علم أصول الفقه وتداخل العلوم

torath_f.jpg

محمد بنعمر | باحث في الدراسات الإسلامية، المغرب.

علم أصول الفقه: الهوية والدلالة

يُعدُّ علم أصول الفقه من أهم العلوم التي أنتجتها الحضارة الإسلامية, بحيث تداخل في تركيب هذا العلم مجموعة من الأشكال والأنساق المعرفية والعلمية؛ فعلم أصول الفقه يكاد يكون مزيجاً وخليطاً بين مجموعة من العلوم التي تشاركه في الموضوع, وتتداخل معه في المنهج؛ فهو أحد العلوم المنهجية العريقة في الثقافة العربية الإسلامية(1)؛ بحيث شكّل هذا العلم ملتقى لمجموعة من العلوم, منها ما هو نقلي, ومنها ما هو عقلي, ومنها ما هو أصلي, وما هو تبعيّ دخيل خادم للأصل(2).

فعلم أصول الفقه ــ من حيث هو علم منهجي استنباطي ضابط للفهم ولصيق باستنباط الأحكام الشرعية ــ قد تفاعل مع مختلف العلوم التي نشأت في التراث العربي الإسلامي؛ إذ جاء حاملاً لنسق منهجي متكامل ومتداخل, جامعاً لعدة علوم وأنساق معرفية ومنهجية, وقد اجتمعت فيه مجموعة من العلوم والمعارف, وشكَّل بهذا الجمع نموذج التداخل والتكامل والتواصل بين العلوم في الثقافة العربية الإسلامية.

أما عن علاقة هذا العلم بعلم الفقه فهي علاقة النظرية بالتطبيق, فعلم أصول الفقه يمارس وضع النظريات العامة للاستنباط, ويعمل على عصمة المستدل من الزلل في الاستدلال, «فلا يقول من شاء ما شاء, وإنما ترد الفروع إلى أصولها, وترد الأصول إلى مصادرها المعصومة»(3)، كما يضع القواعد الكليَّة الإجمالية بإشكالاتها المتعددة وأنواعها المختلفة لغوية كانت أم شرعية؛ لإعانة الفقيه على الاستنباط.

وعلم الفقه يهدف إلى توجيه تلك النظريات وتلك الأنساق؛ وذلك بتنزيل وتطبيق تلك الأنساق على أرض الواقع, وهذا يُعدُّ أحد تجليات التلاحم والتداخل الذي كان قائماً بين العلوم عامة, وعلم الفقه مع علم الأصول خاصة.

والسبب في هذا التداخل أن العلوم الشرعية لم تكن بمنأى عما تعرفه العلوم الأخرى من إشكالات نظرية, وأسئلة معرفيَّة, وتساؤلات منهجية, وتطورات معرفية في انتظامياتها لإنتاج المعرفة, وفي أسئلتها النظرية المؤسسة لبنائها المعرفي. وإنما كانت هذه العلوم منفتحة فيما بينها, متواصلة في القضايا النظرية, حتى مع العلوم العقلية الدخيلة على الثقافة العربية الإسلامية, من تطور في مواضيعها, وانتقالات في نتائجها, وما تعيشه من إشكالات نظرية ومعرفية في مناهجها, مما جعل الانفصال والاستقلال غير وارد أو مطروح في العلوم التي نشأت في الثقافة العربية الإسلامية.

ومما ساعد على هذا التكامل والتواصل بين هذه العلوم بجميع فروعها ــ أصلية كانت أو خادمة للأصل, نقليَّة كانت أم عقلية ــ وحدة الإطار والمرجع الذي جمع هذه العلوم؛ إذ التحمت في نسق واحد في خدمتها للقرآن الكريم, فقد اتجهت كل العلوم نحو القرآن الكريم بياناً واستنباطاً واستمداداً وتفسيراً وتأويلاً وتوثيقاً وتحقيقاً وقراءة...(4).

وإن كان الجامع المشترك لهذه العلوم هو الاتجاه نحو توثيق النص أو استمداد المعنى الذي يحمله النص.

فما من علم إلا وكان القرآن الكريم المحور الذي يتحرك حوله هذا العلم, وهذا الأمر ينطبق على مختلف فروع المعرفة الإنسانية التي ظهرت في الثقافة العربية الإسلامية, فمدار العلوم الإسلامية كلها كان هو النص المؤسس, وهو القرآن الكريم مما جعل البحث في أي علم من العلوم الإسلامية يشكّل ميداناً فسيحاً وفضاءً متشابكاً ومتداخلاً بين عدد من العلوم, مما انعكس أثره على تطور العلوم عامة والثقافة الإسلامية.

وهذا المعطى يشعر أن التعدد والتنُّوع في الثقافة الإسلامية ــ خاصة ما تعلق بالحقول المعرفية ذات الصلة بالنص القرآني ــ إنما كان تعددًا في الموضوع والمنهج والهدف, ولم يكن تعددًا في التصور ولا في الرؤية ولا في الإطار أو في المرجع الموجه لهذه الحقول.

وهذا يقودنا إلى القول: إن هناك خلفية دينية تحكمت في توجيه الدراسات اللغوية والقرآنية, وجعلت العلوم على اختلاف تخصصاتها ومنازعها وتوجهاتها تتجه نحو خدمة النص القرآني(5).

وهو ما يلزم عنه أن طلب العلوم التراثية يقتضي من طالبها استحضار مجموعة من المعارف والعلوم لكون أن هذه العلوم تشترك في مجموعة من المسائل النظرية, وتتداخل في الوظائف والمهام, وهو خدمتها للنصّ القرآني.

إذ شكَّل القرآن الكريم النص المؤسس للحضارة الإسلامية, والمحور المشيد للمعارف والعلوم, والمنطلق المشترك لكل الجهود الفكرية والعلمية في الثقافة العربية الإسلامية؛ إذ دارت حوله مختلف العلوم والدراسات رغم اختلاف مرجعية هذه العلوم, الشيء الذي جعل هذه العلوم منصهرة في بناء نسقي متكامل وموّحد, مستجيبة للقضايا والإشكالات التشريعية التي واجهت الحضارة الإسلامية في صيرورتها التاريخية وتطورها الحضاري, وهي قضايا كانت بحاجة ماسة إلى بيان حكم الشرع فيها.

فالناظر في أشكال الثقافة العربية الإسلامية يلحظ أن العلوم الإسلامية لغوية أو شرعية ــ رغم ما بينها من تفاوت واختلاف في التناول والأداء وفي عرض الظواهر والقضايا ــ قد جعلت النصّ القرآني محط اهتمامها ومرجع عنايتها ومنطلقاً في دراستها للقضايا التشريعية التي عرفها الواقع الإسلامي, فالقرآن الكريم كما قال ابن جزي الكلبي في مقدمة كتابه تفسير القرآن الكريم كان (هو المقصود بنفسه, وسائر العلوم أدوات تعين عليه, أو تتعلق به, أو تتفرع عنه)(6)

ويُعدُّ علم أصول الفقه من أهم العلوم التي جاءت حاملة لكثير من المعارف, محققاً لمبدأ التداخل والتواصل بين العلوم, والسبب يعود إلى نسقية هذا العلم في تداخل فروعه؛ فهو عبارة عن قواعد منهجية استدلالية تعمل على ضبط منهج الفهم والاستنباط في المجال التشريعي؛ فهو منهج في الاستدلال جامع بين النقل والعقل, وبين الرأي والنصّ, يستمد مكوناته ومرجعياته من مجموعة من العلوم التي تشاركه في الموضوع, وتتداخل معه في المنهج.

