دلالة الاستقراء بين القطع والظن عند الأصوليين

العرب.jpg

الحسان شهيد | باحث من المغرب.

يعدّ الاستقراء أحد الأسس الكبرى التي قام عليها العمران العلمي لمفكري الإسلام, وخاصة الأصوليين منهم، بالنظر إلى أنه الأنسب في البحث والأجدى في الوصول إلى النتائج المرجوة من حيث القطع والعلمية.

وإن المتأمل في فلسفة البحث والنظر عند الأصوليين ــ من خلال كتاباتهم وتآليفهم ــ سيتضح له بجلاء أنها قائمة في أساسها على بُعْدٍ منهجي صِرْف، ويبدو ذلك من خلال بنائهم المعرفة الأصولية في صورة قواعد تجمع جزئيات كثيرة وضوابط تندرج تحتها أحكام متعددة، توحي بمعانيها الاستقرائية للنصوص الشرعية.

فما مفهوم الاستقراء الأصولي ؟ وما دلالاته العلمية ؟ وهل بينها وبين دلالاته لدى المناطقة من اختلاف ؟ هذه الأسئلة وغيرها تحاول هذه الصفحات البحث فيها.

أولاً: في معنى الاستقراء INDUCTION

الاستقراء لغة : من استقرأ يستقرئ استقراء, واستقرأه: طلب إليه أن يقرأ، واستقرأ الأمور: تتبع أقراءها لمعرفة أحوالها وخواصها، واقترى البلاد واستقراها وتقراها: تتبعها يخرج من أرض إلى أرض، واستقرأ الجمل الناقة: تركها لينظر ألقحت أم لا(1).

أما من الوجهة الاصطلاحية، فتتعدد معاني الاستقراء بتعدد مجالات الاختصاص.

فعند المناطقة، عرفه أرسطو بأنه «حكم على الجنس لوجود ذلك الحكم في جميع أنواعه، مثال ذلك الجسم إما حيوان أو إنسان أو جماد، وكل واحد من هذه الأقسام متحيز, فينتج عن ذلك أن كل جسم متحيز»(2)، فهو «لا يريد بالأمثلة الجزئية ــ في هذا السياق ــ أفراداً؛ بل يريد أنواعاً، بمعنى أنك تنظر إلى بقرة واحدة، لا على أنها فرد قائم بذاته؛ بل على أنها عَيِّنة تمثل نوعاً بأسره»(3)

وقال ابن سينا: «الاستقراء هو كل كلي لوجود ذلك الحكم في جزئيات ذلك الكلي، إما كلها وهو الاستقراء التام، وإما أكثرها وهو الاستقراء المشهور»(4).

وعرفه الغزالي ــ في معيار العلم ــ بأنه «أن تتبع الحكم في جزئيات كثيرة، داخلة تحت معنى كلي، حتى إذا وجدت حكماً في تلك الجزئيات حكمت على ذلك الجزئي به»(5)، فالاستقراء على هذا المعنى يعمل على ربط النتائج بالأسباب، وذلك بتحديد القوانين التي تضبط هذه الظواهر وبنياتها الداخلية والمخطط النظري الذي يساعدنا على تمهيدها(6).

وعرفه الخوارزمي بقوله: الاستقراء «هو تعرف الشيء الكلي بجميع أشخاصه»(7). أما الجرجاني، فالاستقراء عنده هو «الحكم على كلي لوجوده في أكثر جزئياته، وإنما قال: في أكثر جزئياته؛ لأن الحكم لو كان في جميع جزئياته لم يكن استقراء؛ بل قياساً مقسماً، ويسمى هكذا لأن مقدماته لا تحصل إلا بتتبع جزئياته»(8).

أما الاستقراء في اصطلاح علماء التربية، فله معنيان وإن تقاربا من حيث المضمون: فالأول: هو نمط من الاستدلال، ينتقل بموجبه الفكر من ملاحظة ودراسة حالات جزئية إلى استخلاص حكم كلي يتم تعميمه على باقي الحالات المتشابهة للحالة الملاحظة.

والثاني: قدرة المتعلم على التدرج من الجزء إلى الكل، ومن المثال إلى القاعدة، ومن الحالات الجزئية إلى الكليات والأفكار العامة، ويشمل القدرة على ربط الحقائق بعضها ببعض للوصول إلى فكرة جديدة أو قانون عام(9).

ولا يبتعد مفهوم الاستقراء عند علماء الفقه والأصول عما سبق ذكره من تعريفات، فأبو حامد يرى أنه «عبارة عن تصفح أمور جزئية لنحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات»(10).

وعرَّفه الإمام القرافي بأنه «تتبع الحكم في جزئياته على حالة يغلب على الظن أنه في الصورة النزاع على تلك الحالة»(11).

وقال الرازي: «الاستقراء المظنون هو إثبات الحكم في كلي لثبوته في بعض جزئياته»(12).

أما ابن قدامة، فالاستدلال بالاستقراء عنده «هو عبارة عن تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها على مثلها»(13).

ولعل من أوضح تعاريف الاستقراء ذاك الذي أودعه الإمام الشاطبي في موافقاته بقوله: هو «تصفح جزئيات ذلك المعنى لِيَثْبُتَ من جهتها حكم عام، إما قطعي وإما ظني، وهو أمر مسلم عند أهل العلوم العقلية والنقلية، فإذا تم الاستقراء حكم به في كل حكم تقدر»(14)

وإلى ذلك أشار ابن عاصم في منظومته الأصولية:

وهناك الاستقراء خـذه رسمـا       تتبــع الجـزئــي حكـمــاً حكـمــا

ثم يــرى والحكــم فـيه يطّــردْ   بــذلـك الحـــكــم حيثـمــا يـَـــرِدْ(15)

أما تعريفات المتأخرين لمصطلح الاستقراء، فلم تتميز عما ذكره سابقوهم من المتقدمين، منها على سبيل المثال:

تعريف المشاط إذ قال فيه: «تصفح الجزئيات ليحكم بها على أمر يشمل تلك الجزئيات، فهو استدلال بثبوت الحكم للجزئيات على ثبوته للكلي، عكس القياس المنطقي، وهذا هو الاستقراء التام»(16)

وكذا محمد باقر الصدر الذي قال بأنه «كل استدلال تجيء النتيجة فيه أكبر من المقدمات التي أسهمت في تكوين ذلك الاستدلال»(17)، أو هو «تلك العملية التي بواسطتها يمكننا الانتقال من معرفة الوقائع إلى القوانين التي تخضع لها»(18).

أما من المعاصرين فقد حدده قطب مصطفى سانو «بأنه استدلال بثبوت حكم في الجزئيات، بناءً على ثبوته في الأمر الكلي لتلك الجزئيات»(19)، كما عرفه محمد محمد أمزيان بأنه المسلك الذي «يستخدم في إثبات الحقيقة العلمية، ويعتمد على الانتقال من الحكم على البعض إلى الكل على سبيل التعميم، وذلك بملاحظة الجزئيات وإيراد التجارب عليها كلما أمكن ذلك، ثم الارتقاء إلى نتائج عامة في صورة قوانين تضيف جديداً إلى المعرفة العلمية»(20).

