الثنائيّات في القرآن الكريم وجوانب التكامل والتدافع

pexels-abdulmeilk-aldawsari-36704.jpg

محمد عـلا | باحث في الفكر الإسلامي، المغرب

يغيب مصطلح «الثنائيات» ومعانيه في كتب الاصطلاحات والتعريفات العربية سوى بعض الشذرات القليلة التي لا تفي بمقصودنا في هذا الموضوع، ومن ذلك القليل ما قال الخليل: كلام العرب مبني على أربعة أصناف: على الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، فالثنائي على حرفين، نحو: قد، لم، هل، لو، بل، ونحوه من الأدوات والزجر(1). وقد قسم الخليل كتابه (العين) على هذا الأساس. غير أن هذا لا يعني عدم وجود تعريف لمفهوم الثنائي؛ إذ الأصل فيها هو اشتقاقها من كلمة «اثنين»، فيمكن القول: إن الثنائي هو كل شيءٍ انطوى على اثنين، أو تكوَّن من اثنين، وعلى هذا فجَمْعُه الثنائيات؛ أي: الألفاظ التي يرتبط بعضها مع بعض لعلائق أو وشائج تجمع بينهما معنوية كانت أم مادية. والتي غالباً ما إذا ذُكر أحدُهما ذُكر الآخر، وقريب منه المتقابلات والجدليات والأزواج، وبالأمثلة والتصنيف فيما هو آتٍ سيتضح المعنى أكثر.

لا شكَّ أن الثنائية جزءٌ أساسي ومحوري في هذا الكون الذي خلقه الله عز وجل الفرد الصمد، ولا يسع المتأمل فيه إلا أن يقر بحقيقة الزوجية في بناء الكون، مما يدلُّ على وجود أسرار كامنة وراء تجليها في المخلوقات برمتها (الذكر والأنثى، الليل والنهار، النور والظلام، الروح والمادة، الحياة والموت، الدنيا والآخرة...). هذه الثنائيات ـ التي خلقها الله تعالى، وجعل لنا منها آيات للاعتبار وسننا للتعمير والبناء ـ هي المحدد الأساسي لحركتنا في التاريخ، وسيرنا الحضاري والاستخلافي بغية تغليب أو تحصيل أطرافها الحسنة المتّسمة بالديمومة والاستمرار (الآخرة، الخير، الإيمان، النور...) وتجنب أطرافها «السيئة» المتّسمة بالمحدودية والانقطاع (الدنيا، الشر، الكفر، الظلام..). وأثناء ذلك السير يجمع الإنسان في نفسه وتتجسد في حياته عددٌ من الثنائيات، وأساليب الكثرة والتنوع؛ لكي تتبلور فيه حقيقة الوحدة فيما بعد، «فلكي يصل إلى ذروة الأمن والاطمئنان عليه أن يعيش أشدُّ أنواع القلق والاضطراب ! والفرد لا يتذوق اليسر بكامله إلا حين يمتصّ العسر بكامله. ولا ينفتح على جميع الكون إلا بممارسة التقيد والالتزام. وهكذا، عليه أن يكون محارباً ليكون مسالماً، ومتحولاً ليكون ثابتاً، وزمنياً ليكون مقدساً، ومتجدداً ليكون أصولياً، وواقعياً ليكون مثالياً، ومنفرداً ليكون اجتماعياً، وعارفاً ليكون فيلسوفاً... ولا بدَّ أن يحتشد فيه كل ثنائيات الكون؛ لتتوحد شخصيته، وتزول عنه كل ثنائيات الكون ! غريب سرّ هذا الإنسان ! كيف تتجسد فيه كل أساليب الكثرة؛ لكي تتبلور فيه كل حقيقة الوحدة؟»(2).

أولاً: الزوجية في القرآن الكريم

القرآن الكريم يقرّ صراحةً بحقيقة الزوجية في عدد من الآيات، قال عز وجل : ﴿  وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: 49]، وقال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يس: 36]، وذهب أغلب المفسرين إلى أن هاتين الآيتين أثبتتا المتضادات والمتقابلات وأزواجاً أخرى متكاملة في الأنفس وفي الآفاق، فالقرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» يفسر ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ بأي صنفين ونوعين مختلفين، ويضيف: قال ابن زيد: أي ذكراً وأنثى، وحُلْواً حامضاً، ونحو ذلك، وقال مجاهد: يعني الذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والنور والظلام، والسهل والجبل، والجنّ والإنس، والخير والشر، والبكرة والعشي، وكالأشياء المختلفة الألوان من الطعوم والأراييح والأصوات»(3)، بل يضيف بعضهم لطيفة من اللطائف القرآنية، وهي أن هذه الثنائية دليل على وحدانية الله المنزّه عن كل المتقابلات، فقوله تعالى في نهاية الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  ﴾؛ أي «تتعظون فيما خلق الله فتوحدوه»(4)، والقرطبي: «لتعلموا أن خالق الأزواج فردٌ، فلا يُقَدَّرُ في صفته حركةٌ ولا سكون، ولا ضياء ولا ظلام، ولا قعود ولا قيام، ولا ابتداءً ولا انتهاءً؛ إذ عز وجل وترٌ ليس كمثله شيءٍ»(5)

ويأتي الجذر اللغوي (ز. و. ج.) في القرآن الكريم في استعمالات متعددة (فعل، اسم، مفرد، مثنى، جمع) وفي سياقات مختلفة نختار من بينها المعاني التالية:

ـ أيُّ صنفين أو نوعين مختلفين، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]، وقوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يس: 36].

ـ رجل المرأة ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 230]، أو امرأة الرجل ﴿  وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولً ﴾ [الأحزاب: 37]، وفي تسميتهما معاً بالزوج دليل على التلازم والترابط المستمر بينهما، فغياب أحدهما هو غياب للنوع البشري برمته.

ـ الشبيه والقرين، قال عز وجل : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴾ [الصافات: 22].

ـ الصنف والنوع، قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نشاء إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأرض هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الماء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [الحج: 5]، ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ [الشعراء: 7].

وفي هذه المعاني نجد التنوع والتعدد والاختلاف، في إطار التكامل والعطاء والنماء.

ثانياً: مركزية «البُعد الثنائي» في فهم القرآن

إن أبسط تأمل في القرآن الكريم سيقود القارئ إلى فَهْم حقائق كبرى صُوِّرت في إطار ثنائي صارم لا يقبل أي تفسير ثالث، نقصد بذلك التصوّر القرآني لوجود الإنسان ومهمته في الأرض وكدحه في العيش ومصيره بعد الموت، فهناك: دنيا وآخرة، وحياة وموت، وإنس وجنّ، وجنة ونار(6)، ونعيم وجحيم، وإيمان وكفر، وخير وشر، وحقّ وباطل...

وفي إطار كل ثنائية من هذه الثنائيات الكبرى نجد الحقّ سبحانه وتعالى يصور لنا جملة من الحقائق والمشاهد ترتبط بها على شكل ثنائيات أخرى زيادةً في الإيضاح وترسيخاً للفهم، فإذا أخذنا مثلاً ثنائية الجنة والنار؛ نجد من الثنائيات التي ترتبط بها من خلال القرآن الكريم: النعيم والجحيم، الأمن والخوف، الفلاح والخسارة(7)، السعادة والشقاوة، الرحمة والغضب، النجاة والنار... وفيما يرتبط بالدنيا والآخرة يذكر القرآن الكريم: الأولى والآخرة، العاجلة والآخرة، الغيب والشهادة. وفيما يخصّ الإيمان والكفر نجد: الجنة والنار، النور والظلام، العزة والذلة، الحيّ والميت، التقوى والفجور.

