الهرمنوطيقا وعلم الكلام الجديد: محاولة في تجديد الخطاب الكلامي الإسلامي

Medieval_Persian_manuscript_Muhammad_leads_Abraham_Moses_Jesus.jpg

عزيز أبو شرع

إن الاكتشاف الهام الذي تقدمه الهرمنوطيقا بشكل عام فيما يتعلق بفهم النصوص: أن هذا الفهم لا يخضع فقط لموضوعات اللغة التي كتب بها، ولقواعدها المتفق عليها بين أهل هذا اللسان أو ذاك؛ ولكنه يخضع كذلك عند قراءته لشخصية القارئ ولثقافته، مثلما يخضع للظروف التاريخية التي تتم فيها القراءة، وبعبارة أخرى لا وجود لقراءة بريئة ولا لدلالة مفردة، لا سيما إذا تعلق الأمر بنص ديني تأسيسي كالقرآن.

وإذا كان هذا الأمر من المسلَّم به ومن المتعارف عليه في الجانب العملي من الديانة الإسلامية ــ أي جانب الفقه وأصوله ــ فإننا نزعم أن الأمر كان كذلك في جانب العقيدة وأصول الدين، وأن جانب التأويل يشكل عنصراً أساساً في إنتاج المقالة الكلامية والقول العقدي في الإسلام، كما تأثر هذا القول ــ من حيث كونه قولاً دفاعياً حوارياً تناظرياً ــ بالقول المخالف، فوقع التلاقح والتأثر، ولو من حيث الجانب الشكلي المورفولوجي، غير أن ذلك لا يخلو من أهمية، بحيث إن هذا الجنس من القول الإسلامي استطاع أن يجمع المقالات المخالفة من داخل الملة وخارجها على لغة واحدة موحدة هي لغة الكلام في الدين؛ بحيث يعد ذلك أول أبواب السلوك نحو التفاهم والتواصل، وتلك لعمري جوهر القضية الهرمنوطيقية.

ما أهدف إليه تحت هذا العنوان ــ المثبت أعلاه ــ أمور متلازمة أوجزها في النقاط التالية:

1 ــ علم الكلام هو علم التأويل بامتياز

أجدني في هذه النقطة بالذات مديناً لسيد الاستشراق الكلامي (ڤان إيس J. van Ess) والذي سبق إلى معالجة هذا الأمر بشكلٍ واعٍ جداً ودقيق.

يلاحظ فان إيس الجانب التاريخي المسيطر على جانب الفهم والتلقي، وبغض النظر عن الجانب الأزلي للوحي وتنزيهه عن الزمن، فبالإمكان أن نجعل الوحي دائماً خارج الزمن واصفين إياه بالأزلية، أو بقولنا: إن القرآن غير مخلوق، إلا أن هذا ليس حلاً للإشكال؛ لكوننا نحن الذين نظل موجودين في الزمن، «فالله قد حكم علينا بهذا، وخلقنا كذلك، وهو لا يمكنه أن يغير من هذا الوضع؛ لأنه هو الذي اختاره كذلك وحدد واقعنا الإنساني، ومن ثم يظل الإيمان دوماً مرتبطاً بسياقه التاريخي»(1) ما يقصده صاحب النص من ارتباط الإيمان بالتاريخ هو توسط الفهم والذات في استيعاب حقائق الوحي، ذلك الفهم المحكوم بثقافة العصر، وتلك الذات التي تنتمي لا محالة إلى تلك الثقافة، وعصر تلك الثقافة.

إن العلاقة بين الوحي والإيمان تطرح إشكالية حقيقية اضطلع علم التأويل ــ علم الكلام ــ بحلها «فإن النص الذي يمثل المطلق» يدخل إلى التاريخ، فيصير باستمرار متلائماً مع فهم راهن»(2)

ولعل المذهل فعلاً بالنسبة إلى ــ في بحث يتعلق بعلم الكلام وربطه بالهرمنوطيقا ــ هو إثارة هذه العلاقة لدى باحث كبير كڤان إيس، وحديثه صراحة عن الهرمنوطيقا في سياق معالجته لراهنية علم الكلام، الأمر الذي يشكل لب الإشكال في هذا البحث.