وعليه فالدليل الاستقرائي نستدل به على ما نعرفه حقيقة في حالة أو حالات جزئية؛ ليصبح حقيقة في كل الحالات المشابهة للأولى من خلال بعض العلاقات المسوغة لهذا التشابه(21)

مـــلاحـــظ

بعد هذا الجرد المتنوع لأهم تعاريف الاستقراء عند كل من أهل الفلسفة والمنطق من جهة، وأهل الفقه والأصول من جهة أخرى، يمكن الخروج بالملاحظ الآتية:

أ ـــ أن الاستقراء في أصله دليل مشترك بين مختلف التخصصات العلمية، فهو منهج بحث وتتبع لجملة أفراد وجزئيات وأنواع ترشد إلى تكوين وصياغة قاعدة عامة، وقانون مطرد يستمر في بيان وكشف حقائق الأمور.

ب ـــ أن منهج الاستقراء في الفلسفة اليونانية ــ وخاصة المنطق الأرسطي ــ يتفرع عنه استقراء تام يفيد القطع والعلم اليقيني، كما يتفرع عنه استقراء ناقص يفيد الظن، أما جمهور الفقهاء والأصوليين، فالاستقراء الناقص يفيد الظن الراجح الذي يرتقي إلى مرتبة القطع؛ لغلبة الظن فيه.

ج ـــ أن من الأسس المادية للاستقراء في العلوم العقلية مسألتي الملاحظة والتجربة ثم وضع الفروض، وهذه عناصر أساسية تفضي إلى نتيجة، هي القاعدة أو القانون الاستقرائي، أما في علمي الفقه وأصوله فيختلف الأمر في بعضها؛ إذ يتم التركيز فيهما على تتبع الجزئيات واقتفائها، ومن ثم تعميم النتيجة المتحقق منها في تلك الفروع، وهذا ما يؤدي إلى حكم عام شامل كلي.

فالاستقراء إذن:

عملية علمية استدلالية.

القائم بها: متخصص في العلم المبحوث فيه.

منهجه: تتبع وتصفح كل الجزئيات والأفراد للمسألة أو أغلبها.

غايته: صياغة حكم كلي أو قاعدة عامة مستغرقة لكل الفروع أو أكثرها.

فائدته: الاستدلال به على بيان المسائل الأخرى وفهم الخطاب جملة.

ثانياً: في حجية الاستقراء

اختلف الفقهاء والأصوليون حول حجية دليل الاستقراء، ويعود ذلك إلى أسباب سأذكرها عقب التعرف على كل مذهب من المذاهب.

فالاستقراء بحسب تقسيمه التقليدي ضربان: استقراء تام واستقراء ناقص:

أما الاستقراء التام: فهو حجة عند جميع الفقهاء والأصوليين؛ لأنه ضرب من الاستدلال العقلي المنطقي، الذي لا يدع مجالاً للعاقل للشك في حجيته والظن في دلالته, وفي هذا يقول الناظم:

فـإن يعــم ذي اشتقـاق          فـهــــو حـجـــة بالاتـفـــاق

وقال الشارح: «فالتام هو أن يعم الاستقراء غير صورة الشقاق؛ أي: النزاع، بأن يكون ثبوت الحكم في ذلك الكلي بواسطة إثباته بالتتبع في جميع جزئياته ما عدا صورة التنازع، وهو دليل قطعي في إثبات الحكم في صورة النزاع عند الأكثر ولا خلاف في حجيته»(22)

أما الاستقراء الناقص أو غير التام فهو الذي كان محل النزاع بين العلماء، أما المالكية والشافعية والحنابلة فيعدّ عندهم حجة في الاستدلال؛ لأن الغالب الأكثري في رأيهم كحكم الكلي العام، فيلحق الفرد النادر الخارج بالأعم الأغلب.

يقول الإمام القرافي بعد بيانه لدلالة الاستقراء الناقص المفيدة للظن: «وهذا الظن حجة عندنا وعند الفقهاء»(23). أما الإمام الغزالي فرأى أن الاستقراء «إن لم يكن تامّاً لم يصلح إلا للفقهيات؛ لأنه مَهْما وجد الأكثر على نمط غلب على الظن أن الآخر كذلك»(24).

فالاستقراء الناقص عند الإمام الغزالي يفيد ظناً راجحاً، يغلب عليه ميل إلى القطع، التي ترفعه إلى مرتبة الحجية المعتبرة، وعلى هذا السبيل ثبت عند الإمام الشافعي أن «أقل سن الحيض تسع سنين وأن أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر، وغالبه ست أو سبع، ومعلوم أن الشافعي لم يستقرئ حال جميع نساء العالم في زمانه، ولا حال أكثرهن، بل ولا حال نصفهن ولا ما يقرب منه، فضلاً عن نساء العالم على الإطلاق للقطع بعدم استقرائه حال جميع الأعصار المتقدمة عليه»(25)، وكان هذا هو مسلك الإمام الشافعي في تقرير كثير من أحكامه الشرعية وقواعده الأصولية(26).

وهو رأي إمامنا الشاطبي كما تبين وكما سيتضح أكثر فيما بعد؛ لأنه عادة ما يقيم معرفته العلمية في علوم الشريعة على قاعدة «أن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي»، ثم قاعدة «غلبات الظنون معتبرة في الشريعة».

ولا يفيد حكم الاستقراء الناقص لا القطع ولا الظن عند الإمام الرازي، ويستدل بأن من الشائع قولهم: «الجزئي لا يثبت الكلي؛ لجواز اختلاف الجزئيات في الأحكام، واستقراء بعض الجزئيات، مع عدم استقراء بعضها الآخر استقراءً جزئياً، فلا يثبت الحكم في الباقي؛ لجواز أن يكون حكمه مخالفاً لما استقرئ، فالحكم على الباقي بواسطة هذا استقراء باطل»(27).

أما الحنفية فلم يعترفوا بالاستقراء الناقص بصفته دليلاً مستقلاً في إثبات الأحكام الشرعية، ذهاباً منهم إلى أنه راجع إلى القياس إذا دل على وصف معتبر جامع لجميع الجزئيات، أو أنه راجع إلى العرف والعادة(28).