إن هذا التنوع في التصوير والغزارة في التعبير يسيران في انسجام تام مع حقيقة واحدة، أو فكرة معينة مَعبَّرٍ عنها بأساليب شتى، تجعل من القرآن نسقاً واحداً في جميع الموضوعات التي يضعها للتأمل والتفكير وأحياناً للتطبيق والتنفيذ؛ فقد يأتي التفسير في مواضع ببيان الحال، كوصف الكفار أو قلوبهم بالموت والذلة والصغار والقساوة والانصراف والحميّة والإنكار وبالختم والطبع والضيق والمرض.. ووصف المؤمن بالحياة والعزّة واللين والرّقة والأمن.. وفي مواضع أخرى ببيان النتيجة والعاقبة التي يستحقها كل طرف؛ الجنّة والنعيم والسعادة والتيسير والتوفيق... أو النار والشقاوة والضنك والتعسير.. وهكذا نجد زُمُراً من الثنائيات بينها أواصر موضوعية مشتركة، فيوضح القرآن الكريم بذلك بعضُه بعضاً، ويصدق بعضُه بعضاً، ويؤازر بعضُه بعضاً، وفي هذا تكاملٌ في معاني آيات الذكر الكريم.

ثالثاً: نماذج ثنائية من القرآن الكريم

1 ـ الثنائيات الوجودية

يمكن أن نطلق عليها الثنائيات الأساسية أو الكبرى، وهي الثنائيات التي وجدت مع وجود الكون والإنسان، ولا دخل لهذه الأخير في إحداثها، وإنما مصدرها الأساسي هو الله سبحانه وتعالى الخالق لهذا الوجود، وأهمها: ثنائية الخالق والمخلوق وثنائية الإنسان والطبيعة.

أ ـ ثنائية الخالق والمخلوق

تقوم العقيدة الإسلامية على ثنائية وجودية: إلٰه خالق (منزّه عن الإنسان والطبيعة والتاريخ)، وعالَمٍ مخلوق مِنْ قِبله؛ أي ما سواه من عناصر الكون جميعاً، «هذه الثنائية أثبتتها الآية الأولى التي نزلت من القرآن الكريم وهي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]، حيث انحاز الربّ الخالق إلى جهة، وانحازت كل المخلوقات الكونية إلى جهة أخرى»(8). ويقول ابن حزم: «ليس في الوجود إلا الخالق وخلقه»(9)؛ خالق متصف بالكمال، والتقديس والتنزيه، والتعالي والتجاوز، والمطلقية، وصفات أخرى كثيراً ما تتكرر من مثل: الواحد، المكرِّم، المستخلِف.. «صفات تشمل: الخلق والأمر، بلغة القرآن؛ عند قوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 54]»(10). ومخلوق متصف بالعجز والنقص والقصور والاحتياج، والمحدودية، والنسبية.. وعلاقة الإنسان المخلوق بالله الخالق والمتصرف في الحياة والكون علاقة إرادة وإدراك وخيار، إنها في أصلها علاقة تعبيد وتذليل، وعلاقة خلافة وكرامة. فتوجه الإنسان إلى الله واتباع أوامره واجتناب نواهيه هي علاقة إعلاء وكرامة وإعزاز؛ لأنها استحواذٌ وبلوغ وتحقيق لما هو حقّ وما هو خير، وما هو حقيقة وما هو طريق قويم، وما هو غاية كريمة عزيزة يسعى إليها الإنسان القويم، ويطلبها، ويسمو بطلبها وبلوغ آفاقها. ولا مكان في الفهم الإسلامي ـ لهذه العلاقة ـ لمعاني المذلة والصغار والاستغلال؛ فهي علاقة أصلها المحبة والتطلع والشوق والاعتزاز والكرامة والقوة(11) وهذه العناية ـ التي يحظى بها الإنسان من الخالق ـ هي جزءٌ من العناية التكوينية المستمرة للوجود برمته؛ إذ إن «هذا الكون غير منقطع عن اليد الإلٰهية المؤثرة فيه، الراسمة لحركته ومساراته ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحج: 65]. وتتخذ هذه العناية بالخلق إحدى صورتين: الصورة الأولى هي العناية غير المباشرة، بمعنى عنايته تعالى بخلقه من خلال الأسباب والعلل الطبيعية، فالله تعالى هو مسبب تلك الأسباب، وخالق تلك القوانين، وذاك يعني أن جميع آثارها هي أفعال الله تعالى وآثاره، وبهذا ينسب القرآن الكريم جميع الأفعال إلى الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [الروم: 48]، ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كالأعلام (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [الشورى: 32 ـ 33]. والصورة الثانية هي العناية المباشرة بمعنى أن الله تعالى ـ ورغم كل الأسباب التي وضعها في هذا الكون ـ لم يعتزل جانباً، ولم يجلس على العرش بعيداً عن العناية والرقابة والتواصل الدائم مع هذا الوجود، وبخاصة مع الإنسان الذي هو المخلوق المكرّم عند الله تعالى، وما دام الأمر على هذا الحال فالله تعالى هو السميع البصير، مجيب الدعاء، واسع العطاء، دافع البلاء، رؤوف بعباده، غفور رحيم، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43]، ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [غافر: 3]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]، ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26]. هذه هي العناية المباشرة المستمرة، بكل دلالاتها وإيحاءاتها وانعكاساتها على واقع حياة الإنسان(12).

ويذهب عبد الوهاب المسيري إلى أن جوهر الرؤية الإسلامية التوحيدية تقوم على وجود مسافة بين الخالق والمخلوق لا يمكن إلغاؤها على الإطلاق، ويمكن أن نفهم العلاقة بين المخلوق والخالق من قوله تعالى: ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾ [النجم: 9]؛ ففي لحظة من أشرف اللحظات اقترب أفضل المخلوقات ـ محمد (ص) ـ من العرش، ولكن دون أن يصل إليه، والخالق في علاقته بالمخلوق ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [ق: 16]، ولكن دون أن يجري في هذا الوريد أو يلتقي به(13). ويناقض هذا التصور تماماً العقائد الحلولية وعقيدة وحدة الوجود، التي تلغي المسافة، فيحدث حلول للإلٰه في الإنسان والكون، وتوحُّدٌ بين الخالق والمخلوق، وهو ما ينطبق أيضاً على الفلسفة العلمانية وفلسفات ما بعد الحداثة التي تماثل وحدة الوجود هي أيضاً حين تلغي المسافة أو تختزلها بين الخالق والمخلوق، وتختفي فيها علاقة الانفصال والاتصال بين الله وبين خلقه، وتنتهي إما إلى «تأليه» الإنسان أو «أنسنة» الله.

إن هذه الثنائية ـ ثنائية الخالق والمخلوق ـ قد أفضت إلى تفسير للوجود في النطاق النوعي، حيث تسفر عن تقسيم للوجود إلى عالمين متباينين بالطبيعة: عالَم الغيب وعالَم الشهادة، والخالق وحده هو المحيط بعالَمَي الغيب والشهادة كما وصف نفسه بذلك في آيات كثيرة: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 73]، و«أهم معطيات عالم الغيب ـ فيما يخصُّ الإنسان ـ هو وجود الله سبحانه وتعالى ، الخالق الواحد الأحد..، وأن هذا الوجود له غاية خيِّرة أخلاقية ولم يُخلق عبثاً، كما أن علاقات الوجود الكلية، ومنطق هذه العلاقات، هي فيما وراء طاقة العقل الإنساني، والمنطق الإنساني، والإدراك الإنساني»(14).

