العقلانية وفرقة المعتزلة

4d8a9be3-d0e4-4888-9de6-f968cc231529.jpg

ويلفرد مادلونغ | أكاديمي ومفكر ألماني، جامعة أكسفورد

كان السعي إلى نشر الإسلام منذ ظهوره هدفاً منشوداً، ففي البداية دعا الرسول محمد قومه قريشاً بمكة إلى الإيمان بالله رب العالمين، وعندما وجه بالمعارضة والاضطهاد توجه إلى قبائل عربية أخرى والتجأ إلى المدينة، وغداً يوجه رسالته إلى العرب، سيراً على نهج الرسل الذين تمت بعثتهم إلى بني إسرائيل وأقوام أخرى من قبله، فعندما وجهت نبوته بالرفض من طرف القبائل اليهودية بالمدينة لم يثنه ذلك عن بعث رسالته إلى العالمين، فرسالته مختلفة عن رسالات الرسل التي قد خلت من قبله، رغم كونها صالحةً في أزمنتهم بحيث كان كل الرسل مسلمين في امتثالهم لله، حصل التوسع الكبير للإسلام بعد وفاة النبي محمد !، وكان العرب ــ في الحقيقة ــ هم الذين أسهموا في ذلك عدة وجيشاً، حيث دخل الذين استجابوا للإسلام في صفوف القبائل العربية، وصاروا شركاء القبائل الفاتحة، ومن منظور القومية العرقية العربية السائدة في ذلك الوقت، يمكن اعتبار الخلافة الأموية مع بعض التعديلات بمثابة مملكة عربية، ويكشف انهيارها وظهور الخلافة العباسية العالمية النزعة عن الطموح الذي تحمله رسالة الإسلام، ورغم انقسام الخلافة بعد ذلك على طول الحدود العرقية في بعض الأحيان, فدار الإسلام بقيت على حالها.

من زاوية أخرى فشمولية الإسلام تجسد في الحديث النبوي: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، وهذه الفطرة هي فطرة الإسلام، أما الديانات الأخرى فهي لا تعمل بهذه القاعدة، هذا الحديث النبوي المأثور يتحدث عن مصير أبناء المشركين ما بعد الموت، الذين قيل: إنهم على نهج آبائهم، وقد طرح ذلك مشكلاً بالنسبة لعلماء الكلام.

بالنسبة للجبريين الأصوليين ــ الذين يقولون بأن المشركين خلقوا من طين مختلف ــ يصعب عليهم أن يتصورا أن الأبناء يولدون على الفطرة، والمقولة يمكن أن تنطبق فقط على الأبناء الذين وُلدوا على الإسلام وخُلقوا في الحقيقة مسلمين, كما خُلق المشركون مشركين. وعلماء الكلام الذين يقولون بشمولية الفطرة وبأنها فطرة الإسلام يجدون أنفسهم أمام سؤال: ما الذي يميزها عن الإسلام؟ إن كان الإسلام بمعناه العام هو القبول بالقانون الإلهي وممارسته، أي الشريعة الإلهية, أليست الفطرة وجهاً من أَوجُه الإسلام؟ فلم تكن هناك ضرورة مُلِحّةٌ لاعتناق الإسلام زمن الامتثال للشريعة الإسلامية على عكس ما كان سيقع لو قَبِل شخصٌ غيرُ مُسْلمٍ بالشريعة.

يستوجب قبول وممارسة الشريعة الإسلامية درايةً بها وبالوحي ــ القرآن والسُّنَّة النبوية ــ نظراً لارتكازه عليهما، مع ذلك الوحي ليس شيئاً فطرياً في الطبيعة الإنسانية؛ إذ إن القرآن والسُّنَّة كانا قد أُنزلا على النبي محمد, والأبناء الذين يولدون مسلمين يجب أن يتعلموهما من آبائهم أو من أساتذتهم, كما تعلم أبناء الديانات الأخرى على يد أبائهم، فالإسلام تبعاً لذلك نمى بشكل شمولي في الطبيعة الإنسانية، وليس بفضل الوحي المنزل على النبي محمد الذي أتى بالرسالة الإسلامية، كما أتى به من قبل الرسالات الأخرى. والإسلام لم يأت به محمد حصراً، وإنما بُعث من أجله.