أما ابن حزم فكان أكثر صراحة في موقفه من الاستقراء بنوعيه؛ إذ حذر طالب الحقيقة والعلم ألا يعتمد إلا على ما تم من استقراء، فقال: «ينبغي لكل طالب حقيقة أن يقر بما أوجبه العقل، ويقر بما شاهد وأحس، وبما قام عليه برهان راجع إلى الناس المذكورين، وألاّ يسكن إلا إلى الاستقراء أصلاً، إلا أن يحيط علماً بجميع الجزئيات التي تحت الكل الذي يحكم فيه، فإن لم يقدر فلا يقطع في الحكم على ما لم يشاهد، ولا يحكم إلا على ما أدركه، دون ما لم يدرك»(29)

فالاستقراء الناقص عند ابن حزم دلالته لا تقوى على طلب الحق وعلى إدراك المعرفة اليقينية، «وهذا لا يعني أن الاستقراء لا يكون تكهناً وتحكماً إلا إذا كان استدلالاً بالشاهد على الغائب، وتسوية بين طرفين لا متساويين؛ كالخالق والمخلوق والطبيعة وما فوقها، والإنسان والله، أما إذا كان توسيعاً وتعميماً لنتائج تجاربنا على تجارب أخرى لم نخبرها، فإن اطراد حوادث الطبيعة، واستمرارها وسببيتها ــ وكل ذلك معلوم عقلاً ــ ينتج لنا ذلك»(30)، وبالتالي لا يجوز الركون إليه وعدّه حجة قطعية في جميع الحالات؛ لأن إسقاط القياس من الاستدلال عنده مؤثر في إسقاط الاستقراء ابتداءً ومن باب أولى.

هذه أهم المواقف الأصولية من حجية الاستقراء بنوعيه، ولعل هذا الاختلاف بين العلماء مرده إلى أمور أهمها:

الأول: أن ورود أدلة أخرى من جهة أولى تغني عن إعمال دليل الاستقراء على حالته الظنية، لا في حالة اعتباره واعتماده من حيث الأصل كما هو ثابت عند الحنفية.

الثاني: أن دليل استقراء لا يصح الاستناد إليه في إدراك الحقائق العلمية، ولا يمكن الاحتجاج به؛ لأنه غير صالح على الإطلاق في التماس القطع، وهو رأي متأثر إلى حد ما بالاعتبارات المنطقية القادحة في الاستقراء الناقص، وعلى ذلك سار ابن حزم الظاهري.

الثالث: أن غالب الظن معتبر في الاستدلال وصحيح في الاحتجاج به؛ لأنه بمثابة العام الكلي المفيد للقطع؛ لأن النوادر وآحاد الجزئيات لا يقدح تخلفها في سلامة الكليات وقطعيتها، وعلى ذلك رأي الإمام الشاطبي وباقي المالكية وكذا الشافعية.

ثالثاً: في دلالة الاستقراء التام

L’INDICATION DE L’INDUCTION COMPLÈTE

الاستقراء التام يفيد القطع

لا يختلف أهل العلوم النقلية أو العقلية في أن الاستقراء التام يفيد القطع والعلم اليقيني؛ بل هو ــ من حيث أصله ــ تم على تمام حكم أو معنى يقوم عليه بحسب الضرورة المنطقية والعقلية، فلا ينتج عنه إلا قانون عام مطرد خال من الشذوذ ولا يتطرق إليه احتمال.

فالاستقراء التام المحصي لكل الجزئيات لا يعدو أن يدل على أحكام قطعية وعلوم يقينية بالطبيعة، فثبت بهذا ــ كما قال الغزالي ــ أن الاستقراء إن كان تاماً رجع إلى النظم الأول وصلح للقطعيات، فيحصل من هذا أن التام يفيد العلم(31).

ويطلق على هذا النوع من الاستقراء اسم القياس المنطقي الثابت فيه العلم والقطع عند أهل المنطق(32)

ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن موجة إعادة النظر في المناهج العلمية، والثورة الفكرية ــ اللذين عرفهما البحث العلمي في الآونة الأخيرة ــ قد أفرزتا تصورات جديدة حول منهج النظر بالاستقراء، الذي أصبح لدى بعض المذاهب المنهجية لا يلبي الرغبة القطعية في كل ضروبه، وليس وسيلة يقينية للحصول على علم قطعي أو مضبوط(33)، كما جاء أيضاً «الفكر الحديث مبدياً عدم تفاؤله بأي حل لإنقاذ المعرفة البشرية من براثن الشكوك والظن»(34)؛ لأنه في نظر أصحابه يتميز بخصائص(35) منها:

أولاً: أن نتائج استدلاله ليس بالضرورة صحيحة.

ثانياً: وأنه لا ينطلق بالضرورة من مقدمة أو مقدمات منطقية.

وانطلاقاً من ذلك فمشكل الشك في الاستقراء ممكن عند البعض الآخر؛ لأنه من الواضح أن الناس يميزون بين ما هو صائب أو غير صائب في الغايات الاستقرائية(36).

وأعود إلى التمثيل في هذا المطلب بما جعلته مثالاً في استثمار الاستقراء التام؛ للارتباط الوثيق الذي يجمعهما، ولأنه يخدم الغرض نفسه.

ومن ذلك مسألة تلازم وتوافق الأدلة الشرعية لقضايا العقول، حيث استدل الشاطبي على هذه القاعدة بعدة وجوه، من بينها وجه الاستقراء التام الذي يفيد القطع بها، حيث رأى أن مورد التكليف هو العقل، وذلك ثابت قطعاً بالاستقراء التام»(37)، وهذا الأمر مسلّم؛ لأن تمام الاستقراء واستغراقه لكل الفروع المستقرأة ينشأ عنه القطع واليقين وبالعلم المحصول.

كما يؤكد الشاطبي هذه القطعية من خلال موافقته لمستشكل أو معترض على مدى اعتبار الجزئي بعد حصول العلم والقطع بالقاعدة الكلية مع تحفظه على بعض التفصيلات التي رآها غير مناسبة للوفاق عليها؛ «لأن الاستقراء قطعي إذا تم، فالنظر الجزئي بعد ذلك عناء، وفرض مخالفته غير صحيح، كم أنا إذا حصلنا من حقيقة الإنسان مثلاً بالاستقراء معنى الحيوانية لم يصح أن يوجد إنسان إلا وهو حيوان، فالحكم عليه بالكلي قطعي لا يتخلف»(38).

وليبيّن أبو إسحاق أكثر قطعية أحكام الاستقراء ونتائجه المستخلصة من كماله، نَلْفَاهُ يساوي في القطعية بين الأصول الكلية الثابتة بالاستقراء ومن تتبع الفروع والأفراد، وبين الأصول المعتبرة بالأدلة القطعية المعينة، إلى حد ترجيحها عنها حالة ارتفاعها عليه من حيث القوة، كما تأخذ حكمها كباقي الأصول الثابتة يقول: «والأصل الكلي إذا كان قطعياً، قد يساوي الأصل المعين وقد يربى عليه بحسب قوة الأصل المعين وضعفه، كما أنه قد يكون مرجوحاً في بعض المسائل حكم سائر الأصول المعينة المتعارضة في باب الترجيح»(39).

وفي مجال التقعيد لأصول الفقه وإثبات يقينيتها المفيدة القطع، استثمر الاستقراء الكلي التام أسلوباَ مهماً للوصول إلى ذلك، فرأى أن دلالة أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية، وترجع بالأساس إلى وجهين: «أحدهما: أنها ترجع إما إلى أصول عقلية وهي قطعية، وإما إلى الاستقراء الكلي من أدلة الشريعة، وذلك قطعي أيضاً، ولا ثالث لهذين إلا المجموع منهما والمؤلف من القطعيات قطعي»(40).