قضية الخلق بين التصورين الإسلامي والغربي المادي

إن المنظومة الإسلامية تَعدُّ قضية «الخلق» عنصراً محورياً في أي تداول معرفي وفلسفي يخوض في القضايا الكبرى للوجود، تشترك في ذلك إلى حدٍّ ما «الكوزمولوجيا(15) المسيحية التي ترتكز على مسلَّمة ضخمة، هي: أن لهذا الكون خالقاً مهيمناً عليه، محركاً لأحداثه، عالماً بكل شيء فيه، وقد أوجد الله هذا الكون ليكون أساساً لدراما الخلاص الإنساني، وهي دراما مرسومة بدقة تتحقق مراحلها وتنتهي حين ينفخ في البوق الأخير»(16) غير أن الخطاب الفلسفي الغربي المادي ـ الذي همش دور الكنيسة وأي توجه ديني ـ يغيب فيه هذا البعد الإلٰهي المتعلق بالخلق والمرتبط بعالم الغيب، بل والذي «ترتبط به هوية الإنسان ووجوده ومصيره ككائن مطلق في كون لا متناه في الكبر ولا متناهٍ في الصغر»(17) وهذا ما أدى إلى ظهور أشكال مادية بلغت درجة عالية من الصقل والتركيب؛ إذ يرى بعض الماديين أن الخَلْق قد تم بالمصادفة، ولكن من خلال عمليات مادية عديدة، فبعد أن ظهرت الأميبا أحادية الخلية، ظهرت كائنات مكونة من خلايا مركبة أدت في نهاية الأمر إلى ظهور الإنسان، فهو كائن أصله مادي، ولكنه أكثر تركيباً من المادة. بل إن ظهور الغرض والغاية في العالم تم هو أيضاً من خلال عمليات تطورية مادية. ولذا فهُمْ يتحدثون عن «المادة رفيعة التنظيم»، و«ذاتية التنظيم»، و«الخلق الذاتي»، وكأن المادة المتحركة المتغيرة الصماء قد ولَّدت من داخلها وعْياً وتنظيماً ذاتياً، وشكلاً ومعقوليةً ومعياريةً، فأصبحوا ينسبون إلى المادة مَقْدِرات غير مادية، وخرجوا عن مقاصد الفلسفة المادية، خصوصاً أن فرضياتهم لا تخرج عن كونها تكهنات عنيدة طفولية، تضمن لهم الاستمرار في ماديتهم، وتحميهم من المسؤولية الأخلاقية»(18)

عموماً، النموذج المهيمن في الحضارة الغربية(19) الحالية هو المنظومة المادية التي تذهب إلى «أن الله غير موجود»، وإن وُجِدَ فلا يؤدي دوراً أساسياً في العالم، ومن ثم تَمَّ إنكار وجود الكليات، مما أدى إلى إنكار الفلسفة نفسها، بوصف هذه الأخيرة تفاعل العقل مع الواقع والوصول إلى الكليات، فأصبحت مهمة الفيلسوف في عصر ما بعد الحداثة هي أن يقوم بتفكيك كل شيء، مما أدى إلى السقوط في العدمية. فظهرت مقولات فلسفية فرعية تعكس توجه العلمانية الشاملة، «هذه المقولات يمكن اختصارها في عبارة موجزة: «عدم وجود إلٰه فاعل لهذا الكون»، وعلى هذه المقولة تنبني مسَلَّمَتان أو نتيجتان فرعيتان هما: «بُطْلان القول بوجود حقيقة علوية»، و«بطلان القول بوجود حياة أخرى». وقد انبنى على المسَلَّمة الفرعية الأولى عدمُ وجود منهج أو «وحي إلٰهي»، يهتدي به الإنسان في تسيير أمور حياته الذاتية والاجتماعية. وهذا ما يعني أنه لا مناص أمام الإنسان من الاعتماد على قدرته العقلية في تلمُّس ذلك. أما المسَلَّمة الفرعية الثانية «بطلان القول بوجود حياة أخرى» فقد انبنى عليها ضرورة طرح غاية بديلة للجنة التي وعَدَتْ بها الكوزمولوجيا الدينيةُ معتنقيها في الحياة الآخرة، وهذا يعني أن الإنسان عليه أن يسعى لتحقيق أقصى ما يستطيع من حياة النعيم في هذه الدنيا، ما دام القول بوجود حياة أخروية أصبح لغواً لا معنى له»(20)، وهو ما سماه المسيري بِـ «الفردوس الأرضي» في كتاب له بالعنوان نفسه، هاجم فيه منطق التقدّم الدائم، وتسليع الإنسان، وسعي الإنسان الغربي لأن يحصل على أقصى أنواع اللذة والمتعة دون مراعاة للقيم الدينية والأخلاقية.

ولا غرابة في هذا الموقف إذا ما رجعنا إلى سيرورة تاريخ الغرب، وما شهده من صراع وتقابُل بين ثنائيات: الدين والدولة، والدين والعلم.. انتهت في الأخير بانطواء الدين على نفسه داخل الكنيسة، وانتصار العلم، وإعلان حالة العداء والتقابل مع كل التصورات الغيبية اللاهوتية. كل هذا وغيرُه يدل على نقاط الافتراق الكبرى بين الرؤية الدينية والرؤية الحداثية المادية في مسألة العلاقة بين الخالق والمخلوق (الإنسان).

إن التصوّر السليم لعلاقة الخالق بالمخلوق ينبني عليه جملة من الاختيارات الكبرى للإنسان، في الفضاء الفسيح الذي أُعِدَّ له لممارسة الاستخلاف، بناءً على هَدْي وإرشاد المولى عز وجل الخالق للإنسان والكون معاً، فللإنسان موقع خاصٌّ ومتميز قياساً إلى سائر المخلوقات؛ فهو الذي تحمَّل الأمانة الإلٰهية، بينما عجزت السماوات والأرض عن حَمْلها، ومَهْما حاول الإنسان تحقيق عزته وكرامته وسعادته على الأرض فإنه لن يستطيع ذلك بعيداً عن التوجيه الإلٰهي المبني على العلم بخبايا الوجود وما يصلح للإنسان في معاشه ومعاده. «وهكذا يعمل الدين على إيجاد علاقة حميمة متبادلة، وولاءٍ وحُبٍّ متبادل، وتواصلٍ وتفاعلٍ متبادل لا ينقطع بين الله وعباده، علما أن الله تعالى غني عن عبادة خلقه ودعائهم، وإنما العبادة والدعاء هي صورة من صور الارتباط بمصدر الطاقة الكبرى التي بيدها كلُّ شيء، ولا يمكن للإنسان أن يحقق طموحاته الكبرى إلا من خلال ذلك.

ب ـ ثنائية الإنسان والطبيعة

في الطرف الثاني لثنائية الخالق والمخلوق؛ توجد ثنائيةٌ وجودية كبرى، يتعلق بطرفيها العديدُ من التصورات الأساسية، التي لا بد لها من البيان والتوضيح، إنها «ثنائية الإنسان والطبيعة»، الإنسان كمخلوق متفرد ومتميز بميزات خاصة لا يمكن بتاتاً دمجه في الطبيعة / المادة.