يقول ڤان إيس: «إن الكلام الإلهي يتم استيعابه باعتباره نصاً معطى، يتلقى منه قارئه جواباً يتناسب مع ذاته، ومع إمكانية التحقق من ذلك الجواب عن طريق إعادة قراءة النص، وتنزيله بحسب وضعه الذاتي، هذا ما ينعت بالدائرة التأويلية التي نحت مصطلحها أول الأمر في القرن التاسع عشر ولهلم ديلتي Wilhelm Diltey، ثم كان لهايدجر Heidegger الفضل في تلقي هذا التقليد وتدقيق معناه، وقد تلاه في ذلك مؤخراً هانز جورج غادامير Hans Georg Gadamer، هذا وقد اعتبر ديلتي الهرمنوطيقا فلسفة لكتابة التاريخ وللتاريخانية، واستنبط منها منهجية ظلت منذ ذلك الوقت سمة لفقه اللغة الألمانية. وبفضل هذه الهرمنوطيقا فقد صار بإمكاننا ـــ ولو في حدود معينة ـــ أن نكتب تاريخ الفكر الكلامي باعتباره تاريخاً للتفسير»(3)

إن علم الكلام إذن ــ باعتباره نوعاً من التفسير أو التأويل ــ يطغى عليه الجانبان: الذاتي والتاريخي؛ لكنها مجموعة من الذاتيات التي تتعاضد في شكل مدارس في إطار إجماع جهوي، أو عصري، أو مذهبي. وإذا كان من المسلَّم به أن الإسلام لم يعرف أي شكل من أشكال التقنين المذهبي الرسمي تحت ما يقابل في التقليد المسيحي بالأرثذوكسية فإن «هناك من الأسباب ما يحملنا على القول بأن الإسلام قد عرف نوعاً من الأرثذوكسية بمدلولها السوسيولوجي الذي يعني وجود نوع من الإجماع المذهبي الذي يبرز من حين إلى آخر في صورة عقيدة»(4)

ولارتباط علم الكلام بالتأويل(5) المتجدد المتأثر بالثقافة والتاريخ استطاع الإسلام النجاة من شر الأرثذوكسية الجامدة، في إطار أرثذوكسية متجددة حيوية كانت وحدة الأمة المحلية أو الفكرية مدعاة إليها في الغالب، فاتخذ التأويل السبب والمحرك الأساسي لهذا التجدد؛ بينما كانت السياسة في الغالب هي التي تحده من حين لآخر فَتُحَوِّلُهُ إلى نوع من الأرثوذوكسية.

يمكن أن نخرج من خلال هذه النقطة بالتأكيد على حيوية علم الكلام من حيث طبيعته بسبب كون التأويل أساساً له، وإن كانت السياسة تحده من حين لآخر فلمصلحة الأمة والجماعة ومقاصد حضارية، وإنما أصبح علم الكلام عبئاً ثقيلاً على الأمة يوم تخلي عن التأويل والتجديد، وسلك سبيل التقليد الذي عزله عن السياق المعرفي والتاريخي الذي يطبعه التجدد والتحديث باستمرار.

فماذا يعني التجديد في علم الكلام، وماذا يقصد البعض بحديثه عن علم الكلام الجديد؟ في وقت تبين فيه بوضوح الحاجة إلى إعادة إنتاج القول الكلامي، الذي يشكل لب المسألة الإسلامية، بحيث يكون ذا لغة مفهومة، كما فُهمت لغة الذين تكلموا في صدر الإسلام؟

2 ــ علم الكلام الجديد والخلفية الهرمنوطيقية

نؤكد بدءاً أن علم الكلام قد طغى عليه عبر تاريخه التجدد وإعادة النظر تبعاً لتجديد المعارف والمعطيات، لا سيما في عصوره المتقدمة، وإنما صار إلى قول تقليدي جامد بعد حين؛ إذ تعتبر التحولات التي طرأت على القول العقدي وتحوله من اعتزال، إلى أشعرية، إلى ماتريدية، نوعاً من إعادة القراءة وإعادة الإنتاج، كما يمكن قراءة التطورات التي تحدث داخل المذهب الواحد في هذا الاتجاه، ويمكن أن نلاحظ في هذا الصدد تطور مقالة خلق القرآن الاعتزالية، التي يفترض أنها كانت رد فعل على مقولة المسيح الأزلي (كلمة الله) إلى مقالة الكلام النفسي، وخلق العبارة لدى الأشاعرة مثالاً خارج المذهب، كما يمكن اعتبار تطور القول في الصفات لدى المعتزلة من مقوله (هوهو)(6) إلى (لذاته)(7) إلى (المعاني)(8) إلى (الأحوال)(9) مثالاً لذلك التجديد على مستوى المذهب الواحد(10) وأياً كان الأمر، فإن ذلك هو المنطلق الذي نرتضيه لتمهيد القول في مشروعية الكلام الجديد.