فالاستقراء التام ــ كما سبقت الإشارة ــ يحصل منه العلم المفيد للقطع، الذي لا يمكن مخالفته أو التغاضي عن نتائجه العلمية؛ لأنه تترتب عنه أحكام شرعية عديدة، تلزم المكلف وتنبني عليها فروع فقهية أخرى ينبغي اعتبارها.

وتبقى من أهم الإشكالات المطروحة في مجال بحث دلالة الاستقراء التام ومنهجه العلمي في علوم الشريعة عند الأصوليين: مفهوم التمام أو الكلية المنسوبة إلى الاستقراء في تلك الأبواب الشرعية؛ إذ كيف يتصور تتبع وتصفح كل الجزئيات والفروع المندرجة تحت ذلك الحكم من دون استثناء، ومن دون نقص أو تقييد ؟، خاصة إذا علمنا تعذر ذلك على كل تقدير في مجال العلوم الإنسانية، وهذا ما جعل بعضهم يتساءل عن الأساس الذي يعتمد عليه في الانتقال من الجزئي إلى الكلي؛ أي من الحوادث المشاهدة إلى غير المشاهدة، ذاهباً إلى أن طرق الاستقراء لا تجيز هذا التمام والتعميم؛ «بل يبرهن على صدق الفرضية بالنسبة إلى الحقائق المشاهدة لا غير»(41)؛ لكن بعضهم الآخر يحدد دراسة عملية الاستقراء في مسألتين: «الأولى مسألة المبدأ أو البادئ التي تقوم عليها فكرة المنهج التجريبي نفسه، وثانياً مسألة الضمان الذي يضمن لنا الانتقال من الحالات الجزئية المشاهدة إلى وضع القانون العام»(42).

هذا بالإضافة إلى أن «قطعنا بالنتيجة الاستقرائية يتوقف على استحضار كل الجزئيات وتتبعها بشكل مطلق، فإن الاستقراء سيكون بالضرورة ناقصاً ما دام حصول ذلك غير ميسر»(43). وعليه فإن بعضهم يعتقد أن عملية الاستقراء تتم عبر استحضار مراقبة ليست نهائية إلا لما هو استثنائي، ولا يتم الوصول بها إلى الحقيقة في المعرفة العلمية إلا بإقصاء الأخطاء(44) أو الحالات غير المنسجمة مع المبدأ العام.

فهل هذا ينطبق على دراسات وبحوث الأصوليين في ميدان العلوم الشرعية، ذلك ما سأحاول معالجته في المطلب الثاني من هذا المبحث.

مفهوم التمام عند الأصوليين

من المفيد في تحرير هذا المفهوم إيراد تعريفات بعض الأصوليين للاستقراء؛ لأنها تحمل إشارات مهمة في ضبط ذلك، فالاستقراء عند أبي حامد: «إذا كان تاماً رجع إلى النظم الأول، وصلح للقطعيات، وإن لم يكن تاماً لم يصلح إلا للفقهيات؛ لأنه مَهْما وجد الأكثر على نمط غلب على الظن أن الآخر كذلك». ويظهر أن الغزالي قد قسم الاستقراء بحسب التقسيم المنطقي، غير أنه قد منح لعلوم الشريعة خصوصية المجال التداولي والطبيعة العلمية بحسبانها الاستقراء التام له من الاعتبار الظني على غير ما استقرئ، وبهذا يندر ورود استقراء تام، وعلى فرض وروده فهو قطعي، وما عداه يلحق بالظني، أما تعريف الشاطبي فهو «تصفح جزئيات ذلك المعنى ليثبُتَ من جهتها حكم عام، إما قطعي وإما ظني، وهو أمر مسلّم عند أهل العلوم العقلية والنقلية، فإذا تم الاستقراء حكم به في كل حكم تقدر, وهو معنى العموم المراد في هذا الموضع»(45).

وما ينفعني في هذه المسألة هو الشق الثاني من التعريف الذي:

يسلم فيه الشاطبي باشتراك مفهوم الاستقراء بين أهل العلوم العقلية والنقلية.

ويربط فيه بين دلالة مفهوم الاستقراء ودلالة مفهوم العام.

ويركز فيه بقوة على الجانب المعنوي في العملية الاستقرائية.

فكيف يمكن فهم التمام في الاستقراء على ضوء هذه المعطيات الجوهرية ؟ وما أوجه التسليم به بين أهل الاختصاص النقلي والعقلي ؟ وما سر الربط بين دلالة العام ودلالة الاستقراء عنده ؟

يعدّ الاستقراء التام ــ بالمفهوم المنطقي ــ حُكْم على الجنس؛ لوجود ذلك الحكم في جميع أنواعه(46)، وهو الذي يصفه أهل هذا الاختصاص بالقياس المقسم أو القياس المنطقي(47)؛ أي: أن التام لا يخرج منه فرد واحد من الأفراد أو نوع واحد من الأنواع، فهو حكم يشمل كل الجزئيات والفروع من دون استثناء. فهل هذا المعنى وارد أو قابل للورود في مجال العلوم الشرعية التي يعمل فيها الشاطبي ؟.

والملاحظ أن المطلع على إنتاجات الأصوليين في هذا الصدد بالخصوص، يستوقفه تحاملهم الواضح والبين على علم المنطق وأهل علم المنطق، وآلياتهم التي يوظفونها في مناهج البحث التي لا تتناسب مع طبيعة البحث في العلوم الشرعية، وخذ على سبيل التمثيل مناقشة الشاطبي للقاعدة الشرعية (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)(48) ، التي وظّف في فقهها بعض المتحمسين للمناهج المنطقية اعتباراتهم الفلسفية، حتى أخلّوا بالمعنى والقصد الشرعي، فلم تتخلص لهم المسألة ولم يفد الإتيان بها، فقال معقباً عليهم: «واعلم أن المراد بالمقدمتين ها هنا ليس ما رسمه أهل المنطق على وفق الأشكال المعروفة، ولا على اعتبار التناقض والعكس، وغير ذلك وإن جرى الأمر على وفقها في الحقيقة فلا يستتب جريانه على ذلك الاصطلاح»(49).

وقال منتقداً أيضاً مسالكهم: «فأتى الفلاسفة إلى تلك الأصول فلقفوها أو تلقفوا منها، فأرادوا أن يخرجوه على مقتضى أصولهم، وجعلوا ذلك عقلياً لا شرعياً، وليس الأمر كما زعموا»(50)

فإذا لم يكن هذا الرأي المخالف الذي يتبناه الشاطبي لمنهج أهل المنطق وآلياتهم قادحاً في أساس اعتباره وإعماله على سبيل الكلية والإجمال، فلا شيء يمنع من تصوره وفهمه على وفق القدح في منهج التعامل به ووفق توجيه النقد لمدى استثماره في مجال العلوم الشرعية، بالصورة التي جرى عليها ذلك الإعمال المتعسف. الشيء الذي يضع ــ في نظري ــ الأرضية المعبّدة أمام الإمام الشاطبي لتسويغ العمل على توظيف المنهج الفلسفي والمنطقي في مواضع كثيرة من القضايا الشرعية بالشكل الذي يراه مناسباً وفعالاً، ووفق الضوابط التي رسمها في استعارة الآليات المنطقية، ومنها آلية الاستقراء في مجاله.

