عُمان ومبادرة الحزام والطريق الصينيّة

نادية اللمكية

يناقش الباحث والأكاديمي الإسرائيلي المتخصص في العلاقات الخارجيّة والإستراتيجيّة الصينيّة مردخاي شزيزا في مقالته "الدور المحوري لمشاركة عُمان في مبادرة الحزام والطريق" المنشورة في عدد الربع الأول للعام 2019 من مجلة " Contemporary Review of the Middle East " الدور الذي يمكن أن تؤديه السلطنة في دعم وإنجاح المشروع الصيني الكبير (الحزام والطريق) في المحيط الهندي ومنطقة الشرق الأوسط، والمقالة ترتكز على فكرة كون السلطنة تمتلك علاقة تاريخيّة ودبلوماسيّة واقتصاديّة مع الصين ذات أبعاد خاصة تمهّد لنجاح المبادرة الصينيّة في المنطقة، فضلاً عن وجود مقوماتٍ أخرى تجعلها مؤهلةً لتكون الداعم الاستراتيجي للمبادرة في منطقة المحيط الهندي.

عن مبادرة الحزام والطريق:

تُعد مبادرة الحزام والطريق أهم الأنشطة الدبلوماسيّة والاقتصاديّة للحكومة الصينيّة في القرن الحادي والعشرين، أطلقت المبادرة في العام 2013 وهي تقوم على فكرة إحياء طريق الحرير القديم وربط الصين بدول العالم من خلال شبكةٍ واسعة من خطوط السكك الحديديّة وأنابيب الطاقة والطرق السريعة والموانئ البحريّة والمطارات وذلك من خلال تشجيع الاستثمار الصيني في مشاريع البنى الأساسية، وربط سلاسل التوريد والتجارة بين الصين ودول العالم. تتكون المبادرة من قسمين: الحزام، ويمثل (طريق الحرير الاقتصادي) الذي يمتد من بكين مرورًا بآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا، والطريق، ويمثل (طريق الحرير البحري) وهو يمتد عبر طرق التجارة البحريّة الرئيسة لجنوب وشرق آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتغطي دول الحزام والطريق ثلثي سكان العالم فضلاً عن كونها تمثل 40% من إجمالي الناتج القومي العالمي، وقد وقعت على اتفاقية المبادرة هذه 126 دولة و29 منظمة دوليّة، من بينها سلطنة عُمان ودول مجلس التعاون الخليجي.

 

تاريخ العلاقات العُمانيّة الصينيّة:

بحسب الباحث، قامت العلاقات بين عُمان والصين في الأساس على العامل الاقتصادي، وقد اعتمدت في الحقب التاريخيّة القديمة على التجارة البحريّة المباشرة للسلع والمنتجات، ثم مهدت التجارة المتبادلة بين البلدين لبناء علاقات دبلوماسيّة رسميّة بدأت العام 1978م وبُنيت على مبادئ الاحترام المتبادل في مختلف الجوانب، وقد عزز هذه العلاقات بدأ تصدير النفط من عُمان للصين خصوصًا مع كون السلطنة أوَّل دولة عربيّة تبدأ برنامج تصدير النفط إلى الصين، يليه تصدير الغاز الطبيعي في تسعينيات القرن الماضي، حتى أصبح التعاون في مجال الطاقة المحور الأساس للعلاقة بين البلدين، ثم مع تطور العلاقات أصبح دعم المصالح المشتركة وتعزيز الاهتمامات الجوهريّة والحفاظ على آليات تبادلٍ استراتيجي رفيع المستوى الصورة التي تشكل منهج العلاقة بين البلدين.

 

الداعم الاستراتيجي الأنسب

يرى الباحث أنّ مشاركة السلطنة في مبادرة الحزام والطريق تأخذ خصوصيّة مختلفة في منطقة الخليج العربي؛ إذ أنَّ السلطنة –بحسب ما أشار- تجمعها مع الصين علاقاتٍ ذات أبعادٍ أعمق وأكثر اتساعًا، كما يُؤكد الباحث في ضوء ذلك العوائد الإيجابيّة المتوقعة على الاقتصاد العماني مع بدأ الاستثمارات الصينيّة في السلطنة، التي منها دعم برنامج التنويع الاقتصادي خصوصًا مع انخفاض أسعار النفط، وتوفير وظائف متنوعة للشباب العُماني بما يساهم في خفض نسبة الباحثين عن عمل، وتنشيط الحركة الاقتصاديّة بما يُحقق أهداف التنمية، وعلى الجانب الآخر فإنّ استفادة الصين تتجاوز مرحلة الموافقة على بدء استثماراتها في السلطنة، فما الذي يميز السلطنة لتؤدي دورًا أشبه بالداعم الاستراتيجي للمبادرة في المنطقة؟