ذلك أن علم أصول الفقه الذي يظهر بمظهر نسق من العلوم لم تدخل فيه شعب العلوم الإسلامية وحدها؛ بل دخلت فيه أيضاً العلوم العقلية المنقولة من الثقافات والحضارات الأخرى, والتي لها قرابة معرفية أو منهجية معه(7)

1 ــ الوجهة اللغوية في علم أصول الفقه:

من أبرز المحاور العلمية المشكلة لهذا العلم المحور اللغوي البياني؛ حيث إن الاستدلال على الأحكام وتمثل المعنى اللغوي والشرعي من النص يتوقف على ضبط اللغة العربية والتمكن من علومها, سواء أكانت هذه العلوم متصلة بالتركيب أو بالدلالة أو بالمعجم أو بالسياق الذي يراد به المقتضيات المحيطة بالخطاب الذي هو موضوع الاستنباط.

فبحكم عربية هذه الشريعة وبحكم نزولها وفق مقاصد العرب في مجاري خطابها وعاداتهم في تصريف أساليبها؛ فإنه من الواجب على مَنْ قصد الاستدلال أو رام استنباط الأحكام من النصِّ أن يكون على علم ومعرفة باللغة العربية, عارفاً بقواعدها, مدركاً لمعهودها في الخطاب والتخاطب؛ لأن باللغة العربية نزل القرآن وبها جرى التخاطب وفق معهود العرب في الخطاب؛ فقد سلك مسلك أهلها في إجرائه للتخاطب وأدائه للمعنى, ومن ثم وجب أن يكون المستنبط متمكناً من ضوابط اللغة في الفهم والتخاطب, وعلى علم بمعهود العرب في تخاطبهم(8)

والاتفاق حاصل بين علماء الأصول ــ باختلاف مدارسهم ومذاهبهم ــ أن الاجتهاد في الأحكام يستلزم الاجتهاد في اللغة, وأن الضعف في طلب اللغة العربية أو الإعراض عن علومها أو التقصير في طلبها يجنب المستدل الصواب, ويعرضه للخطأ, ويجعل استدلاله على الأحكام عرضة للانحراف والزلل؛ بحيث تغيب فيها مقاصد التشريع, قال الإمام الرازي: «لما كان المرجع في معرفة شرعنا إلى القرآن والأخبار, وهما واردان بلغة العرب ونَحْوِهم وتصريفهم؛ كان العلم بشرعنا موقوفاً على العلم بهذه الأمور»(9).

هذا الإشكال هو الذي جعل جزءاً من مباحث علم أصول الفقه تتجه نحو المباحث في اللغة عامة والدلالة اللفظية خاصة, «فالسلطة المرجعية في علم أصول الفقه هي للبحوث اللغوية, والمحور الرئيس الذي ينتظم هذه البحوث هو علاقة اللفظ والمعنى»(10)

فأساس هذا البناء قائم على العلم باللغة العربية وطرق دلالة ألفاظها, وما تحمله هذه الألفاظ من معانٍ, وما يطرأ على هذه المعاني من تغيرات وتحولات في الدلالة والمعنى تبعاً لاستعمال هذه الألفاظ في التركيب. وهي تغيرات يكون فيها للسياق والقرائن ــ بقسميها الحالي والمقالي ــ الأثر الواضح في تحديد الدلالة، وتعيين المعنى والفصل لهذه الألفاظ بين الاستعمال اللغوي والاستعمال الشرعي.

فهذه المكانة التي حظيت بها اللغة بين الأصوليين تقودنا إلى الإقرار والاعتراف بأن علم اللغة من أهم المصادر والروافد التي منها استمد علم أصول الفقه مادته وموضوعه ومباحثه؛ فقد استوعبت مؤلفات الأصوليين كثيراً من المباحث التي لها صلة مباشرة بقضايا اللغة والدلالة, وهو ما أهّل هذه المباحث الأصولية لأن تكون حاملة لعدد كبير من النظريات اللغوية والدلالية المتعلقة بتفسير النصوص وقراءتها.

ومن أبرز المحاور المشيدة للمكوّن اللغوي محور اللفظ في علاقته بالمعنى, وهو ما جعل بعض علماء الأصول يُقْدِمون على متابعة اللفظة من مختلف الجهات والزوايا, ويرصدون معانيها من جميع المستويات والجوانب, وهذا الرصد وتلك المتابعة كانت من أول وضع الواضع إلى آخر فهم السامع؛ بحيث يتعذر ضبط جميع هذه الجهات والمستويات التي كانت موضوع اشتغال علماء الأصول.

ذلك أن القرآن الكريم نزل بلسان العرب, فهو محكوم بقواعد اللغة العربية وخاضع لضوابطها وأعرافها في الفهم والأداء, فاللغة العربية والقرآن الكريم يتوافقان في المستويات الدلالية والتركيبية والأسلوبية, وهو ما كان دافعاً للمجتهد أن يضع في اعتباره هذا الضابط في تفسيره للنص الشرعي. فمن ابتغى معاني القرآن, والتمس دلالته لزمه التحقق من دلالة الألفاظ في التركيب؛ «لأن البيان والتفسير لا يكون إلا بالألفاظ المعبِّرة عن المعاني التي أوقعت عليها في اللغة»[1], والسبيل في هذه المعرفة هو جهة اللسان العربي وهو المراد بالوضع اللغوي, وهو القانون الحاكم والمنظم للتخاطب في اللغة العربية, وعليه يجري التفاهم بين الناطقين باللغة العربية(12).

والدافع إلى هذه المتابعة أن اللفظ يُعدُّ من أهم الوسائل المُعِينة والأساسية في تفهم النص, وأن المنطلق المنهجي في المعالجة اللغوية للنص يجب أن يبتدئ من النص؛ إذ لا يخفى أن المعرفة باللفظ هي الخطوة الأولى في الفهم, فمن لم يعمد إلى التحقق من الألفاظ المفردة في التركيب فإن المعنى الحقيقي للنصّ يلتبس عليه ويستشكل عليه الفهم ويخفى عليه المراد, ويتعذر عليه التماس دلالة الخطاب. علماً أن الفهم هو أول طريق الاجتهاد, وعليه يجب أن تنبني جميع المراحل الأخرى للاجتهاد. ومن ثم فإن تحديد مدلولات الألفاظ ــ من حيث الوضوح والخفاء, والوضع والاستعمال والإهمال, والإفراد والتركيب ــ لها أثر ملحوظ في تفسير النصوص الشرعية, وكذا في استنباط الأحكام الشرعية ودون هذا التحديد يتعذر ضبط الاستنباط.

