حريّة الاعتقاد في القرآن الكريم الأصل المنهجي لفِقه التّعارف والاجتماع الإنساني

2016_11_16_14_1_44_21.jpg

محمد الناصري | باحث في الفكر الإسلامي وحوار الأديان والحضارات، المغرب

مما لا شكَّ فيه أن الحرية من القِيَمِ الأساسية في حركة تحضُّر الإنسان أفراداً وجماعات؛ فـنهوض الأُمم وسقوطها أو تقدّمها وتراجعها منوط بمدى شيوع قِيَمِ الحرية بين أفرادها، وفي مجتمعها؛ إذ لا يمكن أن يتحقق التقدّم إلا بالتحرر من كل معوقاته وموانعه، والحرية هي الشرط الحاسم للفعل الإنساني على تخطي المعوقات، وتحصيل أسباب النهوض والبناء والإصلاح والتغيير.

فالحريّة بكل ما تحمله من معانٍ إنسانية وقيَم سامية ـ تُعلي من شأن الإنسان، وتحفظ كرامته، وتحميه من كل أشكال الإكراه والتسلط والاستبداد ـ هي مفتاح التقدّم ووسيلته في الآن نفسه(1)

من أنواع الحريّة الأكثر أهمية للوجود الإنساني حريّة الاعتقاد(2) من حيث هي: حرية الإنسان في أن يتبنى من المفاهيم والأفكار ما ينتهي إليه بالتفكير أو ما يصل إليه بأي وسيلة أخرى من وسائل البلاغ، فتصبح معتقدات له، يؤمن بها على أنها هي الحقّ، ويكيِّف حياته النظرية والسلوكية وفقها، دون أن يتعرض بسبب ذلك للاضطهاد أو التمييز أو التحقير، ودون أن يُكره بأي طريقة من طرق الإكراه على ترك معتقداته، أو تبني معتقدات أخرى مخالفة لها.

بالإضافة إلى هذا العنصر الأساسي في حريّة الاعتقاد فإن العنصر الثاني من عناصرها هو الإعلان عن ذلك المعتقد والتعبير بياناً لحقيقته وشرحاً لمفهومه واستدلالاً عليه ومنافحة عنه. ومن عناصرها أيضاً: حرية الممارسة السلوكية، من قيام بالشعائر التعبدية، مثلاً، وإقامة الاحتفالات بالمناسبات والأعياد الدينية، وما إلى ذلك من مظاهر التطبيق السلوكي. ولعل من أهم عناصر حرية المعتقد الحريّة في الدعوة إليه، والسعي في نشره بين الناس ليصبح معتقداً لهم، مع ما يقتضيه ذلك من حرية إعلاميّة بوسائلها المختلفة في البلاغ والنشر، ومن حريّة في تجمُّع الناس وتجميعهم من أجل تبليغ المعتقد إليهم وشرحه لهم. إنّ هذه العناصر المكوّنة لحريّة الاعتقاد إذا ما اجتمعت اكتملت بها تلك الحرية، وأيما خلل في واحدٍ منها يفضي إلى نقصان فيها حتى ينتهي أمرها إلى الزوال(3)

وبهذا المعنى تُعدُّ حرية الاعتقاد أول حقوق الإنسان التي يثبت له بها وصف «إنسان»، فالذي يَسْلُب إنساناً حرية الاعتقاد إنما يسلبه إنسانيته ابتداءً وانتهاء. ومع حرية الاعتقاد حرية التعبير والتفكير، والحقّ في الاختلاف، والأمن من الأذى والفتنة، وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة.

