مرجعيات حقوق الإنسان

عبدالرحمن الحوسني

تحدَّثت فوزية طلحا -في مقالها المنشور بمجلة "التفاهم"- تحت عنوان "مرجعيات حقوق الإنسان وإشكال الكونية" عن عدة أمور: المرجعية الإسلامية لحقوق الإنسان، والمرجعية الدولية لحقوق الإنسان، وحقوق الإنسان بين الكونية والخصوصية.

ويعرَّف الحق بأنه خلاف الباطل، ويعني الواجب والملك، وقد عرّفه ابن منظور بأنه العدل، والصدق، والواجب الذي ينبغي أن يطلب، والتركيب اللغوي لعبارة "حقوق الإنسان" يدلُّ على مفهوم كلي مركّب مؤلف من مفهومين هما:- مفهوم حق في صيغه الجمع -ومفهوم إنسان ورد مفرداً. وقد عرّف إيف موديو هذا المركّب قائلاً: موضوع حقوق الإنسان هو دراسة الحقوق الشخصيّة المعترف بها وطنياً ودولياً، والتي في ظلَّ حضارة معينة تضمن الجمع بين تأكيد الكرامة الإنسانيّة، وحمايتها من جهة، والمحافظة على النظام العام من جهة ثانية، ومدلول هذا القول أن حقوق الإنسان تضع حدوداً للحريات الشخصيّة الفرديّة، للمحافظة على النظام العام للدولة والمجتمع.

أما رينيه كاسان، فتعرِّف حقوق الإنسان تعریفاً علميًّا قائلة: إن علم حقوق الإنسان يمكن تعريفه كفرعِ من فروع العلوم الاجتماعيّة، موضوعه هو دراسة العلاقات القائمة بين الأشخاص وفق الكرامة الإنسانيّة، مع تحديد الحقوق والخيارات الضروريّة لتفتح شخصيّة كل كائن إنساني، ونلاحظ هنا أنه تم تصنيف حقوق الإنسان كعلم قائم الذات، موضوعه هو البحث عن الحقوق والخيارات الضامنة لكرامة الإنسان.

المرجعية الإسلامية لحقوق الإنسان

وأكد العديد من الباحثين والدارسين للشريعة الإسلامية على العلاقة الوطيدة بين الإسلام وحقوق الإنسان؛ إذ تعدّ هذه الأخيرة من أُسس الدعوة الإسلامية، التي حرصت على احترام الإنسان ورعاية مصالحه وحقوقه. لقوله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا"، تجلّيات عناية الإسلام بحقوق الإنسان، وتُعدُّ الأخلاق وحسن المعاملة -التي دعا لها الدِّين الحنيف- أساساً ودعامة قوية لاحترام الحقوق في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، الذي قد يختلف عنه في عقيدته، أو جنسه، أو لونه، أو لغته. وتبقى الإنسانية اللُحمة الجامعة بين جميع البشر، ومن ثم كانت دعوة الإسلام إلى قيم التسامح، والتعاون، والمساواة كما يظهر في هذه الآية الكريمة: "ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ". ولقد بلغ الإسلام في رعايته لحقوق الإنسان سمواً لم يعرف له مثيل من حيث الشمولية؛ حيث نجد حماية حقوق كل أفراد المجتمع وفئاته کرعاية حقوق الطفل والمرأة والشيخ والجار. ويرى الدكتور محمد عمارة أنه بالرغم من أن مفهوم حقوق الإنسان بدأ بالظهور مع فكر النهضة الأوروبية الحديثة ؛ فإن المبادئ والقِيَم الأخلاقية التي يحثُّ عليها الإسلام -كما هي الحال في أغلب الديانات- تتفق مع جل العناصر الأساسية للمفهوم الدولي لحقوق الإنسان، وهي أن هناك حقوقاً وحريات أساسية، يتمتع بها البشر بحكم طبيعتهم الإنسانية، وبصرف النظر عن أصولهم العرقية، أو معتقداتهم أو أجناسهم، على أساس أنّ الله كرّم بني آدم واستخلفهم في الأرض.