لكن لما نبحث في أوجه الربط التي وصل به الشاطبي مسلك الاستقراء مع مسلك العام ومسلك التواتر المعنوي، في فقه الخطاب الشرعي، نفهم أكثر حقيقة التمام والإطلاق المراد عنده.

والفرق بينه وبين الأصوليين أنه يقصد بالعموم: «العموم المعنوي كانت له صيغة مخصوصة أَوْ لا، فإذا قلنا في وجوب الصلاة أو غيرها من الواجبات وفي تحريم الظلم أو غيره: إنه عام، فإنما معنى ذلك أن ذلك ثابت على الإطلاق والعموم بدليل صيغة عموم أوْ لا، بناءً على الأدلة المستعملة هنا وهي الاستقرائية المحصلة بمجموعها القطع بالحكم»(51)

فدلالة العموم عند الشاطبي مسألة بالغة مبلغ القطع بصيغها الدالة عليها، أو بأدلتها المتعددة القائمة؛ لأنها ثابتة من جهتين ــ كما يؤكد ذلك ــ :

الأولى: الصيغة الدالة على ذلك العموم القطعي.

والثانية: جهة الاستقراء المعنوي التام، وقد أسهب في بيان هذا المأخذ بمثال صريح عليه لما كان يقعد لمسألة رفع الحرج في الشريعة؛ إذ قال: «فكذلك إذا فرضنا أن رفع الحرج في الدين مثلاً مفقود فيه صيغة عموم، فإنا نستفيده من نوازل متعددة خاصة مختلفة الجهات متفقة في أصل رفع الحرج... فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها عملاً بالاستقراء، فكأنه عموم لفظي فإذا ثبت اعتبار التواتر المعنوي ثبت في ضمنه ما نحن فيه»(52).

أما باقي الأصوليين فالاستقراء التام عندهم استصحب معه المعنى الذي تواتر عند المناطقة، بتتبع كل الجزئيات دون استثناء، حتى يتم تعميم الحكم وإطلاقه، ومن ذلك ما ذهب إليه ابن حزم من ضرورة إتمام التتبع للجزئيات كلها حتى يتم القطع بالحكم، وإلا فالاستقراء يعد ناقصاً لا يعتبر؛ حيث دعا الباحث عن الحق إلى أن يمحص في التحقيق، «وألاّ يسكن إلى الاستقراء أصلاً، إلا أن يحيط علماً بجميع الجزئيات التي تحت الكل الذي يحكم فيه، فإن لم يقدر فلا يقطع في الحكم على ما لم يشاهد، ولا يحكم إلا على ما أدركه، دون ما لم يدرك»(53).

فيظهر إذن من خلال ما تم إثباته من نصوص أن الاستقراء الأصولي يختلف عن نظيره المنطقي بحسب مجال الدراسة ومنهج البحث، فأبو إسحاق يؤسس لاعتباره الاستقراء التام في علاقته مع العموم، والمقصود بالتمامية أو الكلية عنده في الاستقراء تلحق الجانب المعنوي من الخطاب الشرعي أكثر من غيره، وهذا الأمر يتعذر معه استيفاء كل الفروع والجزئيات حقها من النظر والتصفح، وعليه يصعب حصول مطلق التعميم والتمام؛ «ذلك أن حصول القطع في المعرفة التواترية لا يتوقف على نقطة أو مرحلة بعينها، فالمستقرئ يظل يتتبع جزئيات ظنية كثيرة حتى يحصل له علم قطعي بمسألة ما وفي لحظة ما، وحصول تلك المعرفة القطعية لا يشترط فيها استنفاد جميع الجزئيات وحصرها، وإلا كان ذلك من المستحيلات المنطقية»(54).

وبهذا يمكن الخلوص إلى نتيجة مفادها أن مفهوم الاستقراء التام في مجال الخطاب الشرعي عند الإمام الشاطبي هو تصفح جزئيات ذلك المعنى إلى الحد الذي يطمئن فيه المستقرئ على حصول القطع المطلق، وإن لم يتم ذلك فعلياً على وجه عملي، مع وجود إمكانات تخول رد ما يمكن أن يكون استثناء عارضاً، وقد أفصح الشاطبي عن هذا المفهوم بشكل يقترب من التصريح لما قال: «ولما كان قصد الشارع ضبط الخلق إلى القواعد العامة، وكانت العوائد قد جرت بها سنّة الله أكثرية لا عامة، وكانت الشريعة موضوعة على مقتضى ذلك الأمر الملتفت إليه إجراء القواعد على العموم العادي لا العموم الكلي التام الذي لا يختلف عنه جزئي ما»، ثم يؤكد ذلك بتنبيهه: «فليكن على بال من النظر في المسائل الشرعية أن القواعد العامة إنما تنزل على العموم العادي»(55)

فالمقصود إذن بالتمام والكلية عند الشاطبي غيره عند باقي الأصوليين، فلدى الأول لا يخرج على المفهوم المرتبط بنطاق علوم الشريعة دون ارتباطه بالمفهوم الشائع عند أهل الفلسفة والمنطق، أما باقي الأصوليين فالتمام عندهم ينطبق على ما تواضع عليه المناطقة.

رابعاً: دلالة الاستقراء الناقص

L’INDICATION DE L’INDUCTION INCOMPLÈTE

ما دامت إمكانية حصول عملية الاستقراء التام صعبة الورود والاستثمار في مجالات علوم الشريعة، ونادرة الوقوع فيها، بالنظر إلى الاختلاف الحاصل بينها وبين مجالات علوم المنطق والفلسفة، فإن حصول ما هو أدنى من حيث التمام من تلك العملية فيها أمر قائم وحاصل بالضرورة، وهو الأكثر استخداماً في فقه الخطاب الشرعي.

والاستقراء الناقص هو الضرب الذي اعتمده الأصوليون في بناء الأحكام الكلية الفقهية وتحرير المسائل الأصولية.

الاستقراء الناقص يفيد القطع

قد يكون من باب الإسهاب في البيان والزيادة في التوضيح محاولة الاستدلال على قطعية الاستقراء الناقص عند الأصوليين، بالنظر إلى ما تم تقريره من أن تعلق التمام والكلية بعملية الاستقراء إنما هو تعلق أساسه مجازي على سبيل الثقة فيما لم يستقرئ انطلاقاً من الفقه العام للقصد الشرعي، وضابطه حصول الاطمئنان عند النفس بتمام المعنى في باقي القضايا الشرعية الأخرى، ولا تربطه صلة دلالية مع المفهوم المنطقي للاستقراء التام أو القياس المنطقي المقسم، ثم لأن «الاستقراء الناقص ليس معناه ــ على صفة الإطلاق ــ عدم احتمال اليقين»(56)، إلا أن هذا المذهب ــ الذي التزمه الأصوليون ــ يشكل مثار جدل واسع في الأوساط العلمية والمنطقية التي ترى أن مشكل الاستقراء جوهره منطقي أكثر مما هو مشكل نفسي له صلة بالثقة؛ إذ «كيف يسوغ اعتبار الحقيقة القائلة بأن وجود انتظام من الحالات الملاحظة دليل على أنها تستمر على العموم ؟»(57).

