الجاحظ وأصول الفقه

aan_3.jpg

حمادي ذويب | أستاذ الفكر الإسلامي والحضارة العربية، جامعة صفاقس، تونس.

قد يبدو موضوع هذه المداخلة غريباً؛ إذ ما صلة صاحب «البخلاء» و«الحيوان» و«البيان والتبيين» بأصول الفقه ؟ ألم يُعرف الجاحظ أديباً ومتكلماً في المقام الأول ؟ فلماذا نبحث له عن موقع ما بين المشتغلين بمصادر التشريع ؟! وإذا كانت للجاحظ صلة بأصول الأحكام فما هي تجلياتها ؟
تعدّ دراسة مواقف الجاحظ من أصول الفقه أمراً ضرورياً؛ لتلافي ثغرتين جوهرتين في تاريخ علم أصول الفقه: أولاهما غياب معرفة متعمقة ومفصلة بمواقف المعتزلة الأصولية خلال القرن الثالث؛ لأن أول كتاب وصلنا يعود إلى أواخر القرن الرابع الهجري، وهو أجزاء من «المغني» للقاضي عبد الجبار (ت 415 هـ). والثانية غياب المصادر الأصولية التي كتبت في القرن الثالث عموماً بالرغم من معرفتنا ببعض عناوين الكتب التي لم تصلنا.


ويمكن النظر في هذه المسألة اعتماداً على صنفين من التآليف: الأول هو المصادر الأصولية، فإلى أي مدى كان الجاحظ حاضراً فيها ؟ أمّا الصنف الثاني فهو مؤلفات الجاحظ نفسه. فهل يخوّل لنا النظر فيها أن نبحث في موقف الجاحظ من الأصول الفقهية ؟ أما على الصعيد الأول فلئن كان الجاحظ غائباً في عدد من مصادر أصول الفقه فهو في المقابل مذكور في عدد آخر منها. وعادة ما يَرِدُ ذكره في مبحث الخبر عند التطرق إلى مسألة الصدق والكذب، كما يذكر أيضاً في مباحث الاجتهاد؛ لإبراز موقفه من الاجتهاد في الأصول وحكم المجتهد غير المسلم. وإذا كانت هذه مواضعُ ذِكْرِهِ المعتادة والمتواترة في المدونة الأصولية، فقد يرد فيها أيضا بشكل شاذ على غرار ذكره في مبحث إعجاز القرآن في كتاب «البحر المحيط في أصول الفقه» للزركشي (ت 794هــ).


أمّا على الصعيد الثاني الخاص بمؤلفات الجاحظ فالواضح أنها تنقسم إلى نوعين: مؤلفات لم تصلنا، وأخرى وصلتنا. ففي النوع الأول بلغتنا عناوين كتب ألّفها الجاحظ ذات صلة أكيدة بأصول الفقه، منها كتاب «الأخبار» الذي لا تطال أيدينا منه سوى نُتَفٍ في كتاب موسوم «بالحورالعين»(1) لعالم يمني زيدي هو أبو سعيد نشوان الحميري (ت 573 هـ)، ومنها كتاب «خبر الواحد»، وقد نسبه الباقلاني إلى الجاحظ في كتابه «إعجاز القرآن»(2)، ومن المعلوم أن خبر الواحد مبحث رئيس في المدونة الأصولية.


وللجاحظ كتاب يوحي عنوانه أنه يدور على أصول الفقه بشكل رئيس، وهو «أصول الفتيا» أو «أصول الفتيا والأحكام»، وقد ذكر هذا الكتاب في موضعين:
الأول في «الحيوان»؛ إذ يقول الجاحظ: «وعِبْت كتابي في خلق القرآن كما عبت كتابي في الرد على المشبهة، وعبت كتابي في أصول الفتيا والأحكام، كما عبت كتابي في الاحتجاج لنظم القرآن»(3)، أمّا الموضع الثاني فهو في «الرسائل» وفيه يقول: «وعندي ــ أبقاك الله ــ كتاب جامع لاختلاف الناس في أصول الفتيا التي عليها اختلفت الفروع وتضادت الأحكام»(4)، وقد وصلتنا قطع صغيرة من هذا الكتاب في بعض المصادر السُنِّية والشيعية، نذكر منها كتاب «المحصول في أصول الفقه» لفخر الدين الرازي (ت 606 هــ)، وهي تتضمن طعن إبراهيم النظّام في الصحابة(5)، وهذا ما يسمح لنا بأن نستنتج أن الجاحظ في كتابه «الفتيا» تأثر بكتاب «النّكت» لإبراهيم النظّام(6)، وهو كتاب توجد منه بقايا في «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد (ت 656 هـ)، حيث ينصّ على أن النظّام وضعه للطعن في أدلة الفقهاء الخاصة بالإجماع(7)
وأمّا النوع الثاني من مؤلفات الجاحظ التي وصلتنا فهو يحتوي على ما يثبت مشروعية البحث في صلة الجاحظ بأصول الفقه. ولنبدأ من العام إلى الخاص، فالجاحظ في مستوى عام يؤمن أن المعرفة تكتسب معناها الحقيقي من خلال استخدام الأدلة؛ يقول: «ولولا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنى، كما أنه لولا الاستدلال بالأدلة لما كان لوضع الدلالة معنى»(8)، ولا شك أن هذا الموقف يهم أساساً العلوم المنشغلة بالأدلة؛ أي: الأصول؛ كعلم الكلام وعلم أصول الفقه.