فالإسلام قد أعطى تصوراً واضحاً لكلٍّ من الإنسان والكون (الطبيعة)، فكلاهما مخلوق حادث عن إرادة الله وحده ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [النحل: 40]، ولهما وحدة الغاية في العبودية لله ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّمَـوَاتِ وَمَن في الأرض وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ والدواب وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يشاء ﴾ [الحج: 18]، ويحكم قانونُ الزوجية حياة الكائنات ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يۤس: 36]، وينتظر كلَّ ذلك مصيرٌ محتوم، وهو الفناء الذي كتبه الله على كل شيء سواء ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26 ـ 27]، ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 88]. غير أن هناك علاقَةَ تميُّزٍ بين الإنسان والكون «تتحدد في خاصية التكريم التي تتجلى في الإعلاء الإلٰهي من قيمة الإنسان، والرفع من شأنه، والاحتفاء به، ووضعه في المقام الأعلى بين الكائنات، وتفضيله على كثير من المخلوقات، وخاصية الاستخلاف التي تظهر في التشريف الإلٰهي للإنسان، واختياره لينهض بِـ «وظيفة الخلافة»، وخاصية التسخير التي تتمركز حول التمكين الإلٰهي للإنسان، ومن القدرة على الانتفاع بمختلف عناصر الكون إلى أبعد الحدود. هذا بإيجاز أهم أبعاد علاقة الوحدة والتميز بين الإنسان والكون في التصور الحضاري الإسلامي»(21)

لا شكَّ أن الظاهرة الإنسانية يدخل في تكوينها عناصرُ ماديةٌ ونفسية وتراثية وثقافية، على عكس الظاهرة الطبيعية المكونة من عدد محدود من العناصر المادية يمكن حصر معظمها ورصدها، فعالم الإنسان عالم مركب، محفوف بالأسرار، أما عالم الطبيعة (والأشياء والمادة) فهو عالم أحادي بسيط إذا ما قيس بعالم الإنسان(22)

فعظمة الإنسان ورفْعتُه تتجلى في معرفته لحقيقته، وفي استشعاره واستحضاره اليقظ الدائم لموقعه من الوجود، وهو أنه مستخلف في الكون ممن خَلَقَهُ وخلق الكون معاً. فإن استشعر افتقاره لخالقه وحاجته إليه وعبوديته له واستمداد سلطانه منه؛ كان في أرفع مكانة من الوعي وأعلى درجة من الأخلاق، وإن اعتقد استغناءه عنه فَأَلَّه نفسه زوراً وزيفاً انتهى إلى التجاوز والطغيان، ومن ثم إلى القلق والاضطراب ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ [العلق: 6 ـ 7]. وذلك مآل الحضارات التي يضعها الإنسان عن الإلٰه الخالق الحقيقي، ففيها تتجمع المآسي والآفات، وتنتهي إلى الدمار والهلاك»(23)

2 ـ الثنائيات الاختيارية (أو القيمية)

يبرز في فكر الإنسان وثقافته وحضارته جَمٌّ غفير من أنواع الخلاف؛ إذ لم يسلم نزوعه وتوجهاته من تقسيم ثنائي صارم، ليس بمقدوره أن يوفق بين أطرافه أو يجمع بينها، ونقصد بذلك تلك الثنائيات الصارمة التي لا يسع الإنسانَ إلا أن يختار أَحَدَ طرفيْها، ولا يمكن أن يختار الطرفين معاً؛ نظراً لتقابلهما المطلق والشديد، ووقوعهما على طرفَي التضاد، ومن بين هذه الثنائيات مثلاً:

ـ ثنائية الإيمان / الكفر ـ ثنائية الخير / الشر ـ ثنائية الحقّ / الباطل ـ ثنائية الفجور / التقوى، ثنائية الصواب / الخطأ، ثنائية اللعب / الجد، ثنائية الصدق / الكذب..

وهنا تبرز أهمية المرجعية الدينية الإسلامية كمحدد أساسي لاختيار الإنسان، وجعلها الأساسَ لكل حُكْمٍ يعطَى للإنسان على اختياره هذا، وتظهر أهمية هذه المرجعية بالخصوص عند وقوع الاختلاف؛ فالشيء الواحد مثلاً قد يظنه إنسان صِدْقاً، ويتخيله آخرُ كَذِباً، ويشك ثالثٌ في صِدْقِهِ وكذبه، فيصبح الشيء الواحد صادقاً وكاذباً في الوقت نفسه وصواباً وخطأً في وقت واحد، فتظهر أهمية الرجوع والرد إلى الله (القرآن) والرسول (السنة) لحسم النزاع، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلً ﴾ [النساء: 59].

وفي الغالب الأعم تحقيقُ مصلحة الإنسان هي التي توجهه لاختيارٍ معين؛ لأن كثيراً من اختيارات الإنسان مبنية على تحصيل منفعة، عاجلة أم آجلة، دنيوية أم أخروية، مادية أم معنوية، أو دفع الضرر والنقص الذي قد يلحقه. وهنا تُطرح أسئلة من مثل: كيف يمكن تغليب المبادئ على المصالح إذا تعارضتا (تقديم القيم والأخلاق على الأهواء والشهوات)؟ وكيف يمكن جَعْلُ اختياراتنا نحو المصلحة العامة أهمَّ من المصلحة الخاصة؟ ومصلحة الكثرة أولى من مصلحة القلة؟ وهنا نستحضر مباحث أصول الفِقه وعلم المقاصد الخاصة بالموضوع وأهميتها في تحرير القول في المسألة.

كما أن مظاهر اختلاط الحق بالباطل، والخير بالشر... التي ظهرت، خصوصاً في هذا الزمن الذي تعقدت فيه شؤون الحياة، فأصبح الحقّ يلبس لباس الباطل، والباطل يلبس لباس الحق، وتلوَّنَ الخير بالشر والشر بالخير، ولا سيما على المستويات السياسية (مثلاً تسمية «الدفاع عن النفس» إرهاباً)، والاقتصادية (تسمية الربا فائدة)، بل حتى الاجتماعية، وهو ما أدى بالكثيرين إلى نعت هذه الظاهرة «بالعلمانية الاجتماعية» المسكوت عنها، كتلك المظاهر التي تتعلق بالفجور، وتُصنَّف على أنها من التقوى، أو يَسكُت عنها المجتمع ولا يحرك لها ساكناً. وعموماً أصبحنا نجد ممارسات تبرر بعناوين متناغمة مع الخير والعدالة؛ كالحرية الفردية والخصخصة والضرورات المرحلية وغيرها.

وهنا يُطرح السؤال الأهم: كيف يمكن صناعة مجتمع تكون اختياراتُه قائمةً على الميل للطرف الأفضل والأحسن من هذه الثنائيات؟ أي الميل إلى الإيمان والحقّ والخير والتقوى والسلم والحوار والتيسير... والابتعاد عن الكفر والباطل والشر والفجور والحرب والصدام والتعسير... أي: خَلْق مجتمعٍ يكون نزوعَه الدائم (أو على الأقل الغالب) نحو الاختيار الأفضل، اختيار البناء الحضاري والتعمير والاستخلاف كما أراده الله تبارك وتعالى.

