دولوز بين الفلسفة والإبداع

رقية الكندية

يعدُّ جيل دولوز -كما جاء في مقال "الفلسفة بين التاريخ والإبداع" المنشور في مجلة "التفاهم" لمحمد نور الدين أفاية- من أحد أشهر الفلاسفة الذين تعمقوا في نحت ونقد كتابات الفلاسفة الآخرين كديفيد هيوم، وكانط، وسيبونزا والفيلسوف الروحاني برغسون؛ فهو يرى أن مواضيع بعضها تكمُن خارج إطار النزعات المهيمنة آنئذ، وتحد من قضايا الوجود، والحرية، والإنسان.

ولاحظ لغويا أن هناك حدودا تسيطر على كتاباتهم سواء كانت من الناحية الإبداعية، أو من الناحية المفاهيمية، وفي الآن نفسه اعتمد على بعض المفاهيم اللغوية، واتخذها نهجا في كتاباته؛ فقام بنشر مؤلفات عديدة بطريقته الخاصة حول كل من الفلاسفة الذين قام بمقابلتهم شخصيا، أو قرأ مؤلفاتهم، فعلى سبيل المثال وجد استمرارية ديفيد هيوم في وصف الذات على هيئة انطباعات وصور، ولاحظ تشابهها مع الجانب الأفلاطوني في التركيز على الذات. ولكن، كيف كان نقده ومقارنته بين برغسون ونيتشه وكانط؟ وما علاقة النزعة الجمالية في فلسفته؟ وكيف يربط الإبداع في مفاهيمه وأفكاره الفلسفية؟

واتفق دولوز في كتابه "مفهوم الاختلاف عند برغسون" مع قوة الأفكار الكامنة لدى برغسون -حول التعدد، والافتراضي- والسبب في ذلك يعود لتشكيل برغسون مفهومه الخاص حول التعدد فيعرفه بالاختلاف في الطبيعة مع الزمن المتكون من لحظات راهنة ومتفاوتة ومختلفة، أما فيما يتعلق بالافتراضي فقارنه برغسون مع الواقعي، والراهن، ووصفه بأنه متفرد عن كليهما كونه يحوز واقعا خاصا فيه مليئا بالأبعاد المختلفة. ولا ننسى تعلق دولوز بالمفاهيم اللغوية البرغسونية -حول الديمومة، والذاكرة، والنزوع الحيوي، والحدس- فيشكل الأخير أهمية كبيرة في طرح، وخلق المشكلات الحقيقية، وإيجاد حلول لها بلغة الديمومة. يبدو أن مؤلفات برغسون شكلت قواعد أساسية يبني عليها دولوز مؤلفاته، وكيف لا وهي تتماشى مع فكره الإبداعي المتجدد!. أما فيما يتعلق بكتابات نيتشه، فقد توصل دولوز إلى أنها ذات أفق نقدي أكثر راديكالية من النقدية الكانطية؛ وعلل ذلك في كتابه "الاختلاف والتكرار" أن الفكر الكانطي يتشكل نتيجة التوافق والتشارك بين الملكات في معالجة المعطيات الحسية والعقلية...إلخ، والتي بدورها تشكل الموضوع وكذا الحال عند ديكارت، واعتمد دولوز على هذا البعد الثوري في المفاهيم أكثر من التذوق الجمالي الكانطي في الفلسفة؛ مما يجعل كانط منافسا لدودا لدولوز رغم معارضة نيتشه لذلك كما جاء في كتاب "نيتشه والفلسفة".