في البدء كانت حريّة الاعتقاد

ولأن القرآن الكريم رسالة تحريرية على كافة الأصعدة ـ وبخاصة صُعُد الفكر والعقل والعلم والتدين ـ فقد تضافرت آياته على توكيد حرية الاعتقاد، وعدِّها شأناً إنسانياً خاصاً بين الإنسان وربه، إذ نقرأ آيات عديدة في التأكيد على ضرورة احترامها وعدم المساس بها، تحت أي ظرف من الظروف: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ [يونس: 99]، ﴿ قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ﴾ [الأنعام: 104]، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: 108]، ﴿ مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا  ﴾ [الإسراء: 15]، ﴿  {إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92)﴾ [النمل: 91 ـ 92]، ﴿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلً ﴾ [المزمل: 19 والإنسان: 29]، ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا  ﴾ [الكهف: 29]، ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الزمر: 14، 15]، ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) ﴾ [الكافرون: 1 ـ 6]. والله عز وجل قد خلق الإنسان وبيّن له طريق الحق وطريق الشر ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) ﴾ [الشمس: 7 ـ 8]، ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾ [البلد: 8 ـ 10]، وترك له ساحة الاختيار الحر ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3]، ﴿  قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾ [الشمس: 9 ـ 10]، ولم يشأ الله عز وجل التدخل لإكراه الناس على اتباع طريق الرشاد ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]، ولم يسمح لأحدٍ ـ حتى لرسله ـ بإجبار أحد على الانتماء إلى «الإسلام»، وقصر مهمتهم ومهمة مَنْ سار على نهجهم من المؤمنين في البلاغ والهداية والدعوة بالتي هي أحسن، والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة. ثم بعد ذلك ترك حرية الاختيار للآخرين ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [آل عمران: 20]، ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ [الرعد: 40]، ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ  ﴾ [الشورى: 48]، ﴿  وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 99]، ﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ [ق: 45]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22)  ﴾ [الغاشية: 21 ـ 22]. الرسول (ص) مبلغ وبشير ونذير، لا مسيطر ولا جبار ولا مُكرِه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56]، ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ [المائدة: 99]، ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: 35]، ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأنعام: 48]، ﴿ قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ ۚ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ﴾ [الأنعام: 57]، ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ﴾ [الأنعام: 66]، ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [يونس: 41]، ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99].. ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ﴾ [يونس: 108]، ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [هود: 12]، ﴿ إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [النحل: 37].. ﴿ إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ  ﴾ [النحل: 82]، ﴿ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: 92].

تؤكد هذه الآيات على حريّة الإنسان، خاصة فيما يعتقده، وأن محاولة سلك الناس في معتقدٍ واحدٍ من الأمور المستحيلـة، والخيار الأمثل الموافق لفطرة الإنسان وسنن الوجود الإنساني هو ضمان حرية الاعتقاد والتدين.

ولعلَّ من أعمق الآيات القرآنية دلالة وأشدّها وضوحاً في الاستدلال على توكيد حرية الاعتقاد وتثبيتها قوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256] (4)

الدين في هذه الآية «المعتقد والمِلة»(5)، وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية تمثل «قاعدة كبرى من قواعـد ديـن الإسـلام، فهـو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحدٍ أن يكره أحداً من أهله على الخروج منه»(6)

والآية هي «دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه؛ لأن أَمْرَ الإيمان يجري على الاستدلال، والتمكين من النظر، وبالاختيار»(7). فلما كان «الإيمان عبارة عن إذعان النفس؛ يستحيل أن يكون الإذعان بالإلزام والإكراه، وإنما يكون بالبيان والبرهان»(8). وعليه فحرية العقيدة كما جاء بها القرآن الكريم قضية اقتناع بعد الإدراك، وليس قضية إكراه وإجبار، ولقد جاء القرآن يخاطب الإدراك البشري بكل قواه وطاقاته، في غير قهرٍ أو تهديد.

إلى جانب حرية الاعتقاد ـ ولبلوغ حرية الإنسان أقصى مداها ـ أَقَرَّ القرآن الكريم حرية التفكير والتعبير، إذ يقرّر الله عز وجل حرية التفكير والتعبير للناس عامة، ويمنحهم الحرية في أن يفكروا ويعبِّروا بما شاؤوا، ويمنع أن يتدخل أحد في توجيه الناس إلى تفكير معين؛ لأن ذلك من مثبطات الأعمال وأسباب الفشل.

ولقد ضرب القرآن أمثلة رائعة في تقديره لحرية التفكير والتعبير، يتجلّى ذلك من خلال دعوته المتكررة إلى إعمال العقل للنظر في كل شيء:

أ ـ الدعوة إلى النظر في الكتاب المنظور (الكون)(9): ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 101]، ﴿  إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 164]، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: 20]، ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [ق: 6 ـ 7]، ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ [الغاشية: 17].