رابعاً: الثنائيات «التاريخية» بين الحقيقة والزيف

إذا كانت الثنائيات الوجودية قد ظهرت في عالم الكون منذ أن استخلف الله آدم في الأرض واستعمره فيها، والثنائيات الاختيارية مرتبطة بدوافع ونزوع الإنسان إلى طرف دون طرف آخر؛ فإنه في مراحل معينة من هذا التاريخ الطويل الذي عاشه الإنسان، وبعدما ختمت الشرائع السماوية بدين الإسلام، ظهرت ثنائيات كانت نتيجة صناعة تاريخية محضة؛ حيث أسهمت عواملُ وظروفٌ حضارية ومعرفية مختلفة؛ منها الداخلية من خلال مناظرات مختلف الفرق والتوجهات..، أو منها الخارجية بفعل الاحتكاك والتلاقح الفلسفي، أو بفعل الصدام والتدافع بين الحضارات والفلسفات.. أسهم كلُّ ذلك وغيره في بروز العديد من الثنائيات، أو في إذكاء حدة الصراع بينها، وهذا سبب تَسْميتنا لها بالثنائيات التاريخية؛ ونقصد بها الأزواج التي تمّت صياغتها بصورة تبدو متقابلة متضادة، ينفي أحدها الآخر، من قبيل الدين والعلم، والعقل والنقل، الدين والدولة، والتقليد والحداثة، والدين والفلسفة، والأصالة والمعاصرة، والأنا والآخر، القومية والوطنية، الوحدة والاختلاف، الحضارة والبداوة.... وغيرها. وقد بالغ الفكر العربي الحديث (منذ بداية القرن التاسع عشر) في إسقاط هذه الثنائية على مختلف حقول المعرفة والفكر المتنوعة، وسادت الحياة الفكرية نزعة أُحادية، لا ترى من الحقيقة سوى أَحَدِ أبعادِها، وتختزلها دائماً في هذا البعد فقط، وتشدد على افتعال المفارقات والتناقضات بين المفاهيم والأفكار، فيغدو العلم مناقضاً للإيمان، والأصالةُ مناقضةً للمعاصرة، والتقليدُ مناقضاً للتحديث، والدينُ مناقضاً للعلم والفلسفة.. إلى غير ذلك من ثنائيات مترادفة لا تزال تسيطر بمستويات متفاوتة على فكرنا المعاصر في تجلياته المختلفة، بين جوهر فلسفي مادي وجوهر فلسفي غيبي، وللدفاع عن الذات والهوية هناك مَنْ التجأ إلى النص، واكتفى وتحصن به، وهناك من استفاد من النصِّ نفسه أن سلطة العقل والبرهان والحجاج سلاحٌ في صد العدوان. وقد تعمق هذا الخلاف تاريخياً وتجذر في مدارس واتجاهات فقهية وكلامية وتفسيرية وحديثية وحتى لغوية.. فَـ «ظهرت ذهنية توفيقية تراوحت بين مفكر وآخر، على أنه من الملحوظ رجحان كفة الجانب التحديثي العقلاني، وسيادته نسبياً على الجانب التقليدي عند أبرز مفكري النهضة، وعند مَنْ واصَلَ مسيرتهم الفكرية النظرية حتى اليوم»(24)، في حين لو رجعنا إلى القرآن الكريم لما وجدنا أصلاً لهذه الثنائيات، ولوجدناه خطاباً لسائر القوى العاقلة والعاملة في الإنسان ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]، بل أحياناً يسوق القلب والعقل مساقاً واحداً ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]، ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الأعراف: 179]، أما دعوة القرآن إلى التعقل والتدبر والاعتبار والتفكر فمبثوثةٌ في كل القرآن في آياته المنصوصة أو آياته الكونية أو الاجتماعية أو التاريخية أو الإنسانية.. التي يحيل عليها.

فالأثر قرين الرأي بمعناه التفهمي التدبري، والعقل قرين النقل، والحكمة شريعة، والشريعة كلها حِكَمٌ... ولا معنى لانفصال وتقابل هذه الثنائيات إلا في فِكْرٍ تجزأت معارفه، وطغت نزعاته المادية على حساب الروحية أو العكس، والوجودية الوضعية على حساب الغيبية الإلٰهية أو العكس... وهكذا.

وعلى كل حال، فهذه ليست الحالة السواء التي بإمكانها إخراج الإنسان السوي، وإنما المنهج القويم ـ حيث يتكامل الغيب مع الشهادة، والعقل مع النصِّ والواقع، فلا تطغى نزعةٌ على أخرى ـ هو وحده كفيل بإنتاج معرفة علمية عملية، حيث تنتفي التقابلية بين الثنائيات وتحل محلها التكاملية.

ويرى الجابري أن «إشكالية المثقف العربي النهضوية تحْكُمها بل تنسجها هذه الأزواج، ومن ثم فالبحث في هذه الإشكالية في إطار رؤية مستقبلية معناه «نقض» هذه الأزواج؛ أي: تحليلها وفحصها، وبيان ما هو فيها مزيف وما هو غير مزيف»(25).

أما المسيري فيذهب إلى «أن النماذج الاختزالية المغلقة تدفع بنا ـ من غير وعي ـ إلى الثنائيات المتعارضة؛ إذ تنقسم كل الأشياء إلى سالب وموجب، قابل ورافض، ناجح وساقط، صقور وحمائم... إلخ. ولعل الثنائيات المتعارضة في المصطلحات قد تسللت لنا من نماذج العلوم الطبيعية والرياضية، فنحن نميل للتحدث عن الطبيعة بوصفها إما سالبة أو موجبة، وهو أمر مريح للغاية، حتى وإن كان غير دقيق. ولكن حينما ننتقل إلى عالم الإنسان؛ فإن هذا المنهج التبسيطي الاختزالي يخفق تماماً في رصد أبعاد الظاهرة الإنسانية. ولعل هذا أحد العيوب الأساسية للخطاب السياسي العربي ولطريقته في التصنيف؛ أي سقوطه في الثنائيات المتعارضة التي استوردها من العلوم الطبيعية من خلال المراجع الأجنبية. ولكن الواقع الإنساني (بما يتضمن من ثغرات وتركيب واستمرار وانقطاع) أكثر تركيبية ورحابة وأقرب إلى قوس قزح، تتداخل فيه الألوان برغم استقلالها، لا توجد له بداية حادة ولا نهاية حادة ولا حتى وسط مطلق»(26)

أهم عوامل بروز الثنائيات التاريخية

ويمكن رصْدُ لحظات أساسية أسهمت ـ بشكل واضح ـ في بروز هذه الثنائيات، أبرزها ثلاث لحظات أساسية:

اللحظة الأولى: عند انقطاع الوحي

بموت رسول الله (ص) انقطع خبر السماء، قرآناً وسُنَّة، فزع الصحابة إلى ما سموه رأياً؛ أي: اختيار حُكْمٍ بناء على القواعد العامة للدين، وكانوا يرون أن «هذا الرأي إذا تُوسع فيه عاد بضرر؛ لأنه قد يؤدي إلى تَرْكِ كثير من السُنن، ولا سيما إذا كان صاحبه لم يكثر التنقيب عن السنن، ولم يكن من الميسور لفقيه قام في مصر من الأمصار أن يكون محيطاً بما عند العلماء المتفرقين في سائر الأمصار من السُّنة، فإذا كان ممن يتوسعون في الفتوى بالرأي لا يأمن أن يفتي بما تخالفه سُنَّةٌ لم يحفظها، وحفظها غيره.

أحسَّ الفقهاء بهذا الخطر، فرأوا أن يضيقوا دائرة الرأي، فشرطوا أن يكون للمستنبط بالرأي أصل معين يرجع إليه في فتواه، وذلك الأصل: إما كتاب، وإما سُنَّة، وهذا هو القياس الذي عدّوه أصلاً من أصول التشريع بهذا الكتاب والسُّنَّة.

فالرأي المذموم: هو اتباع الهوى في الفتوى مع عدم الاستناد إلى أصل من الدين يرجع إليه.

