المعرفة والتُّراث العلمي في الإسلام ما قبل الحديث :إرثٌ فكريٌّ ثريٌّ في مجال التقاطع بين التعليم والدِّين

22459159_10203963568245239_220760035395937352_o-1200x720-1-750x400.jpg

سيباستيان غونتر | أستاذ كرسي اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة غوتنغن بألمانيا.

تُعدُّ مفاهيم المعرفة والعلم والتعليم ذاتَ أهميةٍ جوهرية في المجتمعات الإسلاميّة بكل طوائفها؛ فمن ناحية يرتبط هذا الاستنتاج بحقيقة أن التعلّم مدى الحياة واكتساب العلم على نحو مستمر تمثّل المبادئ العليا الأساسية للتقوى الإسلاميّة، ومن ناحية أخرى تنشأ هذه الرّؤية من حقيقة أنه على الرغم من أنّ تقوية الإيمان والسلوك الرباني للفرد هي التي تدفع بالمسلم إلى البحث عن المعرفة والتعليم في الإسلام؛ غير أن التنفيذ العملي لمثالية التعلّم مدى الحياة ومجالات تطبيق المعرفة المكتسبة لا تقتصر على التخصّصات الدينية فقط؛ إنما يشمل هذا الولوج إلى معرفة التخصّصات الدنيوية العلمية والأدبية. وتتجلى هذه التصورات المقصودة في القرآن أولاً، ثم في السُّنَّة النبويّة ثانياً، كما أنها تتردّد في العديد من الأمثال والمواعظ والحكم، وكذلك في الشعر والنثر الإسلامي. ومع ذلك، تُعدّ الشواهد المادية والفكرية للتقاليد العلمية للإسلام التي نمت على مرّ القرون ـ خصوصاً الأدب الإسلامي ـ هي الأكثر أهميّة؛ نظراً لسعة العلم الذي يشمل مجموعة من المواضيع مثل علوم القرآن وعلوم الحديث، وكذلك علم الدين والفلسفة والشريعة والحقوق والتصوّف وعلم اللغة والتاريخ والعلوم الطبيعية والطب، وكذلك العلوم اللدنية (العلوم الباطنية أو العلوم الخاصّة أو علم الغيوب والأخبار). ويتضمن هذا الأدب أيضاً بعض الأعمال الخاصّة التي ـ وفقاً للمنهج المعرفي لمؤلفيها ـ تُصنِّف المعرفة والعلوم، أو تتعامل صراحة مع القضايا التربوية والتعليمية.

أنجزت الأبحاثُ الغربية العديد من الدراسات الجوهرية على مدى السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية حول قضايا مفهوم المعرفة والتقاليد العلمية والتعليم في الإسلام، ووثَّقت هذه المنشورات الاهتمام الجادّ للعلوم الإسلاميّة والدينية والثقافية، بفهمٍ أفضل للتطورات التاريخية المعقدة، وخصائص هذه الحقول من تراثنا الثقافي العالمي، وبجعل المعارف ذات الصلة فعّالةً في حل قضايا المجتمعات الحديثة متعدّدة الثقافات. ومن بين آخر هذه الدراسات نذكر:

كتاب «علم التدريس في التربية الإسلاميّة» (2019) لغلين هارداكر وعائشة أحمد سبكي، والذي درس فيه المؤلّفان أهميّة الروحانية والإدراك الحسّي والهويّة في «التعليم الإسلامي» في سياق مؤسساتي. والكتاب الذي حرّره سيباستيان غونتر في مجلدين بعنوان «المعرفة والتعليم في الإسلام الكلاسيكي» (2019)، ويتضمن جزءًا تمهيدياً يحدد تاريخ الدراسات الأوروبية حول الفكر التربوي الإسلامي والحالة الراهنة للبحث. وكذلك كتاب «تدريس وتعلّم العلوم في المجتمعات الإسلاميّة 800 - 1700 (2018)» لسونيا برنتييس، الذي تركز فيه الباحثة على العلوم الرياضية والعلوم اللدنية. وتناقش مؤلّفات كلّ من ينس شنايدر ودامين يانوس، بعنوان «المكان المناسب للذهاب ـ سياقات التعلّم في بغداد، 750 - 1000م» (2014)، وكلود جيليو، بعنوان «التعليم والتعلّم في العالم الإسلامي المبكر» (2012)، وكتاب «إنتاج المعرفة الإسلاميّة» (2011) من تحرير مارتن فان بروينيسين وشتيفانو أليفي، تناقش هذه المؤلفات حقولاً معرفية وعلمية غنية بالمعارف وجوهرية بالنسبة للإسلام؛ بينما يقدّم كتاب كونراد هيرشلر بعنوان «الكلمة المكتوبة في الأراضي العربية في العصور الوسطى» (2012) رؤى رائعة في ثقافات القراءة والمخطوطات في الإسلام، بداية من القرن الحادي عشر إلى القرن السادس عشر. أمّا كريستيان ماودر فيسائل قضية المحاربين العلماء في كتابه بعنوان: «المماليك بوصفهم حاملين للتعليم باللغة العربية» (2012)، ويرسم في هذا الكتاب الصورة المهيمنة في الأدب البحثي حول إسهامات المماليك المصريين في التعليم. ووفّر كتاب ميشائيل كوكس بعنوان «الأسس الكلاسيكية للفكر التربوي الإسلامي. (2011) مصادر نصيّة عربية مختارة ومترجمة حول الموضوع ذاته. ويلقي كتاب «مسارات التعليم في العالم العربي» (2010) ـ الذي حرّره أسامة أبي مرشد ـ الضوء على أسئلة التعليم في العالم العربي، سواء من المنظورات التاريخية أو الحالية والمعاصرة. وترسم دافنا إفرات في كتابها «مجتمع متعلّم في فترة انتقالية» (2000) صورة جديدة للعلاقات الاجتماعية وهويّة التعليم السني ومؤسساته. ويعدُّ كتاب «لغة وفهم: الجاهز في كمال التعبير» (2009) لـ لاله بهتزادي عملاً رائداً في نظرية الاتصال في الإسلام الكلاسيكي. ويلخص غريغور شويلر في كتابه «نشأة الأدب في الإسلام من السمعي إلى القراءة» (2009)، وكتاب «الشفوية والكتابة في الإسلام المبكر» (2006) النتائج ذات الصلة في مجال التقاطع بين الشفوية والكتابة في التعليم الإسلامي في العصور الوسطى. ويجمع كَـ. إندرس في كتاب «تنظيم المعرفة» (2006) بين الدراسات المهمة حول الأنواع المختلفة للتأليف الموسوعي في التعليمية الإسلاميّة في فترة ما قبل الحداثة. وتقدّم مجموعة من الدراسات التي نشرها سيباستيان غونتر (2005 - 2018) لمحات تحليلية عامة عن التربية والتعليم وثقافة التعلّم في الإسلام الكلاسيكي. بينما يعالج هانز هنريك بيسترفلت في كتابه «العلوم الهلنستية والثقافة العربية الإسلاميّة» (2003) ـ بعمقٍ ـ استقبال المسلمين للتراث اليوناني. ويعدّ كتاب «انتصار المعرفة» (1970) و«تقنيات ومناهج التعليم عند المسلمين» (1947) لفرانز روزنتال، من الكلاسيكيين نحو تصورات المعرفة وثقافة الكتاب في الإسلام. أخيراً لا يزال كتاب «صعود الكليات (1981)» لجورج مقدسي مرجعاً أساسياً في التعليم العالي في الإسلام ما قبل العصر الحديث حتى اليوم، على الرغم من أن بعض المعلومات (على سبيل المثال التركيز الجوهري على الشريعة في المناهج المطبّقة في المدرسة الكلاسيكية) يُنظر إليها اليوم بعين النقد نتيجة تطوّر المعارف الحديثة في الدراسات الإسلاميّة.

1 ـ المصطلح والتصور

1.1 ـ مفهوم المعرفة

تترجم الكلمة العربية المركزية «علم» إلى الألمانية بكلمة «Wissen» أو «Wissenschaft»، وفي سياق تقدّم التاريخ الإسلامي اكتسب هذا المصطلح مجموعة من المعاني والدلالات التي تختلف بحسب السياق المعرفي المناسب. لذا يمكن أن يشير مفهوم «علم» إلى كل من التصورات الدينية أو الدنيوية. ويتضمن المصطلح أيضاً محتوى واقعياً وعاطفياً في الوقت نفسه. من الناحية الزمنية يشير مفهوم «علم» إلى ثلاثة مشاريع:

أولاً: اكتساب غير رسمي للمعلومات والمعرفة بهدف امتلاك اليقين في فهم العالم المادي وغير المادي، وكذلك اكتساب رؤى على «نحوٍ أرقى وأكثر واقعية»، وقد ارتبطت هذه الأفكار بمصطلح العلم في الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام.

ثانياً: المعرفة الربانية بمعنى الحقيقة والكمال، أو الارتباط بكل ما يمكن للإنسان أن يعرفه ويفهمه، وهذه الفكرة راسخة في القرآن ووجدت ديمومتها في الأحاديث النبوية. وإلى حد ما تمثّل هذه المعرفة الأساس الديني لمثالية السعي الموسوعي مدى الحياة إلى المعرفة والكمال البشري.

وثالثاً: فرع من المعرفة أو التخصّص العلمي، الذي صيغ منه جمع عِلْم، وهي عُلُوم؛ أي «مجموع كل المعارف».

ووفقاً لهذا الحقل الدلالي يشير مفهوم العلم والعلوم في الإسلام إلى كل من (أ) التخصّصات الدينية التي تهتم بالحفاظ على الوحي الرباني وبحثه، وتطوير الأنظمة الدينية والسياسية للمجتمع المسلم، و(ب) تلك العلوم التي تبحث في العالم والظواهر الطبيعية بشكل عام، وكذلك تلك التي تتعلّق بالمسائل الفلسفية العابرة للتخصّصات بشكل خاص. ولأنّ التخصّصات المذكورة في (أ) تستند إلى القرآن والأحاديث النبوية؛ فهي تسمى «العلوم الإسلاميّة»، أو «العلوم النقلية». من ناحية أخرى تطوّرت العلوم المذكورة في صنف (ب) بشكل ملحوظ تحت تأثير التّراث الفكري اليوناني والفارسي والهندي القديم، أو استقبال المسلمين الخلّاق له من خلال دمج هذه المعرفة في الثقافة الإسلاميّة والإرث العلمي، وهو ما أسهم في استنبات مفاهيم مثل «علوم القدماء»، و«العلوم العقلانية»، والتي تشمل كلّاً من الفلسفة العقلانية (الحكمة المشّائية والفلسفة والأفلاطونية الحديثة) والعلوم الطبيعية.

ويحيل مفهوم العلم أيضاً على دلالات واسعة؛ من ناحية يشير مفهوم «علم» إلى أعلى شكل من أشكال المعرفة الدينية بالمعنى القرآني، ويجب أن يُفهم هنا على أنه صفة إلٰهية، كما يشرح بعض معجمي اللغة العربية الكلاسيكيين. لذلك تُعرَّف المعرفة والتعليم على أنهما من الغايات النبيلة للمؤمنين، وأنّ اكتساب المعرفة هو تعبير عن عبادة الله. بهذا الفهم فإن العلماء هم عارفون بالله، أمناء وحاملون للإرث الديني في الإسلام. من ناحية أخرى، يُفهم مفهوم العلم أيضاً ـ فلسفياً وعرفانياً ـ بوصفه استقبالاً واضحاً للأفكار اليونانية القديمة.

بالإضافة إلى (علم) هناك مجموعة من المرادفات الأخرى للمعرفة بدلالات مختلفة في اللغة العربية؛ يمكن أن نذكر المعرفة، «المعرفة المكتسبة من خلال [الخبرة أو التفكير] »، والتي تُترجم غالباً على أنها عرفان، وهي كلمة تستخدم غالباً في السياق الإيراني الشيعي للغنوصية؛ الفقه، «الفهم»، «الإلمام»، «البصيرة»، ومن ثم يُعرف التعبير أيضاً بأنه موقوف على إيجاد الشريعة أو الفقه في الإسلام؛ «الحكمة»، والتي تستخدم أيضاً بمعنى «الفلسفة»؛ وأخيراً وليس آخراً شعور، «إدراك» ما يؤدي إلى المعرفة أو «الوعي»، المستمد من الجذر (ش ع ر) («أن تعرف»، «أن تكون لديك دراية»، «أن تدرك»، «أن تدرك بشكل حدسي»)، وبالمثل شعر («المعرفة»، «الشعر») وشاعر (أي الموحى إليه والعارف بواسطة «[قوة خارقة] »)، أي المصطلحات التي لها بالفعل هذا المعنى في عصور ما قبل الإسلام وفي القرآن. من الأمور المهمة أيضاً في سياق المعرفة القرآنية مشتقات الأفعال (يَقِنَ) «أن تكون آمناً»، «أن يعلم الشيء ويتأكد منه» (بما في ذلك مصطلح يقين المهم من الناحية الدينية)، وأخرى مثل «ظنّ». وتكتسب «المعرفة» معنى وجودياً وأخروياً بحكم الواقع إذا تم الجمع بين «معرفة الذات» و«معرفة الله»، كما يعبر عن ذلك الحديث النبوي: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»(2)

وترتبط التصورات المتعلّقة بالمعرفة والعلم في الإسلام ارتباطاً وثيقاً بمفهوم «التعليم»، فتشير في هذا الحقل الدلالي إلى موضوع وسيرورة ونتيجة نقل واستيعاب المعرفة النظرية والتطبيقية. في الإسلام الكلاسيكي يتم التعبير عن فكرة «التعليم» في المقام الأول بمصطلح الأدب، أي بتعبير يمثل في الوقت نفسه المحتوى والأهداف «الإنسانية» لنقْل المعرفة واستيعابها وإنتاجها. وتستخدم كلمة تربية في العالم الإسلامي اليوم للدلالة في الغالب على «التعليم»، وهي مشتقة من الفعل (ربَّى): «تركه ينمو»، «أنبت»، «رفع»، المستخدم في القرآن الكريم.

2.1 ـ العلم في القرآن

بحسب الروايات الإسلاميّة المتواترة فإن أول وحي تلقاه النبي محمد (ص) (ت: 632) كان في حوالى سنة 610 يبدأ بالدعوة التالية: «اقرأ ! » أو «أُتلُ ! » ويتبع ذلك القول بأن الله هو أوّل وأعلى معلّم للبشرية. الله هو ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 4، 5](3) ينظر العديد من المسلمين إلى هذا التفويض الإلٰهي باسم الله ـ لقراءة أو تلاوة كلمات الوحي من أجل تعليم العرب والبشرية كافّةً رسالة الله ـ على أنه تفويض مُعتمد إلٰهياً إلى الناس؛ لاكتساب وتبليغ العلم (الديني). وفي الوقت نفسه يذكر القرآن في آيات عديدة أن الله هو وحده العليم، والحكيم، والسميع. علاوة على ذلك يقول القرآن: ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 76]. فالله يعلم كل شيء، ما يعرفه الناس وما يجهلونه، وهو ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 26].