وقد ترتب على هذا الموقف من المعرفة لدى الجاحظ انشغال نظري وعملي بالبحث عن الأصول والقواعد التي تنهض عليها أمور الدين والدنيا معاً، فتواتر في كتاباته استخدام مصطلح الأصول؛ لكنه كان دائماً يبرز أولوية الأصول على الفروع يقول: «إن الفروع لا محالة راجعة إلى أصولها»(9)، كما كان يؤكد على ضرورة الاتساق بين الأصول والفروع؛ لأن الارتباط بينهما كارتباط السبب بالنتيجة؛ لذلك يستغرب من بعض من تخالف فروعه أصوله قائلاً: «ويلكم يا عبيد الدنيا كيف تخالف فروعكم أصولكم»(10)، وقد طبق الجاحظ هذه المبادئ النظرية سواء في مستوى منهج تأليف كتبه؛ حيث كان يبدأ بالأصول قبل الفروع(11)، أو في مستوى تعامله مع النصوص والأخبار الدينية وغير الدينية؛ لذلك اشترط العلم بالأصول لتحقيق الانتفاع بالأخبار، يقول: «وليس ينتفع الناس بالكلام في الأخبار إلا مع التصادق ولا تصادق إلا مع كثرة السماع والعلم بالأصول»(12).
وعلاوة على هذا تتوفر في مصنفات الجاحظ أغلب المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في كتب أصول الفقه؛ كالعام والخاص والبيان والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والسنّة والخبر، والجرح والتعديل، والمتن والسند، والإجماع والقياس والعلة والاجتهاد والعقل، غير أن هذه المصطلحات والمفاهيم لا تخصص لها مباحث مستقلة؛ بل ترد في سياقات متناثرة قد تكون سياسية أو دينية وخاصة بالإنسان أو بالحيوان؛ لكنها تخبر أن مستخدمها له معرفة واسعة بعلمي أصول الدين وأصول الفقه.
1 ــ القرآن أصل أول للتشريع عند الجاحظ
يعدّ الجاحظ من أسبق المعتزلة إلى بحث مسائل القرآن، وقد صنّف في هذا الشأن عدة كتب منها «نظم القرآن» و«آي القرآن» و«خلق القرآن» و«المسائل في القرآن»، وكلها لم تصلنا ما عدا قطعة من كتاب «خلق القرآن» نشرت ضمن رسائله؛ ولكن الجاحظ ترك لنا في تضاعيف مؤلفاته التي وصلتنا عدداً لا بأس به من الآراء التي تتصل بإعجاز القرآن ونظمه.
وفي مستوى مبحث إعجاز القرآن يلتقي الجاحظ مع علماء أصول الفقه الذين وقعوا تحت تأثير البحوث الكلامية، فاعتمدوا في إثبات حجية القرآن على إعجازه حجة رئيسة. يقول الزركشي: «ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله معجز؛ لأن العرب عجزوا عن معارضته، واختلفوا في سببه هل كان لكونه معجزاً، أو لمنع الله إياهم عن ذلك مع قدرتهم عليه وهو المسمى بالصرفة. والثاني قول المعتزلة والأول قول الجمهور»(13). وهذا القول لا ينطبق تماماً على الجاحظ؛ ذلك أنه اختار منزلة بين المنزلتين يأخذ فيها بقول الأغلبية، ولا يميل في الوقت نفسه عن قول مذهبه إلا بمقدار.
وهكذا وجدناه يعلن أن حجة إعجاز القرآن نظمه البديع، يقول: «وفي كتابنا المنزل، الذي يدل على أنه صِدْقٌ: نظمُه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد مع ما سوى ذلك من الدلائل التي جاء بها من جاء به»(14).