أما الرأي المحمود فهو الاعتماد على نص القرآن، وفهْمِهِ كما فهمه الصحابة بلسانهم وأسباب نزوله، وعلى سنة رسول الله (ص) »(27)

حينها ظهرت ثنائية الرأي والأثر بدأ الأثر أولاً ثم ظهر الرأي ثانياً، وأسهم في ذلك عوامل موضوعية، فأصبح للرأي مكانة خاصة، لا بد للمجتهد أن يكون مُلمّاً به، «قيل لابن المبارك: متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالماً بالأثر، بصيراً بالرأي»(28).

لم يقتصر هذا على مجال الفتوى فقط؛ إذ تعمق الأمر مع تفسير القرآن الكريم، خصوصاً الآيات التي لم يرد فيها بيان وتوضيح من رسول الله (ص) ، ولم يَرِدْ فيها أثرٌ عن صحابته رضوان الله عليهم والتابعين من بعدهم، وكان التفسير بالمأثور أول ما ظهر من أنواع التفاسير، وهنا نذكر تفسير «جامع البيان عن تأويل القرآن» لابن جرير الطبري، وهو أجَلُّ التفاسير وأشهرها في التفسير بالمأثور، ولا شك كذلك أنه تضمن تفسيراً بالرأي والمعقول والاجتهاد والاستنباط وإعمال اللغة والعقل.

ثم كثر التأليف في التفسير بالرأي والاجتهاد، فخرجت تفاسير تلونت بلون ثقافة مؤلفيها، فالعالم بالنحو حشا تفسيره بقواعد النحو وخلافياته، كما فعل أبو حيان في تفسيره (البحر المحيط)، وصاحب العلوم العقلية والفلسفية حشا تفسيره بأقوال الفلاسفة ونظرياتهم وفندها وردَّ عليها، كما فعل الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب)، وصاحب الفِقه حشا تفسيره بذكر مسائل الفقه وفروعه وأدلة المذاهب، كما فعل القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن)، وصاحب القصص والأساطير حشا تفسيره بذكر قصص الأنبياء مع قومهم واستطرد في ذلك، كما فعل الثعلبي في تفسيره (الكشف والبيان عن تفسير القرآن)، وهكذا تلون التفسير بعِلْمِ مَنْ أَلَّف فيه(29). فأضحى التفسير ميداناً واسعاً تتمظهر فيه تيارات الفكر الإسلامي في مختلف العصور، وصار النصّ القرآني يتشكّل في وعي الباحثين في صور مختلفة، ويتلون فهْمُه بألوان متنوعة، تبعاً لتنوع البيئة والمحيط الخاص للمفسر، ونمط ثقافته واهتماماته، وذوقه الشخصي. فقاد ذلك إلى تنامي ركام هائل من التأويلات والانطباعات الذهنية، والثقافات السائدة في مختلف الأزمان

وهكذا نجد أن أولى الثنائيات ظهوراً في تاريخ الإسلام هي ثنائية الرأي والأثر؛ حيث ظهر الرأي بعد انقطاع الأثر، ولم يكن كل الرأي معارضاً للأثر، بل كان مكملاً له، فقد أورد ابن القيم في «إعلام الموقعين»: «قال طائفة من أهل العلم: مَنْ أَدَّاه اجتهادُه إلى رأي رآه، ولم تقم عليه حجة فيه بعد فليس مذموماً، بل هو معذور، خالفاً أو سالفاً، ومَنْ قامت عليه الحجة فعانَدَ وتمادى على الفتيا برأي إنسان بعينه فهو الذي يلحقه الوعيد»(30) ولم يكن الأئمة المجتهدون يضفون على آرائهم الهالة والقداسة، حتى في فهْمِهم لكتاب الله تعالى، فإنما هو فهْمٌ بشري، يمكن أن يسقط إذا ظهر فهْمٌ آخر أصْوَبُ منه وسانده الدليل والبرهان. فالآفاق الذهنية للمفسرين محدودة، وتحولات العصر ومستجداته واستفهاماته متجددة، والقرآن كتاب لا يختص بزمان دون زمان، ولا يُعنى بمشكلات قوم دون سواهم، فهو في كل زمانٍ جديدٌ، وعند كل قومٍ غضٌّ إلى يوم القيامة، يوضح ذلك حديث رسول الله (ص) في وصفه للقرآن الكريم: «هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه»(31).

اللحظة الثانية: لحظة الاحتكاك بالتراث اليوناني

كل حضارة لها خصوصيات معينة تحدد كيانها وتفردها وتميزها، وهذا لا ينفي تداخل الحضارات الإنسانية فيما بينها، وتأثير بعضها في بعضها الآخر؛ لقد عرف القرن الثالث الهجري / الثامن الميلادي احتكاكاً واضحاً بين الفكر الإسلامي والفلسفة اليونانية من خلال عمليات الترجمة الواسعة، ونقصد بالفلسفة اليونانية كل التراث اليوناني الذي تُرجم إلى اللغة العربية، مع ما أضافه إليه الفلاسفة المسلمون والذميون في العصر الإسلامي من شروح وتلخيصات، وزيادات وإثراءات.

وكان دخول الفلسفة اليونانية إلى بلاد المسلمين عن طريق ترجمة العلوم القديمة إلى اللغة العربية، في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري وما بعده، ثم انتشرت في مختلف الأقطار الإسلامية على أيدي الفلاسفة وأتباعهم، والمتأثرين بهم، حيث تعود بدايات ترجمة الفلسفة اليونانية(32) إلى زمن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور (136 ـ 158هـ)، الذي أمر بترجمة بعض الكتب القديمة(33). ثم توسع مجال الترجمة زمن الخليفة هارون الرشيد (ت: 193هـ) عندما أمر الطبيب النصراني يُوحنا بن ماسويه بترجمة الكتب القديمة التي عثر عليها بمدينتي أنقرة وعمورية وسائر بلاد الروم، وعيّنه أميناً عاماً على عملية الترجمة من اللغات القديمة إلى اللغة العربية(34) هذا دون أن نغفل طائفة من الفلاسفة عاشوا بين المسلمين وهم من أهل الذمة، وكان لهم دور بارز في خدمة الفلسفة اليونانية ونشرها بين المسلمين، ومع مرور الزمن توسعت الترجمة أكثر فأكثر، لتشمل علوماً عديدة، ومترجمين من مختلف الملل والديانات، ووافق العملية سياقٌ إسلامي عَرَفَ صراعات سياسية واجتماعية وحركية كلامية (نسبة إلى علم الكلام) خصوصاً في جانبه العقلي مع المعتزلة، فأصبح الحضور اليوناني واضحاً في الحضارة الإسلامية، خصوصاً في جانبها الفكري.