يمكن أن «يعرف» الناس أو ألّا يحوزوا أيّ «علم»، فأوجب عليهم الإسلام التعقّل والتفكير لكي ينطبق عليهم أنهم ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 269] و﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ﴾ [آل عمران، 7]. لكن العلماء الحقيقيين في النهاية هم فقط أولئك الذين يخافون الله ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ  ﴾ [فاطر: 28]. من ناحية أخرى فإن الجهل والضلال بعد الهدى وانتهاكات الشرائع الإلٰهية بغير علم يضلّل الآخرين، وأولئك الذين يُظهرون هذه الصفات أو يتصرفون على هذا النحو سيعاقبون يوم القيامة ولن يكون لديهم شفعاء. وقد ذكر القرآن الكريم القدرة على القراءة والكتابة عدة مرات في سياق القراءة أو التلاوة أو التدريس في الكتب التي أنزلها الله؛ أي وحي الكتاب، والصحف، والزبور. ويذكر القرآن تلك الأوامر بوضوح، والتي تدعو الناس إلى استخدام عقولهم في الأمور الدينية أيضاً، وفي الخليقة كلها: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]. وقد تمّ التأكيد صراحة على أن أولئك الذين اكتسبوا مستوى معيناً من المعرفة هم فقط القادرون على فهْم رسالة القرآن أو تعاليمه وتحذيراته. وبهذا المعنى يطرح القرآن بالسؤال البلاغي ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]، وكان الجواب على الفور: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الرعد: 19]. وبالمثل يقال: إن الأئمة الدينيين والقادة السياسيين المثاليين هم أولئك الذين زادهم الله ﴿تقوى ﴾، وسيكونون خلفاء على الأرض، حتى لو ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 247]. ومن ناحية أخرى ـ في أدب السُّنَّة النبويّة، نقرأ الدعوة المنسوبة إلى النبي محمد (ص) التي تقول: «اطلبوا العلم ولو في الصين !»، ويعبّر هذا المبدأ عن أن طلب العلم في الإسلام لا ينبغي أن يكون له أي حدود جغرافية أو ثقافية. وهناك قول نبوي آخر يؤكد هذه الدعوة النبوية: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، وهو يؤكد أن التعلّم واجب على كلا الجنسين الذكر والأنثى في دين الإسلام. ومع ذلك كان التركيز على أنّ تربية الفتيات لها ميزة خاصة؛ لأن «من أحسن تربية ابنته، وعلّمها جيداً، وأحسن إليها ورعاها؛ كانت له ستراً من النار»(4)

2 ـ مناهج ومؤسسات لنقل العلم

أدى الالتزام بفريضة اكتساب العلم التي دعا إليها القرآن الكريم ـ والتي وجدت سنداً لها في السُّنَّة النبويّة ـ إلى تطوير مناهج ومؤسسات مختلفة لنقْل المعرفة على نحوٍ رسمي وغير رسمي، والتي لم تكن متاحة للخاصّة فقط، ولكن لعامة الناس أيضاً.

يجيز المعلّم للتلميذ أوالتلاميذ نقْل نصّ أو أكثر أو في مجال نقل المعرفة العليا في الغالب من خلال إذن نقل شفوي أو مكتوب، والذي يعني باللغة العربية مصطلح (إجازة) («إذْن»، «شهادة»). وغالباً ما يسافر الطلاب لمسافات طويلة من أجل الحصول على هذه (الإجازة) من عالم مشهور على نحو خاص. وكما خدم هذا الشكل من الدراسة العابرة للأقاليم ـ التي تطورت بهذه الطريقة بهدف الاكتساب الفعلي للعلم ـ فقد تطورت أيضاً شبكات علمية واسعة النطاق، ولقي هذا التطور دعماً منذ القرن التاسع فصاعداً من ناحيتين: من ناحية كون الورق المتوفّر والمستعمل في الكتابة أرخص من الرّق والبردي. ومن ناحية أخرى: أثبتت الكتب وغيرها من الوثائق المكتوبة أنها وسيلة فعّالة لحفْظ العلم ونقله.

1.2 ـ التعليم الابتدائي

تم في البداية فرْضُ تعليم الأطفال من سن السادسة أو السابعة في المدارس الابتدائية والمدارس القرآنية، وكان يُطلق عليها «مكتب» (حرفياً «المكان الذي يَكْتُب فيه الناس»)، أو «كُتَّاب» (المكان الخاص بالذين «يكتبون»، أو «يتعلمون الكتابة»). يمكن أن تنظم الفصول الدراسية في منطقة جانبية من المسجد، أو في الفناء الأمامي للمسجد، أو في مكان آخر محمي مناسب للفصل في منزل مدير المدرسة أو بالقرب منه. تضمنت المواد الإجبارية في المدارس الابتدائية والمدارس القرآنية أولاً وقبل كل شيء (1) تلاوة القرآن وحفظه أو على الأقل حفظ أجزاء معيّنة منه، علاوة على ذلك (2) تعلّم القراءة والكتابة، وكذلك (3) تعلّم الواجبات الدينية في الحياة اليومية، و(4) اكتساب قواعد السلوك الجيّد بوصفه التزاماً تجاه الله، كما تمّ تعليم الطلاب (5) الحساب و(6) أساسيات اللغة العربية والنحو، وكانت القصائد العربية والنصوص التاريخية وأيّام العرب في عصور ما قبل الإسلام مواضيع اختيارية في الفصل(5) وكانت غالبية المدارس الابتدائية العامة في الإسلام في العصور الوسطى يرتادها الأولاد. وتلقت الفتيات العلوم بشكل رئيسي في منزل الأسرة، على الرغم من أن هذا الأمر كان يقتصر في الغالب على التدبير المنزلي والسلوك الأخلاقي. وأُنشئت مدارس للأيتام في المدن الإسلاميّة في العصور الوسطى مثل بغداد ودمشق والقاهرة، تمولها المؤسسات (كُتّاب اليتامى).

2.2 ـ التعليم العالي

1.2.2 ـ المجالس العلمية والحلقات الدراسية والمناظرات

تم تلقين المعرفة في المستوى التعليمي المتقدّم والعالي ـ في الإسلام المبكر والكلاسيكي ـ في المساجد على الخصوص، أو في منازل العلماء. هنا كانت وظيفةُ المجالس العلمية والحلقات الدراسية العملَ على نقْل وتكرار المواد التعليمية، وكذلك شرْحها ومناقشتها. كان الحِجَاج الجدلي في شكْل مناقشة وحوار (مناظرة، جدل ومجادلة) ـ منذ القرن الثامن ـ ممارسة مستخدمةً على نطاق واسع لترسيخ العلم، وللتبادل العلمي والنقاشات الجدلية في التكوين في الشريعة والدين. ومع ذلك لم يبدُ أنه تم اتباع اتفاقيات أكثر صرامة حتى القرنين العاشر والحادي عشر، والتي تم وصْفُها بعد ذلك في المؤلفات المكتوبة خصيصاً لهذا الموضوع.

وعلى أي حال كان التدريس الشفويُّ الشكلَ السائد للتعليم، حتى على المستوى المتقدّم، وكان الاتصال الشخصي بين المعلمين والتلاميذ أو الطلاب ضماناً لصحة المعرفة المنقولة. كان المدِّرس أو الأستاذ يُدْعى شيخاً أو معلّماً أو عالماً أو مدرّساً (في الصوفية «مرشد» أو «زعيم» روحي)، حيث تشير المصطلحات «تلميذ» أو «طالب» أو «متعلم» إلى طلبة العلم (أو المريد «البارع» أو «المبتدئ» عند المتصوفين).

والتعليم والتعلُّم هما المصطلحان المعبّران عن فعْل التدريس وفعْل طلب العلم، وغالباً ما تستعمل كلمة تدريس للإحالة على إلقاء الدرس في المستوى الأعلى، وكلمة (التأديب) على التعليم في المستوى الصغير أو المجال الخاص (مثل «مُرَبٍّ» في قصر الحاكم).

2.2.2 ـ المسجد

كان ولا يزال المسجد («الجامع» بالنسبة للمسجد الذي تقام فيه صلاة الجمعة) أهم مكان للعبادة العامّة، ومؤسسة مركزية للتعلّم الديني، فقد كانت المساجد أماكن عامّة لتوسيط العلم، واجتذبت الحلقات العلمية التي عُقدت فيها في كثير من الأحيان جمهوراً كبيراً. كان المشاركون في حلقات المساجد تقريباً كلهم من الرجال، لكن بعض المصادر العربية تذكر أن المرأة شاركت في الحلقات الدراسية أو طرحت أسئلة على المعلم(6). يمكن أن تُنظّم فصول دراسية منفصلة للنساء في بيوت العلماء الخاصة، ويقال: إن عالم الدين الكبير ومؤسس أحد المذاهب الشرعية الأربعة ـ الإمام أحمد بن حنبل (ت: 855) ـ قدّم دورات مسائية خاصّة للنساء في بيته. يمكن للمرأة أيضاً أن تتلقى دروساً خاصة في منزل العالم في هذه الحالة يتم وضع ستارة بين الطالبة ومعلمها.

3.2.2 ـ المدرسة

تسمى المؤسسة التعليمية للتعليم الإسلامي العالي في الإسلام بامتياز (مَدْرسة)، وبداية تعني بكل حيادية «مكاناً يقرأ فيه الناس» أو «تعطى فيه الدروس والمحاضرات»، وهذا يدل على أن المعنى المذكور لا يعبر بالضرورة على دلالة دينية. وفي اللغة العربية الحديثة تعني (المدرسة) بوضوح «المدرسة» العصرية. أما في الفترة الكلاسيكية للإسلام فتعني الكلمة ـ في المقام الأول ـ مؤسسة التعليم المتخصّص والمهني في الشريعة الإسلاميّة والحقول العلمية ذات الصلة، وقد ازدهرت المدرسة الكلاسيكية في القرنين الحادي عشر والرابع عشر. وكانت نوعاً من المدارس العليا (أو الجامعة)، التي تقلّد أغلب خريجيها لاحقاً مناصب إدارية. يتألف منهج المدارس بشكل رئيس من التخصّصات التالية: المواد الدينية مثل القرآن والسُّنَّة النبويّة وتفسير القرآن، والشريعة الإسلاميّة، التي كانت تشكّل حقل الدراسة الأساسي في المدرسة؛ اللغة والمنطق ـ وهما اللذان عُدَّا من ثم مجالينْ لا غنى عنهما في دراسة الدين والشريعة. ومع تقدّم الزمان كانت هناك أيضاً مدارس تلقن المواد الرياضية وعلم الفلك والطب.

موّلت مؤسسات الأوقاف (جمع لـ : الرئيس) ـ التي تم إنشاؤها خصيصاً لهذا الغرض ـ المدارس الدينية، وقدمت الدعم المالي لهيئة التدريس والطلاب. وتضمنت مباني المدرسة الفصول الدراسية، ومقرات السكن للمعلمين والطلاب، وكانت إدارة المدرسة يشرف عليها شيخ أو أستاذ، وكان الأثرياء في الغالب من يوجدون هذا المنصب الرئيس، ويقررون في كثير من الأحيان من يشغله. وعلى الرغم من أن المدرسة كان لها ـ تقليدياً ـ بُعْد سياسيٌّ، فإن علماء الدين كانوا أحراراً نسبياً فيما يتعلّق بمحتويات وآليات نقْل المعرفة، وظلّوا إلى حدٍّ كبير غير متأثرين بتدخل الحكام السياسيين.

كانت «النظامية» التي أسسها السلجوقي الوزير نظام الحكم (ت: 1092م) في بغداد أكبر وأشهر جامعة ذات طابع سني في الشرق مجال سلطة الإسلام الكلاسيكي. وتُعَدُّ (المستنصرية) في بغداد مؤسسة أخرى مشهورة للتعليم العالي الإسلامي في بغداد، وهي أول مدرسة لم تكن تقتصر في مناهجها على تدريس مذهب واحد من المذاهب السنية الأربعة، بل كانت ممثّلة كلها في برنامجها الدراسي، وفي الوقت ذاته كانت (المستنصرية) المؤسسة الوقفية الوحيدة التابعة للخليفة العباسي المستنصر (1226 - 1242)، الذي وضع الحجر الأساس لها سنة 1227م، واكتمل بناء المستنصرية وتم افتتاحها سنة 1234 (7)

ازدهرت المدارس ذات التوجه الشيعي في إيران في ظل السلالة الصفويّة (1501 - 1722)، فأسس الفاطميون الشيعة في مصر (969 - 1171) أكاديميات في وقت سابق، على ما يبدو كثقل موازن لمدارس السلاجقة السُّنَّة في العراق، وتم تأسيس الأزهر في القاهرة لأول مرة من قبل الفاطميين في عام 970م بوصفه مسجداً لخليفة الإمام وحاشيته، وفي عام 988 أمر الوزير الفاطمي ابن كيليس (ت: 991) بتشييد مبنى مخصّص للأغراض التعليمية ـ خاصة من أجل تدريس الشريعة الإسلاميّة ـ بجوار مسجد الأزهر مباشرة(8)وأصبح الأزهر مدرسة سنية عندما جاء الأيوبيون (حكموا 1171 - 1250) إلى السلطة، وظل كذلك حتى اليوم، كما طورت في نهاية المطاف إلى أهم جامعة دينية في العالم الإسلامي.

4.2.2 ـ الخانقاه

قدمت الخوانق ذات الفضاءات الصغيرة ـ بوصفها مؤسسات للتعليم ـ خدمات مرتبطة بالتعليم بشكل رئيس للزاهدين والمتصوفة وأتباع مدارس دينية معينة، وكانت موجودة منذ القرن العاشر على أبعد تقدير. من المحتمل أن يكون أصلها في شرق الإمبراطورية الإسلاميّة، خاصة في خراسان وبلاد ما وراء النهر. ومع ذلك انتشرت بسرعة بين السلاجقة والمماليك إلى الغرب، وهي العراق وسوريا ومصر. ويمكن للمرء اليوم العثور على الخوانق في كل مكان تقريباً في العالم الإسلامي. وعلى النقيض من المدارس التى امتلكت برامج رسمية للتدريس؛ كانت الخوانق المبكّرة أقل تنظيماً، وقدمت في المقام الأول التمارين الروحية وتمارين الكمال الداخلي. بالإضافة إلى كلمة خوانق، نجد مرادفات مثل مصطلحات (الرباط) و(التكية)، (والزاوية) لمؤسسات ذات خصائص وأهداف متشابهة للغاية.

5.2.2 ـ حلقات دراسية دينية

تُعدُّ الحلقاتُ الدراسية الدينية المعروفة باسم (حوزة) مؤسساتٍ شيعية مهمة لنقل المعرفة والتعليم الديني. ربما يكون أقدم «مركز علمي» (حوزة علمية) من هذا النوع قد تأسس في (قم) بإيران في القرن العاشر. ويعود تاريخ نظيره في النجف العراقي إلى القرن الحادي عشر. تلتزم هذه المؤسسات بتعليم ودراسة تاريخ أئمة الشيعة والشريعة الإسلاميّة. وتشمل الموضوعات الأخرى كالنحو العربي، والبلاغة، والمنطق، وتفسير القرآن، وسيرة أئمة الشيعة، وعلوم الدين وأحياناً الفلسفة. وعلى الرغم من أن هذه المؤسسات تفتقر إلى التسلسل الهرمي الإداري الرسمي؛ فإنها تستند إلى تسلسل أكاديمي يتحكم فيه رجال الدين بصرامة. ولا تتبع الحوزة منهجاً موحداً. ومع ذلك فقد تم تأسيسها من خلال المجالات الرئيسة الثلاثة للتعلّم الديني التقليدي التي تنطبق أيضاً على المدارس السنية، أي:

1 ـ القرآن والدراسات القرآنية.

2 ـ الشريعة الإسلاميّة ذات الأصل الشيعي.

3 ـ اللغة العربية وآدابها.

وتلعب دراسة الشريعة في التدريس الشيعي بسبب الدور المركزي للمجتهد ـ أي: لعالم الشريعة المؤهّل لتفسير الشريعة واتخاذ قرارات شرعية مستقلة ـ دوراً مهماً على نحو خاص. ويختار الطلاب في الحوزة مقرراتهم الدراسية، ومسار الدراسة ومدة الدراسة، بالإضافة إلى أساتذتهم أنفسهم، وهم غالباً ما يدرسون مدى الحياة، مما يؤكد على طابع سيطرة رجال الدين الصارمة على المؤسسة.