ولا ينهض تميز نظم القرآن على أساس عجز الناس عن مضاهاته فحسب؛ بل كذلك على مباينته ومخالفته لسائر فنون الكلام البشري . وهذا الموقف يخالف موقف شيخه إبراهيم النظّام الذي رأى أن القرآن في ذاته غير معجز فهو لا يتفوق على البليغ الفصيح من كلام العرب، ولا تكاد تكون له مزية أو فضل في ذلك. ولو ترك لهم المجال لأتوا بمثل القرآن فصاحة وبلاغة وحسن نظم وتأليف. وقد تصدّى الجاحظ لهذا الموقف؛ إذ يقول مخاطباً أحمد بن أبي دؤاد (ت 240 هـ): «فكتبت لك كتاباً أجهدت فيه نفسي، وبلغت أقصى ما يمكن مثلي في الاحتجاج للقرآن والردّ على الطعان، ولم أدعْ فيه مسألة لرافضي ولا لحديثي ولا لحشوي ولا لكافر مباد، ولا لمنافق مقموع، ولا لأصحاب النظّام، ولمن نجم بعد النظّام ممن يزعم أن القرآن خلق، وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة»(16).
ولا يعني هذا النقد رفض الجاحظ لمفهوم الصرفة؛ ذلك أنه تبنى مفهوماً لها خاصاً به لا يقدح في بلاغة القرآن، وفي أن إعجازه يقوم عليها، وهي في نظره ضرب من التدبير الإلهي صرف الله بمقتضاه نفوس الناس عن معارضة القرآن حتى يحفظه من التشكيك والعبث. يقول الجاحظ: «ومثل ذلك ما رفع من أوهام العرب وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن بعد أن تحداهم بنظمه؛ ولذلك لم نجد أحداً طمع فيه، ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلف بعضهم ذلك فجاء بأمر فيه أدنى شبهة لعظمت القصة على الأعراب... ولألقى ذلك للمسلمين عملاً، ولطلبوا المحاكمة والتراضي ببعض العرب، ولكثُرَ القيل والقال»(17)، وقد انتبه أحد علماء الأصول ــ وهو الزركشي ــ إلى تميز موقف الجاحظ من الصرفة عن موقف المعتزلة، فقال: «وحكي عن الجاحظ أن الإعجاز منعُ الخلق عن الإتيان به، وليس هذا قول الصرفة المعزو إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري والمعتزلة؛ فإن قول الصارفة معناه: أن قواهم كانت مجبولة على الإتيان بمثله، ثم سلبهم الله تلك القوة فصاروا عاجزين، والإعجاز حاصلٌ بهذا حصولَ ابتداء؛ لأن سلب الإنسان قدرته أعجز له وأبلغ من تحديه بما لم يقدر عليه»(18)
ولعلّ ما يفسّر موقف الجاحظ الجامع بين فكرتي النظم والصرفة يتمثل أولاً في إيمانه بأن القرآن معجز في ذاته بشكل أولي والدليل العقلي يؤكد ذلك، فضلاً عن اعتقاده أن القرآن يحتل مقام الصدارة بين أصول الأحكام الدينية. يقول(19): «وإنما يعرف الحلال والحرام بالكتاب الناطق والسنة المجمع عليها...»(20) ، والكتاب الناطق هنا بمعنى البيّن كأنه ينطق(21). ولعلّ المقصود من هذا الوصف إبراز أن ما تستمد منه أحكام في مستوى كبير من الأهمية ــ كالحلال والحرام ــ لا يمكن أن يكون نصوصاً متشابهة ملتبسة الدلالة قابلة لشتى التأويلات؛ بل لا بدّ أن تكون نصوصاً قطعية الدلالة لا تعارض بالتأويل، وهذا الرأي يعضده أمران: أمر أول من خارج منظومة مؤلفات الجاحظ يروي فيه أبو نشوان الحميري قول النظّام: «لا تعقل الحجة عند الاختلاف من بعد النبي إلا من ثلاثة وجوه ذكر في مقدمتها نص تنزيل لا يعارض بالتأويل(22)، أمّا الأمر الثاني من داخل مدونة الجاحظ فهو قوله: «فإذا لم ينطق لعليٍّ بذلك قرآن ولا جاء الخبر به مجيء الحجة القاطعة والشهادة الصادقة فالمعلوم عندنا في الحكم وفي المغيب جميعاً أن طباعه كطباع عمّيه حمزة والعباس»(23)، وما يفسر جمع الجاحظ بين النظم والصرفة. ثانياً الردّ على المحاولات التي ظهرت في الواقع التاريخي لمعارضة القرآن والطعن فيه اعتماداً على المتشابه تارة وعلى المجاز