لقد كانت عملية احتواء التراث اليوناني ـ وبصفة خاصة التراث الأرسطي ـ تقوم بناء على ثوابت الحضارة الإسلامية، وليس على مجرد النقل عن اليونان(35)، فكثيراً ما كانوا يوضحون مواضع الاتفاق وجوانب الاختلاف ومسائل التوقف، فظهرت عقلية توفيقية سعت إلى إلغاء المتناقضات والجمع بين «المتقابلات». لهذا تصدى عدد من الفلاسفة المسلمين إلى محاولة الجمع بين الشريعة والفلسفة اليونانية والمزج بينهما، فابن سينا قال عنه الفقيه أبو عبد الله المازري المغربي (ت ق: 6هـ): «إنه رَدَّ أصول الدين إلى الفلسفة، وتلطّف في ذلك جهده، حتى حقق ما لم يحققه غيره»(36) وقد أعجب بعض الفقهاء بالمنطق إلى حد شرحه بالآيات القرآنية والأحاديث النبويّة، كما فعل ابن حزم في (التقريب إلى حد المنطق والمدخل إليه)؛ بل حاول بعضهم إثبات أن الرسول قد أنتج في أحاديثه قواعد القياس(37) وفي طرف آخر يرى ابن تيمية أن «عمل ابن سينا ـ في جمعه وتخليطه بين الشريعة والفلسفة اليونانية ـ هو تدليس وتلبيس، وأنه أخذ مخ الفلسفة وكساه بلحاء الشريعة، مما أدى إلى كثرة المتناقضات في فلسفته المشائية المعدلة، وإلى تضليل كثير من أهل العلم في المطالب الإيمانية العالية، والمقاصد القرآنية السامية، وإخراجهم عن حقيقة العلم والإيمان، فصاروا بذلك كثيراً ما لا يسمعون ولا يعقلون، ويسفسطون في العقليات ويُقرمطون في السمعيات»(38)

فبرزت ثنائيات: (العقل والنقل) أو (صحيح المنقول وصريح المعقول) و(الحكمة والشريعة)، ونذكر هنا محاولة ابن رشد (520/595هـ) في التوفيق بين الشريعة والفلسفة على أساسٍ مما ذهب إليه من موافقة الشريعة لمناهج الفلسفة في كتابه «فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال»، وكذلك محاولة ابن تيمية (661/728هـ) لحل هذه المشكلة والحسم فيها من خلال كتابه «درء تعارض العقل والنقل»، وتوالت الكتابات في الموضوع؛ إذ نجد من المحْدَثين رسالة محمد عبده «الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية»، والحجوي الفاسي في «التعاضد المتين بين العلم والعقل والدين» وغيرهم.

اللحظة الثالثة: صدمة الحداثة الأوروبية

كما ظهرت ثنائيات أخرى بفعل صدمة الحداثة الأوروبية بمنجزاتها العلمية والتكنولوجية والتنظيمية إثر وقوع العالم العربي بأكمله تحت سيطرة الاستعمار الأوروبي، وكذلك الصراع الفكري مع الفلسفة الغربية الحديثة، والتناقض البارز بين بنية مجتمعاتنا التقليدية، والتي تتسم بالجمود والانحطاط، وبين الوافد الغربي الذي أحضره الاستعمار معه، فظهرت ثنائيات: التراث / التحديث، الأصالة / المعاصرة، التقليد / التجديد، الفكر / الواقع،.. والأغرب من ذلك هو محاولات بعض «المفكرين» استيراد التجربة الغربية التي عاشها خلال القرون الوسطى إثر صراع بين ثنائيات: الدين / السياسة، العلم / الدين،.. التي عُدَّتْ من المتناقضات، ويستحيل جَمْعُها كما يستحيل رفْعُها، فعملوا على استنباتها قهراً في عالمنا الإسلامي دون وجود سند علمي، أو مسوغ تاريخي، أو مبرر سياسي، أو حتى تربة خصبة قادرة على احتضان هذا الصراع الثنائي، «فمن الطبيعي أن يؤدي الاختلاف بين المنهجين ـ الإسلامي والوضعي ـ إلى إقامة مذهبين أو نسقين فكريين مختلفين، ومن البدهي أن تكون الأبنية الداخلية في كل مذهب منهما متوافقة مع طبيعة المذهب الذي تنتمي إليه، ولا مجال هنا لبتر أيٍّ من الأبنية الفرعية في أحد النسقين وغرسهما في الآخر، إلا إذا كان هناك قَدْرٌ من التشابه بينهما يسمح بهذا النقل. أما إذا لم يشذب هذا البناء الفرعي بالشكل الذي يجعله موائماً لطبيعة النسق الذي ينقل إليه، فإن هذا بلا شك نَقْلٌ محكوم على نتائجه بالفشل»(39) فظهر صراع مفتعل هدفه في الأول والأخير تدمير الدين وقيمه، وفرضت هذه الثنائيات نفسها في مختلف ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوق والفقه والفلسفة والكلام وحتى الأدب والفن.. والمتتبع للعديد من الكتابات لمفكرين عرب ومسلمين وغيرهم، والناظر كذلك في الإعلام بجميع أشكاله سيجد أن واقع الخصومة بين هذه الثنائيات ما زال قائماً؛ ذلك أن دعاة الحداثة يخاصمون ودعاة التقليد، دعاة العقل يسخرون من أصحاب النقل، وفئة أخرى تنبذ الأصالة والتراث وتدعو إلى المعاصرة والتجديد، فما زال الفكر الإسلامي يعاني من قضايا بنيوية شائكة، قسمت الأُمة إلى فرق وطوائف مختلفة؛ جراء انزواء كل فرقة إلى جانب معين، وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وكل تيار له مرتكزاته ودعائمه، ولكل منطلقاته مختبئة في أعماق النفس الإنسانية.

لذلك أصبح العديد من الاختصاصات عرضةً للجدل بلا هوادة بين فريقين متخاصمين، أحدهما يدّعي الأصالة والمحافظة على التراث، والآخر يدعي التجديد ونبذ التقليد، وظهر فريق ثالث يحاول التوفيق، إلا أنه بدوره لم يَسْلَم من معارضين، فغدت الإشكالية تفرض نفسها، ولا بد من تحرير القول فيها.

وأعتقد أن جانب التكامل والتدافع بين هذه الثنائيات التاريخية يغلب على جانب الصراع والتقابل، فما يلاحظ مِنْ تقابلاتٍ وتعارضات هو في ذهن من يعتقد ذلك فقط، أما الواقع ـ زماناً ومكاناً وعلماً ومعرفة ـ فيدل على أن الحياة لن تسير إلا بالجمع بين هذه الثنائيات التي أصيبت بلوثة تاريخية، وأرهقت الفكر الإسلامي لقرون عدة (العقل / النقل، الأصالة / المعاصرة، التحديث /التقليد...)، وعدِّها مقولات متداخلة نسعى من خلالها للوصول إلى مقولات وسطية، عادة ما تكون أكثر تركيباً ودلالةً من المقولات المتطرفة، والطرف الوسط لا يعني نقطة محددة بعينها؛ إذ يمكن أن يكون مجالاً فضفاضاً يعطي قابلية استيعاب العديد من الحلول تبعاً لطبيعة كل موضوع. فلا يمكن تصفية كل طرف من هذه الثنائيات على حساب الطرف الآخر، ولا يمكن نزعها، وإنما ينبغي نزع فتيل التقابل والتصارع على أساس أن فهْماً معيَّناً لهذه الأطراف لا يمكن تقديسه، فنأخذ منها جميعاً بحسب ما يقتضيه المقام في إطار تفاعلنا مع إشكاليات الزمان والمكان، أما الميل إلى جهة واحدة وتهميش طرف على حساب طرف آخر، فهذه نظرة تجزيئية لا يمكن أن يكتب لها الدوام والاستمرار، وهذا التوجه الحدي يتنافى مع ما وهب الله في هذا الكون من أسرار وثغرات.

 

..................

المراجع والمصادر :

(1 )أبو عبد الرحمٰن الخليل بن أحمد الفراهيدي. (ت: 175هـ) «العين..» تحقيق: مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي، الطبعة الأولى، بغداد 1980 ـ 1985م، 1/48.

(2) محمد خاقاني، «أمر بين أمرين، ثنائيات الإنسان والكون بمنطق التأويل والتفسير» دار الهادي، بيروت، ط 1، 1420هـ/1999م، ص 7.