أين يوجد إذن مغزى الإسلام؟ أي توحيد الألوهية في الفطرة الآدمية؟ بالنسبة للعديد من المسلمين خلال القرون الأولى يوجد ذلك في العقل في الفكر البشري، بحيث إنّ القرآن نفسه خاطب العقل، من أجل إيصال مضمونه إلى العامة. فالعقلانية ــ العقل أو المنطق ــ كان ينظر إليها منذ العصور القديمة على أنها هي التي تحكم الطبيعة البشرية، ولكن كانت هناك بدائل، وغالبيةُ التوجُّهات تصفُ الله بغاية الجمال, وتصف جلاله بالسمو، كما تؤكد قدسية إمام أو خليفة الله. بالنسبة لهم المعرفة يمكن أن تكونَ بمثابة «نقطة يستشفُّ مغزاها جاهل»، كما تذهب إلى ذلك قولة صوفية مأثورة؛ لذلك نما التوجه الكلامي العقلاني: البحث عن المعرفة أولاً، وأسست المدرسة المذهبية ما بين النصف الثاني للقرن السابع إلى القرن الثالث عشر من طرف المعتزلة.

أصبح التوجه اللاهوتي العقلاني في العصر الحاضر شيئاً غريباً في الفكر الإسلامي، ومنذ وقت ليس ببعيد لاحظ البابا Benedict XVI أن هناك علماً لاهوتياً شرعياً يتصف بالعقلانية، ويتفق مع ذلك كثير من العقلاء، وبالنسبة لأغلبية الحداثيين في الشرق والغرب فالدين يتجسد فقط في الوحي، وفي الكتب المقدسة، ويعد علم اللاهوت ــ سواء كان أكاديمياً أو عادياً ــ تفسيراً لها. لهذا فدراسة اليهودية والمسيحية تعني ضمنياً البحث في كتب الإنجيل المختلفة التي تعتمد عليها، ودراسة الإسلام تعني تفسير القرآن. والعقل والعقلانية أخذا طابعاً مناهضاً للدين في الغرب؛ فالدين ينظر إليه بأنه بحاجةٍ إلى قفزةٍ نوعيةٍ ترتكز على العقلانية، ودون ذلك لن يقود إلى المعرفة، ومن وجهة نظر المفكرين يوجد الدين في الجانب اللاعقلاني، ويستوجب نوعاً من التشكيك، وبالنسبة للعديد من هؤلاء الذين يعتبرون عصرنا الحديث بمثابة مرحلة ما بعد المسيحية، يجب عليهم أن يستأصلوا تلك الفكرة من المدرسة والمجتمع لخدمة التطور العلمي. بالنسبة للمعتزلة ينبني الدين على معرفة عقلانية، ولا يقتضي ضمنياً نوعاً من الإيمان اللاعقلاني، فالإيمان يتمثل في إدراك بعض الحقائق التي يمكن لأي عقل بشري استساغتها، ثم العمل بها. لذا فوجود الله ــ خالق الكون ــ لم يتم تأكيده بالفطرة ولا بالوحي، وإنما من خلال تأمل الكون. حيث يمكن تأكيد صفاته، بأنه قوي، موجود في كل مكان ولا يموت، كما هو الشأن بالنسبة لحقيقة كونه منزهاً عن التشبيه والتمثيل، وهذه الحقائق الأساسية في مبدأ التوحيد عند المعتزلة تبناها كذلك علماء لاهوتيون يؤمنون بهذا المبدأ، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، باستثناء مفسري الكتاب المقدس، وقد وظفت المدارس اللاهوتية المتنافسة فيما بينها الحجج نفسها لتأكيد وجود الله وتعاليه عن العالم المادي. والاختلاف يتمثل في كونها نفت إمكانية وجود ضرورة أخلاقية لاكتساب هذه المعرفة قبل نزول الوحي، وبأن قلة قليلة من الناس في الحقيقة سيتبعونها دون الإنْصات لتحذيرات الرسل، ونفى المعتزلة أن تكون بعثة الرسل قد تمت لإقناع الجنس البشري باتّباع مثل هذه الحقائق، وما يسعون لتحقيقه ناتج عن خوفهم من عدم إسداء واجب الشكر لخالق الكون.