ويُعدُّ الإمام الشافعي (ت 204هـ) من أوائل علماء أصول الفقه الذين عملوا على تأصيل منهج متكامل في الفهم والتفسير من أجل قراءة النص الشرعي قراءة سليمة ومنضبطة لقواعد اللغة العربية ولمنطقها في الفهم وعاداتها في التخاطب وطريقتها في الإبلاغ. فالإمام الشافعي كان حجة في اللغة, وكتابه «الرسالة» شاهد على ذلك, وهو الأمر الذي جعل اللغة العربية حاضرة بقوة في تأصيلاته وتنظيراته وتخريجاته للمسائل الفقهية والأصولية, وهذا المعطى الاستدلالي هو الذي ينكشف في كتابه «الرسالة» وكتابه «الأم»(13).

وقد تيسر له هذا «باطلاعه على مختلف الاتجاهات الفقهية السائدة في عصره؛ بحيث تمرس بفقه الحجاز وبفقه العراق, ووقف على منهجية كل مدرسة في الاستدلال والتفسير والاستنباط»(14).

والذي عليه كثير من الدارسين أن البحث اللغوي من أجل تفهم النص الشرعي أو من أجل استنباط الحكم الشرعي يُعدُّ من قبيل الاجتهاد, وهو المسمى بالاجتهاد البياني. وهو أن يبذل الفقيه قصارى جهوده وطاقته الفكرية من أجل التماس المعاني التي تحملها النصوص الشرعية سواء أكانت هذه المعاني لغوية أم شرعية جزئية أم كليَّة.

وهذه القواعد اللغوية الأصولية ذات الوجهة التفسيرية هي قواعد مستمدة من اللغة العربية, وهي قواعد مؤسسة على الحياد؛ لأنها مستمدة من طبيعة اللغة العربية في دلالة ألفاظها على المعاني, وعُرْفها في أداء الخطاب, وهي المتعارف عليها عند الأصوليين بالقواعد اللغوية. لقد كان من الطبيعي أن توضع قواعد التفسير من اللغة العربية، وبعد استقراء لأساليبها وتراكيبها وإدراك لطبيعتها في الخطاب ومعرفة ما يمكن أن تؤديه الألفاظ والتراكيب من مدلولات ومعاني(15)

وهذا التقارب المعرفي والمنهجي بين اللغة العربية وعلم أصول الفقه  ــ الذي تشهد له مختلف الكتب المدونة في علم أصول الفقه, خاصة الكتب التي تعد من الأُمَّات مثل البرهان لإمام الحرمين, والمستصفى للإمام الغزالي, والمعتمد لأبي الحسين البصري, والعمد للقاضي عبد الجبار الهمداني, وإحكام الفصول لأبي الوليد الباجي, والأحكام في أصول الأحكام لابن حزم, والمحصول للإمام فخر الدين الرازي, ونفائس الأصول للقرافي, والبحر المحيط للزركشي(16) ــ هو بحاجة إلى مزيد من التأصيل والتقنين والبحث والمتابعة والتجديد, بحكم التطور الكبير الذي مس علوم اللغة عامة ومناهج تحليل الخطاب خاصة في الفترة المعاصرة, وهو ما يلزم عنه تمكن المشغلين بالدراسات الأصولية من هذه العلوم, وانفتاحهم على كل جديد تحمله هذه العلوم, وإطلاعهم على التطور الذي عرفته علوم اللغة ومناهج تحليل الخطاب في الفترة المعاصرة(17)؛ لأن هذه المعرفة من شأنها أن تيسر لهم تقويم منهج الفهم والتفسير عند علماء الأصول تقويماً ينبني على الضبط المنهجي, والتقيد بضوابط اللغة العربية في الفهم, وقوانينها في الأداء, ومعهودها في التخاطب قصد الاهتداء إلى المعاني الصحيحة التي يحملها القرآن الكريم وفق ما هو مقرر في اللغة العربية.

ومن ثم فإن مناحي التجديد المنهجي والمتابعة في علم أصول الفقه تطوير المادة اللغوية عن طريق الانفتاح على الدرس اللغوي المعاصر, وما عرفه هذا الدرس من تحولات في مكوناته ومجالاته.

وهذا العمل من شأنه أن يجعل عملية الاستنباط قائمة على الدقة, ومحققة للشروط والضوابط المعهودة والمقررة بين الفقهاء وعلماء الأصول.

2 ــ الوجهة الاستدلالية المنطقية في علم أصول الفقه:

ومن المحاور المشيدة لهذا العلم: محور الاستدلال واستثمار الخطاب الشرعي, ويعد هذا المحور الأساس الذي ينبني عليه صرح علم أصول الفقه(18), وهو ملازم لمحور الفهم بحيث يمكن تشبيه العلاقة بينهما بعلاقة اللازم بالملزوم. ولقد عمل الإمام الغزالي (ت 505هـ) على تأصيل منهج الاستدلال في الدرس الأصولي, وتقعيد القواعد التي يتأسس عليها استثمار النصّ الشرعي, مسخراً آليات المنطق وأشكال الاستدلال لغاية استغلال الطاقة الدلالية واللغوية للنص الشرعي؛ لتكون طريقاً في استنباط الأحكام الشرعية واستثمارها لغاية العبور من المنطوق إلى المفهوم, ومن المنصوص إلى المستنبط, ومن الصريح إلى المضمر, ومن المعنى المطابقي إلى المعنى اللزومي....

وهذا التقارب بين العلمين والتواصل بين علم الأصول وعلم المنطق الذي أرسى دعائمه الإمام الغزالي كان الهدف منه حل الإشكالات التشريعية التي تطرحها القضايا الجديدة, وهو المعروف بين الأصوليين بموضوع تناهي النصوص الشرعية دون تناهي وقائع البشر(19).

وقد أهّله لهذا التقنين ثقافته المنطقية الواسعة التي اكتسبها من اطلاعه الواسع على الفلسفة والمنطق الإغريقي, وسخَّرها في تشييده لمجموعة من الأشكال والأنساق الاستدلالية التي يحتاجها الأصولي, سواء في استدلاله على الأحكام, أو تفهمه للنصوص الشرعية؛ لأن المنطق هو العلم والآلة التي تعمل على الفصل بين فاسد الدليل وصحيحه, والمميز بين الأقيسة الصحيحة من الأقيسة الفاسدة. فهو العلم الضابط للدليل, كما أن علم أصول الفقه هو منطق الفقه, فكان الإمام الغزالي بمشروعه هذا ــ الذي جعل فيه المنطق علماً خادماً لعلم أصول الفقه ــ مجسداً لمبدأ التكامل والتواصل بين العلوم عامة, وعلم أصول الفقه مع المنطق خاصة. فهو من أوائل علماء أصول الفقه الذين سخّروا المنطق, وقربوا مباحثه لأغراض بيانية تشريعية(20). وهذه الريادة هي التي جعلته يدافع بقوة عن مشروعية المنطق في التداول العربي الإسلامي. ويساجل المعارضين والرافضين لصناعة المنطق, ويرد اتهاماتهم وحججهم في معارضة المنطق(21)؛ إذ عمل على تقريب المنطق إلى علم أصول الفقه, وتوظيف آلياته وأشكاله الاستدلالية لأغراض فقهية وبيانية. خاصة في محور المباحث ذات الصلة باللفظ وعلاقته بالمعنى (مبحث الدلالات)(22) مما حذا به إلى وضع مجموعة من الضوابط والقواعد والمقولات التي بواسطتها يتم فهم النص الشرعي فهماً صحيحاً, تراعى فيه أعراف اللغة العربية في التخاطب, ومنطقها في الأداء, وقوانينها في صرف الألفاظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية, ومن الدلالة الأصلية إلى الدلالة التبعية.

