فلسفة الإصلاح الإنساني عند الإغريق

هنية الصبحية

يتناول الفيلسوف والباحث المصري المعاصر بجامعة القاهرة مصطفى النشار، في مقاله المنشور في "مجلة التفاهم": "الرؤى الإغريقية للصلاح الإنساني"، ويسلط الضوء على مجموعة من الرؤى الإصلاحية الفلسفية والتاريخية المتسلسلة، والمتمثلة في الرؤى الإصلاحية للفلاسفة هيراقليطيس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون وأرسطو.

ويعدُّ هيراقليطيس من أهم الفلاسفة الطبيعيين في القرن السادس قبل الميلاد، وأول من اهتم بالإنسان وأخلاقه، وقد ميَّز بين نفس الإنسان وجسده، كما أوجد نوعين من النفوس وسماهما النفس الرطبة التي تُعنى بالأفراد الغارقين في الشراب، والنفس الجافة التي تُعنى بالأفراد الزاهدين في المطالب الجسدية. وقد فضلها عن النفس الرطبة باعتبارها الأحكم. وقد نقد هيراقليطس سلوكيات الإغريق الشهوانية المشبعة بالأسطورة والخرافة، وطالب بإصلاح سلوكيات قومه ومجتمعه نحو الحكمة والزهد والأخلاق الفضيلة؛ حيث كان شديد الوضوح والواقعية بينهم، وقد رهن مصير الإنسان بأخلاقه.

أما الفيلسوف فيثاغورس، فرأى أن الفضيلة هي الطريق الأمثل لطهارة النفس وتوجهها نحو الإله، إذ يُشكل ذلك أساس فلسفتهم، ومن يبحث عن مصدر آخر للخير غير الإله يطلق عليه أحمق؛ وبذلك شكلت العقيدة الفيثاغورثية تعاليم أخلاقية راقية، فأوجدت طريقين للصلاح الإنساني؛ هما: الإيمان بالوجود الإلهي الأسمى، والاعتقاد بأنَّ حياة الفضيلة هي التي توافق الإرادة الإلهية. وهذا ما جعلهم يؤمنون بالأصل الإلهي للنفس الإنسانية، وجعلهم يشعرون بأنهم غُرباء عن العالم المادي. أما بالنسبة للطهارة عندهم، فتُعنى بالعلم الرياضي والموسيقى، مُؤكدين أن النظر العقلي والعلمي أعظم تصفية وتطهير للنفس الإنسانية. وعبد الفيثاغورثيون الإله أبولو وهو إله الحكمة والعقل بدلا من الإله ديونيسيوس وهو إله الخمر والنشوة.

وفي الجانب الآخر، ركَّز سقراط على الفرد ككل؛ حيث ركز على ماهية العقل، وأنه لا يمكن للفرد أن يصل إلى اليقين إلا بإعمال العقل. ويشير الباحث إلى أنَّ ظهور الفكر السقراطي أثار ردة فعل سوفسطائية، بحيث أثارت جدلا واسعا عند الإغريق، تحديدا في انتصاراتهم وفكرة الحرية الفردية المطلقة في اختيار الفعل والمسؤولية عنه، سواء في عالم الأخلاق أم السياسة، مؤكدا أن هذه الأفكار التنويرية سند قوي للديمقراطية الإغريقية، إلا أنها مثلت زعزعة قوية للأعراف والتقاليد الإغريقية القديمة حسب ما يرى الفكر السقراطي؛ لذلك سعى لمواجهة تلك الأفكار المتطرفة، التي نتج عنها الفردانية النفعية والسياسة الفوضوية.

ويُشير النشار إلى أن سقراط قد ضمن رؤيته الإصلاحية تحت شعار "اعرف نفسك"، حيث تعتبر الانطلاقة الأولى لتركيز سقراط على الإنسان وقضاياه، وقد ميز طبيعة النفس وقدرتها على التفوق عن الجسد باعتبارها الجزء الإلهي المقدس عند الإنسان، وهو ما حفز بعض العلماء لتلقيبه بمبتكر مفهومي الروح والنفس، أما الحقيقة الثانية فتتمثل في جوهر النفس الإنسانية المتمثلة في العقل، وأنه يجب على الإنسان أن يتصرف وفق طبيعته العاقلة، كما ركز على الفضيلة باعتبارها المعيار الذي يمكن أن نقيس عليه أي سلوك ينتمي إليه، وربط العلم بسلوك الفضيلة. ويؤكد الباحث أن رؤية سقراط جاءت موحدة بين العلم والفضيلة، إذ أن حياته كانت تطبيقا لرؤيته، محترما فيها القانون من خلال الحوارات التي تركها؛ لذلك كان سقراط يؤمن بما يفعل، ويفعل ما يؤمن به، فقد توافق لديه الاعتقاد مع السلوك، والقول مع الفعل.