يتمثل الشيء الأكثر إثارة للجدل في آراء المعتزلة في مبدئهم الثاني، والمتمثل في العدل؛ بحيث صار مبدأ العدل الإلهي سيمةً مميَّزةً الفكر اللاهوتي لدى المعتزلة، ونال قسطاً هاماً من كتاباتهم, وكانت المبادئ الثلاثة الأخرى ــ الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، (منزلة بين الإيمان والكفر في حق مرتكب الكبيرة)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ــ شروحات لذلك المبدأ. وكل علماء اللاهوت التوحيديين يقولون بضرورة أن يكون الله عادلاً، لا يظلم أي مخلوق, كما أنهم يقولون بوجوب قيامه بالخير وضرورة امتناعه عن الشر؛ إذ إن مبدأ العدل عند المعتزلة ضم ثلاثة أصول عقلانية مختلفة لكن مترابطة فيما بينها، وكل واحدة منها تناولتها على الأقل بعض المدارس الفكرية الأخرى، وتناولت الأولى السؤال الذي تم ذكْرهُ في الفكر الغربي الحديث والمتعلق بحرية الإنسان، وسمي ذلك في المراحل الأولى للإسلام بخلق الأفعال. ويقول المعتزلة بأن الله لا يخلق أفعال العباد، ولا يحب الفساد؛ بل إن العباد يفعلون ما أمروا به وينتهون عما نهوا عنه بالقدرة التي جعلها الله لهم وركبها فيهم، وأنه لم يأمر إلا بما أراد، ولم ينه إلا عما كره، وأنه ولي كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها. هذا الحكم البديهي يتفق مع رأي العلماء اللاهوتيين اليهود والمسيحيين, ولكن تمت معارضته بشدة ما بين المسلمين؛ هذه المعارضة تجد تفسيرها في مبدأ الإيمان بالقضاء والقدر السائد بين العرب في فترة ما قبل الإسلام وفي الآيات القرآنية المتعددة التي تقول ــ إن تم فهمها بحسب ظاهر النص ــ بأن الله يُضِلُّ الكفار ويهدي المؤمنين، وقال المعتزلة بأن مثل هذه الآيات يجب أن يتم تفسيرها على أنها تعكس الحكم الإلهي الثاني حول أفعال الكفار وليست حكماً أولياً؛ فالقول بأن الإنسان مختار بشكل مطلق في كل ما يفعل، وبكونه يخلق أفعاله بنفسه يرجع إلى تأثر المعتزلة بالفكر اللاهوتي المسيحي كما جاء به يوحنا الدمشقي، والذي عمل به أسلافهم المنتمون إلى القدرية خلال القرن الأول للهجرة.

تتجلى الفكرة الثانية في كون الفكر البشري قادراً ــ دون الاعتماد على الوحي ــ على معرفة الخير والشر، والحكم على أفعال الأفراد بأنها حسنة أو سيئة حسب طريقة وقوعها، والله لم يأمر إلا بما أراد ولم ينه إلا عما كره، وأنه ولي كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها. كما أن هناك من المعتزلة ــ على خلاف ذلك ــ من استثنى بعض الأفعال الحسنة ــ خصوصاً الأفعال التعبدية ــ التي يمكن للعقل إدراكها، وهذا الإله يجب أن يلطف بعباده لفعل الخيرات؛ وهذا هو الداعي الأساسي من بعثة الرسل.

تعتبر الأشعرية أهم فرقة معارضة للمعتزلة كلما تعلق الأمر بهذا السؤال، والتي تؤكد أن الخير والشر هما ما يأمر به الله أو ينهى عنه، ولا يمكن معرفة ذلك إلا من طريق الوحي، وموقف الأشعرية هذا وصف بالمتطرف حتى في أوساط المسلمين، ولم تشاطرهم مدرسة الحنفي الماتُريدي ولا الفقيه ابن تيمية، الذي يقول بأن الخير والشر يتم إدراكهما بالعقل، وهو رأي المعتزلة نفسه. ألم يكن الخير والشر حقاً معروفين حتى في الديانات الأخرى وحتى من قبل الملاحدة؟

تتمثل فكرة المعتزلة الثالثة والمتعلقة بمبدأ العدل في حقيقة كون الله لا يقدم على الشر أو الظلم، رغم امتلاكه القدرة لفعل ذلك؛ إذ إن هذا راجع إلى حكمته, ولوجوده في كل مكان وكونه غنياً عن العالمين.

ويؤكد المعتزلة أن العبد الحر في تصرفاته سيقع في الشر فقط عن طريق الخطأ, سواء كان ذلك واقعياً أو خيالياً، فالله الخالق للكون كان حراً في ذلك، وقوته كانت لتمنعه من خلقه أو كانت لتمكنه من خلق عالم آخر وبشكل آخر، ربما عالم مليء بالشر والظلم، ولن يتم وصفه آنذاك بالعادل، فإن تكون عادلاً وفاعلاً للخير يقتضي وجود علاقة معينة: فالله خلق العالم لإسعاد مخلوقاته. لهذا السبب يرى المعتزلة بأن الخير والعدل من صفات الأفعال، وليس الذات، فالله قادر على كل شيء وعالم بكل شيء, ولكن جميل فقط بأفعاله، فقبل أن يقوم بأفعال الخير، وأن يقدم على خلق الكون ما تم وصفه بالعادل أو الظالم.