ب ـ الدعوة إلى التفكر في الكتاب المسطور (القرآن): ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44].

كما يتجلّى تقدير الله لحرية التفكير والتعبير من خلال ثنائه على الذين يستخدمون عقولهم ويميزون بين الأشياء فيتبنون أحسنها ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (18)﴾ [الزمر: 17 ـ 18] في مقابل ذلك ذم الله المعطلين لعقولهم، وشَبَّههم بالدواب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الأنفال: 22]، كما نبذ التقليد بغير علم وحاربه، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ  ﴾ [البقرة: 170].

ومما يدلُّ دلالة مباشرة على أن حرية العقيدة في القرآن الكريم أحيطت بسائر الضمانات القرآنية التي جعلت منها حرية مطلقة لا تحدها حدود ما دامت في إطار حرية اختيار المعتقد(10): عدّ القرآن الكريم الاختلاف حقيقة كونية وواقعاً إنسانياً، وعدّ الاختلاف من الخصائص الواضحة في تكوين الاجتماع البشري. فالقرآن الكريم يحدّثنا عن الاختلاف والتنوع في أكثر من خطاب، ووفق أشد الصيغ واقعية ووضوحاً ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: 48]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ﴾ [الروم: 22 ]، ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ [البقرة: 253]، ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [هود: 118 ـ 119].

إن «أَمْرَ التنوع في النصِّ القرآني لا يتوقف عند هذا الحدّ؛ بل جاءت نصوص أخرى تؤكد عليه في أمر انقسام البشر إلى مجموعات بشرية، تَشَكَّلَتْ في أُممٍ هي القبائل والشعوب؛ أي هي التشكيلات البشرية التي يوجهها النصّ القرآني إلى التعارف من أجل اللقاء، لا التصادم من أجل الجفاء والتناكر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13]»(11)

من هنا فليس غريباً اختلاف البشر؛ إذ إن اختلافهم فطرة إلٰهية وسُنَّة ربانية في الخلق ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 62]، وإذا كانت مسألة التنوع سُنةًّ إلٰهية وفْق النص القرآني؛ فإن من العبث كل العبث أن يُراد صَبُّ الناس كلهم في قالبٍ واحدٍ في كل شيء، وجعلهم نسخاً مكررة، وَمَحْو كل اختلاف بينهم، فهذا غير ممكن؛ لأنه مخالف لفطرة الله التي فطر عليها الناس.

فالغاية من تقسيم الناس إلى شعوب وقبائل ومجتمعات واختلافهم أن يحترم بعضهم بعضاً، ويعترف بعضهم بحقوق بعض، في إطار الكرامة الإنسانية المكفولة للجميع، ومن «أبرز مصاديق تكريم الكائن الإنساني ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلً ﴾ [الإسراء: 70] وفق القرآن الكريم تكمن في أن حريته ـ ومن ثَمَّ اختياراته المشتقة من قواعد الحرية نفسها ـ لا تشكِّل سبباً لحرمانه من حقوقه الطبيعية المكرسة، ومنها حقّه في أن يكون مختلفاً»(12)

إن ما يميّز الخطاب القرآني في دعوته إلى القبول بمبدأ التنوع والاختلاف هو «رده إلى أساس الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿ ﭗ ﴾، وهو أساس يرتبط بمبدأ حرية الكائن الإنساني ومسؤوليته، حيث لا مسؤولية من دون حريّة ولا حريّة للكائن الإنساني ـ فرداً أو جماعة ـ دون امتلاك حق الاختلاف والتنوع»(13).

ففي القرآن يتحول التنوع والاختلاف من نقمة إلى نعمة وعطاء وإغناء للمسيرة الإنسانية؛ ذلك أن الناس منحدرون من أصل واحد، وأن سُنَّة التنوع هي سُنَّة الخلق، والاختلاف المناخي والجغرافي والديموغرافي والقومي والعرقي والديني... هو الطريق إلى التعاون والتكامل والتعارف والتحاور والتعايش، إذ يستحيل عقلاً وواقعاً أن يكون البشر بطبائعهم نسخة مكررة عن بعضهم، عندها تستحيل الحياة، وتتعطل الإرادات، ويتوقف العمران.