الموقع الاستراتيجي

الموقع الجغرافي المميز للسلطنة بقربها من أهم ممرات الطاقة في العالم وإطلالها على بحر العرب والمحيط الهندي ومضيق هرمز، ووقوعها على طرق الشحن الرئيسة، وبُعدها مسافة أسبوعين فقط من أهم الموانئ المحوريّة في العالم سيعزز قدرة الصين على تأمين حضورها الجيوسياسي في المنطقة من جانب، وسيفتح المجال أمام الشركات الصينيّة للوصول إلى أسواق المنطقة من جانبٍ آخر؛ ففي العام 2016 أصبحت الصين أكبر مستثمر أجنبي في منطقة الشرق الأوسط، وهي تخطط -ضمن مبادرة الحزام والطريق- لبناء مجمعاتٍ صناعيةٍ ومناطق اقتصاديةٍ خاصة على طول طريق الحرير البحري، ويُعدّ ميناء الدقم أحد أهم الأهداف الطموحة لبكين نظرًا لموقعه على خطوط التجارة بين آسيا وأفريقيا، والصين تسعى إلى تحويله لعصب التجارة والتصنيع الصيني العُماني العالمي، تُؤكد ذلك الاتفاقيات التي وقعتها السلطنة مع عددٍ من الشركات الصينيّة لتطوير مجمع صيني في الدقم وبناء مشاريع صينيّة أخرى بالميناء (35 مشروعًا في الصناعة الصينيّة العُمانيّة، و12 مشروعًا في الصناعات الثقيلة)، كما تعمل الصين على تعزيز حضورها في المنطقة الحرة بصحار وميناء صحار- أحد أعمق موانئ العالم-.

 

البنية الأساسيّة

تمتلك السلطة بنية أساسيّة بمواصفاتٍ عالميّة، بدءًا من شبكة الطرق البريّة ذات التصنيف العالمي، مرورًا بسلسلة الموانئ العميقة، ووصولاً إلى المطارات الخمسة الحاصلة على جوائز عالميّة، وتعدّ البنية الأساسيّة الجيّدة أحد العوامل التي تعتمد عليها كبرى الشركات في ممارسة أنشطتها اليوميّة ذات البعد اللوجستي، ويرى الكاتب أنّ الصين تنظر إلى عامل البنية الأساسية بوصفه عاملاً مسهلاً لربط أنشطتها في السلطنة ودول المنطقة باقتصادات جنوب شرق آسيا والعالم على وجه العموم، وهو ما يحقق لها التكامل في برنامجها الاقتصادي التوسعي.

 

موارد الطاقة

تمتلك عُمان موارد هيدروكربونيّة ذات مخزونٍ جيّد، تؤكد ذلك احتياطاتها من النفط والغاز، كما أنّ السلطنة تعدّ أكبر منتجٍ للنفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط خارج دول منظمة الأوبك، وتمثل الصين السوق التصديرية الأكبر للنفط، كما أنّها ثالث أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال من السلطنة، واتفاق هذين العاملين (وجود المورد وإتاحة الاستفادة منه) جعل عُمان هدفًا رئيسًا للصين في مبادرة الحزام على الطريق، خصوصًا مع وجود مؤشراتٍ تُشير إلى أنّ الصين ستستهلك ربع صادرات النفط في المنطقة بحسب تقرير وكالة الطاقة الذرية، وامتلاك عُمان للموار الهيدروكربونيّة وموقعها القريب من أسواق الطاقة يظلان العاملين الأكثر جذبًا للصين.

الاستقرار

يرى الكاتب أنَّ السلطنة تمتلك ميزةً أخرى تميزها عن دول المنطقة هي تبنيها الشكل الأكثر اعتدالا للإسلام (المنهج الإباضي) والأكثر قبولاً للتعددية المذهبية، وهو ما جنبها الاضطرابات الطائفيّة والإرهاب المتطرف والتحولات غير المستقرة الناتجة عن أية ثورات، الأمر الذي يجعلها خيارًا آمنًا لبدء الاستثمارات ومُمارسة الأعمال، فضلاً عن ذلك فالسلطنة ملتزمةٌ بأهداف الأمن القومي التي أقرها المجتمع الدولي وتتضمن مكافحة الإرهاب وزيادة التنويع الاقتصادي وتعزيز فرص التنمية إضافةً إلى دعمها وقف المساعي الإيرانيّة لامتلاك أسلحةٍ نووية.

يتضح مما سبق أنّ عُمان بما تمتلكه من مقوماتٍ وما تحوزه من علاقاتٍ وطيدة مع الصين يمكن أن تؤدي دور الداعم الاستراتيجي لمبادرة الحزام والطريق في المنطقة، كما سيمثل تنامي الاستثمارات الصينيّة في السلطنة من جانبٍ آخر فرصةً لنمو المشاريع الصناعيّة في المناطق الصناعيّة والاقتصاديّ والحرة، وتشغيل الكوادر الوطنيّة، وتعزيز حركة التجارة البحريّة، فضلاً عن تحسين الميزان التجاري وتعزيز التنويع الاقتصادي.

 

 

أخبار ذات صلة