التعايش الإنساني في ظل القيم الإسلامية الخالدة

مودة الحوسنية

يرى الأستاذ أحمد الزعبي في مقاله (الرؤية القرآنية لصلاح الإنسان والعالم) المنشور في مجلة التفاهم أنَّ الفطرة هي أساس في التصور الإسلامي للرؤية الكونية ولمقاربة العقل الفقهي لمقتضيات الوجود الإنساني على الأرض، وهي معروفة عند أهل الأديان جميعاً وتشمل مظلتها كل القيم الإنسانية التي وردت في القرآن، كالمساواة والكرامة والرحمة والعدل والتعارف والمعروف، وتقصد الخير العام.

في التراث الإسلامي كثير من الكتابات حول الاختلاف بين المتكلمين والفقهاء في التفاضل بين قيمتي الرحمة والعدل وكلاهما قيمة قرآنية كبرى. وقد مال فقهاء كثيرون إلى تقديم الرحمة وقد عدوا ذلك أمراً تحسينياً؛ بينما رأى فريق منهم أن الحالات تختلف بين الحاجي والتحسيني لكل منهما بحسب الظروف. وقد ذهب بعض المفسرين إلى ربط قيمة التعارف بالمعروف، ورأوا فيها حاجة تارة أو تحسينا واستحساناً تارة أخرى. هناك إذن رؤية للعالم في النصوص والتجربة الإسلامية الوسيطة مستواها الأساس الضروريات التي تقوم عليها الحياة الإنسانية العامة وتقع فوقها القيم القرآنية الكبرى، وتأتي في المستوى الثالث مستوى المبادرة واختيار الأفضل والأحسن الحاجيات والتحسينيات؛ فالضروريات الخمس هي المهاد الذي تقوم عليه حياة الناس فيما بينهم على اختلاف الديانات والأمم والتنظيمات والدول والحاجيات والتحسينيات هي خصوصيات التجربة الإسلامية وإمكانيات المبادرة. في فقه العيش هناك الحريات الدينية التي حكمتها مبادئ ثلاثة: عدم الإكراه ومبدأ المُعاملة بالمثل في كل الأحوال، والخير والإحسان إلى الآخرين، والمبدأ الثالث القول بحق وشرعية ديانات الوحي السابقة على البعثة المحمدية، وفي ضوء هذه المبادئ تحدد مساحات التعامل مع الآخر المختلف دينيا بوصفها أساس الصلاح والمعاملة والاستقرار.

يُعد أبو حنيفة أول من وضع آلية سياسية وقانونية مستمدة من الفقه الإسلامي وأصوله لتحديد وجه العلاقة بين المجتمعات المسلمة وما يجاورها من مجتمعات معادية في الأغلب، وقد تلاه في ذلك الإمام الأوزاعي، وقد استند الإمام أبو حنيفة في ذلك إلى إيحاءات قرآنية ونبوية تشير إلى وجود فرق بین دار يسود فيها الإسلام ودار لا يسود فيها الإسلام.

الدافع الذي دفع فقهاء الإسلام إلى تفصيل أحكام الدور زال تمامًا، وبات المسلمون يأمنون على دينهم في دول غير مسلمة. وعليه فإن عصرنا هذا لم يعد يحكمه منطق الدور؛ بل بات يحكمه منطق الدول ومنطق القانون الدولي المعاصر وميثاق الأمم المتحدة. وانتقلت فيه البشرية من ثقافة القطيعة إلى ثقافة التعايش، ومن ثقافة تطاحن الجيوش إلى تطاحن الأسواق والأفكار، وحيث يعيش ما يزيد على 400 مليون مسلم في دول غير مُسلمة، ويتمتعون في أغلبها بكافة حقوقهم كمواطنين كاملين، دون أي خوف على دينهم، حيث باتت القوانين المحلية والقانون الدولي تحميهم كما تحمي غيرهم من الأقليات. فإذا كان رسول الله يأمر بالكف عن أيّ قوم محاربين بمجرد أن مسجداً برز من بين عمران مدينتهم أو أذانا سمع يرتفع من شوارعهم، فما بالنا بالدول الغربية أو غيرها التي باتت تعج بالمساجد والمراكز الإسلامية ويطبع فيها المصحف وتؤسس فيها الجامعات الإسلامية ويرأس فيها المسلمون البلديات والوزارات ويتمتعون فيها بحرية دينية وسياسية يفتقدها الكثير من المسلمين في بلدانهم المسلمة.

