخر، وفي هذا الحب الحقيقي هناك إمكانية إرساء كرامة الآخر كما هو. وبحسب المعلم شماج أحد معلّمي المشنا «لا يفوق شعبٌ شعباً آخر في القداسة؛ لأنّ أيّاً ما كان في مكانته وفي فردانيته هو مقدّس ومكرّم من جانب الله وهذا أساس التكريم البشري، ولذلك يُروَى في التلمود أنّ وثنيّاً أراد الإحاطة بجوهر التوراة فأجابه الحاخام هليل الحكيم: «كلُّ ما هو ليس خيراً بالنسبة إليك لا تفعله لقريبك. والباقي هو تعليقات. اذهب وادرس» (السبت 31 أ). وبحسب التأويل الحاسيدي كلّما تحابّ اثنان بصدق شاركهما الربّ ذلك الحبّ. وحين سُئل الحاخام ربي شلومو يتزاكي المعروف براشي (1040 ـ 1105م) عن محبة القريب أجاب: إنّ تلك الوصية ما كان المراد به الإحساس؛ لأنه مستحيل، ولكن السلوك العملي الذي هو ترجمة الحب، مثل مواساة المنكوبين، وإتيان الصدقة خفية، ودفن الغرباء المهجورين. فاليهودية ترفض البحث الأنانيّ عن الخلاص، كما ترفض بالمثل التضامن لغرض التضامن.

فبالنسبة إلى اليهودية يُوجَد رباط وثيق بين محبة القريب والسلام. إذ يعني السلام التوراتي الكمال وليس مجرد غياب الحرب، وذلك الانسجام المطلق المراد من الربّ هو ثلاثيّ الأبعاد يتضمن البعد الشخصي الداخلي، وذلك البُعد العمودي في التوحد مع الله، وذلك البُعد الأفقي المتّصل بالبشر. ولو تتبّعنا الأمر في اليهودية نجد الليتورجيا تُخصّص عشرة أيام للتوبة، قبل يوم الغفران (يوم كيبور) لغرض الصلح مع الآخرين، وهو ما يتطلّب تجاوز الذات من خلال طلب الصّفح. فأيام التوبة تلك وِفق التقليد اليهودي «هي في علاقة وثيقة مع الخطيئة الكبرى المقتَرفة من قِبل بني إسرائيل في بداية تشكّلهم كشعب، تلك الخطيئة المتمثلة في عبادة الثور الذهبيّ». فبالنسبة إلى اليهودية ينبع الالتزامُ الأخلاقي بالائتلاف الكوني من الإيمان بالله الواحد، فهو الخالق الذي يحبّ عباده دون تمييز. وبحسب تقليد الأحبار لا ينحصر الائتلاف باليهودي، ويستهدف البشر كافة كما بيّن المدراش، فقد ورد في التلمود: «بعد اجتياز البحر الأحمر أرادت الملائكة أن ترنّم ترنيمة فرح أمام الربّ، فقال الحقّ: «أعمال يدي تغرق في البحر وأنتم تريدون أن ترنّموا ترنيمة؟» (سنهدرين 39 ب)، في إشارة إلى الغرقى المصريين مضطهدي اليهود. فبوصف الله خالق الجميع فهو لا يأْبه بالتمايزات الإثنية أو الدينية أو الاجتماعية أو الثقافية، فالجميع لديه سواء في الكرامة. ولذلك يحقّق الإنسان ذاته بمحبّة الجميع، بهذا الشكل يتسنّى له أن يعيش في انسجام مع هويته البشرية؛ «فالمحبة هي فعلٌ إلٰهيّ، والمحبة الأخوية للآخر هي تحقيق لهويتنا البشرية المعتمدة على الله بتمثّلها في الآخر». لذلك علّمنا النبي إبراهيم أن من يقتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً، كما تروي المشنا، ومن يحييها فكأنما أحيا الناس جميعاً أيضاً.

ضمن هذه الوحدة الجامعة بين البشر، يذهب علماء اليهودية إلى أنّ الربّ قد خلق آدم واحداً لا أوادم بقصد إرساء السلام بين الشعوب، فالربّ يحبّ الناس كافة محبّة متساوية، لكن في عهده الذي ضربه مع إبراهيم يلوح بُعدٌ كونيّ، موجَّه إلى كافة الخَلق، ولا يتحدّد بالمتحدّرين من ذرّيته: «فأجعل منك أُمة كبيرة، وأباركك وأعظّم اسمك، وتكون بركة لكثيرين. وأبارك مُبارِكيك وألعن لاعِنيك، وتتبارك فيك جميع أُمم الأرض» (التكوين 12: 3). فإبراهيم هو عبد لله، وهو شاهد ووسيط بين الخالق وخَلقه. فقط تجلّى أدوناي الربّ إلى إبراهيم حين استقبل الضيوف الغرباء ورحّب بهم في خيمته (التكوين 18: 1 ـ 5). من هذا الحدث ينبع التعليم اليهودي للمحبة والضيافة التي تحتفي بالغريب: «إذا أقام في أرضكم غريب فلا تظلموه، وليكن لكم الغريب المقيم عندكم كالمواطن. تحبّه كما تحبّ نفسك؛ لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر. فأنا الربّ» (اللاويون 19: 33 ـ 34). ثمّة تناسقٌ ـ كما يقول المؤرخ اليهودي برونو دي بورتو ـ بين الهوية الذاتية والهوية الكونيّة. من سيكون لي إذا لم أكُ أنا لنفسي، وأي شيء أنا إذا ما كنت أنا لنفسي فقط؟ إنه درس الحاخام هليل للشعوب وللأديان وللحضارات(13).