وإذا كان هذا المبحث ــ مبحث الدلالات ــ في أصله مبحث لغوي, احتضنه علماء الأصول في مدارساتهم لعلاقة اللفظ بالمعنى؛ فإنه ليس من المستبعد أن يكون لعلم المنطق الأثر فيه, علماً أن اشتغال المنطقي بالمباحث اللغوية أَمْلته ووجهته اشتغاله بمستوى المحاورة والمخاطبة في صناعة المنطق. وهو الأمر الذي جعل صناعة المنطق تتجه في بعض جوانبها وأجزائها نحو القضايا اللغوية, خاصة ما كان من القضايا اللفظية(23)

فعلم الدلالة هو من المباحث التي تقاسمتها مجموعة من العلوم, خاصة علم الأصول وعلم المنطق, وإدراج علم المنطق في المباحث الدلالية يجد مبرره في أن علم المنطق علم منهجي لا يتطلب الدقة في الاستدلال فحسب؛ بل يحتاج كذلك إلى الدقة في استعمال الألفاظ والتراكيب اللغوية التي هي أدوات التعبير عن التفكير, ووسائل في تحصيل وتجلية المعنى. كما أن النصوص الشرعية التي وقع فيها التكليف نصوص عربية في لغتها وأسلوبها؛ فهي تخضع لقواعد هذه اللغة في الأداء والتبليغ والتخاطب, علماً أن مستويات اكتساب المعنى تأخذ عدة مراتب وأشكال بحيث يتفاوت فيها السامعون, بحكم مؤهلاتهم وقدراتهم وإمكانياتهم الثقافية والفكرية في تجلية المعنى واكتساب الدلالة(24).

والمعنى المكتسب منه ما يكون عن طريق المنطوق المصرح به, ومنه ما يكون عن طريق المفهوم المستنبط من المنطوق والملازم له, وهو دلالة اللفظ على حكم غير مقصود ولا سيق له النص؛ ولكنه لازم للمنطوق الذي سيق له الكلام, وهو طريق تكون فيه للوازم العقلية الأثر الأكبر في اكتساب الدلالة. علماً أن هذه اللوازم الدلالية هي من صميم مباحث المناطقة, ولها الأثر الأكبر في تفهم المعنى والاستدلال على الأحكام. وقد أدرجها علماء الأصول في مباحث الدلالات من حيث هي مجال رحب وواسع في الاستدلال على الأحكام الشرعية, وهي كذلك مجال مؤثر في اختلاف الفقهاء والمجتهدين, تبعاً لمؤهلاتهم الثقافية وإمكانياتهم الفكرية وقدراتهم العلمية في تفسيرهم للنص الشرعي.

ومن الجهات التي وقع فيها التقاطع بين العلمين (أصول الفقه والمنطق)جهة القواعد الأصولية بحيث عمد علماء الأصول على تقعيد مجموعة من القواعد الأصولية واللغوية والشرعية(25) على شكل قضايا منطقية مركبة من موضوع وهو المخبر عنه, ومن محمول وهو الخبر. وهذه القضايا يغلب عليها الإيجاز والاختصار وتتصف بالاطراد(26)

وقد تيسّر لهم هذا العمل بعد أن قاموا باستقراء واسع وتتبع لجزئيات الشريعة وتصفح لفروعها, وصاغوا ما تم استقراؤه على شكل قضايا منطقية عقلية مشيدة على الإيجاز والاختصار, وكانت هذه الصياغة وفق قوانين التفكير المنطقية.

والاستقراء المؤسس لهذه الكليات هو عملية منهجية استدلالية تنبني على تصفح الجزئيات من أجل بناء حكم كلي أو قاعدة عامة تستغرق الفروع وتنزل على الجزئيات.

ومن قبيل هذه القواعد:

ــ الأصل في اللفظ أن يحمل على الظاهر.

ــ الأصل في الخطاب أن يحقق الفائدة.

ــ الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة.

ــ إذا تعذر الحمل على الحقيقة صُيَّر إلى المجاز.

ــ لا يخاطبنا الحق سبحانه باللفظ المهمل.

ــ إعمال اللفظ أولى من إهماله.

ــ التأويل خلاف الأصل.

ــ لا يصار للتأويل إلا بدليل.

ــ لا يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز في استعمال واحد.

ــ إذا تعارضت التأويلات فأقربها إلى الصواب هو ما جاء منسجماً مع مقام الخطاب.

ــ الأصل في العموم أنه يعتبر بالاستعمال.

ــ العادة محكَّمة.

ــ الأمور بمقاصدها.

ــ العبرة بالمقصود لا بالملفوظ.

ــ العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.

ــ إذا دار اللفظ بين التأسيس والتأكيد يتعين الحمل على التأسيس.

ــ لا تكليف بالمجمل ولا بالمبهم.

وهذا العمل يكشف عن عمق وسعة العقلية الفقهية الإسلامية في تواصلها مع العلوم الأخرى, وتعميقها للبحث الفقهي وتأصيله, وتمديد هذا البحث إلى الحقول المعرفية الأخرى. وجعل هذه المباحث مقننة ومنظمة على شكل قواعد وضوابط لتكون أداة معينة ومساعدة للفقيه في بناء استدلالاته الفقهية وتخريجاته في استنباطاته الفروعية(27)

وما يميِّز هذه القواعد من حيث علاقتها بالاستدلال أنها عبارة عن كُلِّيات وقواعد شرعية عامة مجردة عن عاملي الزمان والمكان, بحيث يتم الاعتماد عليها في استيعاب المستجدات وتلبية الحاجيات عن طريق إدراج وتنزيل هذه الكليات على الجزئيات الطارئة(28)

ومن جهات المنطق التي كانت موضوع اشتغال علماء الأصول جهة المتقابلات, وهذه الجهة عبارة عن مجموعة من المفاهيم والثنائيات التي سخَّرها علماء الأصول في تفهمهم للنصِّ الشرعي.

