فلسفة الوقف في الإسلام

فيصل الحضرمي

الوقفُ عملٌ احتسابي يبتغي به صاحبه الأجر والثواب عند الله. ولما كانت الحسبة عقد النية واحتساب الأجر والثواب عند العمل بالمعروف والانتهاء عن المنكر، كان الوقف داخلاً في نوعها الأول القائم على العمل بالمعروف. وهو إلى ذلك من أرفع الأعمال الحسبية قدراً، كونه يخلو من المصلحة الفردية، ويتبدى فيه فعل الإيثار وطلب المثوبة الخالصة أكثر مما يتبدى في الأعمال الأخرى، كالقضاء وأداء الشهادة مثلاً، اللذين قد يخالطهما شيءٌ من المنفعة الشخصية.

ويستمدُّ الوقف مشروعيته في الإسلام من قوله تعالى: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون". ويتجلَّى في الآية الكريمة شرط البذل مما يحبه المرء ويعز عليه، ومن هنا مشقته على النفس، وصعوبته. والوقف في الإسلام له فلسفةٌ خاصةٌ به، ويجمعه ارتباطٌ شديد الوثوق بمقاصد الشريعة، والسياسة الشرعية، والتنمية، وغيرها، وهو ما تتناوله بقدر من التفصيل مقال رضوان السيد "الوقف: فلسفته وموقعه في مقاصد الشريعة"، والمنشور في مجلة "التفاهم".

وبحسب رضوان السيد، ورد أول ذكر مستقل للمقاصد الشرعية الخمسة: صون الدين والعقل والنفس والعِرض والمال، في كتاب "غياث الأمم في التياث الظلم" لإمام الحرمين الجويني (ت: 478 هـ)، وإن كان الحديث عن دور الحدود الشرعية في حفظ الأنفس والأبدان والأعراض قد عُرف منذ القرن الثالث للهجرة. أما تفصيل مسألة المقاصد وخصها بالتأليف فسيقع على يدي الإمام أبي إسحاق الشاطبي (ت: 790 هـ) في كتابه "الموافقات". وفيه تندرج الأوقاف ضمن المصالح الخمس الضرورية للمسلمين، والتي جاءت الشرائع لحمايتها وصونها.

ويعزو كاتب المقال مسألة تأخر ربط الوقف والأعمال الحسبية عموماً بالمقاصد الشرعية، إلى ما كان سائداً في القرنين الثاني والثالث للهجرة من ارتباطٍ شديدٍ بين أصول الدين وأصول الفقه، بحيث أُدرج بعض مباحث الأخيرة ضمن العقائديات والتعبديات، وهو ما لم ينطبق على الوقف، كونه يحوي جانباً اختيارياً بيناً لا يمكن استيعابه ضمن بحوث التأصيل. كما ويعزوه إلى حقيقة أنه حين ذُكرت المصالح باعتبارها مضامين لمقاصد الشريعة، تم وصفها بالضرورية والقطعية، وهو ما لا يصح في أمر الوقف، الذي كانت الدعوة إليه عبر الحث والترغيب، لا عبر الأمر والترهيب. وهنا يتضح الاختلاف بين الوقف والزكاة، على سبيل المثال، إذ أن الزكاة من الضرورات التي لم يُترك أمر أدائها لرغبة المرء واختياره.

وقد أشار الشاطبي في "الموافقات" إلى ما بين المقاصد والمصالح من ترابط، وعنده تنقسم المصالح إلى ضرورياتٍ وحاجيات وتحسينيات. وبالنسبة للوقف، فإن بعض أنواعه يُعتبر من الحاجيات، وبعضها الآخر يدخل في عداد التحسينيات. والأمر متوقفٌ هنا على موضوع الوقف وأهميته ومجاله. أما عند الشيخ محمد الظاهر بن عاشور، فإن مقاصد الشريعة تتلخص في "حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه، بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان". وتتمحور حول جلب المنفعة ودرء المفسدة، وبذا يكون الوقف أحد المصالح التي تنتظمها مقاصد الشريعة.