6.2.2 ـ المكتبات والمستشفيات والمراصد

كانت المكتبات والمستشفيات والمراصد ـ الغنية بالتجهيزات في كثير من الأحيان ـ من المؤسسات الأخرى المهمة لتلقين المعرفة والعلوم في الإسلام الكلاسيكي، وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى مكتبة الخلفاء العباسيين الأوائل في بغداد، والتي أسسها باسمها الأصلي «خزانة الحكمة» الخليفة هارون الراشد (786 - 809)، وقام الخليفة المأمون (813 - 833) بتوسيعها، واشتهرت تحت اسم «بيت الحكمة». وتضمنت مقتنياتها بالأساس كتباً مترجمة من الفارسية إلى العربية عن شهادات ثقافية تاريخية عربية وفارسية تنتمي إلى فترة ما قبل الإسلام. ويبدو أن بعض أمناء المكتبات الفرس قد شاركوا في ترجمة هذه الكتب. بالإضافة إلى ذلك كان لدى بيت الحكمة في زمن الخليفة المأمون مجموعة مهمة من الكتب حول علم التنجيم وعلم الفلك، ومن ثم كانت لديه البنية التحتية اللازمة لدراسة وتحليل النصوص القديمة عن علم التنجيم وعلم الفلك لسانياً، وهذا يستكمل البحث التجريبي الذي تم في مكان آخر حول علم الفلك(9) وحتى الآن لم يتم تقديم أدلّة كافية على أن بيت الحكمة كان مركزاً أو أكاديمية بحثية متكاملة قام فيها العلماء في الغالب بترجمة الأعمال العلمية من اليونانية (كما صيغت في بعض دراسات القرن العشرين)، رغم أن الأبحاث الحديثة وصفت مكتبة الخلافة هذه بأنها كانت مكاناً للقاءات العلمية والبحثية. ويقال: إنه في نهاية عهد المأمون جرت المناقشات الدينية في قاعات المكتبة في حضرة الخليفة، وعلى ما يبدو فقد بُعثرت كتب المكتبة بحلول نهاية القرن العاشر، ولا توجد اليوم آثار مادية تشير إلى هذا المرفق الأسطوري.

أسس الحاكم بأمر الله الخليفة السادس للسلالة الشيعية للفاطميين (حكم 996 - 1021) في القاهرة دار العلم («بيت المعرفة») عام 1005، وكانت مكتبة بحثية مخصصة في المقام الأول للعلوم غير الدينية. وتمّ تشكيل الأساس الاقتصادي لدار المعرفة هذه من خلال الوقف الذي أنشأه الخليفة خصّيصاً من أجلها، مما سمح بتلقي العلماء والمكتبيين والموظفين الفنيين رواتب ثابتة. أمّا بعد وفاة الخليفة الحاكم، فقد تم إهمال هذه المنشأة، وتم نهبها في عام 1068 ثم اندثرت بالكامل.

كذلك لم تكن المستشفيات ـ المعروفة في عهد العباسيين تحت الاسم الفارسي بيمارستان («مكان مخصص للمرضى») ـ لمعالجة المرضى فقط، ولكن أيضاً كانت مكاناً لتدريس الطب والبحث فيه. وبالطريقة نفسها لم تكن المراصد فضاءات مقتصرة على استكشاف الظواهر الفلكية والعلمية الأخرى، ولكن كانت مخصّصة أيضاً لنقْل المعرفة، وغالباً ما كانت المراصد (مثل المكتبات) مرتبطة بالمساجد أو المدارس، وتوفر أحياناً سكناً للباحثين والطلاب.

7.2.2 ـ صالونات الأدب ومحلات بيع الكتب

غالباً ما جرت المناقشات الأدبية والمناقشات العلمية في البلاط العباسي وفي منازل الأغنياء؛ ففي عهد الخليفة المأمون تطور العديد من صالونات الأدب، والتي اجتمع فيها العلماء والأدباء لمناقشة قضايا الدين والفلسفة والأدب والموسيقى، كما ازدهرت هذه التجمعات ـ التي أصبحت عادةً في بغداد ـ من أجل التبادل الفكري، واستمرت حتى دمر المغول المدينة في عام 1258، باستثناء فترتين قصيرتين خلال عهد الخليفة المتوكل (حكم 847 - 861) والمعتضد (حكم 892 - 902) ـ. وعملت فيها على تدعيم العقيدة السنية بقوة، وحاولت بهذه الطريقة قمع التبادل العلمي الحرّ في هذه الصالونات.

لعبت المكتبات دوراً مركزياً في الحياة الأكاديمية في الإسلام الكلاسيكي، ولم يكن العاملون فيها محبين للمراجع فقط؛ ولكنهم غالباً ما كانوا علماء، كما يشهد على ذلك ابن النديم (ت: 990)، وهو بائع كتب (ورّاق) ولد في بغداد، وكاتب سيرة ومؤلف. كانت المكتبات أماكن لبيع وشراء الكتب، ولكن كانت تُستغلّ أيضاً للمناقشات العلمية؛ فعلى سبيل المثال: ناقش فيها مؤيدو مدرسة المعتزلة العقلانية ومدرسة الإسلام التقليدي المتمثل في الأشعرية أيضاً مسائل القدر أو صفات الله أو البعث في اليوم الآخر(10)

3 ـ استقبال المعرفة اليونانية القديمة

عرفت العلوم العربية الإسلاميّة محفّزات مهمّة في القرنين الثامن والعاشر من خلال الترجمات الاحترافية للأعمال الفلسفية والعلمية عن اللغة اليونانية، وبعض هذه الترجمات قد أُنجز عبر اللغة الوسيطة ـ السريانية ـ إلى اللغة العربية. ومن خلال هذا الاستقبال المقصود ـ خاصّة من العصر الهيلينستي، ولكن أيضاً من التّراث المسيحي والإيراني والهندي، وتقريباً كل التّراث العلمي للعصور القديمة (الفلسفة والطب والصيدلة، والعلوم الرياضية بما في ذلك البصريات والميكانيكا وعلم الفلك، وعلم التنجيم ونظرية الموسيقى، وعلم الطبيعة، والزراعة، والعلوم اللدنية) ـ كانت كل هذه المعارف متاحة باللغة العربية. وبالنظر إلى أهمية التّراث اليوناني بالأساس؛ فإن حركة الترجمة هذه أدت إلى حدٍّ ما إلى هَلْيَنة (أو يَوْنَنَة) بعض المعارف الإسلاميّة في العصور الوسطى. وشجّع الخليفة العباسي هارون الرشيد جهود الترجمة التي بدأت بالفعل في العصر الأموي، وجعلها حرفة، بينما قام الخليفة المأمون بن هارون بالبحث بشكل منهجي عن النصوص العلمية القديمة، وعمل على ترجمتها إلى اللغة العربية. كانت الأعمال المتعلّقة بالعلوم الرياضية ـ الحساب والهندسة وعلم الفلك ـ في صلب اهتمام جهود الترجمة؛ لأن الإلمام بهذه المجالات الدنيوية المعرفية أسهم على الأقل في تكوين وإعداد أمناء الدواوين؛ لكي يمارسوا أنشطتهم ووظائفهم في إدارة الإمبراطورية الإسلاميّة على أكمل وجه. من بين العديد من العلماء المسلمين وغير المسلمين ـ الذين شاركوا على نحو مكثف في أنشطة الترجمة هذه ـ يستحق العالم المسيحي (من شرق سوريا) حنين بن إسحاق (ت: 873) ذكراً خاصاً. من المحتمل أن يكون حنين قد أتقن اللغة اليونانية خلال فترة إقامة طويلة في الإسكندرية أو بيزنطة، وقام بترجمة أعمال الطب والفلسفة وعلم الفلك والرياضيات والسحر، بالإضافة إلى النسخة اليونانية من العهد القديم (السبعينية). وقد أصبح مدير مدرسة الترجمة في سنواته الأخيرة(11). ومع ذلك كان تركيز أعمال الترجمة منصبّاً على نقل الجواهر الثمينة من نصوص الفلسفة اليونانية التي تعرّف المسلمون عليها في كثير من الأحيان من خلال أعمال مشكوك في صحتها. وتم نقل الأعمال الفلسفية الرئيسة لأرسطو ـ وأفلاطون بالإضافة إلى كتابات ألكسندر فون أفروديسياس، بورفيريوس، ثيميستيوس ومفكرين يونانيين آخرين ـ إلى العربية(12).

4 ـ مراتب العلوم

تُعدُّ مراتب العلوم مكونات مهمة للإرث العلمي في الإسلام؛ نظراً لإسهامات في نظرية العلم التي يمكن للمرء أن يصفها في السياق العلمي الحديث بالإنسانية، وأسهم العديد من العلماء المسلمين في ازدهار هذا النوع الموسوعي من الفكر الإسلامي، ابتداءً من العلماء الموسوعيين جابر بن حيان (توفّى حوالى 815)، و«فيلسوف العرب» في العراق أبي يعقوب الكندي (توفّى بين 861 و 866)، إضافة إلى رجل الدين ومصنف الكتب طشكبري أحمد (ت: 1561) في الدولة العثمانية، والمصلح الديني في الهند شاه ولي الله دهلوي (ت: 1762)، وضمن هؤلاء نجد الفلاسفة والعلماء والأطباء، وكذلك رجال الدين ورجال الشريعة والمتصوفة، السُّنَّة والشيعة على حد سواء. تتأسس تفسيرات هؤلاء العلماء حول ترتيب العلوم وتسلسلها الهرمي أساساً من خلال الاستقبال الخلّاق لها، وتحول مختلف المفاهيم الثقافية والتاريخية والمعرفية أو الأشكال الأدبية الخاصة بها وغاياتها الوظيفية. وأهمها:

أ ـ المصنفات القديمة للفلسفة، ولا سيما المقدمات والشروحات على مجموعة الكتابات الأرسطية.

ب ـ مصنفات العلوم في العقيدة الإسلاميّة وعلم الفرائض.

ج ـ المصنفات المعينة بالإدارة السياسية للمجتمع الإسلامي بالمعنى الواسع للمفهوم(13).

وتتضح هذ المراتب في الأعمال الموسوعية الكلاسيكية العربية والفارسية على الخصوص، مما (أ) ينظم ويعيّن بالاسم العلوم في شموليتها بحسب المحتويات الجوهرية، (ب) يصنف هذه المراتب حسب الأهداف الدراسية والفئات المستهدفة ويخضعها للقواعد التعليمية ويربط بينها، وأخيراً وليس آخراً (ج) بواسطة هذه المراتب يتم تصدير رؤية العالم الإسلاميّة والتعبير عنها، التي تربط بين التصورات العابرة للأقاليم ـ أي اليونانية والفارسية ـ مع التفسيرات الدينية المرتبطة بالإرث المتجذر في القرآن الكريم عن العلم وانتقاله.

تعود هذه الأعمال المبكرة ـ ذات الصلة بتصنيف العلوم ـ إلى رائد المنطق والفيلسوف ومنظر الموسيقى الفارابي (ت: 950) والباحث الكوني والطبيب ابن سينا (1037). وكان تصنيف الفارابي مؤثراً بشكل خاص بسبب طبيعته التكاملية؛ ففي كتابه «إحصاء العلوم» قام بتقسيم مواضيع ومجالات تطبيق العلوم على حدة إلى المجالات الخمسة الرئيسة التالية:

1 ـ اللسانيات (علم اللسان)، مع علم الدلالة، وعلم التصريف، والنحو، والتهجئة، والتلاوة واللحن، وعلم العروض.

2 ـ علم المنطق الذي يهتم بالقواعد واستخدام التفكير، ويمتد إلى جميع مجالات الأشياء المعروفة.

3 ـ الرياضيات (علم التعاليم) بوصفه علم دعاية، مع علم الحساب والهندسة والبصريات وعلم التنجيم (في ممارسته العملية) وعلم الفلك.

4 ـ الفيزياء (العلم الطبيعي) والميتافيزيقا (العلم الإلٰهي) التي تستكشف الجسد وخصائصه، وتطرح أسئلة حول مسببات المادة والشكل والتأثير والغرض. كذلك:

5 ـ علم المجتمع (العلم المدني) وعلم الفقه وعلم الكلام، والتي تهتم بسلوك وسمات الشخصية التي تؤدي إلى السعادة الحقيقية (في الدنيا أو أكثر في الآخرة). وهذا يتطلب إدارة وتوجيهاً ممتازاً (سياسة، رياسة) والتفسير المناسب للشريعة بالإضافة إلى المعرفة والامتثال للتعليمات التي يعود أصلها إلى مؤسس الدين(14). يتضح في هذا النظام صنفان أساسيان:

أحدهما يشمل العلوم الفلسفية، والتي بدورها تعد صالحة عالمياً.

والثاني مع تلك العلوم التي تجد ممارستها فقط في مجالات معينة من الحياة. من اللافت للنظر أن بعض العلوم التي تم الاهتمام بها في زمن الفارابي ـ والتي كتب بنفسه عنها أيضاً دراسات (مثل الكيمياء وتفسير الأحلام) ـ مفقودة من هذه القائمة(15) ويفهم الفارابي مصطلح العلم على هذا النحو في المفرد في سياق تصنيف العلوم على حد سواء (أ) بوصفه رصيداً منفصلاً من العلم، وكذلك أيضاً (ب) بوصفه نظاماً فردياً يمتلك متطلباته الأساسية وأغراض الدراسة والأساليب والأهداف. وبناءً على ذلك، يذكر الفارابي أن طرق نقل العلم واكتسابه تختلف، ويجب أن تكون مصممة دائماً وفقاً للعلم المقصود.

بالقدر نفسه ـ وإن كان بطريقة أصلية ومختلفة ـ قدّم ترتيب العلوم لـابن فرغون (منتصف القرن العاشر)، نظاماً مرئياً للعلوم في التشجير؛ أي شجرة الرسوم التوضيحية (التي نسميها الآن الرسوم البيانية للمعرفة)(16) ولدينا أيضاً أبو عبد الله الخوارزمي (ت: 990 أو 991)، وإخوان الصفا في البصرة في القرن العاشر، والشخصية الأدبية والفيلسوف ابن حزم (ت: 1064). ويمكن أيضاً العثور على تمثيلات تصنيفية للعلوم في الأعمال ذات التوجه الديني أو التاريخي. والمهم في هذا الصدد هو رجل الدين والصوفي الغزالي (ت: 1111م)، والمؤرخ المهتم بعلم الاجتماع ابن خلدون (ت: 1406)، الذي لاقت منهجيته احتفاءً خاصاً.

5 ـ تخصّصات علمية

تعكس العلوم التي مورست في الإسلام في الفترة ما قبل الحداثة الحقول الدلالية المعقّدة للمصطلحات «علم» و«علوم»، بقدر ما تشير هذه المصطلحات أيضاً إلى كل من الحقول العلمية الدينية والعلوم الإنسانية والطبيعية اللادينية أو الدنيوية. إن الرؤى التالية حول أساسيات تطوير حقول مهمة من هذا الإرث العلمي الغني تعطي انطباعاً عن تنوع وتميّز العلم الإسلامي في ذلك الوقت.