من جانب آخر يشكل الكلام الأشعري المتأخر الذي اختلطت فيه الفلسفة بالكلام، وتحوله إلى عقائد رسمية مدرسية ملزمة، مرحلة مؤسفة كسرت هذه الطبيعة التجديدية للفكر الكلامي، لم تكسر هيمنتها إلا محاولة ابن تيمية الذي تعد مرحلته تجديداً لعلم الكلام بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فإن هذا الرجل الذي لم يعادِ لا الفلسفة ولا الكلام لذاتهما؛ وإنما لطبيعة المقالات التي أنتجتها المدرستان، فكان نقده لمقالات الإسلاميين الأوائل نقداً جاداً ومثيراً للاهتمام، وذا قيمة عالية؛ بحيث استحقت مرحلته أن تكون نقطة انعطاف أساسية في تاريخ الفكر الإسلامي في جملته، وكانت بحق مرحلة استئناف القول الفلسفي والكلامي في الإسلام(11)

فتعدّ محاولة ابن تيمية إذن مرحلة غير قابلة للتجاوز في تاريخ الفكر الكلامي بوجه خاص، حتى صارت مرحلة التجديد المتأخر لدى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم راجعة إليه في الجملة، وإن كانت لها أهميتها الخاصة وخصوصيتها الهامة أيضاً.

إلى جانب إثبات المشروعية لتجديد القول في علم الكلام تاريخياً، فإن إثبات ذلك من الجانب الفكري والشرعي لا يعدّ بعيداً، ولا محرجاً البتة؛ إذ إن ما تقدم عن الناحية التاريخية يبرز عملياً الاجتهاد في أصول الدين والعقائد، لا من حيث هي، وإنما من حيث طريقة عرضها والاستدلال لها، فإن معنى الاجتهاد والتجديد في هذا السياق إنما هو «إزالة طوارئ الانحرافات والبدع الفكرية ــ وهي غير الإبداع ــ عن هذه الأصول؛ لتعود لها حقائقها وفعاليتها،... ومعناه في أحيان أخرى: الاستفادة من منجزات العقل الإنساني في العلم وفي الفلسفة لإقامة البراهين العقلية الجديدة على صدق هذه الأصول»(12). فقد تبيّن أن التحول والتطور قد وقع بالفعل على المقالات العقدية، كما في الفقه والحديث وسائر العلوم، فإنه من غير المقبول «القول بأنه لم يكن هناك تطور مذهبي في الإسلام، غير أن هذا التطور كان أوضح ما يكون في المجال الفقهي العملي أكثر منه في المجال العقائدي»(13).

3 ــ علم الكلام الجديد المفهوم والغاية

ليس هنا موضع البحث في حيثيات التأسيس ولا المؤسسين لما أصبح يسمى علم الكلام الجديد، فذلك قد يكون مما يأخذ الكثير من الجهد ولا يأتي بكثير فائدة، غير أنه يبدو أن نشأة هذا المصطلح وظهوره لأول مرة يعود للمفكر الهندي شلبي النعماني (ت 1332هـ) عنواناً لكتاب له نقله إلى الفارسية محمد تقي فخر داعي كيلاني، وطبعه في طهران سنة 1329هـ/1950م، بالعنوان نفسه، وبذلك كان أول ظهور له بالفارسية بهذا التاريخ(14).

وقد رأى شبلي النعماني أن علم الكلام القديم كان يُعنى فقط بجانب العقائد في الرد على الخصوم؛ بينما التأكيد اليوم على الأبعاد الأخلاقية والتاريخية والاجتماعية في الدين، مما يدعو إلى إنتاج قول دفاعي في هذه القضايا، وبناءً عليه ستضاف قضايا جديدة إلى القضايا التقليدية من قبيل حقوق الإنسان وحقوق المرأة والإرث والحقوق العامة للشعب، إلى جانب مباحث وجود الباري والنبوة والمعاد والتأويل وغير المحسوسات والعلاقة بين الدين والدنيا. وتوالت الكتابات في هذا الصدد، وأصبح هذا المصطلح رائجاً في الدراسات الأُردية والفارسية، بحيث يبدو أن أول ظهور للمصطلح لدى الباحثين العرب كان مع فهمي جدعان سنة 1976 في كتابه: أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي(15).