وهذه المتقابلات عبارة عن مجموعة من المفاهيم والمصطلحات والثنائيات القائمة على مبدأ التقابل, أو هما: «الشيئان اللذان لا يمكن أن يوجدا معاً في جهة واحدة وفي وقت واحد»(29)

وبعبارة ابن سينا في كتابه الشفاهي «كل الأشياء التي لا توجد في موضوع واحد من جهة واحدة في زمان واحد فإنها تسمى من المتقابلات»(30)

والمتقابلات في علم أصول الفقه هي الألفاظ القائمة على مبدأ التقابل, مثل: اللفظ والمعنى, والمنطوق والمفهوم, والواضح والخفي, والمجمل والمبين, والعام والخاص, والحقيقة والمجاز, والمطلق والمقيد, والدلالة الأصلية والدلالة التبعية, والمواضعة اللغوية والمواضعة الشرعية, والإفراد والاشتراك....

ولقد شكَّلت المتقابلات في علم أصول الفقه أهمية كبرى في التمثل وفي اكتساب المعنى؛ لما تنطوي عليه من تقابل ذهني يكون مدعاة للتذكر والاعتبار والتمثل؛ بناءً على أن كل واحد من القسمين وإن اتخذا اسماً معيناً فإن معناه لا يتحقق إلا بمقابلته مع نظيره, وذلك بإرجاع النظير إلى ما يقابله, وهذا القيد شرط في التمثل واكتساب المعنى(31)

ومن أبرز المناطقة المسلمين الذين أشاروا إلى هذا الضابط في تفهم النص وتمثل معناه واستجلاء دلالته أبو نصر الفارابي؛ إذ ذكر في كتابه الألفاظ المستعملة في المنطق «إن استعمل مقابل الشيء؛ فإنه نافع في الفهم من قِبَل أن الشيء إذا رتب مع مقابله فهو أسرع وأجود في التمثل(32)

وهذا المعنى هو ما لفت له الانتباه الإمام ابن حزم في كتابه الفصل؛ إذ أشار إلى أن بواسطة المنطق «تعرف كيف تؤخذ الألفاظ على مقتضاها, وكيف يعرف الخاص من العام, والمجمل من المفصل, وبناء الألفاظ بعضها على بعض»(33)

ومن المقتضيات المنهجية المتعلقة بهذا الضابط أن استدرار المعاني من الألفاظ وتيسير إدراكها وتمثل معانيها في جهاتها المتقابلة لا يتيسر إلا بالنظر في الألفاظ في هذه الجهات المتقابلة مع الاحتكام إلى أصول اللغة ومنطقها في الإبلاغ وسياق الخطاب.

وعلى هذا الأساس لا يُعدل باللفظ من الحقيقة إلى المجاز إلا إذا تعذر حمله على الحقيقة, وشهد لهذا العدول السياق, ولا يحمل اللفظ على العموم إلا بعد تقصي المخصص, ولا يصار إلى المعنى الشرعي إلا إذا تعذر الحمل على المعنى اللغوي, وإذا دار اللفظ بين الانفراد والاشتراك حمل على الإفراد؛ لأنه الأصل, ولا يجوز أن يرد معنيان للفظ واحد في استعمال واحد؛ لأن هذا مما يتنافى مع طبيعة اللغة العربية وقواعدها في الخطاب(34).

ومن المقتضيات المنهجية في اتخاذ المتقابلات سبيلاً في الاستدلال وطريقاً في الفهم لزوم النظر في الخطاب القرآني من حيث هو وحدة دلالية متماسكة ومتسقة تتوافر على كل عناصر الاتساق والانسجام. وهذا مدعاة إلى النظر في هذا الخطاب في مستواه الكلي دون تشطير ولا تجزيء؛ لأن مدار الغلط في التفسير والتمثل هو عدم الجمع بين النصوص المشتركة في الموضوع الواحد(35).

وتبعاً لهذا المعطى فإن الضرورة العلمية والمنهجية اليوم تستلزم من المشتغلين بعلم أصول الفقه الانفتاح على الأنساق الاستدلالية المنطقية المعاصرة, التي عرفت بدورها تطوراً كبيراً في الآونة الأخيرة, وجعْل هذه الأنساق خادمة لمحور الاستدلال وفهم الخطاب في هذا علم أصول الفقه من أجل الاستجابة للإشكالات التشريعية التي تطرحها المستجدات في الحياة المعاصرة, وهي مستجدات تشعبت بشكل كثير, وهي بحاجة إلى بيان حكم الشرع فيها.

المحور الثالث: تداخل علم الأصول مع فقه الواقع

والمحور الثالث في هذا العلم هو محور فقه الواقع, وهو المراد بالاجتهاد التنزيلي(36)؛ ذلك أن تنزيل الحكم الشرعي من النصّ إلى الواقع يحتاج إلى معرفة عميقة بالواقع في حركيته وسكونه وفي ثباته ومتغيراته, والتبصر بمؤثراته وتحولاته دون إغفال أو إهمال ما للملابسات والأحوال والإكراهات التي تعترض المكلف في تفاعله مع هذا الواقع, ويكون لها الأثر في تنزيل الحكم, فالفرق قائم بين أن ينزل الحكم الشرعي مجرداً عن الإضافات والتوابع, وبين أن تراعى تلك التوابع والإضافات واللواحق في تنزيل الحكم الشرعي إلى الواقع المعاش.

فالمجتهد في الخطاب ليس عمله قاصراً على تفسير الخطاب واستنباط الحكم الشرعي منه, فهذا العمل يعدّ خطوة أولية فقط, تليها خطوة أخرى ربما كانت أكثر أهمية, وهي تنزيل الحكم الشرعي على تصرفات الناس في واقعهم الاجتماعي الذي يعيشون فيه(37)

ويُعدُّ الإمام أبو إسحاق الشاطبي من أبرز علماء أصول الفقه الذين عملوا على تأصيل هذا النوع من الاجتهاد ــ فقه التنزيل ــ إذ اشترط على المجتهد أن يكون على اطلاع على «الجهة التي ينظر فيها؛ لينزل الحكم الشرعي وفق تلك الجهة»(38).

ومما قرره في سياق حديثه على دور المقاصد في تنزيل الحكم الشرعي أن إهمال المقاصد في الاجتهاد من شأنه أن يجعل الاجتهاد خارجاً عن الطريق, ومنحرفاً عن السبيل المرسوم له, فمن حاد عن المقاصد اختل حكمه واضطرب فهمه للشريعة الإسلامية.

وعلم مقاصد الشريعة من أبرز العلوم التي تسهم في تعريف الفقيه بهذا النوع من الاجتهاد, فهو من العلوم المبصرة بالواقع والكاشفة له, وهي الرابط الجامع لأحكام الشريعة والمعينة على تحويل ما تم استنباطه من النص من أحكام, وما تم اكتسابه من معانٍ شرعية كلية أو جزئية إلى تصرفات واقعية مجسدة في الواقع وكذا في تصرفات المكلف(39)

وهذا ما يملي علينا أن نقول: إن الإمام الشاطبي من أبرز علماء الأصول الذين حققوا مبدأ التكامل بين العلوم؛ إذ عمل على تقريب علم الأصول مع العلوم ذات القرابة المعرفية.