 

بين الله والإنسان في القرآن

 بالاعتماد على علم الدلالة سعى المستعرب الياباني توشيهيكو إيزوتسو لمعالجة الكيفية التي يرى فيها القرآن الكريم بناء عالم الوجود والمكونات الرئيسة للعالم وكيف يرتبط بعضها ببعض مستنداً إلى النظام المفهومي الذي يحضر بقوة في القرآن، وهو يوضح أن التعابير المفتاحية التي تؤدي وظيفة حاسمة في صياغة نظرة القرآن إلى العالم ليس منها ما كان جديدًا ومبتكراً،بل كانت كلها تقريبا مستخدمة قبل الإسلام. وعندما شرع الوحي الإسلامي باستخدامها كان النظام كله هو الذي صدم مشركي مكة بوصفه شيئا غربيا وغير مألوف وغير مقبول، وليس الكلمات الفردية والمفهومات نفسها، إذ الكلمات نفسها كانت متداولة في القرن السابع الميلادي، إن لم يكن ضمن الحدود الضيقة لمجتمع مكة التجاري؛ فعلى الأقل في واحدة من الدوائر الدينية في الجزيرة العربية، ما جد هو فقط أنه دخلت أنظمة مفهومية مختلفة، والإسلام جمعها ودمجها في شبكة مفهومية جديدة تماماً مجهولة حتى الآن.

ويرى إيزوتسو اسم «الله» لم يكن البتة مجهولا لدى عرب ما قبل الإسلام إذ نسمع بعض المشركين يقول: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) والفكرة الأساسية هي فكرة الشفاعة التي أدت وظيفة في غاية الأهمية في تاريخ التفكير الديني بين العرب والمسلمين منذ العهود الجاهلية الأولى إلى العصور الوسطى، عندما شغلت أذهان علماء الكلام المسلمين. بمعنى أوضح فإن النظام الممتد عبر عصور زلزل زلزالا شديدا عندما أعلن النبي أنَّ هذا الإله الأعلى لم يكن فقط الأعلى بالمعنى النسبي للأعلى في التسلسل الهرمي؛ بل هو الأعلى على الإطلاق، وقد أثر التصور الإسلامي الجديد لله الأعلى لية للنظرة إلى العالم عن البناء العام أو البنية المتكاملة تأثيرا عميقا في البنية الكلية للنظرة إلى العالم. كما أن التغيير طال المخلوقات فوق الطبيعية: الملائكة، والجن، والشياطين. وبحسب إيزوتسو فإنَّ الله ليس فقط الوجود الأعلى؛ بل أيضا الوجود الأوحد الجدير باسم الوجود بالمعنى الكامل للكلمة التي لا شيء في العالم كله يمكن أن يضادها، وتتجلى أنماط العلاقة بين الله والإنسان في أربع صور:

 1-علاقة وجودية: هي بين «الله» من حيث هو المصدر المطلق للوجود البشري، الإنسان من حيث هو الممثل لعالم الوجود الذي يدين بوجوده لله.

2-علاقة اتصالية: وهاهنا الله والإنسان يكونان داخلين في اتصال محكم أحدهما بالآخر والله طبعا هو الفاعل من خلال اتصال متبادل.

3-علاقة الرب - العبد: تجلى في العبودية.

4- علاقة أخلاقية: إذ إن أحد الملامح الأكثر جلاء للفكر الديني الذي نشأ في العالم السامي هو أن مفهوم «الله» أخلاقي أساسا. ولأنه في هذه النظرة لله ذاته أخلاقي أساسا لابد للعلاقة بين الله والإنسان أيضا من أن تكون ذات طبيعة أخلاقية؛ فالله يعامل الإنسان بطريقة غاية في الرحمة، هذه الحقيقة البدنية تحدد سلفا الاستجابة الصحيحة الوحيدة المنتظرة من بني البشر، وتلك الاستجابة هي الشكر.

القرآن وصلاح البشرية

 توجه الخطاب القرآني في الدعوة للصلاح إلى البشر عموماً، كما خاطب الذين آمنوا مع ترجيح عددي للصنف الأول، وقد توسع القصص القرآني في مقاربة ما يعده صلاحاً للبشرية تارة بضرب الأمثال عن الأمم البائدة لتجنب ما وقعت به وتسبب بهلاكها، وأخرى بالحض على مكارم الأخلاق والقيم التي من شأنها الحث على الصلاح والاستقامة ووحدة الفطرة الإنسانية، ومن هذه القيم:

1-النظر والتأمل في ملكوت الله

2- صون الفطرة

 3- محاربة الخرافة والعصبية

4- التعايش أساس الإصلاح

القرآن الكريم خطاب إلى الناس كافة من غير أن يتحيز إلى أمة بعينها ولا أن يفضل أمة على أمة، فالقرآن الكريم يريد للناس أن ينظروا لأنفسهم على أنهم أسرة إنسانية واحدة على هذه الأرض، مهما اختلفوا في اللون واللسان ومهما تباعدوا في الأوطان، فينبغي أن يسود بينهم ما يسود بين الأسرة الصغيرة من الحب والتعايش والوئام.