1.5 ـ قراءة القرآن وتفسيره

بدأت جهود المسلمين لفهم معنى وصياغة وبناء وسياق الوحي القرآني على نحو أفضل في وقت مبكر من حياة النبي محمد (ت: 632) وأول الخلفاء الراشدين. ويُروى ـ من بين أمور أخرى ـ أن الخليفة الأول أبا بكر (حكم في الفترة 632 - 34) قد كلّف أمين النبي زيد بن ثابت (ت: 665) بجمع الوحي القرآني في «كتاب بين لوحين»؛ بناءً على نصيحة عمر بن الخطاب (ت: 644). وذكرت المصادر أن اسم هذه السور المجموعة هو الصحف (أوراق)، والتي ربما كانت مخصّصة للاستخدام الشخصي للخليفة. وبلغت هذه الأنشطة بعداً جديداً عندما أنشأ الخليفة عثمان (حكم في الفترة 644 - 656) لجنة برئاسة زيد بن ثابت، وجمع أجزاء من الوحي القرآني ـ كانت حتى ذلك الوقت مبعثرة إلى حد كبير، من مصادر مكتوبة وشفوية ـ في أربع نسخ. فمن ناحية تمّ تمرير ثقل تواتر القرآن من الشفوي إلى الكتابي، ومن ناحية أخرى ساعد هذا الإجراء المسلمين الأوائل على دراسة نصوص القرآن بشكل خاصّ. وتعلّق الأمر في البداية بالاختلافات في النطق والقراءات والخصائص الإملائية والمعجمية والنحوية. وفي النصف الثاني من القرن السابع تمت إضافة وصف عام للنص القرآني، الذي لم يكن صوتياً بما فيه الكفاية قبل هذه المرحلة، وتمّ تقسيمه إلى أجزاء، وتطوير مدارس للقراءات، وتقديم أول شروحات القرآن. وأقدم «كتاب في القراءات» معروف للقرآن الكريم هو كتاب «في القراءات» للباحث العراقي يحيى بن يمار (توفّى حوالى 708)(17). تم تجميع القراءات السبع للقرآن لأول مرة في القرن الثامن في بغداد من قِبل أبي بكر بن المجاهد (ت: 936)، لاقت هذه القراءات السبع ـ التي تُعدُّ الآن أساسية، والتي تعتمد جميعها على النصّ المتلقّى ـ اعترافاً متساوياً من السُّنَّة والشّيعة(18). وأصبح كتاب «السبعة في القراءات» لابن المجاهد أحد أكثر الأعمال تأثيراً في هذا الحقل العلمي؛ ربما لأنّ الحكام العباسيين قد أيّدوه، ويُعدُّ اليوم عملاً نموذجياً كلاسيكياً لهذا الحقل العلمي. وللتفسير القرآني (تفسير، تأويل) أهمية بارزة في تاريخ العلوم الدينية في الإسلام. إنه يعكس الأنشطة الجماعية للعلماء الملتزمين بقواعد معينة، والعمل الابتكاري لأفراد فضّلوا العمل في حرية والابتعاد عن هذا التّراث(19). يستعمل مفهوم التفسير («تأويل»، «شرح») مع الفعل الأساسي فسّر («اكتشف شيئاً مخفياً») في المقام الأول للإشارة إلى التفسير؛ استناداً إلى مستوى موجود مسبقاً من العلم.

ويشير مفهوم تأويل («العودة إلى البداية»، وردت 18 مرة في القرآن) بدوره إلى التفسير من خلال التأمّل الفكري والتفكير العميق (الدراية)، على الرغم من أن معاني المصطلحين تتداخل اعتماداً على الزمن والمؤلف. وقد أثّرت هذه المفاهيم في المسيحية واليهودية على استعمالهما في الإسلام. وتعود جهود تفسير القرآن باعتباره نشاطاً شفوياً إلى القرن السابع. ومع ذلك فإن الأدلة الموثوقة ـ استناداً إلى المعلومات التاريخية حول الكتابات القديمة لهذه الأنواع ـ لم تكن متاحةً إلا في أوائل القرن الثامن. ويمكن التمييز في الشروحات المبكرة بين (أ) إعادة الصياغة، (ب) والسرد أو: (ج) الشروحات ذات التوجه المرتبط بالشريعة. ينطبق بشكل عام على هذا النوع التصنيف الوظيفي في (1) شروحات موسوعية كأعمال مرجعية، (2) شروحات موجزة على التدريس في المدرسة و(3) تفسيرات إضافية في الحواشي لشروحات المدرسة.

وأهم ممثلي أدب شروح القرآن: «تفسير مقاتل» للعالم مقاتل بن سليمان (توفّى حوالى 767)؛ التفسير الضخم وربما الأهم للشرح الكلاسيكي ذي النهج التأويلي، «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» للمفسر والمؤرخ محمد بن جرير الطبري (ت: 944)، والتفسير الضخم والموجّه دينياً إلى أهل السُّنَّة «تأويلات أهل السُّنَّة» لأبي منصور الماتريدي (ت: 944)، وكتاب «متشابه القرآن» للمعتزلي العقلاني القاضي عبد الجبار الحمداني (1025)، الذي يعطي نظرة عامة على الأساليب المختلفة لتفسير القرآن(20)، والشرح العقلاني أيضاً ذو النهج التأويلي «التبيان في تفسير القرآن» للعالم الشيعي أبي جعفر الطوسي (ت: 1067)، والشرح المتعدد الاستعمال حتى اليوم، الذي يستعين بالمناهج اللغوية والأدبية «الكشاف عن حقائق التنزيل» للمعتزلي جار الله الزمخشري (ت: 1144) و«مفاتيح الغيب» والمعروف أيضاً باسم «التفسير الكبير» لرجل الدين الفلسفي العبقري فخر الدين الرازي (ت: 1209). كشفت المقاربات الاستبطانية للوحي القرآني عن شروحات صوفية مهمة مثل تلك التي كتبها سهل التستري (ت: 896) وابن العربي المتعمق في التّراث نفسه (ت: 1240)، بالإضافة إلى الشرح الفارسي الواسع لراشد الدين الميبدي (النصف الأول من القرن الثاني عشر) بعنوان «كشف الأسرار وعدة الأبرار»، وكتاب «روح البيان» لإسماعيل حقي البروساوي (ت: 1725) في عشرة مجلدات، وهو أهم شرح صوفي منذ العهد العثماني. وتأتي في هذا الإطار أيضاً الموسوعتان الرائعتان في تراجم المفسرين بعنوان «طبقات المفسرين» لجلال الدين السيوطي (ت: 1505) وشمس الدين الداودي (ت: 1538).

2.5 ـ علوم الحديث والفقه

توفّر الآثار الكثيرة وشروحاتها حول كل شيء قاله النبي محمد، أو قام به أو سكت عنه مُقِرّاً ـ بالإضافة إلى التقارير ذات الصلة حول الصحابة ـ معلوماتٍ قيمةً عن الظروف الدينية والسياسية والشرعية والاجتماعية في الفترة الإسلاميّة المبكرة. كما تقدّم رؤى مهمة حول التطور المبكر للأساليب والممارسات العلمية في توسيط المعرفة في الإسلام. يصف مصطلح «حديث» (جمع أحاديث، جديد، محادثة، رواية) النص ككل أو النقل أو التّراث الفردي. يرتبط هذا بشكل وثيق بمصطلح السُّنَّة («السلوك المعتاد»، «العرف»؛ 16 مرة في القرآن)، والتي تعني عادات المجتمع الإسلامي، وبمعنى أضيق: سلوك وممارسات النبي محمد المرفوعة إلى الناس بالتواتر والمُلْزِمَة شرعاً. وتعدُّ نصوص الحديث أهم ثاني مصدر للفقه بعد المصدر الأول القرآن الكريم، بالنسبة لغالبية المسلمين، ويكتسب طابعاً معيارياً في جميع شؤون الدين والأخلاق وكذلك في الحياة اليومية للمسلمين. وبهدف تأمين هذه الثروة من العلم للأجيال القادمة طور العلماء منذ القرن السابع ما يُعرف باسم «علم الحديث»، وضمنياً القضايا التقنية والمضمونية المتعلّقة بنقل أحاديث النبي القصيرة أو الطويلة منها. وكان موضوع هذه الامتحانات العلمية النقدية مكرّساً من ناحية للمتن، ثم لسلسلة رواة هذا النص (إسناد) الذي يسبق المتن نفسه. وأما الإستعمال المنهجي للإسناد فقد بدأ حوالى الثلث الأخير من القرن السابع.

وظهرت أخيراً ـ في القرن التاسع ـ الصحاح التي جمعت هذه النصوص معاً وأعادت تنظيمها. ونتيجة لذلك أصبحت المجاميع القديمة والصغيرة قد عفَّا عليها الزمن. ويعتمد أهل السُّنَّة منذ ذلك الوقت ستة كتب (الكتب الستة) ككتب صحيحة. ويتصدر هذه القائمة صحيح البخاري (ت: 870) وهو كتاب «الجامع الصحيح»، و«الصحيح» الذي كتبه مسلم بن الحجاج (ت: 875)، و«السنن» لأبي داود النسائي (ت: 889). أما الشيعة فيعتمدون أربعة أعمال من الكتب المعيارية، وتعرف بـ (الكتب الأربعة)، وتتضمن إلى جانب سيرة النبي محمد وحديثه، سير الأئمة الاثني عشر وتفسيرهم لآيات القرآن الكريم. وهذه الكتب هي: «الكافي» للكُليني (ت: 941 تقريباً)، وكتاب «من لا يحضره الفقيه» للشيخ الصدوق (ت: 991) و«الاستبصار» و«تهذيب الأحكام»، وكلاهما لمحمد بن الحسن الطوسي (ت: 1067).

وبسبب الرحلات الجغرافية المزدادة التي قام بها العلماء طلباً للعلم، والشبكات العلمية التي ازدادت تعقيداً ـ ظهر المزيد من الأحاديث النبوية التي تمّ تداولها، وكانت أحاديث موضوعة (بدوافع سياسية ودينية جزئياً، وجزئياً لأسباب تتعلّق بالزهد). دفعت هذه الوضعية الجديدة علماء الحديث إلى العمل مبكراً على دراسة محتوى النصوص، ولكن قبل كل شيء مع طُرق روايتها والسير الذاتية لرواتها.

قام علماء مسلمون مثل شعبة بن الحجاج (ت: 776)، ويحيى القطان (ت: 813) وأحمد بن حنبل (ت: 855) بهذا النقد المبكر للحديث، وأسهموا بشكل مباشر في إنجاز «الطبقات»، التي يتم فيها سرد معلومات السيرة الذاتية للرواة بحسب الأجيال ومكان الإقامة. وأعقبتها أعمال أخرى كثيرة تقوم على انتقاد الروايات (الجرح والتعديل)، وعلى معرفة السير الذاتية للرجال والنساء المشاركين في رواية الحديث (علم الرجال والنساء). كما كانت هناك أيضاً تعليقات على شرح الأحاديث، منها تلك التي كتبها أبو سليمان الخطابي (ت: 996 أو 998) على مصنفات البخاري وأبي داود السيستاني، وابن حجر العسقلاني (ت: 1449)، وكان شرحه مهماً على كتاب البخاري. وإضافة إلى القرآن كانت كتب الصحاح ـ بما تضمنته من نصوص السُّنَّة ـ أهم مصدر للتشريع في القرنين الأولين للإسلام. يضاف إلى هذين المصدرين نوع ثالث هو الكتب التي ألّفها مؤسسو المذاهب الأربعة المبكرة عن أصول الفقه، الذي يهتم بمناهج وأدوات التشريع. وإضافة إلى الأصلين الأولين ـ أولاً القرآن ثم السُّنَّة ـ تأتي أيضاً عناصر أخرى، اكتسبت قيمة مختلفة من مدرسة إلى مدرسة مثل: الإجماع، والقياس، والرأي (الاجتهاد)، والاستحسان. وفي حين تغيب النصوص المتعلّقة بالشريعة جميعها تقريباً ما عدا الاقتباسات المتوفرة في الأعمال اللاحقة، فإن العمل الذي يتناول الحديث النبوي، والمرتّب موضوعاتياً، هو كتاب «الموطأ» للفقيه المدني مالك بن أنس (ت: 778) (في مراجعتين). وقدم الشافعي ـ تلميذ مالك بن أنس وناقده ـ أقدم رؤية منهجية للشريعة الإسلاميّة، وهي موضوع كتابه «الرسالة في أصول الفقه». أما الاسمان الآخران المؤسّسان للمدارس السنية الرئيسة الأربع التي لا تزال موجودة حتى اليوم، فهما أبو حنيفة (ت: 767) من الكوفة، وأحمد بن حنبل (ت: 855) في البصرة وبغداد. ولاحقاً تعد أعمال العالم الشافعي الموسوعي الإمام السيوطي (ت: 1505) من القاهرة، والفقيه الحنفي ابن نجيم (ت: 1563) من مصر أقلّ حجةً في التّراث؛ لكنها أكثر تحليلاً في نظرتها العامّة للشريعة من غيرها من الكتب المؤلفة في هذا المجال، ومن الأعمال التي تعالج حالات فقهية خاصّة. وطوّر الإباضيون تفسيرات خاصّة للشريعة منذ القرنين الثامن والتاسع، أولاً في البصرة، ثم في بلاد المغرب وشبه الجزيرة العربية، وفعل مثلهم الشيعة في مراكزهم الدينية في (قم) الإيرانية وفي النجف العراقية.

3.5 ـ التأريخ

نشأ الوعي التاريخي للعرب القدماء من خلال التقاليد القبلية، وتم التعبير عنها في الأنساب الشفوية إلى حد كبير، وفي الشعر العربي القديم والنصوص النثرية عن «أيام العرب». كما أن السياق وردود الفعل على ظهور دعوة محمد النبي ـ الذي بلّغ الناس بنزول الوحي الإلٰهي الأخير والحقيقي ـ يوضح أيضاً أن الأفكار التاريخية اليهودية والمسيحية كانت مألوفةً عند العرب في بداية القرن السابع. وأسهم انتشار الإسلام المنتصر ودخول العرب في تاريخ العالم واتصالهم بالشعوب والثقافات الأجنبية ـ وليس أقلّها مهمّة تبرير رسالتهم التاريخية باسم الإسلام ـ بشكل مباشر في تكوين تصوّر إسلامي للتاريخ، ممّا وفّر المتطلبات الفكرية والمادية لـ «تأريخ موضوعي» في الإسلام(21)

وتحت التأثّر بنصوص الحديث النبوي والتفاعل معها، والاهتمام بأخبار المغازي («الحملات، الغزوات») وسيرة النبي محمد؛ فإن التأريخ الفتي (تأريخ، من فعل أرّخ) قد بلغ بالفعل مراحل متطورة في النصف الثاني من القرن الثامن. وتقدّم مذكرات المحاضرة الشهيرة عن السيرة النبوية لمحمد بن إسحاق (ت: 767) ومجاميع التاريخ المبكرة (التي غالباً ما يتم تحريرها من قبل المؤلفين اللاحقين) لكل من أبي مخنف (ت: 774)، وسيف بن عمر (توفّى حوالى 796)، وهشام الكلبي (ت: 819)، والهيثم بن عدي (ت: 822)، ومحمد الواقدي (ت: 822) ـ وناصر بن مزاحم (ت: 827)، وعولي المدائني (ت: 840)، ومحمد بن سعد (ت: 845)، شهادة بليغة على ذلك. ومن اللافت للنظر وجود العديد من العلماء ذوي المرجعية الشيعية بين المؤرخين المسلمين الأوائل، ومن بينهم نذكر المتأخرين: اليعقوبي (ت: 891) وأبا الفرج الأصفهاني (توفّى بعد وقت قصير من 971).

وبينما قام المؤرخ البلاذُري (ت: 892) ـ الذي عمل في بلاط العديد من الخلفاء العباسيين، في كتابه «فتوح البلدان» المتكون من أربعة أجزاء، وفي كتابه «أنساب الأشراف» ـ بتجميع كل التقارير الخاصّة والمتاحة له، التي تناولت الأحداث الهامة والجهات الفاعلة في التاريخ الإسلامي؛ يُعدُّ محمد بن جرير الطبري ـ الذي عمل بصفته عالماً حرّاً في بغداد ـ مؤرخاً كلاسيكياً مسلماً بامتياز، بينما أثبت كتاب الطبري «تاريخ الرسل والملوك» أنه عمل كبير يتبع منهجاً بعيد النظر، تحليلياً / تاريخياً / فلسفياً، بغض النظر عن الاستخدام التقليدي للسلاسل الضامنة لتحديد المعلومات التاريخية الفردية والمعايير التعليمية الأخلاقية.