 

الوقف والسياسة الشرعية

لقد كانت السلطة السياسية سباقة إلى العمل بالوقف في الإسلام. فقد أمر الخليفة عمر بن الخطاب بحبس الأرض التي غنمها المسلمون بعد فتح سواد العراق، رغم معارضة الصحابة لذلك. وكان من رأي الصحابة  أن تُقتسم الأرض فيما بينهم باعتبار أن الفتح تحقق عنوةً، أي بحد السيف، ولم يكن بطريق الصلح. وقد دلت هذه الحادثة وغيرها من الوقائع التاريخية على أن الصحابة في صدر الإسلام لم تكن لديهم فكرة واضحة عن صلاحيات الإمام، إذ أن صلاحيات السلطة السياسية في الإسلام لم تتحدد إلا مع حلول القرن الثاني للهجرة. وتتمثل هذه الصلاحيات في "تقرير أمور الحرب والسلم، وتولية سائر الموظفين وعزلهم، وقسمة الفيء، وإقامة الحدود، وإمامة الجمعة في المصر".

ويقع حبس عمر بن الخطاب لأرض السواد ضمن إطار صلاحياته المتعلقة بقسمة الفيء. وقد تبعتها وقائع أخرى مماثلة، من قبيل ما فعله الخليفة الوليد بن عبد الملك الذي بنى الجامع الأموي أوقافاً، دون أن نعرف ما إذا كان قد بناه من أمواله الخاصة، أو من الأراضي الخراجية، وهو الأمر الذي ينسحب على العديد من الأوقاف التاريخية التي تنسب إلى مسؤولين في الدولة. ومع ذلك، يشير كاتب المقال إلى ثلاث حالات معروفةٍ قام فيها مسؤولون في السلطة السياسية بوقف أراضي الخراج، أو استعمال أموال الدولة في الأعمال الوقفية، دون أن ينكر الفقهاء عليهم ذلك. فقد أنفق الوزير نظام الملك السلجوقي من أموال السلطان ليتمكن من إنشاء المدارس المعروفة بالنظاميات، كما قام نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي بالوقف من أراضي الخراج على مدارس العلم وأعمال البر.

وفيما يخص الدولة الحديثة، يذهب الكاتب إلى أن الدولة اليوم ما عادت تسهم في الوقف، أو أن مفهوم الوقف قد تغير بالنسبة إليها. فهي حين تمنح أرضاً لإحدى الجمعيات الخيرية لتقيم عليها مدرسةً على سبيل المثال، فإنها لا تعتبر تلك الأرض وقفاً. كما أن الأفراد الواقفين اليوم قد يفعلون ذلك احتساباً للأجر، أو قد يكون دافعهم إلى ذلك وعيهم السياسي أو الاجتماعي. ويرى الكاتب أنه لن يتسنى لنا فهم مفاهيم الوقف ووظائفه المتغيرة إلا من خلال "فهم التكوينات الاجتماعية الجديدة، وعلاقاتها بالتكوينات العالمية". فقد استتبعت هذه التكوينات وعياً كبيراً كان يعتبر فيما مضى دينياً وحسبياً، وبات اليوم وعياً أخلاقياً واجتماعياً.

 

الوقف والتنمية

الوقف في الأساس مفهوم تنموي، شأنه شأن سائر الأعمال الحسبية، ويعود ذلك إلى سببين: أولهما؛ أن الأعمال الحسبية متصلةٌ باختيار الفرد، ورغبته في أن يتفوق على نفسه عن طريق الإحسان إلى الآخرين. وثانيهما؛ أن المجالات التي يعمل فيها الوقف تحمل طابع التنامي والزيادة مع الوقت. فالغاية من الوقف خدمة المجتمع عبر تلبية احتياجات أفراده، وهو أمرٌ لا يمكن الاضطلاع به إلا بتنمية الوقف ليكون قادراً على تغطية الاحتياجات المتزايدة بتزايد حجم المجتمع والأمة. ووفق الكاتب، فإن المنفعة المرجوة من الوقف تعتمد في نموها وإكثارها على العمل، "الذي يتضمن تراكماً مادياً ضرورياً لأداء الوظائف"، مثلما هو ضروري أيضاً "للوصول إلى المعاني والمقاصد غير المادية للأوقاف".