فما مفهوم تجديد علم الكلام أو علم الكلام الجديد؟

تختلف تعريفات علم الكلام الجديد من باحث إلى آخر، تبعاً لاختلاف الاهتمامات، التي تختلف تبعاً لنوع الاكتشافات لدى كل من الباحثين حول الإشكالات التي يواجهها علم الكلام القديم في لقائه بفكر العصر وثقافته، وإن شئنا في لقائه بهذه الحداثة التي أصبحت اليوم واقعاً لا مفر منه في جميع المجالات، حتى صار البعض يتحدث عن صدمة الحداثة، في وصف ما يعانيه الفكر الإسلامي اليوم.

سعياً إلى الوقوف عند مفهوم دقيق وواضح لعلم الكلام الجديد، لنلاحظ أولاً مختلف دواعي الحديث عن التجديد، وأسباب العجز لدى علم الكلام القديم في مسايرة العصر(16):

1 ـــ هيمنة المنطق الأرسطي: رغم السلامة من التأثر بالمنطق والفلسفة لدى المتكلمين الأوائل من سباق المعتزلة(17)، فإن الأمر تطور شيئاً فشيئاً حتى دخل المنطق الأرسطي كمنطق فعلي لعلم الكلام لدى الأشاعرة المتأخرين، وتم التعامل معه كمسلمات أساسية في البحث الكلامي، واستندوا إليه في بناء المقالة الكلامية، وركزوا عليه وعلى أشكاله كقوالب أساسية في الاستدلال على المسائل والآراء، وأدى ذلك إلى اعتبار تلك المقدمات المنطقية وتخريجاتها الكلامية بمثابة البديهيات التي لا محيد عنها، فبالإضافة إلى كون كثير من تلك المقالات لم تعد تلبي حاجات الإنسان المسلم المتجددة المتغيرة فإن المنطق الأرسطي نفسه قد أصبح اليوم موضع نظر وسؤال جدوى.

2 ـــ النزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل: إن علم الكلام من حيث هو نشأ في ظل حركية سياسية واجتماعية، غير أن هذا الاتجاه نحو التجريد والتقعيد المنطقي قد حال بشكل أو بآخر دون استمرار هذه العلاقة ذات الأهمية البالغة، فراح الكلام يبحث عن عوالم ذهنية مجرة بعيدة عن الواقع وتداعياته ومشكلاته(18)

3 ـــ تفريغ علم الكلام من مضمونه الاجتماعي: لقد كان من أوائل القضايا التي طرحت للنقاش، وكانت سبباً في التأسيس لعلم الكلام هي قضية الإيمان وعلاقته بالعمل، وذلك في حكم مرتكب الكبيرة، وهل هو مؤمن أم لا، وقد كان موقف السلف كما هو معلوم أنه مؤمن على كل حال، ناقص الإيمان، وهو تحت رحمة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له؛ بينما أخرجت المرجئة مفهوم العمل من مسمى الإيمان، وقالت: إنه لا يضر مع الإيمان ذنب، واتخذت المعتزلة ذلك الموقف الشهير بأنه في منزلة بين المنزلتين من الجانب الشكلي؛ بينما تحتم عندهم عقابه على ذنبه، وأنه متوعد بالنار تبعاً للأصل الذي أصّلوه في الباب من وجوب إنفاذ الوعد والوعيد.

وعموماً تشكل هذه القضية ــ إلى جانب قضايا أخرى ــ تجلياً لتلك العلاقة الملتبسة بين الجانب الاعتقادي والجانب العملي السلوكي في الإسلام، وقد اتجه أغلب علم الكلام المبكر مع المعتزلة والخوارج إلى التأكيد على الجانب العملي والسلوكي، وربط العقيدة بالجانب الاجتماعي والسياسي، والتأكيد على عدالة إلهية في مجازاة الناس على أعمالهم، وعدالة إنسانية في معاملة الناس لأندادهم، والحكام لشعوبهم، ورفْض الفكر الجبري والغفراني الذي يعطي مزيداً من المشروعية للمفسدين في الأرض أفراداً وجماعات ودولاً. وفي المقابل تناسى علم الكلام المتأخر هذه القيم، واتجه نحو التنظير العقيم كما تقدم، مما جعل التفكير في هذه المسألة من جديد أمراً لا مفر منه.