وبطريقة معينة ينضم مسكويه (ت: 1030) ـ الفيلسوف والمكتبي في المكتبات الكبيرة لحكام الدولة البويهية ـ إلى موروث الطبري بكتابه في التاريخ بعنوان «تجارب الأمم»، ولكنه تفوق على سلفه، حين التزم مسكويه بتقديم عرض تاريخي مُعدّ بشكل تعليمي ومدعّم أخلاقياً.

بدوره قدم المثقف البغدادي المسعودي (ت: 956) بأسلوبه الأدبي ـ في كتاب «مروج الذهب» ـ تاريخاً للحكام والأحداث التاريخية المرتبطة به مع مقدّمة جغرافية. ومن التاريخ العالمي الكبير أيضاً «الكامل في التاريخ» لابن الأثير (ت: 1233) و«تاريخ الإسلام» للذهبي (ت: 1348). واعتنى الخطيب البغدادي (ت: 1071) وابن عساكر الدمشقي (ت: 1176) بتاريخ المدينة والعلماء في بغداد ودمشق. ومن المصادر القيّمة بشكل خاص للتاريخ الإسلامي للعلم كتاب «الدارس في تاريخ المدارس»، الذي قدّم فيه الفقيه والمؤرخ في دمشق عبد القادر النعيمي (ت: 1521) تضاريس المشهد التعليمي لمدينة دمشق بين القرنين الحادي عشر والسادس عشر، وهو لا يسرد عدداً كبيراً من المؤسسات والأماكن للتعليم الديني العالي فقط؛ ولكنه يوفر أيضاً معلومات حول موقعها وهندستها المعمارية، بالإضافة إلى أعضاء هيئة التدريس وبرنامج التدريس.

ومن بين كتب التاريخ الإقليمي العديدة نذكر كتاب «البيان المغرب في أخبار ملوك الأندلس والمغرب» لابن عذاري المراكشي (القرن الثالث عشر) في إسبانيا الإسلاميّة والمغرب العربي، التي تشير إلى مصادر قديمة واسعة النطاق لكنها فُقِدت اليوم. ونذكر أيضاً كتاب ابن خلدون (ت: 1406) (العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر، ومن عاشرهم من ذوي الشأن الأكبر») في ثلاثة مجلدات، وهو مكرس لتاريخ المغرب، ويعد كتاب ابن خلدون مثالاً بارزاً على «المدرسة الجديدة» للتأريخ الإسلامي، أي مجموعة موسوعية تنحرف عن الأسلوب السطحي (التأريخ) وتلتزم بتمثيل مواضيعي موسوعي.

أما كتب التاريخ الكلاسيكية باللغة الفارسية فهي تلك الخاصّة برشيد الدين فضل الله (ت: 1318)، وزير الخان المغولي، وأبي الفضل بيهقي (ت: 1077)، وهو كاتب ومستشار عند الغزنوي، وأبي علي بلعمي (توفّى حوالى 974)، الذي عمل وزيراً عند السامانيين، وترجم مرة أخرى أجزاءً من حوليات الطبري إلى اللغة الفارسية، واقتبس هيكلها الزمني الأساسي نموذجاً لعمله التاريخي المؤثر جداً، بينما كُرّس كتاب الشاهناما الشهير بقلم الفردوسي (ت: 1010) لتاريخ الشاه الإيراني. وتقدّم الأعمال التأريخية الفارسية في العصور اللاحقة رؤى قيمة في تطور وخصائص الثقافة العالية (المحكِّمة) لإيران، وكذلك تلك الموجودة في آسيا الوسطى والهند والإمبراطورية العثمانية، حيث تم استخدام اللغة الفارسية بوصفها لغة ثقافية وعلمية حتى عصر التحول إلى الحداثة. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن غالبية المؤرخين الذين يكتبون باللغة الفارسية كانوا إداريين أو مسؤولين حكوميين أو شخصيات أدبية في البلاطات، وأنّ أعمالهم مُلتزمة بالاتفاقيات الديوانية(22).

يعرض المؤرخ العثماني والكاتب والمدير الإداري مصطفى علي (ت: 1600) مسألة أهمية الفتوحات الإسلاميّة للدولة العثمانية، وكذلك فعل بعض المؤرخين العثمانيين؛ مثل منجم باشا (ت: 1702) في تاريخه العالمي، وبدأوا الآن ينفتحون على التاريخ الأوروبي. ففي القرن الثامن عشر على أقصى تقدير تغيرت طريقة التعامل مع التاريخ على خلفية اتصالات العالم الإسلامي مع أوروبا، لذا نجد المؤرخ المصري الكبير عبد الرحمٰن الجبرتي (ت: 1825) يؤرخ لرحلة نابليون إلى مصر وآثارها، ويعرضها للقارئ العربي (مبدئياً في نسخة مطبوعة في صحيفة الإسكندرية).

4.5 ـ الجغرافيا ورسم الخرائط وأدب السفر

وتشهد المعلومات المتعلّقة بالمدن والبلدان في الشعر العربي القديم والأعمال العربية المبكّرة عن الفتوحات الإسلاميّة على إلمام العرب والمسلمين الأوائل بالمعايير الأولية لجغرافيا البلاد. كما تلقت الجغرافيا ورسم الخرائط في الإسلام تحت حكم العباسيين دوافع علمية حاسمة من خلال الترجمة العربية، واستقبال أعمال وخرائط العالم اليوناني القديم مارينوس الصوري (ت: 130م)، وكذلك كتاب المجسطي وخريطة العالم لكلاوديوس بطليموس (ت: 168). وتمت ترجمة الكتاب الفلكي «كتاب السندهند الكبير» والكتابات الهندية الأخرى ذات الصلة إلى اللغة العربية تحت حكم الخليفة المنصور. واقتبس العرب من الفكر الفارسي تصوّر تقسيم العالم إلى سبع «دوائر» هندسية أو سبعة أقاليم: الهند والصين والأتراك، وروما، وأفريقيا والجزيرة العربية، وفارس في الوسط(23)

ويُعد الرحالة الشهير أبو عثمان الجاهز (ت: 868 أو 869) بكتابه «الأمصار وعجائب البلدان» من رواد الجغرافيا الناشئة في الإسلام، والذي يحتوي على وصف أدبي مفصل عن تمثيلات المناطق الحضرية في بلاد العرب والعجم، وكذلك ابن خرداذبة (توفّى بعد 902)، الذي عمل في بغداد وسامراء كمدير للبريد والاتصالات (صاحب البريد والأخبار) وألف كتابه المسالك والممالك. وتأتى كلاسيكيات الجغرافيا الإسلاميّة مع أبي زيد البهلي (ت: 934)، وإبراهيم بن محمد الإستياري (ت: 957)، وكذلك مع أبي القاسم بن حوقل (توفّى بعد 978)، ومحمد بن أحمد المقدسي (توفّى حوالى 1000). بالإضافة إلى ذلك تلقت الجغرافيا دوافع مهمة من الأعمال الموجهّة تاريخياً وعلمياً للمسعودي (توفّى حوالى 956) والبيروني (توفّى حوالى 1048). وبلغت الإنجازات الجغرافية أوجها مرة أخرى في العصور الوسطى مع أبي عبيد البكري (ت: 1154) ومحمد الإدريسي (توفّى حوالى 560/1165)؛ هذا الأخير ـ وبناء على طلب من ملك النورمان روجر الثاني Roger II. ـ أنجز بنفسه جغرافيا وصفية للعالم مع سبعين خريطة جزئية لخريطة العالم على قرص فضي. وأخيراً وليس آخراً لدينا تقارير الرحلة الموسّعة: رحلة ابن فضلان إلى بلاد البلغار أوائل القرن العاشر، ورحلة ابن جبير (ت: 1217) إلى سوريا والعراق وصقلية، وابن بطوطة (ت: 1369) الملقب بماركو بولو المسلم، ورحلته إلى سومطرة والصين، ورحلة النهرولي (توفّى حوالى 1582) إلى إسطنبول.

5.5 ـ الفلسفة والكلام والتصوف

أسهمت مجموعة من العوامل في أن تصبح الإنجازات العظيمة التي حققها المسلمون في مجالات الفلسفة ممكنة؛ من ناحية يمكن الإشارة إلى أنشطة الترجمة والوساطة المذكورة أعلاه للمسيحيين السوريين في استقبال التّراث الفكري القديم، والتي تمّ الترويج لها ودعمها بحماس شديد من قبل النخب العربية الإسلاميّة. بالإضافة إلى الاهتمام العلمي، كانت هناك دوافع عملية لذلك، فقد أصبح مجتمع الإمبراطورية الإسلاميّة الفتية سريع التطور، وكان عليه أن ينجز العديد من المهام الجديدة التي لا يمكن حلها بالمعرفة والأدوات المتاحة حتى الآن، وتعلّق الأمر بالإدارة والضرائب والبريد وقنوات الاتصال والخدمات اللوجستية لتبادل السلع والزراعة والأسئلة الطبية وأمور أخرى. وفي هذه الحالة أثبتت أعمال اليونان القديمة ـ وكذلك التّراث الإيراني والهندي ـ أنها مصادر مرجعية مفيدة ومصدر إلهام للأسئلة والحلول المنهجية الجديدة(24). في سياق نقط الانطلاق الثقافية الجديدة ذات المدى البعيد ـ التي احتضنت أيضاً العلوم ـ أظهر العلماء المسلمون اهتماماً خاصاً بالفلسفة؛ فقد تمكّن الكندي من الوصول الفوري إلى ترجمات النصوص القديمة في العاصمة العباسية بغداد، كما شارك في اختيار النصوص اليونانية للترجمة، أو في تصحيح الترجمات وتطوير المصطلحات الفلسفية باللغة العربية. وقدم عمله الرئيسي في الميتافيزيقيا ـ «الفلسفة الأولى»، و«في العقل» و«في التعريفات ووصف الأشياء» ـ الذي يحتوي على وصف متمايز لعملية التفكير، دفعات مهمة للتراث العلمي ذي التوجّه الفلسفي في الإسلام.

لم يكن الطبيب والفيلسوف الفارسي المولد أبو بكر الرازي (توفّى حوالى 925 أو 935) مهتماً بشكل خاص بنظرية المعرفة (في سياق النبوة) بسبب تكوينه الجيد في العلوم اليونانية، وبوصفه مفكّراً حراً، فقد مثّل وجهة نظر ـ تنتقد تماماً علماء الدين المسلمين التقليديين، تقول بأن الإنسان يمكن أن يتحكّم في حياته من خلال امتلاك العلم وممارسة العمل الصحيح، وأن العقل البشري الممنوح من الله يوجه عمليّة الكمال الروحي.

درس الفارابي بشكل رئيس النصوص الفلسفية (غالباً ما تُترجم من السريانية) مع العلماء المسيحيين في بغداد. ولقي عمله عن المنطق الأرسطي وعن معنى العقل من أجل مسار التاريخ ـ الذي تم تفصيله قبل كل شيء في عمله الرئيس «مبادئ آراء أهل المدينة الفاضلة» ـ استقبالاً واسع النطاق عند الأجيال اللاحقة من العلماء المسلمين. وحاول العالم والطبيب والفيلسوف ابن سينا بدوره أن يثبت من بين أمور أخرى ـ في كتابه «الشفا» و«الإشارات والتنبيهات»، وهو كتاب عن المنطق والفيزياء والميتافيزيقيا ـ أن الإنسان ـ إلى جانب قدرته على إدراك البيئة ـ يمكنه أيضاً فهم نفسه، ويرى إجابة على هذه المسألة أنّ الروح هي حاملة للوعي بالذات.

بجّل المتكلمون الفلاسفةُ مثل الغزالي وخلفه فخر الدين الرازي الأشعري (ت: 1210) قيمة المقاربات الصوفية للمعرفة، وأهميتها لـ «الإسلام التقليدي» الإسلام السني. ويتضح ذلك من خلال المراجع العديدة في أبواب من أعمالهما المكرّسة لمسائل العبادة والمعرفة(25)؛ ففي عمله الصوفي البكر «مشكاة الأنوار» يدرس الغزالي أهمية العقل بالنسبة للمعرفة ودور الرمزية في علوم الدين، حيث تُعدّ عبادة الله المتمعّنة دراكاً جوهرياً وشعوراً عاطفياً.

جادل الفقيه والفيلسوف والطبيب الشرعي الأندلسي ابن رشد (ت: 1198) في أرسطو والفارابي وابن سينا والغزالي، كما أثبت في كتابه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال» ـ الذي صاغه في رأي شرعي ـ أن القرآن والشريعة الإسلاميّة لا يحميان فقط التفكير العقلاني ودراسة الفلسفة، بل يجعلانه مطلباً من مطالبها. ومع ذلك فإن البعد المنطقي (كما في الفلسفة) محجوز للمثقفين؛ لأن غالبية الناس لا يفهمون سوى الحجج الجدلية والبلاغية (كما هو الحال في الدين).

قام شهاب الدين السهروردي المقتول (ت: 1191) من حلب ـ ومؤسس فلسفة التنوير أو فلسفة الإشراق في الإسلام (حكمة الإشراق) ـ بجمع نوعين فريدين من الحكمة من وجهة نظره، في كتابيه وفهرسه: «الذوقية» و«البحثية»(26)اكتشف الملا صدرا الشيرازي (ت: 1640) ـ المفكّر والمعلّم الشيعي الاثنا عشري المهمّ من شيراز ـ نهجاً مشابهاً للمعرفة، عندما اعتقد بأن المعرفة العلمية يجب أن تكون متوازنة مع المعرفة البديهة أو الروحية، وأن المعرفة هي «مسلك إلى الوجود». كان لتأكيده على الجانب الأخروي للتعلم تأثير كبير على نظرية وممارسة التعلّم الديني في الأجيال اللاحقة. وأكد اثنان آخران من رجال الدين الشيعة الاثني عشرية ـ وهما علي الكركي (ت: 1534) ومحمد باقر السبزواري (ت: 1679) ـ أن العلماء يجب أن يلعبوا دوراً نشطاً في المجتمع، وأن يهتموا أيضاً برجال السلطة والسياسة سياسياً، من أجل تكوينهم وتربيتهم. وفيما يتعلّق بالإسلام التقليدي، فإن أبا الحسن الأشعري (ت: 935)، كان في الأصل على مذهب المعتزلة، ومن أتباع التدين العقلاني، بعد رجوعه عن مذهب الاعتزال وعودته إلى مذهب أهل السُّنَّة والجماعة قد استعان بالحجج العقلانية (الكلام) وسيلةً للدفاع عن مذاهب أهل السُّنَّة والجماعة في البصرة وبغداد. والدليل على ذلك أعماله الرئيسة «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين»، وكتابه «اللمعة». ويُعدّ الأشعري مؤسس إحدى أهم مدرستي الإسلام التقليدي وأكبر تأويلي لها، بينما تعود المدرسة الأخرى إلى رجل الدين أبي منصور الماتريدي (ت: 944) في سمرقند. ولا تزال تشكِّل الأسس الدينية والتربوية للأشعري الأساس للمناهج في مدارس الأزهر وجامعة الأزهر في مصر. وتنتقد شخصيات من السلفية والمعادية للعقلانية في الإسلام الأكثر تأثيراً ـ من أشهر علمائهم الشرعيين ابن حزم من قرطبة (ت: 1064) وابن تيمية (ت: 1328) في دمشق ـ بشدّة الفلسفة العربية المتأثرّة باليونان، فقد دعا ابن تيمية ـ على وجه الخصوص ـ إلى الابتعاد عن المنطق الأرسطي والفلسفة العقلانية والتصوف العقلاني (مثل تصوّف العالم الأندلسي ابن عربي، ت: 1240)، وإلى العودة إلى السلف وإلى عدَّه المصادر الوحيدة لمعرفة الحقيقة الدينية ـ الفهم الحرفي للقرآن والأحاديث أو السُّنَّة، كما فسّرها صحابة النبي (ص) والتابعون أو عايشوها ـ وبذلك أصبح العميد الروحي للإسلاموية الحديثة، ومن أبرز تلامذته؛ رجل الدين العالم والفقيه الشرعي السوري ابن قيم الجوزية (ت: 1350)، وأيضاً محمد بن عبد الوهاب (ت: 1791) من نجد فيما يعرف الآن بالمملكة العربية السعودية.