 

جهود دولية لتقنين حقوق الإنسان في الإسلام

ورغم عظمة اهتمام تعاليم الإسلام بحقوق الإنسان؛ ظلَّ اهتمام المسلمين بها ضعيفاً، لنشر رؤية الإسلام وثقافته الحقوقية، وذلك عبر عدة قنوات ؛ كالمدرسة، ووسائل الإعلام، والإكثار من المؤسسات والجمعيات التي تعنى بالمجال. والأمر المثير أنّ المسلمين اليوم يفتخرون ويعتزون أمام الغرب بأسبقية حقوق الإنسان في الإسلام، وشموليتها، وهو أمر صحيح على مستوى النصوص والتعاليم والأحكام، أما على صعيد الممارسة والواقع فيجب الاعتراف بالقصور والتقصير، وأنّ الآخرين سبقونا وتقدّموا علينا بمسافات بعيدة ؛ فقد ظلت حقوق الإنسان في بلاد المسلمين بعيدة عن التطبيق والممارسة بالشكل الصحيح، خاصة في العصور الأخيرة. لهذا تكاثفت الجهود في أواخر القرن العشرين ؛ لإبراز الأصول الإسلامية لحقوق الإنسان.

وقد صدرت عن منظمة المؤتمر الإسلامي وثيقة لحقوق الإنسان، تتضمن سبعا وعشرين مادة تقنن حقوق الإنسان في إطار المرجعية الإسلامية. المرجعية الدولية لحقوق الإنسان: لقد عانى الإنسان في تاريخه الطويل من الظلم والقهر والاستعباد، حيث شهدت بعض العصور القديمة مشروعية الرق والعبودية، والتعصب المذهبي واحتقار المرأة، واستغلال الأطفال، هذا إلى جانب استباحة الأعراض، وسفك الدماء.. إلخ، لهذا نجد أنه لم تتخذ إعلانات حقوق الإنسان صبغة عالمية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك نتيجة عدة أسباب، على رأسها المطالب المتزايدة لإقرار المساواة بين الناس، خاصة بعد المآسي التي عرفها العالم على يد الأنظمة الديكتاتورية، الفاشية والنازية.

 

المصادر المؤسِّسة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان

كان لظهور فكر النزعة الإنسانية خلال القرن السابع عشر الميلادي دور كبير في الرفع من قيمة العقل والحرية، بوصفهما امتيازين لبني البشر، كما دعت إلى إحياء التراث الإنساني اليوناني والروماني القديم.

ويتضح أيضا أن التقنين لحقوق الإنسان في الغرب قد تبلور بتفاعل التجربتين، التاريخية والفكرية، كما يؤكد ذلك محمد سبيلا الذي يرى أنه من التبسيط أن نقول بأن حقوق الإنسان هي بنت التجربة التاريخية، وأن هذه هي التي ولدت هذه الأفكار، أو على العكس من ذلك. إن مفهوم الحرية والحق هو الذي أنتج هذه الحقوق الفعلية في التاريخ، وهذا ما يبيح لنا القول بأن مفهوم حقوق الإنسان قد تبلور عبر تفاعل تجربتين تاريخيتين طويلتي الأمد: تجربة الواقع وتجربة الفكر.

 

الإعلانات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان

ويعد الإعلان العالمي الحقوق الإنسان بمثابة إعلان دولي أساسي ينص على حقوق لها حرمتها وغير قابلة للتصرف، ويقصد بذلك أن تكون المعيار المشترك الذي تقيس به كافة الشعوب والأمم منجزاتها.

ولقي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948 قبولا واسعا لدى الكثيرين، وفي الآن نفسه لقي كرها كبيرة عند بعضهم الآخر، كما وجه برفض مطلق من طرف آخرين. وهناك من الباحثين من يرى أن تمسك الغرب بالكونية ما هو إلا قناع للهيمنة وأداة للسيطرة ووسيلة إلحاق سياسي واجتماعي وثقافي، بل تعد أحيانا أداة للتدخل في شؤون هذه البلدان لتوجيهها في المسار المطلوب.

وهنا.. يتأكد دور الإسلام الفاعل في التأسيس لحقوق الإنسان، كما أن مخاض الشعوب الطويل أثمر مجموعة من المعاهدات والمواثيق الدولية التي قننت هذه الحقوق التي أريد لها أن تكون كونية، ولكن خصوصية الشعوب التي تمليها اختلاف الثقافات والأديان يفرض التعامل مع هذه المواثيق بنوع من الانتقائية الإيجابية للانسجام مع الهوية الإسلامية من جهة، والحفاظ على الانفتاح الفكري والثقافي من جهة أخرى.