ظهر التمييز بين صفات الفعل وصفات الذات في فكر المعتزلة خلال القرن التاسع، ولم يتم ذلك من قبل؛ والدافع هو دون شك نفي الثنائية الإلهية؛ فإن كان الله خالداً لا يموت وفاعلاً للخير، فما هو مصدر الشر؟ بحيث إن الخير لا يفترض وجود تعارض، والقول بعدم وجوده نفي للحقيقة، على خلاف ذلك, يعد الشر ــ شأن الخير ــ حقيقةً يصعُبُ نَفْيَها في هذا العالم، والذين يصفون الله بأنه محب وفاعل للخير يجدون أنفسهم أمام مشكل الثنائية الإلهية، يتحدث (علم اللاهوت): كيف يمكن للخير والشر أن يجتمعا في عالم خلقه إله واحد، سواء بالخلق أو الانبثاق؟

في الإسلام، تبنى أبو الحسن الأشعري ومدرسته الكلامية التمييز الذي قام به المعتزلة بين الصفات الإلهية، ورأوا أن الخير من صفات الله الفعلية، وأكدوا أن صفات الذات أو صفات المعاني ليست هي التي تؤكد وجوده، وإنما تضاف إلى صفة الحياة، وليست مستقلة عنها: وقد اتهموا المعتزلة بنفي الصفات الإلهية، وسؤال ما إذا كان يمكن لله أن يُقبل على الشر أمرٌ لم يتم التطرق إليه، والأفعال الإلهية لا تمليها الحكمة التي يتصف بها، وإنما بإرادته الأزلية والثابتة، فالإرادة الإلهية ــ التي يرى المعتزلة أنها أقل أهمية من صفة الحكمة التي يتمتع بها ــ اعتبرها الأشعري في منزلة الصفات الجوهرية الإلهية، والخير والشر بالنسبة للأشعرية هو ما أمر به الله وما نهى عنه؛ ولكن ما يقع هو ناتج عن الإرادة الإلهية. والشيء الذي تدافع عنه الأشعرية هو في الحقيقة القدرة الإلهية المطلقة؛ إذ يقول الأشعري بأن بني آدم لكونهم مخلوقات الله فهم عبيد له، ويمكن لله أن يفعل ما يشاء بهم، وأن يعذبهم لحسناتهم، ويجازيهم لسيئاتهم ويكون ذلك حكماً عادلاً بالنسبة له، ولكن بالوحي وحده وبالرحمة يمكن أن نعرف أنه لن يفعل ذلك، وسبب الشر والظلم في العالم بالنسبة لهم ليس هو جهل الإنسان وفقره، وإنما إرادة الله القوية، وخلق الكافر كذلك والمؤمن كذلك، والعالم هكذا والكل سيعمل بما جعل الله له وركب فيه، وأخيراً سيجازي المحسن إحساناً ويجازي المسيء سوءاً.

سهل على المعتزلة كشف ضبابية وعبثية موقف الأشعري، إن كان الله هو من خلق أفعال الشر والخير في الإنسان، فلن يكون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، وسيكون الحساب شيئاً نافلاً ومجرد محاكمة صورية، فإن كان الله فاعلاً للخير وعادلاً فيما يفعله بالبشر لكونهم عبيداً له، فاتصافه كذاك يبقى مجرد نعت دون تطبيق. وأن الله سيجزي المحسن لإحسانه ويعذب المسيء لسيئاته شيء لا يمكن إدراكه بالعقل وإنما بالوحي.

هل تتم معرفة ذلك بالوحي؟ وإن كان الله يفعل بعباده ما يشاء، ألا يمكن له أن يكذب عليهم عن طريق الوحي؟ هده الأسئلة طرحها المعتزلة، إن كان العقل لا يستطيع أن يؤكد مصداقية وحي الله، كيف يمكن الاعتماد على القرآن، الذي هو كلام الله؟ حاول الأشعرية تفادي مثل هذا السؤال بالحديث عما يسمونه بكلام النفس، ففي الحين الذي يقول فيه المعتزلة: إن الكلام من صفات الله، وإن القران خلق شأنه شأن باقي الأشياء، فالأشعرية ترى أن كلام النفس الإلهي صفة من صفات الوجود الإلهية التي تعدّ أزلية وسرمدية شأنها شأن الإرادة الإلهية، وليست أقل أهمية من الإرادة. ونظراً لكون كلام النفس الإلهي لا يمكن سماعه من قبل البشر فوق الأرض، فالقرآن ــ كلام الله المسموع والمتلوّ ــ تعبير إلهي. وقال المعتزلة بأنه إن كان هناك كلام إلهي داخلي، فيجب أن يكون بالضرورة صادقاً، وتجسيده على الأرض من خلال القرآن كان بفضل الإرادة الإلهية التي هي ــ حسب الأشعرية ــ مصدر الخير والشر، العدل والظلم، الحقيقة والكذب، وحقيقة القرآن نفسه لا يمكن إدراكها بالعقل, وإنما تتأتى من خلال الإيمان. واعترف فخر الدين الرازي ــ أحد المنتمين إلى فرقة الأشعرية الكلامية ــ بأن قوة دليل المعرفة العقلانية عند المعتزلة صارت بعيدة كل البعد عن الدين، وفيما يتعلق بالعقل يمكن للقرآن أن يكون عرضة للكذب من أجل تضليل الناس، وبذلك سيعاقب الله المؤمن ويكافئ الكافر، لهذا ما جدوى الحديث النبوي الذي يقول بأن كل مولود يولد على الفطرة، إن كان الله هو الذي خلق الكافر كافراً وغير قادرٍ على قبول الإيمان؟