6.5 ـ التعليم والتربية

تمت صياغة أدب عربي / إسلامي منذ أوائل القرن التاسع، خُصّص على نحو مباشر لصياغة نماذج التفكير حول الأهداف والمحتوى والقواعد الأخلاقية الأساسية، وأساليب وطرق التعلم والتعليم. كان مؤلفو هذه الأعمال من علماء القرآن، وخبراء في السُّنَّة النبويّة الإسلاميّة، ومن الفلاسفة، ومن رجال الدين، والمؤرخين، والقضاة، وعلماء الأخلاق، وعلماء الطبيعة والأطباء، ويمتلك الكثير منهم خبرة تربوية واسعة من خلال نشاطهم التدريسي في المساجد والمدارس، وفي التعليم الخاص أو في حلقات دراسية وبحثية، أو بوصفهم مرشدين تربويين في قصور الحكام. وعبّر العلماء المسلمون عن مسائل التعليم في أنواع أدبية متنوعة. وتسمى الكتب التي تتعامل بشكل خاص مع «قواعد السلوك عند المعلمين والطلاب» «آداب العالم والمتعلم». من المحتمل أن أقدم عمل من هذا النوع هو كتاب بعنوان «العالم والمتعلم»، وينسب عموماً إلى رجل الدين الفقيه أبي حنيفة النعمان (ت: 767)، مؤسس أحد المذاهب السنية الأكثر والأوسع انتشاراً. ومع ذلك أظهر بحث حديث أن هذا العمل الصغير كتبه لأول مرة أبو مقاتل السمرقندي (ت: 823)، وهو من تلاميذة أبي حنيفة، ويحتوي على حوار بين الطالب ومعلمه، يطرح فيه الطالب مسائله في التعليم الديني والدراسة، ويجيب المعلم (أبو حنيفة) على أسئلة الطالب (السمرقندي) بأمثلة ورموز تهدف إلى تشجيع السائل على التفكير والتوصل إلى استنتاجاته الخاصة. ودرس العالم الشرعي التونسي ابن سحنون (ت: 970) بدوره، الجوانب الشرعية والعملية للحياة المدرسية اليومية في كتابه «آداب المعلمين»، من خلال تناوله مواضيع مثل العمل التعاقدي للمعلم، وراتبه، وجدولة الدروس، وكذلك العقوبات والامتحانات والتخرج. كما حدّد الجاحظ في كتابه «آداب المعلمين» المذكور أعلاه نقاطاً أخرى عندما شدّد على أهمية الكتب في التعلّم الإبداعي والعملية التعليمية.

طوّر الفارابي منهجاً دراسياً في كتابه «إحصاء العلوم» يدمج علوماً أجنبية (يونانية) وأصلية (بناءً على القرآن والشريعة الإسلاميّة)، بينما يؤكد ابن سينا​​في «القانون الكبير في الطب» أن تحضير بيئة عاطفية مستقرة والأخذ بعين الاهتمام التطور الجسدي والنفسي للأطفال يُعدُّ أمراً ضرورياً لنجاح التعلم(27) وقبل الغزالي ـ الذي يمكن القول: إنه أهم مهندس معماري للتعليم الديني الإسلامي الكلاسيكي ـ بالمنطق اليوناني وسيلةً موضوعية للتعلم، فأوصى به لطلاب الدين والشريعة الإسلاميّة. وفي «إحياء علوم الدين» يؤكد الغزالي أنه يجب على المتعلمين أولاً تطهير أنفسهم من الأخلاق السيئة والصفات الجديرة باللوم؛ من أجل تحضير أنفسهم لحالة تستحق اكتساب العلم، ولا ينبغي عليهم أن يسعوا إلى الأجر الدنيوي، ولكن يجب أن يجتهدوا في بلوغ الكمال الروحي. يُنْصَح المعلِّمون بتعليم الأطفال والشباب بإعطائهم نصائح ودية (وتجنّب النقد المباشر)، وأن يكونوا هم أنفسهم قُدوة بالمعايير الأخلاقية العالية التي ينقلونها في الفصل. وكان برهان الدين الزرنوغي في القرن الثالث عشر في كتابه «تعليم المتعلم طريق التعليم» ـ مثل العديد من معاصريه والعلماء اللاحقين ـ قد شدّد على تكامل المعرفة المؤمنة بالفعل. ويؤكّدُ ابن خلدون على أهمية الخبرة والكفاءة الاجتماعية والقدرة على التعاون في العملية التعليمية والتكوين، فتحدث في هذا السياق أيضاً عن (أ) معرفة الظواهر الطبيعية، التي تجعل من الممكن التأثير على البيئة الطبيعية، و (ب) علم العمران أو «معرفة الحضارة»، حيث تشتمل الحضارة ـ على حد سواء ـ على التكنولوجيا وكذلك على العلاقات الاجتماعية والسياسية. أمّا العالم الشرعي الشيعي الاثنا عشري اللبناني زين الدين العاملي (ت: 1558) ـ والمعروف أيضاً باسم «الشهيد الثاني ـ فيقدّم في كتابه «منية المريد في أدب المفيد والمستفيد» منظوراً شيعياً حول القضايا التربوية في تفسير القرآن، وعلوم الحديث، والفقه، والقواعد، والكلام. في حين قدّم الباحث اليمني الحسين بن المنصور اليمني (ت: 1640) في كتابه «آداب العلماء والمتعلمين» شهادة علمية مهمّة ومتأخرة في هذا الأدب التربوي الغني.

وبعض النصوص الأدبية في اللغة العربية والفارسية والتركية عن «آداب الملوك [والأمراء]» لها طابع تعليمي. تعود أهمّ الأعمال في «أدب الملوك» الإسلامي إلى أبي حامد الغزالي وأبي الحسن الموردي (ت: 1058) وعبد الملك الطالبي (ت: 1038) ويوسف بن عبد الله بسبط ابن الجوزي (ت: 1257).

7.5 ـ النحو

أصبحت الدراسة المكثفة والعلمية للغة العربية ملحّة بسبب انتشار الإسلام في مناطق ذات غالبية سكانية غير عرب، فقد كانت اللغة العربية لغة الدين الجديد، وكذلك لغة الحُكَّام الجدد. في هذا الصدد كانت هناك دوافع دينية عملية بشكل مزداد، وأيضاً عقلانية في الفترة الإسلاميّة المبكرة، فرضت على المسلمين التعامل مع قواعد اللغة العربية: يتوجب على المسلمين ضمان تلاوة وفهْم القرآن بشكل صحيح من قِبَل غير العرب المتحولين إلى الإسلام (الموالي). ولكن تطوير اللغة العربية إلى لغة التواصل المستخدمة على نطاق واسع في جميع مجالات الأعمال والإدارة والثقافة والعلوم أدّى على إدراك أهمية الحصول على معرفة جيدة بهذه اللغة على مختلف المستويات الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك فإن الانشغال الأكاديمي بالنحو (في الأصل: «طريقة التحدث») تم إثراؤه من خلال الأساليب العلمية واستراتيجيات الجدال في الشريعة الإسلاميّة، التي تطورت في ذلك الوقت، وكان من المفترض أن تتفوّق أحياناً في انتظامها(28).

يربط التّراث الإسلامي بدايات النحو للغة العربية باسم أبي الأسود الدؤلي (ت: 688)، وهو شاعر وكاتب عند الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب (ت: 661)، على الرغم من أن المعلومات المروية ربما تكون أسطورية إلى حدٍّ ما؛ لأنها تاريخية. من ناحية أخرى تمّ توثيق إدماج بعض الوسائل المساعدة التي سهّلت إزالة الغموض عن الرسم القرآني، وشمل ذلك إدخال نقاط فوق الحروف الساكنة العربية المتشابهة، وعلامات التشكيل للتمييز بين حروف المد القصيرة، وعلامات أخرى للتعبير عن حروف المد الطويلة وازدواجية الحروف الساكنة. وارتبطت هذه الابتكارات ارتباطاً وثيقاً بمبادرات والي العراق الحجاج بن يوسف (حكم في الفترة 694 - 714)(29)

وقام النحوي والمعجمي العربي الأقدم والمعروف الخليل بن أحمد (ت: 791) بتسهيل عمل خلفه الفارسي الأصل سيبويه (توفّى حوالى 796 أو بعد ذلك بقليل) ـ الذي أصبح مشهوراً ـ على نحو منهجي، وعلى ضوء المادة اللغوية التي تم جمعها في البصرة. ويصف سيبويه الذي درس في البداية الشريعة الإسلاميّة في البصرة، في نحوه المعروف باسم «الكتاب» ـ بناء الجملة، وعلم التشكيل وعلم الأصوات في اللغة العربية، باستخدام اللغة بوصفها سلسلة من «أفعال الكلام»، أي (كلام) موصوف. وفي عهد العباسيين، شهد النحو العربي نهضة كبيرة. وقد عمل بعض علماء النحو مرشدين للأمراء العباسيين ـ لذا فإن عالم اللغة وقارئ القرآن أبو الحسن الكسائي (ت: 805) وأبا محمد اليزيدي (ت: 817)، هما أيضاً من الكوفة. أمّا النحويون الآخرون الذين أصبحت أعمالهم مشهورة فهم أَبُو الحَسَن عَلِيّ بِن المُبَارَك اللِّحيَانِي الهذلي (ت: 822)، وكذلك المبرد (ت: 898) من البصرة، ومنافسه ثعلب النحوي (ت: 904) من بغداد.

ألّف ابن جنّي (ت: 1002) كتابه الشهير «الخصائص في علم أصول اللغة العربية»، ومثّل الزمخشري (ت: 1144)، وابن الحاجب (ت: 1249)، وجمال الدين بن مالك (ت: 1274) وجمال الدين بن هشام (ت: 1360) كفاءات مهمة جداً في تثبيت قواعد اللغة العربية في أوقات لاحقة. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن بعض القواعد العربية الكلاسيكية وجدت طريقها إلى أوروبا في وقت مبكر من القرنين السادس عشر والسابع عشر، عن طريق الترجمات اللاتينية، وأغنت لاحقاً الدراسات العربية على نحو مستمر.

8.5 ـ الشعر والبلاغة

لطالما عدّ العرب الشعر «ديوان العلم» و«منتهى الحكمة»، كما أكد ذلك العالم بالحديث واللغة من البصرة ابن سلام الجمحي (توفّى حوالى 846)(30) ؛ لذلك ليس من المستغرب أن تنعش جهود اكتسابِ المعرفة والتعليم النقدَ الأدبي العربي، الذي شمل كلّاً من الشعر والبلاغة، وبرزت هنا أعمال بعناوين مثل «قواعد الشعر» أو «نقد الشعر». ومن المؤلفين البارزين لدينا النحوي وعالم اللغة المذكور آنفاً أحمد بن يحيى ثعلب وعالم اللغة والأمير العباسي والشاعر عبد الله بن المعتز (ت: 908)، اللذيْن لم يتأثرا إلى حدٍّ كبير بالشعراء الأرسطيين في أعمالهم(31) وعن السؤال فيما إذا كانت البلاغة الأرسطية قد أغنت النظرية الأدبية العربية في سياق التاريخ الفكري الإسلامي وإلى أي مدى، يجيب البحث عن ذلك على نحو متباين ومختلف، لكنها كانت متاحة في الترجمة العربية منذ نهاية القرن الثامن على أبعد تقدير.

من كلاسيكيات النقد الأدبي العربي المبكر من نوع آخر كتاب «الشعر والشعراء» للعالم متعدد التخصصات والشخصية الأدبية الرفيعة ابن قتيبة (ت: 889)، والكتاب عبارة عن مختارات كرونولوجية من الشعر العربي المبكّر، ويشرح المؤلف في مقدمته معرفته بالشعر، وكتاب «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكرى (ت: 1005)، الذي يستند جزئياً إلى العمل التحضيري لابن قتيبة، وكتب كل من قدامة بن جعفر (توفّى حوالى 948) وابن المعتز، وهو أول تجميع شامل للنظرية الأدبية. تُعدُّ المختارات المحفوظة من القصائد والمقاطع الفردية في كتاب «الدر الفريد وبيت القصيد» لمحمد بن سيف الدين أيدمر (توفّى في نهاية الثالث عشر) من بين الشروحات التفصيلية المهمة حول جودة الشعر والمحتوى الشعري للقصائد في العصر المتأخّر. يحتوي هذا المعجم المكوّن من ثلاثة مجلدات على قصائد من عصور مختلفة، ويدرسها المؤلف من وجهة نظر جمالية. كانت شروحات القصائد المكتوبة «بعنوان البديعية» كتباً تعليمية تقدّم أمثلة في استعمال البديع؛ أي الاستخدام المبتكر للغة التصويرية بوصفه وسيلةً شعرية. ومن الكتب الرئيسة في علم البديع نذكر كتاب ابن أبي الأصبع (ت: 1256) بعنوان «تحرير التحبير»، وأيضاً شروحات حول البلاغة العربية في كتاب «مفتاح العلوم»، للعالم بالعربية والأدب الخوارزمي سراج الدين السكاكي (ت: 1229)، الذي وضع المعايير في هذا المجال من العلم لقرون(32)

9.5 ـ الرياضيات والفلك وعلم التنجيم

تمت ترجمة جميع النصوص اليونانية ذات الصلة بالعلوم الرياضية والفلكية إلى اللغة العربية في نهاية القرن التاسع، وتشمل أعمال إقليدس وبطليموس، وكذلك أعمال أرخميدس وأبلونيوس وديوفانتوس وإبسقلاوس ونيقوماخس وببس الرومي والعديد من الرياضيين الآخرين، وترجم العمل الفلكي «السندهند الكبير» من اللغة السنسكريتية، وكذلك الكتيبات الفلكية مع الجداول المقابلة لحساب مواقع الشمس والقمر والكواكب ـ المعروفة تحت اسم زيج، جمع أزياج (جداول فلكية) ـ التي تمت ترجمتها من اللغة الفهلوية. ومن خلال إمكانية دراسة عدد هائل من المخطوطات حول العلوم الطبيعية ـ والتي عرفها المسلمون واهتموا بها في ثنايا الفتوحات الكبيرة في القرن السابع وحتى منتصف القرن الثامن ـ عرفت العلوم الرياضية والفلكية في الإسلام نهضة غير مسبوقة غالباً ما تم دعمها بسخاء من قبل الحكام.