هذه الاعتبارات تملي علينا الاعتراف بأن الفقيه اليوم هو الفقيه المتمكن بأحوال عصره وأوضاعه وثقافته ومشاكله اليومية, والمطلع على الثابت والمتغير في هذا الواقع. وبعبارة ابن القيم: «هو الذي يجمع بين النص والواقع, ويحقق التواصل بين ما هو نظري وما هو تطبيقي, لا من يلقي العداوة بينهما, ويقطع التواصل بينهما, فلكل زمان حُكْم, والناس بزمانهم»(40).

ومن شأن هذه المعرفة أن يكون لها الأثر الأكبر في تنويع الحكم الشرعي تبعاً للحال والوضع الذي يكون عليها المكلف, قال الإمام الشاطبي: «إن النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة والعامة على درجة واحدة»(41).

وبمقدار فقه الواقع يمكن للمجتهد أن ينجح في تحقيق أغراض الدين والوصول إلى مقاصد التشريع, ويقي نفسه من الفوضى التشريعية التي عرفتها الساحة الثقافية في الآونة الأخيرة بسبب التدفق العشوائي والسيولة في المعرفة الدينية الآتية من خارج التخصص, والتي أسهمت فيها بعض الفضائيات التي تقدّم برامج للفتوى لأشخاص لا علاقة لهم بعلوم الشريعة ولا بصناعة الفتوى في شروطها وضوابطها ومجالاتها, وهو ما جعل المعرفة الدينية مرتادة لكل من هبَّ ودبَّ, يقدمها العالم والجاهل.

ومن العلوم المعينة على هذه المعرفة بالواقع والتي يلزم على المفتي الاستعانة بها: العلوم الإنسانية؛ لأن الاستعانة بنتائج العلوم والمعارف الإنسانية ضرورة منهجية من أجل التعرف على مكونات المجتمع واستكشاف الواقع والوقوف على تحولاته. وإن كانت الحاجة ماسة إلى تلخيص هذه العلوم من توجهاتها المذهبية وخلفياتها العقدية ومرجعياتها الفكرية.

وهذه المعرفة وإن كانت ليست في مقدور الفقيه اليوم ــ بحكم تشعب العلوم, وتفرع مسالكها وتنوع اختصاصاتها ــ فإن الضرورة العلمية تلزم عليه الاستعانة بأهل الخبرة والمعرفة بهذه العلوم في استكشافه لهذا الواقع. ومن ثم فإن التواصل بين فقيه النص وفقيه الواقع من شأنه أن يجيب على الإشكالات التشريعية والتساؤلات الفقهية التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم, وهذا ما يحقق مقاصد التنزيل, ويجعل العملية الاجتهادية أكثر سداداً في إصابة الحق.

فالصيغة المثلى في الاجتهاد هي اللجوء إلى الاجتهاد الجماعي الجامع يبن فقهاء النصوص وخبراء الواقع؛ لأن الفقهاء يعلمون النصوص ومقاصدها, والخبراء يعرفون الواقع ومآلاته وتحدياته وإكراهاته وإمكانياته ومؤهلاته؛ لأنهم يعتمدون على المعطيات العلمية المشيدة على البحوث الميدانية, والرصد المستمر للظواهر الإنسانية والبيانات الإحصائية. فمن شأن هذا الجمع أن يجعل العمل الاجتهادي أكثر استيعاباً للقضية وإلماماً بالموضوع المطروح في جميع الجوانب والمستويات؛ لأن الحكم الشرعي مركب بين المعرفة بالنصِّ والمعرفة بالواقع, وبهذا الجمع يكون الاجتهاد قريباً إلى الصواب والسداد.

وهذا التواصل إن كان يشغل معادلة صعبة بسبب تباعد أطراف هذه المعادلة من حيث التكوين واختلاف التخصصات؛ فإن الظرف التاريخي الراهن يتطلب جهوداً متنوعة ومتواصلة تتواصل فيها المعارف, وتلتقي فيها الخبرات, وتتقارب فيها المهارات, وتعْبر فيها هذه المعارف إلى جميع العلوم من أجل إعادة الحياة للاجتهاد, وحل الإشكالات التشريعية الدقيقة والكثيرة التي تطرحها الحياة المعاصرة اليوم. وكذا من أجل بعث حركية جديدة للفقه الإسلامي؛ تحقيقاً لأحد ثوابت الخطاب الإسلامي وهو استمرار هذا الخطاب باستمرار الحياة الإنسانية(42)

خـاتــمة:

هذه الأهمية التي يحظى بها علم أصول الفقه على مستوى الفقه والتشريع هو ما كان حافزاً لتلاقي مجموعة من العلوم والمعارف, وتواصلها خدمة للهدف التشريعي الذي من أجله أسس هذا العلم, والذي يتحدد في ضبط الفهم وضبط الاستنباط.

والتلاقي بين علم الأصول والعلوم ذات الصلة بموضوعه أو بمنهاجه شكّل أحد تجليات التكامل المعرفي بين العلوم والمعارف في الثقافة العربية الإسلامية(43), وهو تكامل يكاد يكون قاسماً مشتركاً بين جميع العلوم التي ظهرت في الثقافة العربية الإسلامية.

وهذا مدعاة إلى ضرورة مراجعة هذا العلم في موضوعه ومناهجه؛ لأن من شأن هذه المراجعة أن تساعد على تحقيق عملية التواصل بشكل أكثر بين المعارف التي لها قرابة علمية أو صلة معرفية بموضوعه ومناهجه, خاصة ما كان من العلوم الإنسانية المعينة والمساعدة على تبصر الفقهاء في استكشافهم للواقع الذي هو موضوع اشتغال الفقيه في استنباطاته, أو في تنزيله للأحكام الشرعية(44)

وهذه المراجعة لها أثر على الدفع بعملية الاجتهاد سواء اتصل هذا الاجتهاد بالنصّ أم بالواقع.

ولما كان أصول الفقه من العلوم المنهجية والجامعة لعدد من الأنساق المعرفية والمنهجية التي عبَرَت لمباحثه, وتسللت إلى أبوابه؛ فإن الضرورة المنهجية تستدعي إعادة النظر من مجالات اشتغاله وتوسيع من محاوره؛ حتى يتسنى له جمع عدد أكبر من أشكال وأنساق المعرفة الإنسانية(45)

ومن تجليات هذه المراجعة تصفيته من الشوائب والمباحث التي لحقت به والتي أقحمت فيه دون أن تكون لهذه المباحث صلة منهجية أو قرابة معرفية بهذا العلم, والعمل على صياغته صياغة معاصرة, وعرضه بأسلوب جديد؛ حتى يكون أكثر إثارة بين المشغلين بقضايا الاستنباط والاجتهاد(46)

ومن المقتضيات المنهجية في مراجعة هذا العلم ضرورة التوسع من مجال اشتغاله حتى يشمل قطاعات معرفية أخرى لها قرابة معرفية مع علم أصول الفقه, خاصة ما اتصل بتفسير بالنصوص القانونية؛ فالقواعد الأصولية في التفسير قادرة على أن توظف وتستثمر في تفسير النصوص القانونية, وهذا يُعد أحد أشكال عبور مباحث هذا العلم إلى العلوم الأخرى(47)

فالقواعد اللغوية التي أسسها علماء الأصول, واشتغلوا بها في تفسيراتهم للنصوص الشرعية, واستمدوها بعد استقرائهم للغة العربية هي قواعد صالحة لتفسير النصوص القانونية المدونة باللغة العربية؛ لأن هذه القواعد هي قواعد لغوية مستقرأة من اللغة العربية في أدائها للمعنى وطرقها في تبليغ الخطاب, فهي قواعد صالحة إلى فهم المواد القانونية المصاغ باللغة العربية, وتمثل دلالتها(48)

فهذه القواعد لها من المؤهلات العلمية والقدرات التفسيرية في القراءة والتفسير مما يرشحها لأن تكون أدوات لتفسير النصوص القانونية المدونة باللغة العربية, «وإنها لنعم العون على فهم المعاني وترجيح الأقوال وما أحوج المفسر إلى معرفتها»(49)

......................