تفنيد دعوى القول بالنسخ؟

على الرغم من كل هذا نجد أن بعض المفسرين قد حكموا بنسخ قوله تعالى: ﴿ ﯿ ﰂ ﴾ بآية السيف(14)، شأنه شأن باقي الآيات التي تؤكد حرية الاعتقاد، وأن آية: ﴿ﯿ ﰂ ﴾ نزلت قبل فرض القتال، وأنها من آيات الموادعة التي نُسخت. وحجتهم في ذلك «أن النبي (ص) قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم، ولم يرضَ منهم إلا بالإسلام»(15)

ولنا على هذه الدعوى ردود نجملها فيما يلي:

الأول: تاريخ النزول: فالآية 256 من سورة البقرة ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ من الآيات المتأخرة نزولاً، مما يتعارض والقول بأنها من آيات الموادعة المنسوخة بآية السيف، «فالظاهر أن هذه الآية نزلت بعد فتح مكة»(16). وفتح مكة كان في السنة الثامنة للهجرة لعشرٍ خلون من شهر رمضان المبارك.

الثاني: إن الغاية من قتال المشركين المنصوص عليها في آية السيف ليست إكراههم على الدخول في الإسلام بقوة السلاح، «ولا أدلّ على هذا من قول الله عز وجل لنبيه، في الآية التي تلي آية السيف دون فاصل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 6]. فإن في هذه الآية أَمْراً من الله عز وجل لرسوله بأن يجير من يستجير به من المشركين، ثم يدعوه إلى الإيمان بالله، ويبيّن له ما في هذا الإيمان من خير له، فإن هو بعد هذا أصرَّ على ضلاله، واستمرأ البقاء على كفره بالله، وطلب من رسول الله (ص) أن يبلغه المكان الذي يأمن فيه ـ فعلى الرسول أن يجيبه إلى طلبه، وأن يُؤَمِّنه حتى يصل إلى ذلك المكان»(17).

مما يدلُّ دلالة صريحة وقاطعة على أن آية السيف ليست عامة، وأنها نزلت في خاص من المشركين «كان بين رسول الله (ص) وبينهم عهد فنقضوه وظاهروا عليه أعداءه، وقد برئ الله ورسوله منهم، وآذنهم بالحرب إن لم يتوبوا عن كفرهم، ويؤمنوا بالله ربّاً واحداً، وبمحمد نبياً ورسولاً، وهؤلاء المشركون أعداء الإسلام ونبيه ليسوا هم كل المشركين، بدليل قوله جلَّ ثناؤه قبل آية السيف: ﴿ إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين. ﴾ [التوبة: 4](18)

الثالث: إن قوله تعالى: ﴿ لا إكراه في الدين﴾ من الأحكام الكلية والقواعد الأصولية في الدين، و«النسخ لا يكون في الكليات، ويدلُّ على ذلك [أي أن النسخ لا يكون في الكليات] الاستقراء التام وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات، وجميع ذلك لم يُنسخ منه شيء»(19)

الرابع: إذ كانت آيات القرآن الكريم قد حددت بوضوح إطلاق حرية الاعتقاد وأحاطتها بسائر الضمانات، وجعلت جزاء الكافر أو المرتد لله وفي الدار الآخرة؛ فلا يُتوقع من السُّنَّة النبويّة أن تأتي على خلاف ذلك؛ إذ يستحيل شرعاً وعقلاً أن يأتي في السُّنَّة النبويّة شيء يناقض آيات القرآن الكريم بأي حال من الأحوال فضلاً عن أن ينسخه(20). إذ لا تعارض بين نصوص القرآن ونصوص السُّنَّة، وأنهما دليلان متعاضدان لا يمكن أن يأتي في أي منهما ما يناقض الآخر أو ينافيه.

وعليه فالمقصود بالمرتد في قوله (ص) : «من بدل دينه فاقتلوه»، المقيد بقوله عليه الصلاة والسلام : «التارك لدينه المفارق للجماعة»، المقصود هو الخائن للجماعة المرتكب لجرائم ضدها كإفشاء أسرارها للأعداء، أي ما يعادل الخيانة العظمى في القوانين الدولية.