مع جابر بن حيان ومجموعة كبيرة من النصوص العلمية المرتبطة باسمه يمكن العثور على معرفة مهمة للصفر في تاريخ الرياضيات. أكّد علماء الفلك وعلماء الرياضيات محمد بن إبراهيم الفزاري ويعقوب بن طارق (وكلاهما كان يعمل تحت إمرة الحاكم الخليفة المنصور ـ حكم الفترة 754 - 775) في منتصف القرن الثامن أهمية العناصر العددية لعلم الفلك. ابن الهيثم («الحازن»، ت: 1039) ـ الذي عمل بشكل أساسي في القاهرة ـ ابتكر أطروحة أصلية في الهندسة، طبّق فيها المعرفة الهندسية لمسح الأراضي. ومع أبي الوفا البوزجاني (ت: 998) ظهر في بغداد علم حساب المثلثات مع اكتشافات مهمة، ومع علي بن يونس (ت: 1009) في القاهرة في علم الفلك من خلال المراقبة الفلكية، بينما تُعدُّ أعمال محمد بن محمد الخوارزمي (ت: 850) مهمة في الحسابيات والجبر، وقد وجدت في تعبير علم الحساب وعلم العدد مقابلاً محتملاً لها، ليس فقط بإنجازاته في «الأعداد الهندية»، ولكن أيضاً بإنجازه لكتابه «المختصر في حساب الجبر والمقابلة» في الجبر، بناء على طلب الخليفة المأمون، والذي سرعان ما تَرجمه إلى اللاتينية كل من روبرت فون كيتون (توفّى حوالى 1160) وغيرهارد فون كريمونا (ت: 1187) في إسبانيا، وكان له تأثير دائم على العلوم الطبيعية في أوروبا(33) ويعود المصطلحان «الخوارزمية» و«الجبر» أيضاً إلى الشكل اللاتيني لاسم الخوارزمي التي ابتكرها واستخدم كلمة الجبر أيضاً. أما ما يسمى بالأرقام الهندية فهي تلك التي تم استخدامها بشكل رئيس في المناطق الشرقية من الإسلام، في حين قدّم البديل «العربي» الغربي القالب المباشر للأرقام الأوروبية الحديثة.

ومثّل عمل غياث الدين عمر الخيام (ت: 1132) ذروة الجبر في الإسلام الكلاسيكي، وأسهم أبو الريحان البروني (ت: 1048) بكتابه «تحديد نهاية الأماكن لتصحيح مسافة المساكن» في الجغرافيا الرياضية، كما كتب الباحث الأندلسي ابن ياسمين الإشبيلي (ت: 1204) بدوره أبياتاً تعليمية في الحساب والجبر، وكتب الرياضي المغربي المنتج والفلكي ابن البناء المراكشي (ت: 1321) مقدمات لدراسة الجبر والهندسة والفلك.

مورس علم الفلك في المراصد التي رعاها الحكام بسخاء. المراصد الشهيرة هي تلك الموجودة في بغداد ودمشق في العباسية وكذلك في المراغة بالقرب من تبريز في إيران، التي أسسها السلطان المغولي هولاكو (حكم 1256 - 1265) وقد زوِّدت بمجمع مبانٍ شامل بما في ذلك مكتبة. المبنى الذي بني في سمرقند من قبل الأمير المغولي المتعلم أولوغ بيك تم استخدامه في المقام الأول لتدريس علم الفلك، وكان مرتبطاً بمدرسة(34)

وبناءً على ملاحظات فلكية حاول المنجمون المسلمون نقل تأثير حركة الأجرام السماوية على القَدَر الإنساني، وفي هذه الآراء والممارسات اعتمدوا على المصادر البابلية والفارسية واليونانية والسوريانية القديمة. وفي حين كان المنجّمون قادرين على العمل بحرية تحت سلطة جميع الحكام المسلمين تقريباً (وكانوا ينصحون بعضهم أيضاً)، دخل أبو معشر البلخي (ت: 886) بغداد بعمله الكبير «المدخل الكبير في علم أحكام النجوم» وعمله على الأبراج، وقدم وجهة نظره القائلة بأن المعرفة الفلكية يمكن اكتسابها من جميع الحضارات. وكان للترجمة اللاتينية الواسعة الانتشار لأعماله تأثير دائم على التقليد العلمي في أوروبا المسيحية.

10.5 ـ الكيمياء والخيمياء

من المؤكد أن إنتاج العطور والزجاج والحبر والأصباغ الخزفية، وكذلك معالجة الذهب والفضة والأحجار الكريمة واللآلئ ـ بوصفها منتوجات أصلية ـ قد أسهم في الاهتمام الخاصّ للحكام المسلمين والعلماء بالمسائل الخيميائية. ربط ابن النديم والجاحظ والمؤلفون الكلاسيكيون الآخرون بين الترجمات المبكرة للكتابات الخيميائية من اليونانية ومبادرة الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية (ت: 704 أو 709) في دمشق، والذي يعتقد أيضاً بأنه كان كيميائياً(35). يوجد العالِم الكوني جابر بن حيان (ت: 815 تقريباً) والتأليف المرتبط باسمه، والأدب الذي ظهر بعده بأكثر من 200 عام، والذي لديه أيضاً إشارات إلى الإسماعيلية، في مركز التاريخ المبكر للخيمياء في الإسلام الذي لم تُنجز عنه أبحاث كثيرة. ويصادف الاسم العربي القديم صنعة أو علم الصنعة للخيمياء في كتاب «الحدود» معنى «الفن العالي»، الذي يُنْسب هنا إلى العلوم الدنيوية. ويعود الاسم العربي الخيمياء أو علم الخيميا ـ الذي ظهر لاحقاً ـ إلى اليونانية أو السريانية بمعنى «فن السبك والصهر». ويُنظر إلى أبي بكر الرازي على أنه مهم في تقدّم مسار الخيمياء في الإسلام، فقد اتخذ منهجاً تجريبياً وطبيعياً لأعماله الكيميائية أكثر من اليونانيين، وأكثر مما فعله جابر، وكذلك المصري محمد بن عمر التميمي (النصف الأول من القرن العاشر)، الذي مثل في تقليد الأدب المحكم الجانب التأمّلي الباطني للكيمياء المجازية. ينتقد ابن سينا الخيمياء في كتابه «كتاب الشفاء»، وهو رأي يأخذ به الإسلام التقليدي في الغالب دون الإشارة إلى ابن سينا، بينما ازدهر الجانب الصوفي المجازي للكيمياء مرة أخرى في الحقول التجريبية في الأندلس مع مسلمة بن أحمد (توفّى حوالى 1005)، وفي مصر مع عز الدين الجلدكي (ت: 1342). وقد تمت ترجمة العديد من الأعمال العربية عن الخيمياء إلى اللاتينية في إسبانيا في القرن الثاني عشر، مما أسهم في نشر ليس فقط الأفكار الخيميائية، ولكن أيضاً في ظهور المصطلحات المقابلة في أوروبا في العصور الوسطى، مثل كلمات القلوي والكيمياء والكحول والإكسير وغيرها.

11.5 ـ الطب والصيدلة

تتجلّى حقيقة أن العرب كانت لديهم معرفة طبية قبل العصور الإسلاميّة والمبكرة في وجود أسماء الأطباء العرب في القصائد والأمثال العربية القديمة. في هذه الفترة المبكرة كان هناك بالفعل اتصال بين الأطباء العرب وأكاديمية جنديسابور التي تأسست عام 271 بعد الميلاد، والتي كانت تضم أقدم مستشفى تعليمي معروف. وبالنسبة للمعرفة الطبية في الإسلام المبكر فإن مصطلح «الطب النبوي» يأتي في المقام الأول، ويشير هذا المفهوم إلى نوع من النصّ يحتوي على أقوال عن مواضيع طبية (وفي طب الأسنان)، بالإضافة إلى عادات نمط حياة النبي ذات الصلة وأجيال المسلمين الأولى، وتمّ توسيع هذه المعرفة في القرون الأولى للإسلام استناداً إلى المعرفة الطبية التجريبية للبدو وبواسطة المعلومات التي اكتسبها العرب أثناء اتصالهم الثقافي مع الشعوب الأخرى. وينظر إلى «كتاب الصيدنة» للبيروني بوصفه وثيقة إرشادية لهذا التطور. ويوثق هذا المرجع ـ بواسطة ذكره المتكرر للقصائد العربية ومجموعات القصائد والأعمال اللغوية ـ أهمية المواد الطبية للعرب القدماء وللتاريخ الطبي الإسلامي. تمّ استقبال المعرفة الطبية عن العصور القديمة والمتأخرة من قبل المسلمين في البداية من خلال اتصالات فردية بين الأطباء في المناطق الهيلينية التي فتحها المسلمون، كما أسهم عمل الأطباء المسيحيين في بلاط الخلفاء الأمويين في دمشق بشكل كبير في التبادل بين الثقافات والأديان في مجالات الطب والصيدلة في الإسلام، ومنذ منتصف القرن الثامن تم تعزيز استقبال هذه المعرفة رسمياً بترجمات الأعمال المقابلة من اليونانية، والتي دعّمها الخلفاء. وكانت أقدم ترجمة معروفة حصلنا عليها لكتاب في الطب من السريانية إلى العربية في وقت الخليفة الأموي مروان الأول (ص 684 - 685) قد أنجزها يهودي ناطق بالسوريانية يدعى ابن ماسرجويه السوري. ويمكن العثور على العديد من الاقتباسات من هذه الترجمة، مع إضافات من المترجم، نجدها في العمل المؤلف من خمسة وعشرين مجلداً بعنوان «الحاوي في الطب» للطبيب والفيلسوف ـ تلميذ العالم اليوناني السالف الذكر ـ أبي بكر الرازي، الذي قدم فيه المعرفة الطبية اليونانية والسريانية والعربية والهندية القديمة (ربما في البداية للاستخدام الشخصي الخاص) واستكملها بآراء من ممارسته الطبية وبحوثه.

وفقاً للمعلومات الموجودة في الفهرس البيبليوغرافي «الفهرست» لابن النديم لعبت الإسكندرية في مصر والمراكز العلمية في سوريا دوراً محورياً في استقبال المعارف الطبية القديمة مِنْ قِبل المسلمين. ومع ذلك يبدو أن تأثير الأفكار الفارسية ذات الصلة كان أقل استدامة(36). ثم تطور الاهتمام الإسلامي بالقضايا الطبية ومنحها ديناميكية جديدة في عهد العباسيين. كان ذلك حاسماً من ناحية معرفة حقيقة أن أطباء من جنديسابور في إيران ذهبوا إلى العاصمة العباسية في بغداد وقاموا بتطوير النظرية الطبية وممارستها هناك، ومن ناحية أخرى لقيت المعرفة الطبية استقبالاً مكثفاً وتطوراً عند العباسيين. وفي الطب النظري ـ وبالإضافة إلى كتاب الرازي بعنوان «الحاوي» ـ فإنه يجدر هنا ذكر العمل الوحيد لجابر بن حيان عن السموم، والذي يبدو أنه ارتبط كلياً بالأعمال اليونانية والنسخ المصورة لأبوقراط وجالينوس وأفلاطون وبيثاغورس(37) وفي بداية القرن العاشر، عرف المسلمون المبادئ الأساسية للمعرفة الطبية القديمة والمتأخرة الهلنستية والسريانية والهندية. في هذا الاستقبال وتحويل المعرفة الطبية القديمة ـ وخاصّة أعمال جالينوس وأبقراط ـ لعب العلماء ـ الذين كانوا في الغالب أطباء ـ الدور الرائد. وكان من بينهم علماء مسيحيون مثل علي بن ربان الطبري (توفّى حوالى 780)، وحنين بن إسحاق (ت: 873)، وكذلك الصابئي ثابت بن قرة (ت: 901). وكان المسلمون قد حقّقوا إنجازات رائدة في القرنين العاشر والحادي عشر في مجال طب وجراحة العيون والصيدلة. وكانت لهذه النتائج العملية تأثير كبير على المعرفة الطبية في أوروبا في الترجمة اللاتينية حتى عصر التحول إلى الحداثة. ففي المجال النظري، كان ابن سينا هو الذي أنجز مع قانون في التطبيب أموراً بارزة ورئيسة. وتُعدُّ الموسوعة المكونة من عشرة أجزاء بعنوان «ذخيرة خوارزمشاهي» ـ التي أنجزها الطبيب الممارس سيد إسماعيل بن حسين الجرجاني (ت: 1137) ـ الموسوعة الأكثر شمولاً للطب المعد من الأعشاب باللغة الفارسية. ويحتوي هذا العمل على مجموعة واسعة من الأسئلة الطبية: من الجوانب العملية والعلمية للطب إلى أمراض أجزاء معينة من الجسم، والرعاية الصحية الوقائية، والتشخيص، والأمراض الخارجية والداخلية إلى الأدوية(38)

يتكون كتاب («التصريف لمن عجز عن التأليف») للطبيب الأندلسي أبي القاسم باسم الزهاوي («توفّى حوالى 1009) من 30 «كتاباً» (مقالات). ويعتمد بشكل كبير على المصادر اليونانية والعربية القديمة، ولكنه يشمل أيضاً الاختراعات (المعاصرة) في مجال التكنولوجيا الطبية. ويشكل «الكتاب» الأخير ـ الجزء الثلاثون من هذه الموسوعة ـ تقريباً نصف العمل بأكمله، وهو مخصص للجراحة. وكواحدة من أقدم الكتابات من هذا النوع تحتوي على رسوم توضيحية للأدوات، وقد ترجم جيرارد فون كريمونا (ت: 1187) هذا الجزء من العمل إلى اللغة اللاتينية، مما مكنه من التأثير الدائم على الأدب الجراحي الأوروبي في العصور الوسطى، وهو الأمر الذي أسهم فيه الزهراوي (ت: 1013) في أوروبا بصيته ولقبه «أبي الجراحة»(39)

12.5 ـ علم الحيوان والطب البيطري وعلم النبات

وثّق الشعر العربي القديم اهتمام العرب الحيوي بالنباتات والحيوانات، واستمر في الشعر والنثر العربي الإسلام الكلاسيكي. يورد الفارابي في كتابه «إحصاء العلوم» معرفة الحيوان باسم علم الطبيعة، في حين أن إخوان الصفا بالبصرة يذكرون صراحة علم الحيوان وعلم البيطرة. في البداية درس العلماء المسلمون خصوصيات الحيوانات والتعامل معها في الدراسات اللغوية والمعجمية، ثم مع استقبال التّراث اليوناني والفارسي والهندي القديم في دراسات متخصصة، حيث كانت الإبل والخيول والبغال والحمير ذات أهمية خاصة منذ العصور القديمة، وأخيراً وليس آخراً الصقر. وأقدم كتاب معروف هو كتاب «الخيول» لعالم اللغة البصري أبي عبيدة (ت: 825). وتحتوي أعمال الأدب أيضاً على معلومات (شبه) علمية عن الحيوانات وعن «بوادر ظهور علماء النفس الحداثيين المتخصصين في الحيوانات»(40)، من خلال الخرافات الحيوانية في كتاب (كليلة ودمنة) الذي ترجمه من الفارسية المترجم والمؤلف ابن المقفع، الذي كان يعمل في البصرة (ت: 759)، وكتاب «الحيوان» للكاتب الأديب ورجل الدين الجاحظ، المقيم أيضاً في البصرة (توفّى حوالى 868).

في مجال علم النبات تخصص بجدارة كل من أبي حنيفة الدينواري (ت: 889 أو 896) ـ العالم الكوني الكردي الأصل، الذي عاش في الكوفة والبصرة ـ بكتابه «النبات»، بما في ذلك التعبيرات الفنية والتقنية الواردة فيه عن أشكال مختلفة من أجزاء النبات، وكذلك العالم المعروف بصفته رساماً للخرائط والجغرافي، الذي عاش في الأندلس وصقلية، أبي عبد الله الإدريسي (ت: 1165).