4 ـــ تراجع دور العقل وشيوع التقليد في علم الكلام: ويكفي أن نذكر أن نشأة علم الكلام كانت بالأساس نوعاً من النظر العقلي في الشريعة والطبيعية لدى متقدمي المعتزلة، حتى أخذ عليهم الناس إسرافهم في استعمال العقل، الذي هو بمعنى البحث والنظر الإبداعي، حتى انتهى الأمر إلى انتصار المذهب الأشعري في شكله التقليدي المتأخر، واعتماد مذهبهم رسمياً في أغلب البلاد الإسلامية، فلم يبق هناك داع إلى النظر والبحث، فأصبحت المسألة مجرد درس وتدريس وحفظ وتقليد.

وبناءً على ما سبق، فإن الدعوة إلى تجديد علم الكلام تستدعي إصلاحات كبيرة وعميقة في العقل الكلامي نفسه؛ نظراً لطغيان عنصر التجدد على معطيات العصر على مستوى المسائل والمبادئ والمناهج، وعلى مستوى الهندسة المعرفية للعصور نفسها.

فماذا يعني مصطلح علم الكلام الجديد؟

حتى هذه اللحظة لا زال هناك نقاش بين المهتمين، ولذلك فقد رأيت عوضاً عن الخوض في هذه المسألة أن أتوجه إلى مقاصد المنادين بهذا التجديد، وبعض محاور الموضوع لديهم، وعوض السؤال ما هو علم الكلام الجديد؟ نطرح سؤالاً بديلاً: لماذا علم الكلام الجديد وإلى ماذا يهدف؟

لقد تقدمت بعض نقاط الضعف في الطرح التقليدي لعلم الكلام، ولعل ذلك كان كافياً لإعادة النظر فيه وما ينبغي له، وفي مقابل ذلك، وماذا يجب على علم الكلام فعله حتى يكون جديداً ومفهوماً لدى الآخرين أيضاً؛ أولئك الذين تركت فيهم الفلسفة وتطور العلوم أثراً بالغاً. وسأقتصر هنا على إيراد بعض هذه الأمور؛ إذ المقصود في هذه النقطة إنما هو التنبيه على هذه القضية التي لا زال البحث فيها في العالم العربي خاصة ضئيلاً جداً:

1 ــ تعميق الحالة التبيينية: لقد طغى على علم الكلام كما هو معلوم الجانب الدفاعي (Apologetics)، وإن كنا قد أثبتنا خلال البحث وجود جانب الإبداع والإنتاج وطلب الحقيقة، غير أن الإسراف في جانب الدفاع قد أدى ببعض المتكلمين إلى إخراج الكلام عن غايته الأساس، التي هي الدفاع عن العقائد الدينية، وحتى صار بعض المتكلمين يدافعون حتى عما لا يعتقدون، وأصبح الأمر داعياً إلى التفريق لدى المتكلم بين ما هو قول لأجل إفحام الخصم، وقول من أجل التدين. وإن لهذا الأمر ولا شك خطراً على علم الكلام نفسه كجنس من القول، القصد منه البناء المعرفي للإيمان في الأساس(19)

والمطلوب إذن هو تغليب الجانب التبييني في علم الكلام بدلاً من الدفاعي، «فبدل أن يستغرق الكلام في الدفاع عن تعاليم الدين ومهاجمته تعاليم الآخر، سيحاول تفهيم تعاليمه للطرف الآخر عن طريق التبيين والاستدلال»(20)

فالمطلوب إذن هو أن يتخذ علم الكلام طابعاً حوارياً تفاهمياً، وأن يكون إنتاج المقال الكلامي الجديد نوعاً من التخاطب مع الآخر، وليس فقط نوعاً من وعي الذات. إن سؤال الفهم ــ الذي أكدنا غير مرة على أنه كان مطروحاً في علم الكلام منذ القدم ــ مطلوب إحياؤه اليوم واستئنافه، والفهم ــ الذي لا يعني فقط فهم الكتاب المسطور، وإنما الكتاب المنظور ــ مطلوب النظر فيه أيضاً سعياً نحو الفهم، ولا بد لهذا الفهم ولذلك ألا يتعارضا؛ بل يجب أن يتعاضدا ويؤكد بعضهما بعضاً، وذلك هو مفتاح ما نسميه التفاهم(21)

.............