يأتي هذا الإشكال ـ إشكال قتل المرتدّ ـ ليمثل حلقة ضعف في الخطاب الإسلامي المتعلق بالحرية، على أساس أن في القول بحد الردة نَسْفاً لكل مقومات الحرية في الإسلام؛ انطلاقاً من إقرار فقهاء الإسلام لحدِّ الردّة، القاضي بإجبار المرتد بالقوة على العودة إلى الإسلام أو قتله إذا أصرّ على عدم الرجوع إليه، حماية للدين من أية محاولة للاستهانة به، مما يجعلنا أمام تعارض بين الاعتراف بحرية الاعتقاد، وأنه لا إكراه في الدين، وبين الاعتراف بشرعية حدّ الردّة.

بالنظر إلى ما سبق ذكره؛ فإن هذا السؤال يتحول إلى استفهام إنكاري أقرب منه إلى أي شيء آخر؛ إذ إن هناك أكثر من مائتى آية في القرآن المجيد تحمي حرية الكفر كما تعزز حرية الإيمان، وتسوي بينهما، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلً ﴾ [الكهف: 30]، وأن الردّة لو اقتصرت على تغيير إنسان فَرْدٍ لمعتقده دون أن يتبع ذلك بجرائم ضد الجماعة، أو تصاحبها خيانة عظمى، أو محاربة لدين الجماعة؛ فلا إكراه في الدين، وليس لأحدٍ أن يُلزمه بالإسلام، ولا أن يحمله عليه، وهناك خلط قديم حديث حصل بين الردة بوصفها جريمة مركبة تصاحبها الخيانة العظمى ومفارقة الجماعة والانضمام إلى أعدائها، وبين جريمة هيِّنة تبقى بين الإنسان وربّه، إذا لم يرتكب الإنسان الذي تغير معتقده أيَّة جريمة أو جناية ضد الجماعة وحقوقها، وضدّ البلاد ومقوماتها ومقدراتها، فإذا لوحظ هذا الفرق نستطيع أن نفهم آنذاك أنَّ تلك الجريمة المركبة لا حَدَّ في الدين عليها، إلا بالنظر لما يصحبها ويخالطها، أمَّا لو فرضنا وقوعها دون شيءٍ من ذلك فلا حدّ فيها، وأن المرتد متوعد بالعقاب الأخروي دون ترتيب عقوبة دنيوية على فعله، ومن الآيات الصريحة في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 137]، فهذه الآية صريحة لم تذكر حدّاً للردّة أو عقوبة دنيوية لها، لا إعدام ولا دون ذلك(21).

ولما كانت السيرة النبويّة ـ بوصفها مرحلة بناء الأنموذج الذي أتى على أصول الحياة جميعاً ـ دليلاً لكيفية التعامل مع حياة الناس، وتنزيل قيم القرآن عليها؛ فإنه يستحسن بنا استدعاء بعض العهود والمواثيق النبويّة في الموضوع؛ لاستلهام ما تنطوي عليه من فوائد وعِبرٍ ودروس، وطلب إجابتها عن أسئلة الحاضر ومآلات المستقبل، من مثل: ميثاق نصارى نجران، وهدفنا من وراء تناوله بالدراسة والتحليل معرفة كيف يجيب هذا الميثاق عن أسئلة الحاضر، ويمنحنا رؤية التعامل مع الآخر المخالف دينياً، فيما يرتيط بحرية الاعتقاد، فمما نصَّ عليه العهد في الفقرة 60 منه أنه «لا يجبر أحد ممن كان على ملّة النصرانية كرهاً على الإسلام»(22)، بما ينسجم كلياً مع قوله تعالى: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾.

ومن مظاهر حرية الاعتقاد التي كفلها الميثاق لنصارى نجران:

ـ حرية الحوار الديني: إذ جاء في الفقرة 20 ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46]، ويخفض لهم جناح الرحمة، ويكف عنهم أذى المكروه حيث كانوا وأين كانوا من البلاد(23) وهو نص واضح الدلالة في التأكيد على ضرورة سلك أحسن السبل في الحوار مع النصارى، ووجوب التزام المنهج القرآني في الحوار مع أهل الكتاب، بما ينسجم وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾.

