طبيعة العلاقة بين الإتيقيا والسياسة في الفلسفة اليونانية

قيس الجهضمي

يتناول الكاتب معز مديوني في مقالته التي بعنوان "الإتيقي والسياسي في الفلسفة اليونانية" والمنشورة في مجلة التفاهم، علاقة الإتيقيا بالسياسة وكيفية تأثير كل واحد منهما على الآخر في نمط الحياة داخل المدينة، ومدى حضور الإتيقيا وبأي معنى داخل المدينة وفعلها السياسي بما يُحقق السعادة والرخاء من خلال منظور الفلاسفة كما كان في المرحلة اليونانية.

يرى الكاتب أن الانتقال من الإيثوس إلى مرحلة الأخلاق هو الذي جعل من علاقة الإتيقيا والسياسة تواجه عدة مشاكل نظرية وعملية، فالإيثوس يعبر عن الملامح المشتركة لمجموعة من الناس تأسست بمقتضى العادة، والمدينة اليونانية تعبر عن مجموعة من المواطنين تربطهم هذه الملامح المشتركة في ذاكرتهم الجماعية وهو على عكس ما وجد لدى المدينة اللاتينية التي ذهبت إلى أن ما يربط بين المواطنين هي الضوابط القانونية للسلوك، ومن خلال ما تعنيه الأعراف والعادات لدى كل من المدينتين اليونانية واللاتينية جعل التمييز صعباً بين الإتيقيا والأخلاق فهما يشتركان في هذا المعنى كونهما محددين للعلاقة، لذا فالإتيقيا لم تنفصل عن السياسة ولم يكن مشكل الفلسفة اليونانية التسليم بالوصل بينهما ولكن كيف ينبغي أن يتم هذا الاتصال بينهما بأي صيغة، وأن الإتيقيا هي التي تهتم بالمواطن الفرد وتهتم السياسة بالمدينة ومؤسساتها. لذا يرى الكاتب أن محاكمة سقراط من جنس المحاكمات العمومية "محاكمة المدينة للفيلسوف"؛ لأن التهم الموجهة إليه لم تكن في الإطار الإتيقي وحسب ولكن شملت الإطار السياسي وهي "إنكار الآلهة اليونانية، الدعوة إلى آلهة جديدة، إفساد الشباب"، فالتهم هي إتيقية من حيث إنها تتعلق بسردية الجماعة وبتربية الشباب، وهي سياسية من حيث تصبح مُهددة لذاكرة المدينة والشِركة القائمة بين المواطنين.

يذكر الكاتب أنَّ غاية مقاله هي فهم العلاقة بين الإتيقي والسياسي في الفلسفة اليونانية من خلال أرسطو وأفلاطون، فيرى أن الفعل السياسي قبل سقراط كان يعزى للأساس الذي وضعه هوميروس في صورة "البطل" ثم تغير ليكون "الخطاب" وهو ما أنتجته السفسطائية في المشهد السياسي، فصار التعبير عن الفعل السياسي لدى المواطنين إما عن العظمة أو القدرة على الإقناع، وحين حاول الفيلسوف إيجاد الأساس العقلي للفعل السياسي وحاول التفكير في العدالة والفضيلة قام بوضع نفسه في اشتباك مع المدينة، وترى حنة أرنت أن سقراط دخل مجال السياسة عندما اشترط على مواطني المدينة لتحسين وضعهم أن يمارسوا التفلسف، وهو في هذا الموضوع يتحرك في الإطار الإتيقي ولا يريد الدخول في المجال السياسي؛ لأن حديثه يتعلق بعلاقة المرء مع نفسه ووصوله للتناغم الداخلي بعيداً عن صورة البطل والخطيب، لذا فالإتيقيا تتعلق بالداخل وبتعيين منظومة الفضائل لتحويل الفرد إلى إنسان فاضل ولا علاقة لها بالقوانين المفروضة داخل نظام المدينة.

