المعرفة والعلــم والتعليم

عاطفة المسكرية

تعتبر المعرفة والعلــم والتعليم مفاهيم أساسية في تكوين البشر في أيِّ حضارة، أمة أو مجتمع متقدم. إن الحصول على التعليم يُساعد الناس على التفكير والشعور والتصرف بطريقة تساهم في نجاحهم وتحسين جودة حياتهم. بالإضافة إلى ذلك، يطور التعليم شخصية الإنسان وأفكاره وطرقه في التعامل مع الآخرين وإعداد الناس لتجارب الحياة المختلفة. يشير الباحث والمستعرب الألماني سيباستيان غونتر في مقالته بعنوان "المعرفة والتراث العلمي في الإسلام ما قبل الحديث، إرث فكري ثري في مجال التقاطع بين التعليم والدين" المنشورة في مجلة التفاهم، إلى الكيفية التي تعد فيها مفاهيم المعرفة والعلــم والتعليم ذات أهمية عالية لدى المجتمعات المسلمة. وأشار إلى أن الغرب تدارس أهمية التعليم في الإسلام ووثقت هذه المنشورات الغربية الاهتمام الجاد للعلوم الإسلامية والدينية والثقافية التي لا تقتصر على هذه الجوانب المحدودة فحسب بل تتوسع لتشمل باقي المجالات الدنيوية كذلك. جذبتني إحدى المقابلات في قناة مختصة بالأفلام الوثائقية والتي كان يتمحور الحديث فيها حول نفس السياق الذي تدور حوله المقالة.

ذكر المتحدث فيها أنَّ هناك ميلا من جانب بعض المعاصرين إلى المبالغة في ذكر إنجازات العلوم الإسلامية على الرغم من توثيق التاريخ لذلك. فخلال العصر الذهبي للعلم الإسلامي، الذي انتهى ما بين القرن 11 والـ12 بعد الميلاد، كان العلماء المسلمون متقدمين على معاصريهم في أوروبا المسيحية. لا تزال الدول الإسلامية قادرة على تحقيق تقدم علمي على أن تقوم بترتيب أولوياتها أولاً، ومن المهم الإشارة هنا إلى أولى الخطوات التي يفضل السير عليها وهي الاستثمار المادي الجيد. لقد أثبتت كافة النتائج المرتبطة بهذه الخطوة أن إعطاء مجال ما الأولوية في الميزانية المالية للدولة في أي مجال كان يشجع على زيادة النشاط فيه. وذلك ما تفعله بعض حكومات الدول المسلمة واقعياً، ومن الأمثلة على ذلك ماليزيا ونيجيريا.

تنفق هذه الدول أموالا طائلة في مشاريع جديدة ليصبح لديها مؤسسات بحثية عالمية المستوى. ولكن من المهم معرفة أن المسألة لا تتمحور على الجانب المادي فقط إنما تحتاج إلى جوانب فكرية ومعنوية مكملة منها وجود الوعي والإرادة للإصلاح وضمان حرية الفكر الحقيقية. وذكر نادر فرجاني في تقرير التنمية العربية لحقوق الإنسان في بدايات الألفية أنه لا بد للحكومات بالتعاون مع مجتمعاتها أن تقوم بتقويم المؤسسات العلمية بما يتناسب مع المعايير العالمية العلمية، واحترام حرية التعبير وإلزام التعليم للجميع بموجب القانون في مراحله الأساسية على الأقل.

 نعود إلى الأفكار المحورية التي طرحها الباحث غونتر في مقالته. ذكر معظم التوكيدات التي تشير إلى أهمية العلم في السياق الإسلامي التاريخي. (اطلبوا العلم ولو في الصين) فتتخطى بذلك أهمية العلم المعرقلات الثقافية، اللغوية أو حتى الجغرافية. ويتخطى كذلك الفروق الجندرية بشكل ما على الرغم من أنها لا زالت حاضرة في بعض المجالات الحياتية حتى في عصرنا الحالي. في تلك الفترة كان التعليم المدرسي يقتصر على الذكور بينما كانت الفتيات يتلقين التعليم في بيوت الأسرة، مسلطين الضوء على التعليم الاجتماعي والمهن المنزلية في الغالب. وكان التعليم العالي في الغالب يتلقاه الطلبة في المساجد أو بيوت العلماء.

في تلك الأزمنة كان التدريس شفهياً والاتصال بين المعلم والطالب أكثر ما يضمن صحة نقل المعلومة، وغالباً ما جرت المناقشات الأدبية والمناقشات العلمية في البلاط العباسي وفي منازل الأغنياء كذلك؛ ففي عهد الخليفة المأمون تطــورت العديد من صالونات الأدب. وكانت علوم القرآن والأحاديث حاضرة بقوة مع كل تطور أو توجه نحو مجال علمي ما. وتعد نصوص الأحاديث ثاني مصدر للفقه بعد القرآن الكريم. أما بالنسبة لباقي العلوم، فتشهد المعلومات المتعلقة بالمدن والبلدان في الشعر العربي والأعمال العربية المبكرة عن الفتوحات الإسلامية على إلمام العرب والمسلمين الأوائل بالمعايير الأولية لجغرافيا البلاد. هذا وبجانب حقيقة أن العرب كانت لديهم معرفة طبية قبل العصور الإسلامية والمبكرة كذلك، وما أدل على ذلك أكثر من وجود أسماء الأطباء العرب في القصائد والأمثال العربية القديمة. كان الأطباء قد حققوا إنجازات رائدة في القرن العاشر والحادي عشر في مجال طب العيون والجراحة والصيدلة، وأثر ذلك على المعرفة الطبية في أوروبا عبر الترجمة.

في هذا السياق بإمكاننا المقارنة بين فترات الازدهار العلمي الإسلامية وبين عصور الظلام في أوروبا من باب التطوير لا أكثر؛ فبطبيعة الحال لكل حضارة أو أمة فترة ازدهار وأفول، والنظرية الخلدونية تنطبق على هذين الطرفين كذلك. لا يعني ذلك أن لا نعطي العلماء والشخصيات التاريخية المسلمة التي أضافت شيئاً يذكر للبشرية حقهم، مع مُراعاة أهمية ترسيخ هذه الأمجاد في أذهان الأجيال الناشئة كذلك. إن المعرفة والعلــم والتعليم مفاهيم أساسية في تكوين أي حضارة، ولم يكن الدين في أي حال من الأحوال منافياً للعلم. لن يدرك معنى هذا الأمر بعمق إلا من غاص عميقاً في الدين بعيدا عن التأويلات والتفسيرات المتطرفة، ومن غاص في العلم كذلك. أحياناً يقال بأنه (من المحتمل أن تصبح ملحداً عندما تشرب من كأس العلم ولكن ثق تماماً بأنك ستجد الله ينتظرك في آخر الكأس) حيث تتلامس وتلتقي هذه العلوم مع الدين في العمق بعيدا عن التفاصيل الدقيقة على الرغم من أن المقارنة هنا غير منطقية وعادلة؛ فالعلوم القائمة على الملموس والموجود لا يُمكن تشبيهها بالدين الذي يخاطب الجوانب الروحانية والمعنوية في البشر. ومع ذلك نكرر أنهما لا يتعارضان في الأصل كمبادئ وأفكار. يشير الباحث سيباستيان غونتر في مقالته إلى هذه الفكرة مدعماً إياها بالكثير من الأدلة عبر التاريخ مسلطاً الضوء على الإرث الفكري التاريخي الثري.

 

أخبار ذات صلة