ـ حرية ممارسة الشعائر التعبدية: إذ نصّت الفقرة 30 من العهد على احترام الأساقفة والرهبان وعدم التعرض لهم بالتغيير، «ولا تغيير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانية»(24). وقد أعطى الرسول (ص) القدوة في الالتزام بهذا الأمر، يشهد لذلك موافقته (ص) وفد نصارى نجران أداء طقوسهم التعبدية وإقامة صلاتهم بمسجده.

ـ حق إقامة المعابد: إذ نصّت الفقرة 33 من الميثاق على عدم «هدم بيت من بيوت بِيَعِهِم، ولا إدخال شيء من بنائهم في شيءٍ من أبنية المساجد ولا منازل المسلمين»(25). ولا يقف الميثاق عند حد إقرار حقّ إقامة المعابد للنصارى، بل يتجاوز ذلك ـ في تسامحٍ كبير ـ إلى حدِّ التعهد بالدفاع عن كنائس وبيع وبيوت صلوات النصارى، إذ نقرأ في الفقرة 18 من الميثاق «وأذبّ عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيت صلواتهم، ومواضع الرهبان، ومواطن السياح، حيث كانوا من جبلٍ أو وادٍ أو مغارٍ أو عمرانٍ، أو سهلٍ أو رملٍ، وأن أحرس دينهم وملتهم أين كانوا، من بر أو بحر، شرقاً وغرباً، بما أحفظ به نفسي وخاصتي، وأهل الاسلام من ملتي»(26).

ـ الحرية في التزوج بالمسلمين: جاء في الفقرة 72 من الميثاق أن النصارى «لا يحملوا من النكاح شططاً لا يريدونه، ولا يكره أهل البنت على تزويج المسلمين، ولا يضاروا في ذلك إن منعوا خاطباً وأبوا تزويجاً؛ لأن ذلك لا يكون إلا بطيبة قلوبهم ومسامحة أهوائهم»(27)

ولا يحقّ للمسلم إكراه النصرانية على تغيير دينها إن قبلت الزواج منه، بل عليه الرضا بذلك والتسليم به، وفي هذا نقرأ من الميثاق: «إذا صارت النصرانية عند المسلم، فعليه أن يرضى بنصرانيتها، ويتبع هواها في الاقتداء برؤسائها والأخذ بمعالم دينها، ولا يمنعها ذلك»(28).

وبهذا فلقد جاءت بنود ميثاق نصارى نجران معززة للرؤية القرآنية فيما يرتبط بحرية الاعتقاد، الحاكمة بجعل علاقة المسلم بغيره ممن يناقضه بأفكـاره علاقـة تذكير لا إكراه فيها، من منطلق قولـه تعالى: ﴿لا إكره في الدين ﴾.

وبهذا الفهم يمكن أن نستنكر استخفاف الحركات الدينية المتطرفة بمشاعر الناس، مدمرة لمفهوم الحرية في الإسلام، ومتحولة بالإسلام إلى وجهة محاكم التفتيش ضدّ أُسسه الكونية، وموقع الإنسان في هذه الكونية.

إن هؤلاء الناس يحاولون سرقة رصيد إنساني كوّنه دين الله عبر أربعة عشر قرناً، وعانى فيه النبي (ص) ثلاثاً وعشرين سنة، ثم جاء هؤلاء للقطاف مستغلين استجابة الناس الدينية، وتحت طائلة التهديد بالحرمان من الآخرة، فأوقعوا الناس في تناقض بين رحمة ربهم الكامنة في أعماقهم، وبين حكم اللاهوتيين الذي لا علاقة له بهذه الرحمة الإلٰهية المتسامية (29)

.................

المراجع والمصادر:

(1)وكثيرة هي الآيات الدالة على المعنى نفسه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 99]، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ  ﴾ [يونس: 108]، ﴿ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ [الرعد: 40]، ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ  ﴾ [المؤمنون: 117]، ﴿مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 29]، ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴾ [النمل: 92]، ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ [الزمر: 41]، ﴿  إن هو إلا ذكر للعالمين (27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28 ﴾ [التكوير: 27 ـ 28]...