(3)أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن» المجلد 8، ص 15 ـ 16.

(4)تفسير السمرقندي (ت: 375هـ) المسمى «بحر العلوم» ج 3، ص 280.

(5)أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن» المجلد 8، ص 15 ـ 16.

(6)بالنسبة للأعراف الذي هو جبل بين الجنة والنار، وفيه قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم هو استثناء؛ لأن الأصل هو الجنة أو النار، وهذا الاستثناء سيزول بعد أن يقضي الله عز وجل فيهم. والراجح إدخالهم الجنة، قال عز وجل : ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) ۞ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف: 46 ـ 47].

(7)قال تعالى: ﴿  فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 102 ـ 103].

(8)عبد المجيد النجار «خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، بحث في جدلية النصّ والعقل والواقع» المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا، ط 2، 1413هـ/1993م، ص 41.

(9)ابن حزم «الفصل»، ج 1، ص 99.

(10)عبد القادر مرزاق، «التوحيد: كيف ينسج خيوط كتابات عبد الوهاب المسيري»، ضمن «عبد الوهاب المسيري في عيون أصدقائه ونقاده» مجموعة مؤلفين، مرجع سابق، ص 430.

(11)عبد الحميد أحمد أبو سليمان، «أزمة العقل المسلم» المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ڤيرجينيا، ط 2، 1430هـ/2009م، ص 105.

(12)صدر الدين القبانجي، «الأسس الفلسفية للحداثة، دراسة مقارنة بين الحداثة والإسلام»، سلسلة الدراسات الحضارية، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، ط 1، بيروت 2011، ص 379 ـ 380.

(13)عبد الوهاب المسيري، «اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود» مرجع سابق، ص 134.

(14)عبد الحميد أحمد أبو سليمان، «أزمة العقل المسلم» مرجع سابق، ص 111 بتصرف.

(15)الكوزمولوجيا «Cosmology» تعني في الأصل «علم الكونيات»، وهذا العلم يبحث في أصل الكون، وبنيته، وعناصره، ونواميسه، وهو مبحث فلسفي وفرع من فروع علم الفلك.

(16)محمود يوسف السماسيري «فلسفات الإعلام المعاصرة في ضوء المنظور الإسلامي»، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ڤيرجينيا، ط 1، 1429هـ/2008م، ص 122.

(17)محمد أبو القاسم حاج حمد «إبستمولوجية المعرفة الكونية، إسلامية المعرفة والمنهج»، مرجع سابق، ص 157.

(18)حوارات عبد الوهاب المسيري، «العلمانية والحداثة والعولمة» تحرير: سوزان حرفي، مرجع سابق، ص 27.

(19)نقدنا للحضارة الغربية في هذا المقال يندرج في إطار الجانب المهيمن على هذه الحضارة، وإلا فإن الغرب نفسه هو غرب تتعدد فيه الاتجاهات الإنسانية، التي تتمثل في حركات مناهضة العولمة وأحزاب الخضر، وبعض الاتجاهات الإنسانية الفلسفية التي ترفض الحداثة الداروينية التي تقودها أمريكا. وحتى إنجازات الإنسان الغربي الحديث فيها إنجازات خادمة للإنسانية، يمكن لكل البشر الإفادة منها مثل: الإدارة الرشيدة للمؤسسات والمجتمع، واحترام حقوق الإنسان السياسية، وتأكيد حرية الفرد، وإنشاء دولة الرفاه التي تضمن للإنسان الحدِّ الأدنى من متطلباته، وتفعيل دور المرأة وتأكيد حيزها المستقل، وتطوير العقلية النقدية، ومن ثم المقدرات الإبداعية، والمقدرة على اكتشاف الأخطاء وتصحيحها، وتطوير المناهج البحثية بما يتلاءم مع التطورات المتسارعة في المجتمع. غير أنه من الضروري أن توضع إنجازات الحضارة الغربية في سياقها التاريخي، والاطلاع على الحضارات الأخرى وإسهاماتها كالصين مثلاً.

(20)محمود يوسف السماسيري «فلسفات الإعلام المعاصرة في ضوء المنظور الإسلامي»، مرجع سابق، ص 173 بتصرف.

(21)عبد النور بزا، «مصالح الإنسان، مقاربة مقاصدية»، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 1، 1429هـ/2008م، ص 363 ـ 364 بتصرف.

(22)حوارات عبد الوهاب المسيري، «العلمانية والحداثة والعولمة» تحرير: سوزان حرفي، مرجع سابق، ص 24 ـ 25.

(23)محمد المبارك، «نظام الإسلام العقائدي في العصر الحديث»، مرجع سابق، ص 39.

(24)محمود أمين العالم، «الفكر العربي بين الخصوصية والكونية»، دار المستقبل العربي، ط 2، 1998م، مصر الجديدة، ص 33.

(25)محمد عابد الجابري، «إشكاليات الفكر العربي المعاصر»، ط 2، سبتمبر 1990، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 103.

(26)حوارات الدكتور عبد الوهاب المسيري، «الثقافة والمنهج» تحرير سوزان حرفي، مرجع سابق، ص 352.

(27)ابن القيم الجوزية، «إعلام الموقعين عن ربِّ العالمين»، شرح وتحقيق رضوان جامع رضوان، مكتبة الإيمان، القاهرة، ط 1، 1419هـ/1999م، ج 1، ص 4 ـ 5.

(28)المرجع السابق، ص 49.

(29)عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله الوهيبي؛ «التفسير بالأثر وأشهر كتب التفسير فيها» ضمن «مجلة البحوث الإسلامية» العدد 7، ص 206.

(30)ابن القيم الجوزية، «إعلام الموقعين عن رب العالمين»، مرجع سابق، ص 57.

(31)من حديث علي رضي الله عنه عن رسول الله (ص) ، أخرجه الإمام الترمذي في جامعه، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن.

(32)وكانت الفلسفة اليونانية تضم أربعة علوم رئيسة، أولها: المنطق، وثانيها: الطبيعيات كالحيوانات، والنباتات، والأجسام والمحسوسات. وثالثها: الإلٰهيات ـ الميتافيزيقا ـ وهي خاصة بغيبيات ما وراء الطبيعة. ورابعها: المقادير، وتسمى أيضاً: التعاليم، وتشمل عدة علوم، كالهندسة، والأثماطيقي ـ العدد ـ ، والموسيقى والهيئة: علم الفلك (ابن النديم: الفهرست، بيروت، دار المعرفة، 1978، ج 1، ص 679).

(33)ابن النديم: الفهرست، بيروت، دار المعرفة، 1978، ج 1، ص 340.

(34)ابن أبي أصيبعة: «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، حققه نزار رضا، بيروت، دار مكتبة الحياة، ج 1، ص 247.

(35)أحمد محمد سالم: «إشكالية التراث في الفكر العربي المعاصر، دراسة نقدية مقارنة بين حسن حنفي وعابد الجابري»، دار رؤية للنشر والتوزيع، ط 1، 2010م. ص 478.

(36)الذهبي: السيّر، ج 9، ص 341.

(37)حسن حنفي: «نحو فلسفة إسلامية جديدة»، ص 64.

(38)ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 9، ص 135 ـ 136، و ج 10، ص 402، و ج 17، ص 329.

(39)محمود يوسف السماسيري، «فلسفات الإعلام المعاصرة في ضوء المنظور الإسلامي»، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ڤيرجينيا، ط 1، 1429هـ/2008م، ص 106 ـ 107.

أخبار ذات صلة