المراجع والمصادر:

(1) جاء في مستصفى الإمام الغزالي 1/3 في سياق حديثه على علم أصول الفقه: (فأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل مع السمع, واصطحب فيه الرأي مع الشرع, وعلم أصول الفقه من هذا القبيل). وفي كتاب قواطع الأدلة رأى الإمام السمعاني الشافعي المذهب أن علم أصول الفقه: هو (أصل الأصول وقاعدة العلوم) 1/17.

(2) صنّف ابن خلدون في مقدمته العلوم إلى قسمين: علوم مقصودة بالذات؛ كالشرعيات من تفسير وحديث وفقه وعلوم وسيلة خادمة للعلوم الأصلية مثل العربية للشرعيات والمنطق للفلسفة. يراجع المقدمة 544.

(3) يراجع مقدمة المحقق يوسف القرضاوي لكتاب الشاشي الحنفي الصادر عن دار الغرب الإسلامي: 2001م.

(4) يراجع: دراسات الطبري للمعنى من خلال تفسيره. للدكتور محمد المالكي, ص21، منشورات وزارة الأوقاف. 2000م.

(5) جهود الطبري في دراسة الشواهد الشعرية للدكتور محمد المالكي: 12. منشورات كلية الآداب، فاس، المغرب: 1994م.

(6) التسهيل في علوم التنزيل، لابن جزي الكلبي: 1/6.

(7) تجديد المنهج في تقويم التراث، لطه عبد الرحمن: 93.

(8) الدرس الدلالي عند الإمام الشاطبي، للدكتور عبد الحميد العلمي, 213.

(9) المحصول، للرازي, 1/221.

(*)للـوقوف على هذا الإشكال الرابط بين اللغة العربية واستنباط الأحكام يراجع: في الإحكام، لابن حزم 1/52: (إنه لا بد للفقيه أن يكون نحوياً ولغوياً وإلا فهو ناقص, ولا يحِل له أن يفتي لجهله بمعاني الأسماء وبُعْده عن فهم الآيات), وفي الموافقات: (لأن الشريعة عربية, وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم), وفي موضع آخر: (فالحاصل أنه لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب) 4/117. وفي نهاية السول: 1/171، لجمال الدين الإسنوي: (ولما كان الكتاب العزيز وارداً بلغة العرب كان الاستدلال متوقفاً على معرفة اللغة ومعرفة أقسامها), وفي البحر المحيط للزركشي: «ولما جاءت شريعتنا بلغة العرب وجب النظر فيها وكيفية دلالتها من حيث وضعها» البحر المحيط 2/233. وفي شرح مختصر الروضة: 4/107 «إنه من لا يعرف اللغة لا يمكنه استخراج الأحكام من الكتاب والسُّنَّة». وهذه النصوص على كثرتها جاءت لتؤكد قوله تعالى: { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [يوسف، الآية: 2], وقوله سبحانه: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم، الآية: 5].

(10) بنية العقل العربي, للدكتور محمد عابد الجابري, ص56.

(11) التقريب لحد المنطق, ص272, تحقيق إحسان عباس.

(12) الموافقات 2/66. جاء في كتاب البرهان لإمام الحرمين: 1/130 (اعلم أن معظم الكلام في أصول الفقه يتعلق بالألفاظ والمعاني, أما الألفاظ فلا بد من الاعتناء بها؛ فإن الشريعة عربية).

(13) يراجع هذه التخريجات في كتاب: الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية، لجمال الدين الإسنوي: 217.

(14) الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، للدكتور عبد المجيد الصغير, ص31, دار المنتخب لبنان.

(15) تفسير النصوص لأديب صالح, 1/9.

(16) أشار الإمام الشاطبي إلى أن أغلب (ما دوّن وصنّف في علم أصول الفقه هو من المطالب العربية)4/117.

(17) من الدراسات التي حاولت البحث في أوجه التشابه بين الدرس الأصولي والدرس اللغوي المعاصر في محور التفسير والتحليل: القراءة في الخطاب الأصولي، للدكتور يحيى رمضان. عالم الكتب الحديث الأردن 2008م. وكذا: ــ دراسة محمد يونس علي: علم التخاطب الإسلامي: دراسة لسانية لمناهج علماء الأصول في فهم النص. دار المدار: 2008م ــ . ودراسة الناقد البحريني أحمد الديري: طوق الخطاب, الصادر عن المؤسسة العربية للنشر: 2008م. ــ يراجع كذلك: التصور اللغوي عند الأصوليين للسيد عبد الغفار: 11. ونظرية السياق: دراسة أصولية لنجم الدين زنكي, 2006م.

(18) جاء في كتاب المستصفى: للإمام الغزالي 1/11: (اعلم أن هذا القطب هو عمدة علم أصول الفقه). يراجع بحث حمد حميد الكبيسي: الدلالة وأثرها في تفسير النصوص. مجلة كلية الشريعة العراقية, ع 8, 1986م.

(19) للوقوف على الإشكال التشريعي الذي تطرحه مسألة تناهي النص الشرعي دون تناهي وقائع البشر يستحسن الرجوع إلى كتاب: الخطاب الشرعي وطرق استثماره، للدكتور إدريس حمادي: 171, حيث عرض لكثير من النصوص التي تناقلها الفقهاء وعلماء الأصول والتي تعبر على هذا الإشكال.

(20) يذكر ابن قدامة المقدسي: 620 هـ, أن الإمام الغزالي هو أول من استعمل المنطق في تأصيلاته الفقهية والأصولية. يراجع الروضة بتحقيق عبد الكريم النملة, 1/7, دار العاصمة 1998.

وقد ذكر عمَّار الطالبي أن أبا نصر الفارابي هو أول من يسر المنطق وقربه للإفهام, واستخدم فيه عبارات الفقهاء ومصطلحات الأصوليين وعمد إلى ضرب الأمثلة من القرآن الكريم. نصوص فلسفية، للدكتور عثمان أمين, 196.