لكن ثمة أمر دقيق يمكن أن يكون مفتاح تفسير حصول الدلالة القطعية في الناقص يدفعني إلى الوقوف عنده، وإن كان هناك تقارب ملموس بين مفهوم الاستقراء التام والناقص لانعدام فروق جوهرية بينهما من حيث الدلالة القطعية.

من القواعد التي بنى عليها الأصوليون شرعية الاستقراء الناقص في إثبات مجموعة من الأحكام والكليات: قاعدة: «إن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي»(58)، فقطعية الاستقراء الناقص الأغلبي أو الأكثري محسوم فيها، كما تم الحسم في الاستقراء التام والعام عند الأصوليين والمناطقة، يقول الدكتور أحمد الريسوني: «وعلى هذا فإن الثابت أن استقراء حالات كثيرة، وليست أكثرية إذا أعطانا اطراداً في حكمها فإنه يعطينا أيضاً رجحاناً في كون نظائرها لها نفس الحكم، ويبقى أن الارتقاء من الكثير إلى الأكثر يعطينا مزيداً من القوة قد تصل بنا إلى القطع أو ما يقرب منه»(59)

فتخلف بعض الأفراد والجزئيات عن الاستقراء لا ينقص من قيمته العلمية ودلالته القطعية, يقول الإمام الشاطبي: إن «الكلية في الاستقرائيات صحيحة، وإن تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات»(60)، وبهذا يكون قد وضع هوامش لتلافي المستثنيات والخوارج من الفروع، ولم يَدَعْ لها مجالاً لتحول بين حدود الأغلبية الأكثرية وحدود التمام والكلية؛ لأنها في نظره غير معتبرة أمام حصول المعرفة القطعية في الكليات الاستقرائية بذلك الشكل.

وفي مسألة الحيل التي تكون سبباً في إسقاط واجب أو إباحة محرم، يقول الإمام الشاطبي: «الحيل في الدين بالمعنى المذكور غير مشروعة في الجملة، والدليل على ذلك ما لا ينحصر من الكتاب والسنّة، لكن في خصوصات يفهم من مجموعها منعها والنهي عنها على القطع»(61).

بل ذهب الإمام إلى أبعد من ذلك؛ إذ رأى أن الدلائل الظنية تجري في الشرع مجرى الدلائل القطعية، مسألة قام عليها الدليل القطعي، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إسقاط اعتبار الظن بمعارضة القاطع(62).

ومن جهة أخرى يذهب سراج الدين الأرموي إلى أن الاستقراء الناقص لا يفيد اليقين لجواز أن يكون حكم نوع من جنس مخالف لغيره، والأظهر أنه لا يفيد الظن إلا لمنفصل وحيث يفيده فهو حجة(63).

أما ابن النجار الحنبلي فالاستقراء عنده مراتب بحسب درجات الجزئيات المستقرأة، وعلى ذلك فإنه تنعكس دلالته على تلك المراتب، يقول: «فهو ظني ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات، فكلما كان الاستقراء في أكثر كان أقوى ظناً»(64)؛ أي: أن الاستقراء الناقص قد يصل إلى مرتبة تقترب من القطع، إذا ما كانت نتيجته الاستقرائية غالب الظن فيها، وذلك معتبر عند أهل الأصول اعتبار العام القطعي كما قال الشاطبي.

والاستقراء عند الإمام القرافي هو: «تتبع الحكم في جزئياته على حالة يغلب على الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة، باستقراء الفرض في جزئياته بأنه يؤدى على الراحلة، فيغلب على الظن الوتر؛ لأنه لو كان فرضاً لما أدي على الراحلة، وهذا الظن حجة عندنا وعند الفقهاء»(65)؛ لأن غلبات الظنون معتبرة(66)في فهم أصول الخطاب الشرعي.

ويخلص بعد استقرائه لجملة من النصوص الشرعية الدالة على تعليل الأحكام الشرعية، وتتبعه لها في القرآن والسنّة بشكل غير كلي وغير تام لكل الفروع النصية إلى أنه «إذا دل الاستقراء على هذا, وكان في مثل هذه القضية مفيداً للعلم، فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة»(67).

إلا أنه لا بد من القول في الأخير، وإن كان الاستقراء الناقص «يطرح مشكلاً فلسفياً من الناحية المنطقية؛ لأن اعتماد معطيات أولية لا تقوى على إثباتها بهذا النوع من الاستقراء فإن اعتماده في البحث في مثل هذه العلوم الأخرى أصبح ضرورة علمية»(68) لأجل ذلك يتصور الاستقراء في بعض الأحيان بأنه «لا يمكن عرضه معفى من الخطأ؛ لأن الاستنتاجات الاستقرائية لا يمكن إظهارها على أنها تعود إلى خلاصات صحيحة قطعاً، رغم أن المقدمات المنطقية؛ أي: تصوير الأحداث أو الوقائع الخاصة كلها صحيحة»(69).

ورغم ذلك فإن دلالة الاستقراء الناقص في إحاطته وتصفحه تبقى قطعية عند الأصوليين، وإن كان هذا النقصان الحاصل فيه يعود في أصوله العلمية إلى وجوه متعددة، فقد يكون النقصان:

على مستوى عدم استيفاء جميع الفروع المندرجة تحت الأصل الكلي أو النتيجة الاستقرائية، وضابط ذلك أن الفروع غير المستقرأة يلحقها الحكم الكلي بالضرورة؛ ليقين حاصل عند المستقرئ بأنها مثل شبيهتها المستقرأة.

أو على مستوى تخلف بعض الآحاد الجزئية عن الدخول تحت المعنى الكلي؛ لأنها معتبرة كذلك لعدم قدرتها على القدح في الكلية القطعية، وضابط ذلك أن تخلف آحاد الجزئيات لا يقدح في الكليات كما هو مقرر عند أبي إسحاق.