أما من ناحية النزعة الجمالية في كتابات دولوز، فإن تداخل كتبه مع نصوص، وأفكار، ومفاهيم الفلاسفة الآخرين لن يمنعه من التعبير وفق طريقته الإبداعية الخاصة سواء كانت في المفاهيم المختلفة، أو الأفكار المتجددة، فقد كان حرا في فلسفته، بعيدا عن حدود الفلسفة الكلاسيكية، مرتبطا بالتذوق الجمالي الفلسفي ارتباطا وثيقا؛ لا سيما أنه يفسر التفلسف على أنه ينتج من التعمق في الأفكار وتشكيلها بطريقة حيوية خارجة عن نطاق المألوف، ويفسره أيضا بأنه نقد وفعل نشط في الوقت نفسه، وأما بالنسبة للمفهوم، فإنه يضخه في كتاباته بشكل مثالي متجدد لكتابة الأحداث بطريقة واسعة وبأسلوب لغوي متميز مبني على الإحساس، والإدراك، ومملوء بالعلامات والمواد والصور؛ لضمان استمرارية الموضوع، ومنحه قوة وصلابة. وينظر دولوز إلى الإبداع على أنه متنوع نشط، وإنتاج واقعي أحيانا، وافتراضي مبني على الواقع أحيانا أخرى سواء أكان من الناحية العلمية، أو الفنية، أو الفلسفية. ويبرهن ذلك من خلال تقييمه للحقيقة على أنها نتاج عنف داخل الأفكار، وكذلك من خلال تحريره للحياة مما هي مسجونة فيه بالتعبير عنها وفق معايير الجسد، والزمن، والحركة، والصورة، وغيرها.

وبذلك، فإنَّه يجعل من الفلسفة مسرحا مكونا من أحداث متواصلة وشخوص مفهومية مترابطة مع الفنون -كالرسم، والصورة- التي شغلت جانبا كبيرا في كتاباته الفلسفية؛ كونها تجعل من الإبداع ملموسا، وتوسع نطاق التفكير في الفلسفة بطريقة مبسطة وتحررها من القيود المختلفة، والانكباب على فكر التفكير. وتمحورت كتب دولوز حول مجالات ومواضيع مختلفة ومثال ذلك: "النقد والعيادة"، و"بروست العلامات"، و"تقديم ساخر مازوخ" حول الأدب، وكتاباه "الصورة والحركة"، و"الصورة والزمن" حول السينما، وأخيرا كتابه "فرنسيس بيكون: منطق الإحساس" في الرسم. وتناقضا مع ذلك، فإن البعض يحبذ المفاهيم البسيطة والمألوفة في الكتابات الفلسفية التي توحي أحيانا بضيق فكر الفيلسوف.

نجد أنَّ تداخل الكتابات الفلسفية مع التذوق الجمالي، والإبداع المفاهيمي يضفي طابعا رائعا مميزا، وتشكيلة مميزة من الجمل اللافتة لانتباه القارئ بدون أن يشعر بكلل أو ملل!، بل وإنها تجعل من الفيلسوف كاتبا مبدعا كبيرا، يستحق تسميته ب"طبيب الحضارات" أو أولئك الذين يقومون بتشخيص أمراضها كما وصف دولوز نفسه، أو "مشخصا للحضارات" كما ذكر نيتشه.

ويصفُ دولوز التفكير بأنه عملية قبض تسمح بالتحول من منطق المعنى إلى نظرية التعدد، وذلك من خلال التركيز على القوة الكامنة في ثنايا النصوص والخطوط والألوان، كما يصفه بأنه مولد للفوارق وخالق للتعدد كما قام بذلك برغسون ونيتشه ولكن بتحيزهما حول اللاهوتية (المسيحية) للفرد. وتكمن قوة الفيلسوف في نظر دولوز في قدرته على الموازنة بين طرح الأفكار والمفاهيم اللغوية بطريقة حديثة وإبداعية، وإدخال الجماليات الفنية في أفكاره الرئيسية والثانوية، ومما لا شك فيه، فإن الفلسفة عند دولوز تتشكل من ثلاثة مقومات أساسية مترابطة فيما بينها، ومكملة لبعضها وهي المحايثة -والتي تتضمن الشخوص المفهومية- والفن -والذي يتمثل في المركبات الحسية والمالية- والعلم -الذي ينتج من المعرفة.

وأخيرا.. فإنَّ الفلسفة -بما تشمله من أفكار كامنة وثانوية، ومفاهيم جديدة ومبتكرة، وتذوق جمالي- تعد جانبا مهما، وتخصصا ملفتا للقارئ، خصوصا إذا ما تم الإبحار في مصطلحات كتاباتها على يد كتاب مبدعين وناجحين كدولوز.