ثم ما هو وجه موقف الأشعرية الذي يقول بنفي حرية الإنسان، ويدافع عن القضاء والقدر والجبرية الإلهية بالرفض، وفي الدين المسيحي ظهر بعض الذين يقولون بالإرادية والجبرية الإلهية من بين الإصلاحيين البروتستانت وعلماء اللاهوت، رغم تأثرهم بشدة بمذهب الأشعرية؟

تطرح فكرة العدل الإلهي إشكالاً كبيراً بالنسبة للمسيحيين الذين عاشوا خلال القرون الوسطى، وتعد فكرة القضاء والقدر بالنسبة لهم لغزاً مبهماً، وبالنسبة للمسيحيين بالكنائس الغربية ــ الذين اتبعوا تعاليم القديس أغسطين ــ تشكل خطيئة آدم وحواء منذ الوهلة الأولى أصل الفساد البشري فوق الأرض، ولا أحد يستطيع تغيير ذلك. واستطاع المسيح عيسى وحده بفضل طبيعته الربانية ــ في عقيدتهم ــ تكفير ذلك الخطأ، وخلَّص الذين يحبونه من الرذيلة، فالرحمةُ الإلهيةُ ناتجةٌ عن الحُبّ، هدية الله إلى الإنسان باختيار منه، وليس بفضل العدل الذي يستحقه، فالعدل الإلهي عند المسيحيين يعني اللعنة والعقاب الإلهي السرمدي، فهو يزرع الرعب مع التطلع لنيل رحمة الله. وعندما سئل البابا Paschal II خلال أواخر القرن الحادي عشر وبداية القرن الثاني عشر من قبل راهب مبتدئ حول العدل، قيل: إنه أجابه كما يلي: «يا بني العدالة توجد فقط في جهنم؛ في السماء توجد فقط الرحمة، وفي الأرض يوجد الصليب، فالكنيسة هناك فقط لرحمة الوافد عليها». لذا، يمكن عذر المسيحيين الغربيين إن لم يسعوا إلى تحقيق العدل الإلهي، وإلى نيل حبه ورحمته. في الكنائس الشرقية تعددت الآراء حول مغزى سقوط آدم وحواء، وحملت الإنسان مسؤولية ارتكاب الخطيئة، فالعدل الإلهي لا يشكل فقط تهديداً، وإنما نال قسطاً وافراً في النقاشات والكتابات اللاهوتية؛ إذ إنّ اللاهوتيين المسيحيين لم يستسيغوا فكرة المعتزلة المتمثلة في كون الله سيعوض الإنسان ما قاساه وعاناهُ في عالم خلقه الله ويحبه. لكن السؤال المطروح هو: هل سيكون هناك حب دون عدالة؟

يختلف الأمر عند اليهود، فعلاقتهم بالله ترتكز على العهد الذي أبرموه معه، فالعقد أقر بحريتهم بعدما كانوا عبيداً بمصر، وبحقهم بالنُصرة الإلهية إلى الأبد إذا ما احترموا الشريعة الإلهية، وستتم حمايتهم ومكافأتهم ما داموا منضبطين، وسيعاقبون إن أخلوا به، وهم بذلك يعتقدون أنهم شعب الله المختار. وبالتأكيد الله سيعامل كل بني البشر على حد سواء، وحتى مخلوقاته الأخرى, ولكن دون وجود ميثاق وقانون بينه وبين الوثنيين فلن يكون ذلك حالهم، وقال التلمود بأن الموحِّدين من غير اليهود الذين أطاعوا وقبلوا بالقوانين السبعة المنزلة على نوح سيكونون من بين «ثقات أمم العالم، والذين سيكون لهم حسن المآل في العالم الآخر»؛

أما الوثنيون فلا يستحقون إلا الإدانة والموت، أما اليهود فهم متشوقون إلى تحقيق العدل الإلهي الذي يضمنه ميثاقهم مع الله, وتناول المعتزلة لمسألة العدل الإلهي نال تقديرهم، خصوصاً الذين يميلون إلى مذهب العقلانية، كما أن الحكمة الإلهية تحظى بأهمية بالغة في الفكر الديني اليهودي وتعدّ التوراة في الحقيقة شهادة على الحكمة الإلهية.