تعليل قطعية الاستقراء الناقص

يتبيّن مما سبق أن استقراء الفروع والجزئيات غير المكتمل الذي تنقصه أفراد معينة تحول دون اكتماله وتمامه، إما من جهة عدم إلحاق الاستقراء بها، أو من جهة تخلفها عن مقتضى الكلية الخاصة، فهو يفيد الظن الغالب المعتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي، فكيف يسوّغ الأصوليون مذهبهم في القطع به وما هو تعليلهم في ذلك ؟

فالشاطبي ــ مثلاً ــ لما استفرغ وسعه في إثبات الكليات الثلاث: الضروريات والحاجيات والتحسينيات، واعتبارها من القضايا القطعية التي شرعت لمصالح العباد، اعترضته في بحثه الاستدلالي بعض الجزئيات التي قد تقدح أو تخرم ما وصل إليه من نتائج قطعية؛ لكنه لم يرَ ذلك مشكلاً إلى الحد الذي يزيل عن استدلاله الاستقرائي في جانبه الناقص دلالته العلمية بالقصد الأول، ويرفع عن الكليات الاستقرائية قطعيتها بالتبع. يقول عليه رحمة الله: «هذه الكليات الثلاث إذا كانت قد شرعت للمصالح الخاصة فلا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات، ولذلك أمثلة: أما في الضروريات فإن العقوبات مشروعة للازدجار، مع أنا نجد من يعاقب فلا يزدجر عما عوقب عليه، ومن ذلك كثير، وأما في الحاجيات فكالقصر في السفر، مشروع للتخفيف وللحوق المشقة، والملك المترفه لا مشقة له، والقصر في حقه مشروع. والقرض أجيز للرفق بالمحتاج، مع أنه جائز أيضاً مع عدم الحاجة. وأما في التحسينيات فإن الطهارة شرعت للنظافة على الجملة مع أن بعضها على خلاف النظافة كالتيمم، فكل هذا غير قادح في أصل المشروعية»(70)، فكل ما ذكره الشاطبي من فروع فقهية ــ الظاهر فيها مخالفة الكليات في اطرادها وقدحها في عمومها ــ لا تمثل جزئيات قادرة على تغيير ثبات تلك الكليات التي حصل العلم بها عبر مسلك الاستقراء؛ «لأن الأمر الكلي إذا ثبت كلياً فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كلياً. وأيضاً فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي؛ لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت»(71).

وقد أشار الإمام الغزالي إلى مثل هذا التسويغ حينما تحدث عن الاستقراء عموماً فقال: «فثبت بهذا أن الاستقراء إذا كان تاماً رجع إلى النظم الأول، وصلح للقطعيات، وإن لم يكن تاماً لم يصلح إلا للفقهيات؛ لأنه مهما وجد الأكثر على نمط غلب على الظن أن الآخر كذلك»(72)

فغلبة الظن عند الغزالي تدرج في الكلي ما هو غير مستقرئ ضمن المستقرأ منها ما دامت الجزئيات الأكثرية مستقرأة ومتتبعة في مظانها، وهذا التصور للمسألة يخالف في أساسه الرأي القائل بأن «التحليل الشكلي لقواعد الاحتمال الاستقرائي غير قادرة في حد ذاتها على تحديد أوجه الربط بين تلك القواعد المبررة للتعليل الاستقرائي»(73)، فالظن الغالب راجح في بلوغ اليقين والقطع لديه، كما هو عند الشاطبي. وإلى هذا أشار أيضاً العطار في حاشيته لمّا بيّن عدم عمل صورة النزاع أو المتخلفات في الكليات الاستقرائية؛ إذ قال: «لا يقدح في إفادة القطع؛ لأن الاحتمالات البعيدة لا تنافي القطع العادي، كما قالوا في إفادة التواتر العلم من أن احتمال التواطؤ على الكذب لا ينافي إفادته العلم الضروري»(74).

وقد يكون الاستقراء الناقص قطعياً في دلالته علمياً في إفادته لسبب آخر يتعلق بوضع الجزئيات والأفراد التي قد تبدو متخلفة قادحة من حيث الظاهر؛ لكنها غير داخلة البتة ضمن جزئياته المقصودة أو الأفراد المرادة، من حيث مقتضاها الأصلي التي قد وجدت لما هي أولى به، وهو ما أشار إليه أبو إسحاق في المسألة نفسها التي يجتهد فيها قصد إثبات تشريع الكليات للمصالح، حيث قال: «فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحِكَمٍ خارجة عن مقتضى الكلي، فلا تكون داخلة فيه أصلاً، أو تكون داخلة عندنا؛ لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى، فالملك المترفه قد يقال: إن المشقة تلحقه؛ لكنا لا نحكم عليه بذلك لخفائها، أو نقول في العقوبات التي لم يزدجر صاحبها: إن المصلحة ليست الازدجار فقط، بل ثَمَّ أمر آخر وهو كونه كفارة؛ لأن الحدود كفارات لأهلها إن كانت زجراً أيضاً على إيقاع المفاسد، وكذلك سائر ما يتوهم أنه خادم للكلي، فعلى كل تقدير لا اعتبار بمعارضة الجزئيات في صحة وضع الكليات للمصالح»(75)

وعلى الجملة يمكن حصر أهم الأسباب التي يسوغ بها أهل الأصول قطعية الاستقراء الناقص في مجال العلوم الشرعية في ستة مبادئ أساسية:

الأول: أن خروج بعض الأفراد والجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرم وضعه الكلي، وبالتالي لا يقدح في إفادته القطع والعلم اليقين.

الثاني: أنه في حالة تخلف بعض آحاد هذه الجزئيات وخروجها عن مقتضى الكليات، فإنها لا تنتظم بكاملها لتنشئ في استقلالها كلياً آخر، بمقدوره أن يضاهي الكلي الأصلي أو يقف معارضاً في وجه اطراده.

الثالث: أن المتخلفات الجزئية وإن ظهرت قادحة ومعارضة للأصلي الكلي، فإنها قد تكون شرِّعت أو وجدت للدخول في أصل كلي آخر، وفي خدمة جانب أولى من الجانب الأول.

الرابع: أن الأدلة إذا تعددت عند الباحث أو المستقرئ في الجزئيات فإنها تدعم بعضها بعضاً، فتكون بمجموعها جملة ظنيات تقوم مقام العام القطعي الصحيح، كما أشار إلى ذلك الشاطبي: «وإذا تكاثرت الأدلة عضد بعضها بعضاً فصارت بمجموعها مفيدة للقطع»(76).

الخامس: أن الأصوليين لا يجدون فرقاً واسعاً بين ما يسمى بالتواتر في مجال الأخبار، ودليل الاستقراء في مجال الفروع الشرعية النصية المتواردة، إما من حيث المعنى أو من حيث اللفظ، فإذا كان العلم التواتري لا يمكن تحديده بعدد معين من الأفراد, وبالتالي مهما استوعب من أفراد سيبقى قاصراً عن التمام، فكذلك الاستقراء الناقص في الفروع الشرعية.

السادس: أن تخلف بعض الجزئيات وآحادها في الاستقرائيات الكلية في مجال العلوم الشرعية والإنسانية عموماً لا يقدح في القطع بها بخلاف العلوم العقلية الأخرى، يقول الشاطبي: «هذا شأن الكليات الاستقرائية، واعتبر ذلك بالكليات العربية، فإنها أقرب شيء إلى ما نحن فيه؛ لكون كل واحد من القبيلين أمراً وضعياً لا عقلياً. وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحاً في الكليات العقلية، كما نقول: «ما ثبت للشيء ثبت لمثله عقلاً»، فهذا لا يمكن فيه التخلف ألبتة؛ إذ لو تخلف لم يصح الحكم بالقضية القائلة: «ما ثبت للشيء ثبت لمثله»(77).

هذه مجموعة عناصر اعتمدها الأصوليون في مواضع متفرقة من مؤلفاتهم في تسويغ إضفاء المعرفة القطعية على دلالة الاستقراء الناقص، كما أنها مستندات علمية في إعمال الاستقراء بشكل عام في قضايا فقهية ومسائل أصولية عديدة.