المراجع والمصادر:

 

(1) بدايات الفكر الإسلامي، الأنساق والأبعاد، ترجمة عبد المجيد الصغير، مراجعة عبد المجيد الشرفي، منشورات الفنك، ط. 1، الدار البيضاء 2000، ص. 133.

(2) نفسه، الصفحة نفسها.

(3) نفسه، ص. 134.

(4) نفسه، الصفحة نفسها.

(5) وارتبط التأويل أيضاً بعلم الكلام، ولذلك فقد أصاب علم التفسير ما أصاب الكلام نظراً لابتنائه عليه، ويرى عبد المجيد الشرفي أنه قد حان الوقت لـ «عكس هذا المنهج في التعامل مع النص القرآني بصفة جذرية، ومعنى ذلك أن يستقل التفسير عن علم الكلام، أو بالأحرى أن يكون علم الكلام الجديد مستنبطاً منه لا محدداً لفهمه وتأويله». انظر: الشرفي عبد المجيد، «الثالوث الصعب: الإسلام والحداثة والعلمانية» مجلة قضايا إسلامية معاصرة، السنة الرابعة عشرة، عدد 41 ــ 42، شتاء ربيع 2010م ــ 1431هـ، ص.117.

(6) مقالات الإسلاميين، تحقيق هلموت ريتر، ص165. انظر كذلك: الخياط أبو الحسين، الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد، مقدمة وتحقيق نيبرج، دار ومكتبة بيبليون، جبيل ــ لبنان، 2004، ص.108.

(7) القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق: عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، الطبعة الثانية، القاهرة، 1988. ص.182.

(8) الخياط، الانتصار ص59.

(9) انظر: الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، حرره وصححه ألفريد جيوم ص.ص.131 ــ 139. البغدادي، الفرق بين الفرق، ص.ص195 ــ 196، القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص.ص. 182 ــ 185، وممن اهتم من المعاصرين بالقضية، بدوي عبد الرحمن، مذاهب الإسلاميين، دار العلم للملايين، ط1 بيروت 1997 ص. ص. 342 ــ 364. وجهده عبارة عن إعادة ترتيب كلام الشهرستاني.

وكذا أجهر عبد الحكم، التشكلات المبكرة للفكر الإسلامي، دراسة في الأسس الأنطلوجية للفكر الإسلامي وتحولها إلى أنساق عقلية، دراسة في الأسس الأنطولوجية لعلم الكلام المركز الثقافي العربي ط1 الدار البيضاء بيروت 2005 ص.ص.138 ــ 160 وهناك تحدث عن تأويلاتها المختلفة واعتمادها من قبل متأخري الأشاعرة، وإمكانية اعتمادها كنظرية في الكليات كما في علم الكلام المتأخر، وأهم من كتب عن نظرية الأحوال هو فرانك صاحب المقال في موسوعة المعارف الإسلامية، انظر: R.M. Frank : Abou Hashum’s theory of States : its structure and fonction, Actases do congressu de Estudos Arabes e islamicos, Leiden 1971. ومن المستشرقين أيضاً: ويلفسون هاري، فلسفة المتكلمين، ترجمة مصطفى لبيب عبد الغني، المجلس الأعلى للثقافة، ص.ص. 258 ــ 274.

(10) ونقصد بذلك تطور القول الاعتزالي في مسألة علاقة الذات بالصفات من صيغة أبي الهذيل «عالم بعلم هو هو «إلى صيغة أبي علي الجبائي «عالم لذاته»، ونظرية معمر بن عباد السلمي في المعاني ذات الصلة بإشكالية الصفات ثم صيغة أبي هاشم الجبائي في نظرية الأحوال القريبة من وجهة نظر الأشاعرة، والمعتمدة عند بعضهم لا سيما المتأخرين.

(11) وفي هذا الصدد ينظر: عبد الحكيم أجهر، ابن تيمية واستئناف القول الفلسفي في الإسلام، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ــ بيروت 2004.

(12) عمارة محمد، الاجتهاد الكلامي، ضمن: الاجتهاد الكلامي مناهج ورؤى متنوعة في الكلام الجديد، كتاب جماعي، (سلسلة دورية تصدرها مجلة قضايا إسلامية معاصرة،) ط.1، دار الهادي، بيروت 2002، ص. 125.

(13) راجع: إيس جوزيف ڤان، بدايات الفكر الإسلامي، ص. 15.