ظهر تأثير فكر المعتزلة في الكتابات العربية الأولى ــ الكلامية، والفقهية والتأويلية ــ للعلماء اليهود بدءاً بسعديا الفيومي Gaon (882 ــ 942) وداود المقمص في أوائل القرن العاشر، واستمر ذلك مع علماء آخرين: من القرائين والربيين، مثل يعقوب القرقيسانيو صموئيل الفيومي (d. 1013) وبلغ أوجه مع القرائين خلال حكم الإمبراطورية العثمانية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر؛ بل صار للمدرسة الكلامية البصرية بقيادة أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم خلال القرن العاشر، وعين الوزير الصاحب ابن عباد سنة 977 العالم المتكلِّم البارز المنتمي إلى فرقة المعتزلة عبد الجبار (d. 1022) قاضياً بالري في المنطقة الغربية لبلاد فارس بغية نشر مذهب المعتزلة ما بين المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، تبنى القرائي يوسف البشير (1040) التعاليم الكلامية لعبد الجبار، وأتى بها من العراق إلى القدس التي كانت تحت حكم الفاطميين.

وتبنى يوسف البشير مواقف المعتزلة الذين وصفهم بالمتكلمين, ومواقف عبد الجبار ومريده أبو عبد الله البصري بالخصوص، في حين وصف الأشعرية بالجبريين، وتعكس أهم أعمال البشير اللاهوتية ــ كتاب التمييز وكتاب المحتوي ــ مذهب المعتزلة المعاصر، وكتب تعليقاً حول كتاب الجبائي ولكن لم يصل إلينا، وانتقد في العديد من كتاباته موقف أبي الفضل، تلميذ عبد الجبار، وأهمّ ناقدٍ لآرائه. وكان هناك بعض القرائين ــ أغلبيتهم في مصر ــ الذين تأثروا بآراء البصري، رغم ضبابية موقفهم. وفي جيلٍ بعد ذلك قام سهل بن الفضل التستري ــ أحد أفراد أبرز عائلة قرائية بالقاهرة إبان الحكم الفاطمي ــ بتطوير تعاليم البصري في كتاباته، ونال دعم أبي الفضل علي بن سليمان المقدسي، وهو عالم قرائي من القدس. وكان ذلك في الوقت الذي تم فيه إهمال الأعمال الكلامية لأبي الحسين البصري من طرف مدرسة عبد الجبار البارزة، وتم نقدها من طرف مجموعة من العلماء، وبعد وفاة سهل التستري أخذ العالم المنتمي إلى فرقة المعتزلة ركن الدين محمود ابن الملاحمي (d. 1141) تعاليمه، وعلى أساسها أسس المدرسة الأخيرة المعروفة عند المعتزلة. مع هذا الوقت لم تعد هناك علاقة ما بين القرائين والمعتزلة، ويبدو أن كتابات ابن الملاحمي لم تكن معروفة لديهم.

يرى المعتزلة أن فكرة كون الله ــ بفضل حكمته ــ لا ولن يتسبب في وقوع الشر لا تحل مشكل الثنائية الإلهية في نظرهم، وإنما تزيد من حدته، إن كان الله قد خلق العالم من أجل فعل الخير فكل الشر والظلم الموجود في العالم من فعل مخلوقاته، الإنسان بالخصوص. والله يجب أن يعطيهم الحرية في التصرف، كما يرى المعتزلة، وأن يأمرهم بالعدل وفعل الخير؛ ليستحقوا مكافأته، وسيعاقب ــ يقول المعتزلة ــ الذين لم يطيعوا أوامره ونشروا الفساد في الأرض إلا في حالة توبتهم، ولهذا فالله لطيف بعباده لفعل الخير. ولكن هل ذلك يعدّ ضرورياً؟ أليس الوعد بالجزاء الحسن بمجرد إبداء حسن النية كافيا؟ لماذا لا يمنع الله الشر والظلم في الأرض؟ لماذا يخلق البشر وهو يعلم أنه سيعصون أوامره؟ لماذا لا يقوم بخلق الذين سيطيعون أوامره فقط؟