وأوضح الباحث أن أفلاطون قد استوحى رؤيته من معلمه سقراط، وقد وضع رؤيته المثالية القابلة للحقيقة والوجود في نظريته  نظرية المُثُل التي تركز على حقائق الأشياء وجوهر الوجود بحيث يوجد عالم مواز للعالم المادي المحسوس وأنه عالم المُثُل الحقيقي، وأن كل ما في هذا الوجود المحسوس موجود كفكرة، ومن ثم يتم تمييزه بين عالمنا المادي وبين عالم الأفكار، إذن فعالم المُثل يمثل الأصل والحقيقة لكل ما هو موجود على الأرض من أشياء مادية أو معنوية كالأفكار والأخلاق والفضائل، وكل تلك الحقائق تبقى ثابتة وخالدة في العالم. كما دعا أفلاطون إلى نظرية جديدة في المعرفة أساسها إدراك الحقيقة لا يكون إلا حدسا عقليا لهذه المُثُل، بعد رحلة طويلة في العالم المحسوس المليء بالظنون والأوهام إلى عالم الحقيقة الثابتة، وتميزت بأربع مراحل تمثلت في الوهم والظن الذي يهتم بإدراك الأشياء المادية في العالم المحسسوس والاعتقاد الرياضي الذي يهتم بمعرفة الأفكار الرياضية والحدوس العقلية التي تتوسط بين عالم المحسوسات والعالم المعقول الذي لا يدرك إلا عبر الحدوس العقلية المباشرة.

وقد ذكر أفلاطون ثلاث قُوى للنفس الإنسانية؛ هي: القوة العاقلة والقوة الغضبية والقوة الشهوانية، وكلها تتصارع داخل جسم الإنسان، فإذا استطاع السيطرة على الشهوة والغضب فإن ذلك الإنسان يستطيع أن يعيش حياة متوازنة. وأوضح أن الدولة المثالية عنده تُماثل قوى النفس، وتعريفه للعدالة في الدولة يقابله تعريف النفس عند الإنسان؛ لذلك يرى أن علينا تكبير الصورة المصغرة للعدالة داخل للنفس لتتحقق العدالة في الدولة، فالدولة المثالية عنده ينبغي أن تقوم على مبدأ تقسيم العمل بين أفرادها الذين يتوزعون على ثلاث طبقات وهي طبقة المنتجين من زُراع وصناع وخلافة وتقابلها القوة الشهوانية في النفس البشرية، وطبقة الجُند وتقابلها القوة الغضبية في النفس، وطبقة الحُكام وتقابلها القوة العاقلة في النفس، وكل طبقة تؤدي وظيفتها على الوجه الأكمل. كما أن حكومة الفلاسفة هي الحكومة المُثلى في الدولة لتحقيق العدالة؛ لأن هؤلاء الحكام لن يكون لهم هدف إلا تحقيق العدالة بين المواطنين في الدولة، لذلك كانت رؤيته الإصلاحية المثالية في مجال السياسة مستمدة من رؤاه  الأخلاقية وفلسفته الميتافيزيقية الإيمانية.

أما بالنسبة لأرسطو، فقد حاول الخروج من مثالية أستاذه، وكشف أن لإدراك الحقيقة طريقين هما طريق الحس وطريق العقل، بالإضافة إلى كشفه منطق الفكر الإنساني؛ حيث وضع أسس المنطق العقلي للتفكير السليم وكشف الصور الزائفة للتفكير الأسطوري والخرافي، وأسهم في إصلاح الفكر وضبط منهج التفكير الاستدلالي بصورتيه الاستنباطية والاستقرائية، واهتم بمجال البحث العلمي في كل اتجاهاته، ويعتبر الأول في عصره من فصل بصورة منطقية بين العلم والفلسفة، حيث كتب أول المؤلفات التخصصية في علم المنطق والطبيعة والفلك وعلوم الحياة وعلم النفس والأخلاق والسياسة، وبذلك يشكل الجانب الإصلاحي والتنويري لرؤيته من خلال تأسيسه لهذه العلوم.

ويؤكد النشار أنَّ أرسطو أول من نجح في تعريف النفس البشرية بأنها تمثل صورة الجسم الذي يحول الحياة الكامنة فيه بالقوة إلى حياة بالفعل، فالنفس تلك القوة التي تجعل من هذا الجسم جسما حيا بالفعل قادرا على الحركة والإحساس والتفكير، كما أوضح أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكننا أن نصفه بالأخلاقية، حيث أن الفضيلة عنده تبدأ من تحكم القوة العاقلة في القوة غير العاقلة داخل النفس الإنسانية باعتبارها الكائن الوحيد الذي يتميز بالعقل ويستطيع التحكم بكل شيء يدور حوله، أما رؤيته السياسية فقد اعتبر الأسرة أساس المجتمع السياسي وبذلك اهتم بدراسة الأسرة وأفرادها وفضائلها وركز على التنشئة الأسرية للأبناء وأهمية تفرغ المرأة لرعاية أسرتها، على عكس أفلاطون الذي ركز على الفرد، كما اهتم بدراسة أنواع الحكومات الصالحة، وأوجد ثلاث سلطات في الدولة تمثلت في التشريعية والتنفيذية والقضائية، واعتبر السلطة التشريعية هي التي تدير الدولة، مؤكدا على ضرورة استقلالية كل سلطة.