يذهب بينشاس لابيد إلى القول: إنّه منذ الآونة التي وردت فيها محبة الغريب مُقدَّمة على محبّة الله، استوحى الأحبار أنّ من يحبّ القريب هو من بوسعه أن يحبّ الخالق. بمعنى أنّ السّير تجاه الربّ يمرّ حتماً عبر القريب(14). فهناك دعوة إلى بني إسرائيل في التوراة لتحقيق الاحتضان والضيافة للغرباء، وإن اختلفوا دينياً وعرقياً وثقافياً معهم. فمن ينزل لديهم ليس مقامه مقام العابر: «فتسود هذه الشريعة على المواطن والدخيل المقيم بينكم» (الخروج 12: 49) «إذا أقام في أرضكم غريب فلا تظلموه، وليكن لكم الغريب المقيم عندكم كالمواطن. تحبه كما تحبّ نفسك؛ لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر. فأنا الربّ» (اللاويون 19: 33 ـ 34). وللإحاطة بأخلاقيات الائتلاف ينبغي أن نعي أن سياق النصّ التوراتي يأتي ضمن أوضاع بني إسرائيل في التيه؛ أي مباشرة لمّا خرجوا من أرض مصر. فذكرى تحرر الشعب من الاضطهاد ـ بفضل الربّ ـ غرضها الإلحاح على تلك الوصية؛ فالأجنبي هو صورة للإسرائيلي زمن استعباده من قِبل المصريين(15).

تجد الكونيّة اليهودية أسسها في سيرة النبي نوح (ع)، كما بيّن ذلك الحاخام الليفورني إيليا بناموزاغ (1823 ـ 1900) في كتابه «إسرائيل والإنسانية»(16)، الذي صاغ فيه لاهوتاً يهودياً، تَطرَّق من خلاله إلى الأزمات الأخلاقية والدينية المعاصرة. فبحسب الحاخام الليفورني تُشكِّل الأديان الثلاثة: اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، مرحلةً مهمّة صوب الدين الكوني. فعلى سبيل المثال يتعايش داخل اليهودية عنصران بارزان: العنصر الكوني والعنصر الخصوصي. والدين الذي أنزله الربّ على نوح لحلّ أزمة القِيَم هو ما يقرّب شعب إسرائيل من البشرية جمعاء. حيث يشير بناموزاغ إلى التعاليم التي أوحاها الله إلى نوح بعد الطوفان، وهي قوانين تشريعية عامة تنظّم تعايش الشعوب. بما تفرضه من إقامة العدل، وتحريم التجديف باسم الربّ، ومنع الفجور، وتحريم القتل، ومنع السرقة، وتحريم أكل أعضاء الحيوان حيّاً. ولطابع تلك التعاليم العقلي يمكن عَدُّ الدين الذي أتى به نوحاً أساساً لبناء نظام تشريعي أخلاقي فاعل للبشرية جمعاء، بما يسمح بإرساء المجتمع العادل.

............

المراجع والمصادر:

 

(1)  C. Di Sante, Lo straniero nella Bibbia. Ospitalità e dono, San Paolo, Cinisello Balsamo MI, pp. 73-77.

(2)  Grande Lessico del Nuovo Testamento, Claudiana, Torino 1965, «Paroikos» , in 9, p. 808.

(3)  E. Lévinas, Nell’ora delle nazioni. Letture talmudiche e scritti filosofico-politici, Jaca Book, Milano 2000, 126.

(4)  في حوار أُجرِي مع بيار جورجيو أوديفرادي، منشور في صحيفة «لاريبوبليكا» الإيطالية بتاريخ 22 يوليو 2009.

(5)  Di Sante C., «Lo straniero ospitato e lo straniero ospitante», in Ronchi E. [ed.], Lo stranie­ro: nemico, ospite, profeta?, Paoline, Milano 2006, 59-60.

(6)  Richard Sennett, Insieme, Feltrinelli, Milano 2012, 14.

(7)  De Benedetti P., Ciò che tarda avverrà, Edizioni Qiqajon, Magnago [Vc] 1992, p. 39.

(8)  Di Pinto L., «Abramo e lo straniero», in Rassegna di Teologia, 38 [1997] pp. 611-612.

(9)  Furio Aharon Biagini, Il tema della fraternità nell’Ebraismo, in www.etzhaim.eu/frternità.

(10) المصدر السابق نفسه.

(11) Pinchas Lapide, Predicava nelle loro sinagoghe. Esegesi ebraica dei Vangeli, Paideia, Brescia 2001, 101.

(12) Cf. B. BAMBERGER, Introduction to Leviticus, in Plaut, The Torah: A Modern Commentary, Union of American Hebrew Congregations, New York 1981, 737. 889.

(13) B. Di Porto, La vocazione di Avraham (Gn 12, 1-3) , in M. Morselli – G. Michelini (curr.), La Bibbia dell’Amicizia. Brani della Torah/Pentateuco commentati da ebrei e cristiani, San Paolo, Cinisello Balsamo (Milano) 2019, 182.

(14) Pinchas Lapide, Il discorso della montagna: utopia o programma?, Paideia, Brescia 1982, p. 100.

(15) G. IBBA, Noi e lo straniero (Lv 19, 33-34) , in La Bibbia dell’Amicizia, p. 267.

(16) Elia Benamozegh, Israele e l’umanità, Marietti 1820, Torino 1990.