نشأة الدول وولادة الحروب

رية  الخزيرية

إنَّ الله عزَّ وجلَّ خلق الإنسان وأرشده إلى الطريق القويم والمسار المستقيم وقد جعل الله بني آدم مستخلفين في الأرض، والإنسان بطبعه لا يُمكن أن يعيش وحيدًا بل هو مدنيٌّ بطبعه.  وحبُّ الإنسان للاتحاد مع بني قومه لمؤازرته ومساندته ومساعدته في النوازل يجعله طموحًا لحيازة أكبر قدرٍ من الأراضي وذلك ليتسنى له أن يستفيد من مواردها مع بني جنسه ممن يجمعه معهم الطابع الديني أو الجنسي أو الأخوي أو الطائفي أو السياسي أو حتى المكاني. وقد تجتمع جماعة ما فتشكل قبيلةً أو طائفةً، والقبيلة أو الطائفة تتحد مع القبائل أو الطوائف الأخرى لتشكل بعدها بما اصطلح عليه مصطلح دولة. وللوصول إلى هدف بناء دولة فإنَّ هناك كثيرا من العقبات والصعوبات التي من الممكن أن تعترض ولادة تلك الدولة ومن أبرز تلك العقبات الحروب الطاحنة بين أبناء الأمم لأجل تحقيق ذلك الهدف، وهذه الحروب طالما وُجدت وجُدِّدت نشأتها بين الحين والآخر. وفي مقال "الحرب والدول القومية وتكون نظام العالم الحديث" للكاتب فتحي المسكيني المنشور بمجلة التفاهم، مناقشةٌ رائعة تحمل في طياتها النظر إلى نشأة الدول والحروب المُتضاربة من زوايا متعددة ومن جوانب مترامية.

ناقش الكاتب في مقدمته المعاني المتعددة للحرب منذ نشأتها مستشهدًا بمقولة شارل تيلي -وهو أحد أكبر المنظرين في علم الاجتماع التاريخي- : (إن الحرب صنعت الدولة والدولة صنعت الحرب). وأورد الكاتب أن معنى الحرب انتقل من وصفه تقويةً للقانون إلى أداة لإقامة العدل ثم أصبح مهنةً عسكريةً ثم انتقل معناها إلى كونه سياسة دولة وأخيرًا وُلد معنى جديدٌ للحرب وهو الحرب العادلة.

وأتفق مع ما ذكره الكاتب؛ إذ إنِّه تم التلاعب بعقول كثيرٍ من الناس للدخول إلى معترك الحرب فظهرت جماعاتٌ كثيرةٌ تحت مُسمياتٍ مختلفةٍ وتحت شعاراتٍ مستظلة بمظلاتٍ مزيفةٍ تُوهم الناس بأنها تسعى لتحقيق العدالة أو لضبط الأمور المنفلتة وما إن تصل تلك الجماعات إلى السلطة حتى تُشعل هي بنفسها نار الفساد.

يُورد الكاتب ما ذكره شارل تيلي من أن نشأة الدولة القومية لم يكن سببه التجانس الثقافي بين السكان بقدر ما كان الانقسام السياسي وهذا بالفعل ما نراه في عصرنا الحالي، إذ إنَّ الأحزاب السياسية يقوم كلٌ منها بحملته لأجل الهيمنة واعتلاء رأس الدولة مما يُورث الدول حروبًا لا تنتهي وينقضي أجلها.

ويشير الكاتب إلى أن كثيرًا من المؤرخين يرون أن السلطة السيادية لا منبع لها سوى وضع الحرب وربما قد يكون الكاتب مُحقاً فيما لو كانت هناك معارضات من أجل إقامة الدولة وتحقيق العدالة وهذا تمامًا ما حدث مع نبي الإسلام محمد العظيم؛ إذ إن الذين أرادوا أن يُطفؤوا شعلة رسالته عارضوه معارضةً عظيمةً وقلَّبوا له الأمور فاضطر للوقوف في وجوههم فأعلن الحرب عليهم إلى أن يرجعوا عن غيهم، وكذلك النبي إبراهيم والنبي لوط كما تذكر الروايات أنهم دخلوا في حروبٍ ضد من حاولوا طمس الرسالة الإلهية.