خاتمة

تبيّن من خلال ما سبق أن دلالة الاستقراء عند الاصوليين تتباين مع دلالته عند المناطقة، فإذا كانت دلالة الاستقراء التام أو الكلي تفيد القطع والعلمية عند كل منهما، فإن دلالته في صورته الناقصة أو غير التامة تفيد القطع المفضي إلى قطعية العمل بأحكامه وتقريراته لدى الأصوليين عكس معناه ودلالته عند أهل المنطق الذين لا يرونه ألبتة في مجالهم التداولي دليلاً قطعيّاً يفيد العلمية واليقين.

..............

المراجع والمصادر :

 

(1) لسان العرب، لابن منظور 1 / 129، القاموس المحيط، ص 62، تاج العروس 1 / 101، محيط المحيط، ص 722.

(2) انظر: المعجم الفلسفي، جميل صليبا 1 / 72.

(3) المنطق الوضعي في فلسفة العلوم، زكي نجيب محمود،2 / 165.

(4) النجاة في المنطق والحكمة المنطقية والفلسفة الإلهية، ص 93، وانظر أيضاً: الإشارات والتنبيهات 1 / 418، والشفاء ص 557، للمؤلف نفسه.

(5) معيار العلم، ص 115.

(6) انظر: Poirier, Rene, Remarques Sur La Probabilite Des Induction, Paris, Librairie Philosophique, 1931, P35.

(7) مفاتيح العلوم، ص 91.

(8) التعريفات، ص 72.

(9) معجم علوم التربية، مصطلحات البيداغوجيا والديداكتيك، مجموعة من المتخصصين، 164.

(10) المستصفى، ص 41، والتعريف أثبته في محك النظر أيضاً، ص 73.

(11) شرح تنقيح الفصول، ص 448.

(12) المحصول، 6 / 161.

(13) روضة الناضر، 1 / 142.

(14) الموافقات، 3 / 221.

(15) مرتقى الوصول إلى علم الأصول، ص 130.

(16) الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة، ص 248.

(17) الأسس المنطقية للاستقراء، ص 6.

(18) J. Lachelier, du Fondement de l induction et outres texts. Ed. Fayarrd, 1992. P9.

وانظر أيضاً: Jacques Francau, La Pensee Scientifique, Ed. Labor, Bruxelles, 1968. P54

(19) معجم مصطلحات أصول الفقه، ص 60.

(20) منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية، ص 170.

(21) انظر: Mill, Stuart, Systeme De Logique, Paris, Librairie Philosophique.. Pierre P324 Mardage, Ed. 1988, P324.

(22) نثر البنود على مراقي السعود، للشنقيطي، ص 2 / 163.

(23) شرح تنقيح الفصول، ص 448.

(24) المستصفى، ص 41.

(25) نثر البنود على مراقي السعود، للشنقيطي، ص 2 / 165.

(26) انظر: منهجية محمد بن إدريس الشافعي، عبد الوهاب أبو سلمان، ص 39، 40.

(27) انظر تفصيل ذلك: الاجتهاد فيما لا نصّ فيه، الطيب خضري السيد، 2 / 215.

(28) أصول الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي، 2 / 917.

(29) التقريب، ص 166، انظر أيضاً: موقف ابن حزم الأصولي من منطق أرسطو، عبد المجيد تركي، أعمال ندوة الفكر العربي الثقافة اليونانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ص 289.

(30) ابن حزم والفكر الفلسفي بالمغرب والأندلس، سالم يفوت، ص 226.

(31) انظر: معيار العلم، ص 118، المستصفى، 1 / 52.

(32) انظر: معجم مصطلحات أصول الفقه، ص 60.

(33) انظر: Antoine Arnould et Pierre Nicole, La Logique ou Lart De Penser, Paris, Librairie Philosophique J. Vrin, 2ed, P259.

(34) أطروحة الفكر الصدر ومذاهب الاستقراء» يحيى محمد، مجلة قضايا إسلامية معاصرة ع11، 12، 1421 / 2001، ص 293.

(35) انظر: Pranab, Kumar Sen, Logic Indution, Humanities Press Atlantic Highlands, Ed. 1980, P98.

(36) انظر: Hacking, Ian, The Emergence, of Probability, Cambridge University Press, Ed, 1984, P176.

(37) الموافقات، 3 / 19.

(38) الموافقات، 3 / 4.

(39) الموافقات، 1 / 27.

(40) الموافقات، 1 / 19، 20.

(41) المنطق، جميل صليبا، ص 285.

(42) مناهج البحث العلمي، عبد الرحمن بدوي، ص 170.

(43) أرسطو، عبد الرحمن بدوي، ص 79 / 80.

(44) انظر: Robert Blanch, L'induction Scientifique Et Les Lois Naturelles, 2Ed, 1975, P91.

(45) الموافقات، 3 / 221.

(46) سبق ذكر هذا التعريف مع أرسطو في مطلب تعريف الاستقراء.

(47) انظر: الشفاء، لابن سينا، ص 559، وكذا التعريفات للجرجاني، ص 32.

(48) رواه مسلم رقم 2002، انظر: تخريج الشيخ مشهور 4 / 360.

(49) الموافقات، 4 / 249.

(50) الاعتصام،1 / 32.

(51) الموافقات، 3 / 194.

(52) الموافقات، 3 / 222.

(53) التقريب، ص 166.

(54) الاستقراء في مناهج النظر الإسلامي، نموذج الموافقات، يونس صوالحي، مجلة إسلامية المعرفة، ص 72، 73.

(55) الموافقات، 3 / 197، 198، 200.

(56) مدخل إلى علم المنطق، ــ المنطق التقليدي ــ مهدي فضل الله، ص 240.

(57) Sydney Choemker, “Properties, Causation, and Projectibility”, Proceedings of Conference At The Gueen’s College, Oxford, 21-24 August 1978, Ed, Clarender Press, Oxford, 1980, P293.

(58) الموافقات، 2/ 42.

(59) نظرية التقريب والتغليب، ص 109.

(60) الموافقات، 2 / 41.

(61) الموافقات، 2 / 288.

(62) انظر نفس المصدر، 2 / 253.

(63) التحصيل من المحصول، 2 / 331.

(64) شرح الكوكب المنير، ص 109.

(65) شرح تنقيح الفصول، 448.

(66) الموافقات، 1 / 254.

(67) الموافقات، 2 / 5.

(68) قضايا فلسفية، جمال الدين بوقلي حسن، ص 393.

(69)Jennifer Trusted, Logic of Scientific Inference, An Introduction, British Library, First Published, GB, P6.

(70) الموافقات، 2 / 40، 41.

(71) الموافقات، 2 / 41.

(72) المستصفى، ص 41.

 

(73)George, Henrik, Van, Wright, The Logical Problem, 2Ed, 1957, Green Wood Press, Publishers, Westerport, P89.

(74) حاشية العطار، ص 386.

(75) الموافقات، 2 / 41.

(76) الموافقات، 1 / 25.

(77) المصدر نفسه، 2 / 41.