(2)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الحديث ـ القاهرة، ط: 1423هـ/ 2002م، ج 3، ص 238.

(3)محمد رشيد رضا، تفسير المنار، دار الفكر، ط 2، دون تاريخ، ج 3، ص 39.

(4)الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984، ج 3، ص 25 ـ 26.

(5)محمد رشيد رضا، تفسير المنار، م.س، ج 3، ص 39.

(6)تمّت الإشارة إلى تجليات حرية التفكير من خلال الدعوة إلى النظر في الكتاب المنظور (الكون)؛ لأنه في موضوع الاجتماع الإنساني ـ وهو مظهر أساسي من مظاهر الكون والعالم ـ لا يمكن التماس مرتكزات لثقافة التعايش مع الآخر ولا منهجية لفقه التعارف وأساليب التفاهم والحوار مع المختلف من النص المسطور وحده، أي من القرآن الكريم حصراً، فالاجتماع الإنساني أيضاً مُكمِّل للنص القرآني، وإذا كان الاجتماع الإنساني (بوصفه أحد تجليّات النصّ المنظور) مصدراً للاستلهام والمعرفة؛ بات من المحتم المجاوزة بين معطيات النص القرآني من جهة ومعطيات النص الكوني البشري (المتحقق في حيز التاريخ) ـ أي في حيز الزمان المتحرك ـ من جهة أخرى [«وعليه باتت الحاجة ماسة لبناء منهج جديد يسهم] في تكريس مبدأ العلاقة الجدلية بين القرآن المسطور والقرآن المنظور، أي العالم... من جهة أخرى». محمد حسن الأمين، فِقه التعدد والاختلاف، مجلة قضايا معاصرة، ع 20 ـ 21، السنة السادسة، 1423هـ/2002م، ص 72 ـ 73.

(7)لا تعسف في القول: إن مشكلة الحرية هي ـ بلا شكّ ـ من أقدم المشكلات وأعقدها. حقّاً إن مشكلة الحرية هي قفل الميتافيزيقا الذي علاه الصدأ من كل جانب ـ على حدِّ تعبير الفيلسوف الانجليزي بين Bain ـ ولكنها قد اكتسبت أهمية جديدة في الفلسفة المعاصرة بحيث يكون من الممكن أن نعدَّها مفتاح المشكلات جميعاً على حدِّ تعبير زكريا إبراهيم في كتابه (مشكلة الحريّة).

(8) انظر، محمد الناصري، سؤال الحرية في الفكر الإسلامي المعاصر، م. الكلمة، بيروت، العدد الثامن والثمانون، السنة الخامسة والعشرون، شتاء 2018م، ص 61 وما بعدها. يدلُّ على أهمية حريّة الاعتقاد للوجود الإنساني، كثرة المواثيق والإعلانات الدولية التي تتناول الحقّ في حريّة الدين أو المعتقد:

ـ ميثاق الأُمم المتحدة 1945.

المواد 1 و 13 و 55: تتضمن الإشارة إلى «احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء».

ـ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948.

المادتان 26 و 18: تعد المادة 18 أحد جوانب هذا الدليل الدراسي. وتشير المادة 26 إلى أن التعليم «يجب أن يعزز التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب وجميع الفئات العنصرية أو الدينيّة».

ـ اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعيّة والمعاقبة عليها 1948.

المادة 2: تعرف الإبادة الجماعيّة بعدّة أفعال مذكورة على سبيل الحصر، يكون القصد منها «التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قوميّة أو إثنيةّ أو عنصريّة أو دينيّة، بصفتها هذه».

ـ الاتفاقيّة الخاصة بوضع اللاجئين 1951.

المادة 4: تشير إلى التزام الدول الأطراف بأن توفر للاجئ داخل أراضيها معاملة توفّر على الأقل ذات الرعاية الممنوحة لمواطنيها على صعيد حرية ممارسة شعائرهم الدينيّة وحرية توفير التربيّة الدينيّة لأولادهم.