ولاستبيان علاقة الإتيقي بالسياسي يأخذ الكاتب حادثة محاكمة سقراط الفيلسوف والتهم الموجهة إليه من خلال المدينة، ففي محاورة أوثيفرون يضع أفلاطون أساسا ميتافيزيقيا للورع على أنه يتحدد في ذاته ولا دخل لنظر الآلهة فيه، وجعل هذا الأساس معياره في التفكير في بقية الفضائل، وفي العدالة يرى أفلاطون أنها المقوم الأساسي للعيش بين المواطنين، ويرى أن محاكمة سقراط غير عادلة لأنها أخذت تصور الورع دون الأساس العقلي فيه، "والمقصود بالورع هنا هو طبيعة العلاقة التي تربط سقراط بالإطار الميثي لمواطني المدينة الأثينية، وهذا الإطار السردي هو ما يمثل أساس الحياة الإتيقية داخل المدينة"، وبهذا المعنى خلال المحاكمة افتقد ما يربطه بمواطني المدينة فبالتالي أصبح يشكل خطرا عليهم، لكن أفلاطون حوّل مسألة الورع إلى مسألة فلسفية وبهذا الإجراء "يسند له صيغة الكينونة في ذاتها، فالآلهة تحب الورع لأنه بالفعل كذلك في كينونته الخاصة". وبهذا يقوم أفلاطون بالفصل "بين سردية الجماعة السياسية (ذاكرة المدينة) وبين الإطار المفهومي الفلسفي (ذاكرة الفيلسوف)"، فلا يعتبر الإنسان فاضلا لاحتفاظه بذاكرة المدينة ولكن بمفعول الفضيلة بصورتها العقلية، و"وحده الفيلسوف من يكون مؤهلا للتربية والحكم"، وبما أن السياسيين لا يعرفون ما هو خير للمدينة افترضوا أن الفيلسوف غير نافع كسقراط،  وبهذا صار مفهوم المدن الفاضلة هي التي يقوم فيها الشأن السياسي على أساس عقلي.

يرى الكاتب أن أفلاطون حينما استند لمثال الخير كانت غايته تشريع حكم الفلاسفة؛ فالفيلسوف هو القادر على تمكين المدينة من حياة سياسية عادلة، لكنه بهذا التصور جعله غير قابل للتحقق إلا بصنع مسافة نظرية فعلية بين الفيلسوف والمدينة حيث يمتلك الحقيقة الفيلسوف وحده، وبهذا الأمر فصل بين النظر وبين الفعل فصار مجال الفيلسوف علميا بحتا، وهذا الأمر على غرار ما طرحه سقراط حيث أنه كان يتحرك في الفضاء العام، فسقراط لم يكن هدفه من التفلسف مواجهة المدينة بالعقل من خلال العدالة والفضيلة ولكنه أراد من المواطنين تحسين الحياة السياسية عن طريق التوليد العقلي، وهذا الأمر فيه توكيد على الحياة السياسية كوعد إيتقي داخل المدينة لكنه يطالب بـ"أن يصبح التفكير في النفس منطلقا للتفكير في المدينة والطبيعة"، فتكون الإتيقيا أساسا للحياة السياسية والتي يكون فيها المواطنون متساوين فيها وهم أصدقاء، "فمن يخفق في اختبار الصداقة مع نفسه لا يستطيع أن يكون صديقاً للآخرين".

وفي موضوع الصداقة يرى أرسطو أن البحث في الصداقة أهم من البحث في العدالة؛ لأن "أسبقية الصداقة على العدالة هي التي تجعل من الحياة السياسية وعدا إتيقيا"، فالصداقة تعد بالمساواة بين الأفراد ويقصد هنا المساواة السياسية غير الاقتصادية، و"يبدو أن سقراط اعتقد في أن الوظيفة السياسية للفيلسوف تمثلت في المساعدة على إقامة هذا النوع من العالم المشترك القائم على فهم الصداقة التي لا يحتاج فيها إلى تسلط"، ويمزج أرسطو بين الصداقة والحب حيث يجعل كلا منهما سندا للآخر، فالحب هو الذي يجعل الصداقة تستمر ولكي يتحققا على نحو أفضل لابد أن يكونا في أفق المدينة.

يرى الكاتب في نهاية المقال أن العلاقة بين الإيتيقي والسياسي لا تكون عبر قوانين منظمة للسلوك ولكن على صيغ تدبر شؤون البشر محكومة بالناحية العلمية، وأن الفرق بين أفلاطون وأرسطو لم يكن فيها الإقرار بصلة الإتيقي بالسياسي ولكن في طبيعة هذه الصلة والكيفية التي تصور كلا منهما مفهوم الخير في كلا الجانبين النظري والعملي. ومن وجهة نظري، حصول هذا التمييز ومعرفة كيف ينفعل الإتيقي بالسياسي كونهما لا ينفصلان داخل المدينة هو ما سيحدد الضوابط والقوانين التي تمنح أفراد ذلك المجتمع السعادة من خلال الاشتغال الفعَّال علميا وعمليا على القيم والفضائل والمفاهيم المرتبطة بالإتيقيا في الداخل.