حاول المعتزلة أن يجيبوا على هذه الأسئلة كلها. ونقاد المعتزلة ربطوا المشكل بقصة الإخوة الثلاثة التي ذكرت في مجموعة من الكتابات والمسندة في بعض الأحيان إلى أبي الحسن الأشعري، والتي يقال: إنها سبب انفصاله عن أستاذه أبي علي الجبائي. فالإخوة الثلاثة، الذين ترعرعوا في حضن واحد، واجهوا مصيرهم الأخير، فالأول عاش حياة شريفة وفاضلة في طاعة الله وجُزي بالجزاء الحسن بفضل أعماله. والثاني عاش حياة مليئة بالرذيلة والعصيان وكان مصيره العذاب. أما الثالث الذي توفي وهو طفل قبل أن يبلغ سن الرشد ولم يستحق لا المكافأة ولا العقاب، فحصل على مكافأة بسيطة بفضل لطف الرب، وهكذا سأل الطفل ربه قائلاً: «ربي لِمَ لمْ تمتعني بحياة مديدة كي أجني مكافأة أخي الأول نفسها؟» وقال له الرب: «لأني كنت أعلم أنك سترتكب سيئات كثيرة مثل أخيك الثاني»، واحتج الأخ الثاني قائلاً: «لماذا لم تُمِتْني صغيراً مثل أخي ما دمت كنت تعلم أني سأعمل السيئات»؟ وقدم المعتزلة بعض الأجوبة لهذه المعضلة، ولكن لم تقدم أية واحدة منها جواباً شافياً. فأي سؤال مثل هذا يضم في طياته عدة أسئلة، وإن وجد الجواب لسؤال معين يبقى السؤال الآخر معلقاً، واقتنع المعتزلة بأن جواب الله على الإخوة شاف وعادل، واستدلوا بالآية القرآنية: } ﯾ  ﯿ  ﰀ  ﰁ{، كما أن نقادهم ليس عندهم جواب مقنع وأُجبروا على ربط ذلك بالإرادة الإلهية، وقالوا بأن رحمة الله للمؤمن لا حدود لها, وتنال حتى الذين لم يتوبوا, كما ورد في القرآن: ولكن أين يمكن ملامسة العدل الإلهي بالبشر؟.

ربما كان المعتزلة مقتنعين بأنهم وجدوا حلاًّ لهذا السؤال الشائك. ولكن لم يكن بوسعهم فعل أكثر من ذلك، على الأقل بوصفهم مدرسةً كلاميةً قديمة، فمعارضوهم يوماً بعد يوم وبشدةٍ صاروا يدعونهم بالزنادقة، وتساعدهم حكوماتهم في ذلك، وقد تَمَّ تخريبُ مدرسة القاضي عبد الجبار بالري، وإحراق الكتب التي كانت موجودة بها من طرف محمود الغزنوي، عندما هاجم المدينة سنة 1027, كما قال بافتخار للخليفة برسالةٍ من غزته، ولن تستطع يوماً استرجاع مكانتها.

كما كانت هناك منافسة متزايدة من مدرسة عقلانية مختلفة، وأحس ابن الملاحمي بضرورة تخصيص فقرات من أعماله الكلامية للحديث عن تعليم الفلاسفة المسلمين الذين يمثلون مدرسة أفلاطون وأرسطو, وألّف كتاباً يفنَّد فيه آراءَ المعتزلة, وسماه تحفة المتكلمين في الردّ على الفلاسفة، فقد ادعى الفلاسفة أنهم هم فقط أصحاب الرأي السليم باستخدامهم العقل، واتهم الفارابي بالخصوص (950م) علماء الكلام النظريين ــ بما فيهم المعتزلة ــ بخلط خطابهم العقلي بالمفاهيم الدينية، وقد وقعت هناك اصطدامات بين المعتزلة الأوائل والفلاسفة، وانتقدوا بعض آرائهم الميتافيزيقية رغم كونهم في العموم لم يعيروهم اهتماماً بالغاً. وقد تغير ذلك بعدما ادّعى ابن سينا (1037م) بأن الفلسفة في الحقيقة تمثل الإسلام الحقيقي، وبأن الوحي ــ أي القرآن ــ ضم حقائق فلسفية وصورها للعامة كي يفهموها، وقام الغزالي ــ المنتمي إلى فرقة الأشعرية في كتابه تهافت الفلاسفة ــ باتّهام الفلاسفة بالكفر بناءً على ثلاث مسائل، وبالمبتدعين بناءً على سبع عشرة مسألة أخرى؛ لكن كتاب الغزالي مقاصد الفلاسفة قدم رؤية محايدة لمذهب ابن سينا، وقرأه مجموعة من العلماء المسلمين, وفي أعماله الأخيرة تبنى بعض أجزاء الفكر الفلسفي. وعموماً قد عمل على تطوير تعاليم ابن سينا في الإسلام، وليس على الحدّ من قيمتها.