(21) للوقوف على إشكالية مشروعية المنطق في الثقافة العربية الإسلامية يراجع:

(*)الفكر العربي والثقافة اليونانية, منشورات ندوة كلية الآداب الرباط المغرب, 1980م. وكانت من تنظيم شعبة الفلسفة بالكلية.        

(*)مشروعية المنطق، للدكتور طه عبد الرحمن مجلة المناظرة, ع1, سنة 1998.

(*)المنطق وفقهاء الغرب الإسلامي، للدكتور ميمون باريش, 171 رسالة جامعية مرقونة بكلية الآداب الرباط أشرف عليها طه عبد الرحمن.

(*)ودراسة حمو النقاري: المنهجية الأصولية والمنطق اليوناني من خلال أبي حامد الغزالي وتقي الدين ابن تيمية, دار ولادة 1994م.

(*)المنطق والمعرفة عند الإمام الغزالي، للدكتور غلام حسين إبراهيم دار الهادي, 2004م.

(*)المقدمة العلمية، للشيخ عبد الحق التركماني لكتاب التقريب لحد المنطق, دار ابن حزم 2007م.

(22)يذكر الشيخ البوطي في مناقشاته لأبي يعرب المرزوقي: أن مبحث الدلالات في علم أصول الفقه يُعدُّ مبحثاً مستمداً من اللغة العربية, ولا أثر للمؤثرات الخارجية في تكوينه. قال في كتابه: إشكالية تجديد أصول الفقه 162: (تأمل هذه القواعد تجد أنها منبثقة من قانون الدلالات العربية الآتية من الوضع العربي القديم, وإن أحداً من الناطقين باللغة العربية لا يملك أن يغير منها شيئاً بمقتضى رغبته).

(23) المنطق السيني، لجعفر آل ياسين, 17.

(24) ذكر المختار ولد أباه في كتابه «المدخل إلى أصول الفقه المالكي» «أن الدراسات اللغوية لا يمكن أن تنفصل في الميدان التشريعي عن الدراسات المنطقية والبيانية التي ترمي إلى وضع ضوابط تجعل المعنى المقصود في الخطاب يفهم فهماً صحيحاً, واستخلاص هذه الضوابط يحتاج إلى استعراض أصول اللغة وتحديد العلاقات بين الدلالات اللفظية والمحتويات المقصودة» مدخل إلى أصول الفقه المالكي, 28.

(25) يراد بالقاعدة: قضية كلية ينطبق حكمها على جزئيات كثيرة, والقضية هي: قول حكم فيه بشيء على شيء مثل قولنا: زيد ذاهب وعمرو منطلق. يراجع: مصطلحات علم المنطق لرفيق العجم, 625.

(26) التقعيد الفقهي، للدكتور محمد الروكي 155, منشورات كلية الآداب, الرباط.

(27) راجع دراسة ميمون بريش: التداخل بين العلوم: علم أصول الفقه نموذجاً, مجلة البصائر, ع4, س 2007م.

(28) التقعيد الفقهي، محمد الروكي مجلة دعوة الحق, ع2310, س96.

(29) مصطلحات علم المنطق عند العرب,821.

(30) الشفا، لابن سينا, 204.

(31) المنهج الأصولي في فقه الخطاب، للدكتور إدريس حمادي, 101 المركز الثقافي العربي.

(32) الألفاظ المستعملة في المنطق، لأبي نصر الفارابي, 399.

(33) الفصل, 1/40.

(34) وجدت هذه القواعد مبثوثة في كتاب الفصول في علم الأصول، لأبي بكر الجصاص الحنفي. ــ يراجع كتاب الفصول.

(35) قال الإمام الشاطبي في كتابه الاعتصام: «فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة» الاعتصام, 1/244.

(36) للوقوف على حقيقة هذا النوع من الاجتهاد يراجع: في الاجتهاد التنزيلي، لمولود جحيش. كتاب الأمة ع 94, 2003م.

ــ فقه الواقع أصول وضوابط، للدكتور أحمد بوعود منشورات دار السلام: 2006م. ودراسة الباحث ماهر حسين حصورة: فقه الواقع وأثره في الاجتهاد وهي من منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي: 2010م.

(37) الخطاب الشرعي, 127.

(38) الموافقات، للإمام الشاطبي, 4/165.

(39) يراجع المقدمة العلمية التي قدَّم بها الطاهر الميساوي لكتاب مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور. ودراسة الأستاذ بزا عبد النور: مصالح الإنسان مقاربة مقاصدية. منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي 2008م ودراسة الأستاذ الشيخ عبدالله بن بيه: مشاهد من المقاصد. منشورات: مؤسسة الإسلام اليوم. 2010م. وكذا: فقه المقاصد وأثره في الفكر النوازلي لعبد السلام الرافعي. من إصدار إفريقيا الشرق المغرب: 2004م. ودراسة عبد المجيد النجار: مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة. دار الغرب الإسلامي: 2006م.

(40) إعلام الموقعين، لابن القيم: 4/220.

(41) الموافقات: 4/70.

(42) راجع: العولمة وآثارها على الاجتهاد وآفاقه, تنسيق فاروق حمادة, منشورات كلية الآداب الرباط, 2009م. يراجع كذلك: الخطاب الشرعي وطرق استثماره: 141.

(43) إشكالية مفهوم التكامل في الإسلام: بنياتها وتجلياتها، للدكتور عبد المجيد الصغير.

ضمن أعمال ندوة التكامل المعرفي بين العلوم الإسلامية: الأسس النظرية والشروط التطبيقية. دار الحديث الحسنية المغرب, 2009م.

(*) يراجع الندوة العلمية لشعبة الفلسفة: انتقال النظريات والمفاهيم. منشورات كلية الآداب, الرباط, شعبة الفلسفة, 1999م.

(*) يراجع بحث فتحي ملكاوي وهو بعنوان: «مفاهيم في التكامل المعرفي» المنشور في مقدمة العدد 60 من مجلة إسلامية المعرفة سنة:2010م, وهي من إصدارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن.

(44) راجع دراسة عبد المجيد السوسة: تجديد أصول الفقه تاريخه ومعالمه. مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية. مجلد3. ع: 228. ــ يراجع كذلك: نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية، للدكتورة منى أبو الفضل، دار السلام, 2009م, منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

(45) نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية، للدكتورة منى أبو الفضل, دار السلام, 2009م.

(46) قال الإمام الشاطبي في الموافقات 1/42: (كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا يبنى عليها فروع فقهية أو أدوات شرعية أو لا تكون عوناً في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية).

(47) نظرية الاعتبار في العلوم الإسلامية, ص83، عبد الكريم عكيوي, منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي, 2008م.

(48) يراجع أصول الفقه، لخلاف لعبد الوهاب خلاف, 144, يراجع دراسة حميد الكبيسي, الدلالة وتفسير النص، مجلة كلية الشريعة العراقية, 1/1986م.

(49) مقدمة تفسير التسهيل، لابن جزي 1/4.


[1] ـــ التقريب لحد المنطق, ص272, تحقيق إحسان عباس.