6 ـ النهضة: البعث والإحياء

على أعتاب الحداثة بدأت ـ مع حملة نابليون المصرية من 1798 إلى 1801 ومع وجود القوى الاستعمارية الأوروبية في الشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا ـ حقبة من الاتصالات الثقافية والفكرية المكثفة بين العالم الإسلامي والغرب. ليس أقل من هذا الانطباع ظهور الحركات الدينية التي تهدف إلى إصلاح الإسلام. من ناحية أخرى أثرت أفكار القوميين العلمانيين أيضاً على التعليم والعلم في العالم الإسلامي، على وجه الخصوص حققت حركة الإصلاح الفكري المتعددة الأوجه للنهضة تقدّماً رائداً في العالم العربي في تحقيق التوازن بين مجالات المعرفة التقليدية والحديثة (الغربية)، من خلال الجمع بين القيم الأساسية للإسلام والانفتاح الفكري على التطورات الحالية في الثقافة والعلوم والتكنولوجيا. وقد دعمت هذه التطورات الأنشطة التعليمية للمبشرين المسيحيين، وإدخال المطبعة في العالم الإسلامي. ظهرت مجلات تربوية تعليمية مهمة مثل «روضة المدارس المصرية» في القاهرة عام 1870 - 1892، نشرها رفاعة رافع علي الطهطاوي وابنه علي، علاوة على ذلك «المقتطف»، التي أسسها البروتستانتيّان السريانيان اللبنانيان: يعقوب صرّوف وفارس نمر في بيروت عام 1876، واستمر إصدارها في القاهرة من عام 1885 إلى عام 1952، و«الهلال» التي أسسها جرجي زيدان، وهو كاتب سوري من أصل يوناني أرثوذكسي، و«مجلة الإسلام» من 1894 إلى 1912، وصدرت في القاهرة وكان مؤسسها هو أحمد الشاذلي، «المنار» التي تأسست في القاهرة من 1898 إلى 1935 من قبل محمد رشيد رضا، وهو إصدار ناطق باسم الحركة السلفية السنية، وكذلك «العرفان»، التي تأسست في صيدا / لبنان في 1909 - 1970 على يد أحمد شريف الزين، وهو إصدار شيعي(41)

كما قام الحكام المستنيرون ـ مثل محمد علي باشا (1769 - 1849) في مصر والسلطان عبد المجيد الأول (1823 - 1861) في الإمبراطورية العثمانية ـ بحملات لتحسين المستوى العام للتعليم. وفي الهند أسس المصلح التربوي سيد أحمد خان (1817 - 1898) كلية محمدان الأنجلو الشرقية في عام 1878 بناءً على نموذج جامعات أكسفورد وكامبريدج. وفي تركيا قام مصطفى كمال أتاتورك (1881 - 1938) ـ مؤسس تركيا الحديثة وأول رئيس للجمهورية التركية ـ بتأسيس النظام المدرسي في البلاد. ودعا الإصلاحي التونسي خير الدين التونسي (1810 - 1879) إلى إجراء إصلاحات اجتماعية وسياسية على النمط الغربي. ودعا محمد عبده (1849 - 1905) ـ مؤسس الحداثة المصرية ـ إلى إعادة صياغة المبادئ الإسلاميّة تحت تأثير الأفكار الحداثية، وقام قاسم أمين (1863 - 1908) بحملة من أجل تحقيق الحريات للمرأة في مصر. تمّ تنفيذ الإصلاحات التعليمية في تونس من قبل محمد بيرم (1840 - 1889)، وفي العراق من قبل عائلة العيسى، وفي الجزائر من قبل عبد الحميد بن باديس (1889 - 1940) مؤسس حركة الإصلاح في الإسلام التقليدي لتجديد الثقافة العربية الإسلاميّة. ونشر حسن البنا (1906 - 1949) ـ مدرس وناشط سياسي ومؤسس الحركة السنية (للأخوان المسلمون) ذات النفوذ في مصر ـ الفكرة الإسلاميّة التقليدية القائلة بأن «تكوين الأخلاق» يتم من خلال التدريب العملي أكثر من الدرس النظري. وكان طه حسين (1889 - 1973) ـ وزير التربية والتعليم المصري والكاتب المصري خاصة في الستينيات ـ قد أعلن أن لجميع المواطنين الحق في التعليم. من ناحية أخرى، كان قد تحدّث لصالح تحقيق المثل الأعلى واكتساب المعرفة، وأنالتعليم هو التزام جماعي والتزام ديني، وتشهد على ذلك تقاليد المعرفة والتعليم في الإسلام على مدى 1400 سنة. من ناحية أخرى، قام بتوسيع هذه المثل العليا لتشمل المكونات المُوجِّهَة نحو التقدّم، التي ترسّخت أيضاً بقوة في المجتمعات الإسلاميّة الحديثة بوصفها أفكار توجيهية أساسية.

 

المراجع والهوامش:

(1)

Abi-Mershed, Osama (Hrsg.): Trajectories of Education in the Arab World. Legacies and Challenges (Routledge Advances in Middle East and Islamic Studies 17). London 2010.

(2)

Abū Nuʿaim al-Iṣbahānī, Aḥmad ibn ʿAbdallāh: Ḥulyat al-auliyāʾ wa-ṭabaqāt al‑aṣfiyāʾ, hrsg. Muḥammad Ḫālid al-ʿAṭṭār. Beirut: Dār al-Fikr li-ṭ-Ṭibāʿa wa-t-Tauzīʿ, 1440‑41/2019.

(3)

Ahmad, Maqbul / Taeschner, Franz, Art. “D̲j̲ug̲h̲rāfiyā”, in: EI2 II (1991), 575‑590.

(4)

Ali, Samer M. Ali: Arabic Literary Salons in the Islamic Middle Ages. Poetry, Public Performance, and the Presentation of the Past. Poetics of Orality and Literacy. Notre Dame 2010.

(5)

Bauer, Thomas: Ambiguität in der klassischen arabischen Rhetoriktheorie, in: Auge, Oliver / Witthöft, Christian (Hrsg.), Ambiguität im Mittelalter. Formen zeitgenössischer Reflexion und interdisziplinärer Rezeption (Trends in Medieval Philology 30). Berlin 2016, 21‑45.

(6)

Behrens-Abouseif, Doris: The Book in Mamluk Egypt and Syria (1250‑1517). Scribes, Libraries and market (Islamic History and Civilization 162). Leiden 2018..

(7)

Behzadi, Lale: Sprache und Verstehen. Al-Ǧāḥiẓ über die Vollkommenheit des Ausdrucks. Wiesbaden 2009.

(8)

Biesterfeldt, Hans Hinrich: Ibn Farīġūn, in: Rudolph, Ulrich (Hrsg.), Grundriss der Geschichte der Philosophie. Philosophie in der islamischen Welt. I. 8. -10. Jahrhundert. Basel 2012, 167‑170.

(9)

Biesterfeldt, Hans Hinrich: Hellenistische Wissenschaften und Arabisch-Islamische Kultur, in: Dummer, Jürgen u. a. (Hrsg.), Leitbild Wissenschaft? Wiesbaden 2003, 9‑37.

(10)

Biesterfeldt, Hans Hinrich: Arabisch-islamische Enzyklopädien. Formen und Funktionen, in: Meier, Christel (Hrsg.), Die Enzyklopädie im Wandel vom Hochmittelalter bis zur frühen Neuzeit. München 2002, 9‑37.

(11)

Brentjes, Sonja: Teaching and Learning in the Sciences in Islamicate Societies (800‑1700) (Studies on the Faculty of Arts, History and Influence 3). Turnhout [2018].

 

Carter, Michael: Arabic Grammar, in: Young, M. J. L. u. a. (Hrsg.), Religion, Learning, and Science in the ʿAbbasdid Period. Cambridge 1990, 118‑138.

(12)

Cook, Michael: Classical Foundations of Islamic Educational Thought. A Compendium of parallel English-Arabic Texts. Provo 2010.

(13)

Damien, Janos: Al-Ma-mūn’s Patronage of Astrology. Some Biographical and Institutional Consideration, in Scheiner Jens / Damien, Janos (Hrsg.), The Place to Go. Contexts of Learning in Baghdād, 750‑1000 C. E. (Studies in Late Antiquity and Early Islam 26). Princeton 2014, 389‑454.

(14)

Endress, Gerhard: Organizing Knowledge. Encyclopaedic Activities in the Pre-Eighteenth Century Islamic World (Islamic Philosophy, Theology and Science. Texts and Studies 61). Leiden/Boston 2006.

(15)

Ephrat, Daphne: A learned Society in a Period of Transition. The Sunni ʿUlamaʾ of Eleventh-Century Baghdad. Albany 2000. Fakhry, Majid: A History of Islamic Philosophy (Studies in Oriental Culture 5). New York 1970.

(16)

al-Fārābī, Abū Naṣr Muḥammad b. Muḥammad: Iḥṣāʾ al-ʿulūm. (Hrsg. von ʿUṯmān Amīn). Kairo 1949. Repr. Sezgin, Fuat: Islamic Philosophy 10, Frankfurt am Main 1999.

(17)

Fück, Johann: Muḥammad ibn Isḥāq. Literarhistorische Untersuchungen. Frankfurt am Main 1925.

Gätje, Helmut: Literaturwissenschaft (Grundriss der arabischen Sprache 2). Wiesbaden 1987.

(18)

Ġazzālī, Abū Ḥāmid Imām Muḥammad Ṭūsī (sic): Kīmiyā-i saʿādat: nuḫustīn čāp-i kāmil wa intiqādī, bi kūšiš-i Ḥusain Ḫadīwǧam. 2 Bde., Teheran: Markaz-i Intišārāt-i ʿIlmī wa Farhangī, 1983.

(19)

Al Ghasāli (sic.): Das Elixier der Glückseligkeit. Aus dem Persischen und Arabischen übertragen von Hellmut Ritter. Mit einem Vorwort von Annemarie Schimmel. Braunschweig 2004.

(20)

Gilliot, Claude (Hrsg.): Education and Learning in the Early Islamic World. Aldershot 2012.

(21)

Glass, Dagmar: Der Muqtataf und seine Öffentlichkeit. Aufklärung, Räsonnement und Meinungsstreit in der frühen arabischen Zeitschriftenkommunikation. Würzburg 2004.

(22)

Goodman, Lenn Evan: The Translation of Greek Materials into Arabic, in: Young, M. J. L. u. a. (Hrsg.), Religion, Learning and Science in the ʿAbbāsid Period (The Cambridge History of Arabic Literature). Cambridge 1990, 477‑497.

(23)

Günther, Sebastian (Hrsg.), Knowledge and Education in Classical Islam. Religious Learning between Continuity and Change (Islamic History and Civilization). 2 Bde. Leiden 2019 (erscheint noch im November 2019).

(24)

Günther, Sebastian: Bildung und Ethik im Islam, in: Brunner, Rainer (Hrsg.), Islam, Einheit und Vielfalt einer Weltreligion. Stuttgart 2016, 210‑236.

(25)

Günther, Sebastian: Be Masters in that You Teach and Continue to Learn. Medieval Muslim Thinkers on Educational Theory, in: Comparative Education Review, 50. 3, Special Issue Islam and Education? Myths and Truths, 367‑388.

(26)

Günther, Sebastian: Advice for Teachers. The 9th Century Muslim Scholars Ibn Saḥnūn and al-Jāḥiẓ on Pedagogy and Didactics, in: Günther, Sebastian (Hrsg.), Ideas, Images and Methods of Portrayal. Insights into Classical Arabic Literature and Islam (Islamic History and Civilization 58). Leiden 2005, 79‑116.

(27)

Halm, Heinz: The Fatimids and their Traditions of Learning (Ismaili Heritage Series 2). London / New York 1997.

(28)

Hardaker, Glenn/ Sabki, Ahmad Aishah. Pedagogy in Islamic Education. The Madrasah Context. Bingley 2019.

(29)

Hirschler, Konrad: The Written Word in the Medieval Arabic Lands. A Social and Cultural History of Reading Practices. Edinburgh 2012.

(30)

Ibn Ḥaǧar al-ʿAsqalānī, Šihāb ad-Dīn: Fatḥ al-bārī bi-šarḥ Ṣaḥīḥ al-Buḫārī. Kairo 1986.

Ibn Sallām al-Ǧumaḥī: Ṭabaqāt fuḥūl aš-šuʿarāʾ. Dschidda 1980.

(31)

Janos, Damien: Al-Ma-mūn’s Patronage of Astrology. Some Biographical and Institutional Considerations, in: Scheiner, Jens / Janos, Damien (Hrsg.), The Place to Go. Contexts of Learning in Baghdād, 750‑1000 C. E (Studies in Late Antiquity and Early Islam 26). Princeton 2014, 389‑454.

(32)

Makdisi, George: The Rise of Colleges. Institutions of Learning in Islam and the West. Edinburgh 1981.

(33)

Mauder, Christian: Gelehrte Krieger. Die Mamluken als Träger arabischsprachiger Bildung (Arabistische Texte und Studien 18). Hildesheim 2012.

 

Melville, Charles: Introduction, in: Melville, Charles (Hrsg.), Persian Historiography. London 2012, xxv-lvi.

(34)

Meyerhof, Max: ʿAlī ibn Rabbān aṭ-Ṭabarī, ein persischer Arzt des 9. Jahrhunderts n. Chr., in: ZDMG 85, 38‑68.

(35)

Paret, Rudi (Übers.): Der Koran. Stuttgart 20049 (19661).

(36)

Rosenthal, Franz: Knowledge Triumphant. The Concept of Knowledge in Medieval Islam. Leiden / Boston 1970.

(37)

Rosenthal, Franz: The Techniques and Approaches of Muslim Scholarship. Rom 1947.

(38)

Rudolph, Ulrich (Hrsg.): Grundriss der Geschichte der Philosophie in der islamischen Welt. Bd. 1 8. -10. Jahrhundert. Basel 2012.

(39)

Saleh, Walid: Quranic Commentaries, in Nasr, Husain u. a. (Hrsg.), The Study Quran. A New Translation and Commentary. New York 2015.

(40)

Samsó, Julio, Art. “Marṣad”, in: EI2 6, 599–602.

(41)

Scheiner, Jens / Janos, Damien (Hrsg.): The Place to Go. Context of Learning in Baghdād, 750‑1000 C. E. (Studies in Late Antiquity and Early Islam 26). Princeton 2014.

(42)

Schoeler, Gregor: The Genesis of Literature in Islam. From the Aural to the Read (The New Edinburgh Islamic Surveys). Edinburgh 2009.

(43)

Schupp, Franz (Hrsg. und Übers.): Al-Fārābī. Über die Wissenschaften. De scientiis. Lateinisch-Deutsch (Philosophische Bibliothek 568). Hamburg 2008.

(44)

Sezgin, Fuat (Hrsg): Wissenschaft und Technik im Islam. 5 Bde., Frankfurt am Main 2003.

(45)

Sīrjānī, ʿAlī-Akbar Saʿīdī, Art. “Ḏaḵīra-ye Ḵᵛārazmšāhī ”, in: EIr 6, 609f.

(46)

Strohmeier, Gotthard: Die christlichen Schulen in Bagdad und der alexandrinische Kanon der Galenschriften. Eine Korrektur in Ḥunains Sendschreiben an ʿAlī ibn Yaḥyā, in: Oriens 36, 268‑275.

(47)

Ullmann, Manfred: Die Medizin im Islam (Handbuch der Orientalistik 1, Ergänzungsband 6, 1). Leiden 1970.

(48)

van Bruinessens, Martin (Hrsg.): Producing Islamic Knowledge. Transmission and Dissemination in Western Europe (Routledge Islamic Studies 14). London 2011.

(49)

van Ess, Josef: Kleine Schriften (Islamic History and Civilization 137, 1‑3). Leiden 2018.

(50)

von Somogyi, Joseph: Die Stellung ad-Damīrīs in der arabischen Literatur, in: WZKM 56, 192‑206.

(51)

Wali ur-Rahman, Muʿtazid: Al-Farābī and his Theory of Dreams, in: Islamic Culture 10, 137‑151. Nachdr. Sezgin Fuat, Islamic Philosophy 9, Frankfurt am Main 1999, 181‑1961.

(52)

Winter, Tim (Hrsg.): The Cambridge Companion to Classical Islamic Theology. Classical Islamic Theology. Cambridge 2008.

(53)

Young, M. J. L, u. a. (Hrsg.): Religion, Learning and Science in the ʿAbbāsid Period. Cambridge 1990.