احتج ابن الملاحمي ــ بعد نشر كتاب التهافت ــ بأن مجموعةً من الطلبة الذين يدرسون الفقه، سواء من الأحناف أو الشافعية، إنما يقرأون الفلسفة على أساس خاطئ بكونها ستساعدهم على فهم الشريعة الإسلامية. في المقابل يرى الغزالي أن ابن الملاحمي يقدم تفنيداً لتعاليم ابن سينا ومدرسته، ويقارنها بمدرسة المعتزلة، فالتوجه العقلاني الأول للفلاسفة كان توجه المعتزلة مع بعض الاختلافات، والحقائق التي يتضمنها يتم الوصول إليها بالبرهان، وهو شيء لا يقوم به إلا القلة من الناس، (الفلاسفة)، ويصعب ذلك على العامة.

يرى الفلاسفة أن حجج المعتزلة مبنية على مشهورات منطق أرسطو؛ حيث يرى ابن الملاحمي أن هذه المشهورات تعدّ في حد ذاتها حججاً ملموسة، وانتقد حقائق الفلاسفة التي وصلوا إليها بالبرهان، مثل حقيقة كون الذي خلق الخير دون أية غاية يجب أن يكون أفضل من الذي خلق الخير لخدمة الآخرين، وأن فعل الوجود يعدّ بحد ذاته خيراً. وتختلف تصورات الفلاسفة حول سؤال الأخلاق والعدل عن تصورات المعتزلة، ولذلك يصعب القيام بمقارنة مثمرة.

بقي كتاب تحفة المتكلمين لابن الملاحمي ــ شأن الأعمال الأخرى ــ مجهولاً عند أهل السُّنَّة، وانتشرت فيما بينهم الكتب الفلسفية ذات التوجه العقلاني، فالأمراء أحبوا أن يكون لديهم فيلسوف يمجد أسلوبهم الحكيم، وينشره بين العامة، وتتماشى وجهة نظر ابن سينا حول العالم مع وجهة نظر الأشعرية أكثر مما تتماشى مع رأي المعتزلة، ويرى ابن سينا أن الخير السائد في الكون تضمن استمراريته الرعاية الإلهية، ولكن ليس بإرادته، وتبنى المقولة الأشعرية: «الإنسان يكسب أفعاله، كما لو أنه حر»، خلافاً لمقولة المعتزلة بأن الإنسان حر في أفعاله. إن كان الذي خلق الكون ليس حراً، فكيف يمكن للإنسان أن يتوقع أن يكون كذلك؟

انتشرت أعمال ابن الملاحمي بين الشيعة, سواء الإثني عشرية أو الزيدية، وتم الاحتفاظ بعدد كبير منها في المخطوطات الزيدية باليمن، ونظراً لكون المعتزلة اندثرت كفرقة كلامية حتى في خوارزم, وظهر الفكر الصوفي، فقد بقي فكر المعتزلة موجوداً فقط عند الشيعة والقرائين. مكَّن فكر موسى بن ميمون (1204م) اليهود من الحفاظ على مكانة الفلسفة في مقابل علم الكلام، ولم يصل فكر المعتزلة إلى أوروبا الغربية خلال العصور الوسطى.

في العصر الحديث أحسَّ المسلمون بضرورة إحياء فكر المعتزلة, خصوصاً فيما يتعلق بالعدل وحرية الإنسان، وقد ذهب بعضهم إلى تسمية أنفسهم ــ أو لقبوا من طرف الآخرين ــ بالمعتزلة الجدد.

في أوساط اليهود المعاصرين صار العلماء المتشوقون لدراسة التاريخ اليهودي، بما في ذلك تاريخ إخوانهم القرائين على دراية بكلام المعتزلة؛ نظراً لكونهم يتفحصون أعمال القرائين والمعتزلة بها المحتفظ بها عبر قرون في خزائن الكُنُس.

نحن الحداثيين ــ المسيحيين، وما بعد المسيحيين ــ وغير المسيحيين، لدينا الحرية أكثر في أن نختار فكر المعتزلة أم لا، ويمكن أن لا نكترث بالعدل في الدنيا، ويمكن أن نتمنى العذاب للإخوة الثلاثة والغالبية من الناس. أمّا إن كنا نهتم بالعدالة سواء في الدنيا أو في الآخرة أو كليهما ـ فيجب أن نرجع إلى فكر المعتزلة، ونفكر معاً، ونبحث في مصير الإخوة الثلاثة.

 

أخبار ذات صلة