ـ الاتفاقية المتعلقة بوضع الأشخاص عديمي الجنسية 1954.

المادتان 3 و 4: تتضمن الأحكام المتعلقة بحرية الدين أو العقيدة نفسها الواردة في ميثاق الأُمم المتحدة والاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين.

ـ الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري 1965.

المادة 5: تتناول تعهد الدول الأطراف في الاتفاقية بحظر التمييز والوفاء بعدد من الالتزامات وكفالة عددٍ من الحقوق من بينها الحقّ في حرية الفكر والعقيدة والدين.

(9)  ينظر، مجلة إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، بيروت، العددان 31 ـ 32 شتاء 2002م.

(10)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الحديث ـ القاهرة، ط: 1423هـ/ 2002م، ج 3، ص 238.

(11)محمد رشيد رضا، تفسير المنار، دار الفكر، ط 2، دون تاريخ، ج 3، ص 39.

(12)الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984، ج 3، ص 25 ـ 26.

(13)محمد رشيد رضا، تفسير المنار، م.س، ج 3، ص 39.

(14)تمّت الإشارة إلى تجليات حرية التفكير من خلال الدعوة إلى النظر في الكتاب المنظور (الكون)؛ لأنه في موضوع الاجتماع الإنساني ـ وهو مظهر أساسي من مظاهر الكون والعالم ـ لا يمكن التماس مرتكزات لثقافة التعايش مع الآخر ولا منهجية لفقه التعارف وأساليب التفاهم والحوار مع المختلف من النص المسطور وحده، أي من القرآن الكريم حصراً، فالاجتماع الإنساني أيضاً مُكمِّل للنص القرآني، وإذا كان الاجتماع الإنساني (بوصفه أحد تجليّات النصّ المنظور) مصدراً للاستلهام والمعرفة؛ بات من المحتم المجاوزة بين معطيات النص القرآني من جهة ومعطيات النص الكوني البشري (المتحقق في حيز التاريخ) ـ أي في حيز الزمان المتحرك ـ من جهة أخرى [«وعليه باتت الحاجة ماسة لبناء منهج جديد يسهم] في تكريس مبدأ العلاقة الجدلية بين القرآن المسطور والقرآن المنظور، أي العالم... من جهة أخرى». محمد حسن الأمين، فِقه التعدد والاختلاف، مجلة قضايا معاصرة، ع 20 ـ 21، السنة السادسة، 1423هـ/2002م، ص 72 ـ 73.

(15) طه جابر العلواني، إشكالية الردة والمرتدين، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط 1، 2003م، ص 62.

(16) أسعد السحمراني، الإسلام والآخر، دار النفائس، ط 1، 1426هـ/2005م، ص 12.

(17)محمد حسن الأمين، فِقه التعدد والاختلاف، م.س، ص 74.

(18)المرجع السابق، ص 74.

(19)وآية السيف في أصح الأقوال هي قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ الآية 5،

(20)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م.س، ج 2، ص 239.

(21)الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، م.س، ص 26.

(22)مصطفى زيد، النسخ في القرآن الكريم، دراسة تشريعية تاريخية نقدية، دار الوفاء ـ المنصورة، ط 3، 1408هـ/1987م، ج 2، ص 506.

(23)مصطفى زيد، م.س، ج 2، ص 505.

(24)الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تعليق محمد عبد الله دراز، المكتبة التوفيقية، القاهرة، ط: 2003، ج 3، ص 87.

(25) طه جابر العلواني، م.س، ص 67.

(26)طه جابر العلواني، م.س، ص 63.

(27) محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلاقة الراشدة، دار النفائس، بيروت، الطبعة السادسة، 1407هـ/1987م، ص 188.

(28)محمد حميد الله، م.س، ص 188.

(29)محمد حميد الله، م.س، 187.

(30) المرجع السابق، ص 187.

(31) المرجع السابق، ص 187.

(32)المرجع السابق، ص 189.

(33)المرجع السابق، ص 189.

(34)أبو القاسم حاج حمد، الحرية، دار الساقي، بيروت، ط 1، 2012م، ص 50.