(14) انظر: الرفاعي عبد الجبار، مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، دار الهادي ــ مركز دراسات فلسفة الدين، ط.5، بيروت ــ بغداد 2005، ص. 31.

(15) انظر: جدعان فهمي، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، دار الشروق، ط.3، عمان ــ الأردن 1988، ص. 195 وما بعدها.

(16) يمكن مراجعة هذه الأمور بتفصيل زائد عند عبد الجبار الرفاعي: السؤال اللاهوتي الجديد، ص 20. وما بعدها.

(17) تميز الفكر الإسلامي المبكر برفض المنطق الأرسطي الذي تبناه الفلاسفة الإسلاميون بعد الترجمة ومن أوائل من نُقلَ عنه كلامٌ في رفضه الشافعي فيما نقله عنه السيوطي، ثم تتابعت دعوات الرفض مع كثير من المتكلمين والفقهاء والمحدثين كأبي سعيد السيرافي والجبائي والباقلاني والقاضي عبد الجبار وابن الصلاح وابن تيمية والسيوطي انظر في هذا الصدد :

Madkour Ibrahim l’organon d’Aristote dans le monde arabe, librairie philosophique J .Vrin, Paris 1969.

*السيوطي جلال الدين، صون المنطق والكلام (علّق عليه علي سامي النشار، دار الكتب العلمية بيروت) ب. ت ص 14.

*طه عبد الرحمن, تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي, الطبعة الأولى, الدار البيضاء, بيروت 1993, ص 311, ومقاله في مجلة المناظرة تحت عنوان «مشروعية علم المنطق» العدد الأول السنة الأولى, 1989, ص 121 وما بعدها.

*النشار علي سامي، مناهج البحث عند مفكري الإسلام، دار المعارف، ط4، القاهرة 1978، ص 63 وما بعدها.

(18) راجع بو هلال محمد، إسلام المتكلمين، دار الطليعة ــ رابطة العقلانيين العرب، ط.1، بيروت، 2006، ص. ص. 146 ــ 154.

(19) العلمي حمدان أحمد، الكلام كجنس، دراسة لذاتيات الكلام من زوايا مباحث متعددة، دار ما بعد الحداثة، الطبعة الأولى، فاس 2007. ص. 119.

(20) ملكيان مصطفى، الكلام الجديد في إيران، ضمن: الاجتهاد الكلامي، كتاب قضايا إسلامية معاصرة، دار الهادي، ط.1، بيروت 2002، ص. 192.

(21) لقد كانت المعركة الكبرى التي خاضها الإسلام كدين مع المخالفين في التصور العقدي بعيدة عن ساحة الحرب والقتال، بحيث إن أهم هذه المواجهات شهدتها الساحة الفكرية والكلامية على وجه الخصوص إذ نسجل هنا ــ للتذكير فقط ــ أن فتح البلاد المسيحية كان في أغلبه سلماً، وأن بلاد الشام وفلسطين قد عرفت ما يسمى بقضية فتح الأبواب، حيث إن أغلب مدن هذه المناطق قد اختاروا فتح أبواب مدنهم للفاتحين القادمين من شبه الجزيرة العربية، وليس عبثاً أن الذين تولوا فتح هذه الأبواب كانوا قسيسين ورهباناً. ثم سجل لنا التاريخ بعد ذلك تمكين هؤلاء من الدفاع عن عقائدهم بكل حرية، كتابة ومشافهة، ولعل مثال القديس يوحنا الدمشقي ــ خاتمة آباء الكنيسة الشرقية وأبي قره وغيرهم كثير، ــ خير مثال على ذلك.

كما أن المتكلمين خاصة لم يكونوا يعنون بما هو من صلب اهتمامات الفقهاء، مثلاً في قضايا مثل أحكام أهل الذمة والجزية ودار الإسلام وغيرها من المفاهيم، وإنما اتجهوا مباشرة نحو مناظرة القوم ومحاججتهم وأخذ مقالاتهم على مأخذ الجد، ومعلوم أن هذه البلدان خاصة كان يشكل فيها المسلمون الفاتحون أو الذين دخلوا الإسلام فوراً أقلية قليلة في بداية الأمر وبعد انتهاء المهمات الحربية، غير أن هذه البلدان قد تحولت بعد مدة إلى بلاد ذات أغلبية مسلمة مع بقاء مَنْ شاء على أي دين شاء.