وربما يميل الإنسان دائمًا إلى عدم الدخول في ساحة الحرب إلا أنه قد تضطر أحيانًا لتحقيق أهداف أعظم لاسيما في الأراضي التي يُهضم فيها حق الضعفاء والمظلومين، فلا بد هناك من وجود دولةٍ تنتصر لأخذ حقهم والانتصار لهم ممن ظلمهم.

ربما يكلفنا إنشاء الدولة حربًا واحدةً  لكن عدم وجودها قد يكلفنا حروبًا أعظم وأكثر وأشد وطأًة إلا أنه ومع إمكانية نشأة الدول بدون حرب هو ما يصبو إليه كل عاقلٍ.

ويسلم الكاتب بأنه قلما تجد دولةً حديثةً لا تدين بنشأتها إلى حرب أهلية أو دولية وهذا مما لا نختلف فيه مع الكاتب؛ إذ إن أغلب الدول منذ نشأة آدم عليه السلام كانت تقوم على أنقاض الحروب وحتى الدولة الحديثة كانت عبر قرونٍ متطاولةٍ تحت وطأة الحروب الطاحنة إلى أن جاء من وحدها تحت تنظيمٍ واحدٍ يُعرف بالدولة.

فكم من الحروب الدينية والحروب الطائفية والحروب المذهبية حدثت لتكوين هذه الدول وإبرازها بالشكل الحديث، ويرى الكاتب أن الشعوب ربما كانت تابعةً للإمبراطوريات العظمى وأرادت التخلص من ذلك رغبةً في الاستقلالية والحرية، حيث إن تلك الإمبراطوريات كانت تفرض قوانين وتشريعاتٍ ربما لا تتناسب مع كل من يعيش في تلك المجتمعات.

ويناقش الكاتب تكون نظام العالم الحديث والعلاقة بين الحرب والدولة القومية، مشيرًا إلى أن مصطلح الدولة القومية أو الدولة الأمة مركبٌ من مفهومين لهما تاريخٌ نظريٌّ مختلف؛ ذلك أن سؤال (ما الدولة؟) الذي يبدو مبحثًا قانونيًّا مناسبًا كي يُطرح في القرن السابع عشر ما عاد مناسبًا بعد الثورة الفرنسية، ويرى الكاتب أن السؤال (ما الأمة؟) هو السؤال الذي يتماشى مع الجيل الجديد.

ومن وجهة نظري أن ما ذكره الكاتب في مسألة طرح السؤالين يحمل مفارقاتٍ كثيرةٍ حيث إن الدولة تتمثل في قطعة من الأرض تحت ظل قانونٍ سياديٍّ مشترك أما الأمة فهي تمتد إلى أبعد من ذلك بكثيرٍ؛ إذ إنها قد تتشكل من العديد من الدول التي يجمعها دينٌ واحدٌ أو عرق واحدٌ أو ملة واحدة، ومن هذا المنطلق يتضح لنا أن الأمة مصطلحٌ أشمل وأعظم من الدولة وهو متطلب الجيل القادم.

وختامًا فإنَّ الشعوب إن أرادت أن تحقق الغاية العظمى وهي توحيد الأمة فإنَّ عليها تكثيف الجهود لإيقاظ الوعي الشبابي إلى أنه لا يمكن أن تستمر الحروب التي تُشتت الأمة وتُورثها البغضاء والحقد والتحاسد، بل عليها أن تسعى بخطى حثيثة نحو الوحدة والتكاتف والتعاون ونبذ الشقاق والنفاق والفراق وحب الذات، فالتضحية من أجل بناء أمةٍ عظيمةٍ تقف وقفة رجلٍ واحدٍ يجعل النفس مُطمئنةً آمنةً على نفسها من جميع المكائد والحيل التي تحول بينها وبين النوم في راحة وسلام.

والله دعا إلى الوحدة في قوله: (( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم))، فالنزاع سببٌ للفشل وزوال الأمة ومحو معالمها.  

 

                                                                 

أخبار ذات صلة