تارة أخرى، وعلى تأليفه طوراً وعلى ما يبدو أنه تناقض في آياته طوراً آخر. وقد حدّد الجاحظ هوية الطاعنين، وهم قسمان: قسم من غير المسلمين؛ أي: من أصحاب الأديان الكتابية وغير الكتابية. يقول في هذا الشأن: «على أن هذه الأمة لم تُبْتَلَ باليهود ولا المجوس ولا الصابئين كما ابتليت بالنصارى؛ وذلك أنهم يتبعون المتناقض من أحاديثنا والضعيف بالإسناد من رواياتنا والمتشابه من آي كتابنا، ثم يخلون بضعفائنا، ويسألون عنها عوامنا»(24). وقسم ثان من العرب أنفسهم ذكر أسماء بعضهم: «والذي منعهم من ذلك هو الذي منع ابن أبي العوجاء وإسحاق بن طالوت والنعمان بن المنذر وأشباههم من الأرجاس الذين استبدلوا بالعزّ ذلّاً، وبالإيمان كفراً، وبالسعادة شقوة، وبالحجة شبهة. بل لا شبهة في الزندقة خاصة، فقد كانوا يصنعون الآثار، ويولدون الأخبار، ويبثونها في الأمصار، ويطعنون في القرآن، ويسألون عن متشابهه، وعن خاصه وعامه، ويضعون الكتب على أهله...»(25) إن هذا الشاهد على قدر كبير من الأهمية؛ لأنه من المعطيات التاريخية النادرة عن حركة الطعن في القرآن في التاريخ الإسلامي المبكّر، وهي معطيات تبرّر اشتداد عود النظريات المدافعة عن حجية القرآن وإعجازه.
وما نستخلصه إذن أن موقف الجاحظ من القرآن في مصنفاته التي وصلتنا لا يصدم اختيارات أهل السنّة؛ بل قد يذهب أبعد منها في الدفاع عن القرآن. (انظر مثلاً عدّه إحدى الآيات المنسوخة التي لم توضع ضمن المصحف العثماني قولاً للرسول بالرغم من أن علماء سُنِّيين يعدونها آية، يقول: «وهكذا قال رسول الله: لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب»(26).
2 ــ السُّنَّة والخبر عند الجاحظ
يتأسّس موقف الجاحظ من السنَّة على اعتقاده أن العلم بها وبالقرآن يحتل مرتبة الصدارة بين جميع العلوم، يقول متحدثاً عن ابن عباس: «ولو لم يكن للفضيلة من بين أقرانه مستحقاً وبها مخصوصاً، لما خصّه الرسول بالدعوة المستجابة، ولما خصّه بعلم الكتاب والسنّة، وهما أرفع العلم وأشرف الفكر»(27). وبناءً على هذا جعل الجاحظ السُّنة أصلاً ثانياً للتشريع بعد القرآن، متفقاً في ذلك مع الشافعي القائل في رسالته: «وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السُّنَّة والإجماع أو القياس»(28)؛ لكن ما يفرّق بين هذين العلمين أن السنّة في تصور الشافعي لفظ مطلق غير مقيد بأية صفة، ممّا يعني أن مختلف أنواعها يمكن أن تكتسب حجية تجعلها مصدر الأحكام الشرعية، غير أن السنة عند الجاحظ لفظ مقيد بوصف أكّده هذا الشاهد المركزي في بحثنا: «وإنما يعرف الحلال والحرام بالكتاب الناطق والسنّة المجمع عليها»(29) وإذن فإن السنّة التي تستحق ــ في نظر صاحب «الحيوان» ــ المرتبة الثانية بين أصول الأحكام هي السنّة المجمع عليها؛ أي: المتواترة بالتعبير الأصولي الذي استقر في وقت متأخر بعد عصر الجاحظ.
وإذا كان الشافعي قد رفع منزلة السنَّة إلى مستوى القرآن من خلال عدّها وحيّاً مثله لكن من نمط مغاير سمّاه الإلقاء في الروع(30)، فكيف نظر الجاحظ إلى صلة السنّة بالقرآن ؟ يصرّح الجاحظ في أكثر من موضع أن منزلة الكتاب فوق منزلة السنّة يقول: «ولو كان الجواب لزيد الخيل سُنَّة من سُنن النبي لكان في ذلك الرفعة فكيف والكتاب فوق السنّة»(31)، وعلى هذا الأساس يرى أن عقاب الجاحد لهما متفاوت وفق تفاوتهما في المنزلة(32)
والملاحظ أن خلفيات موقف الجاحظ هذا يمكن أن يبحث عنها في الواقع التاريخي الذي عايشه، فقد تأثر حتماً بمواقف شيوخ المعتزلة قبله، وخاصة ما نقل من قول منسوب إلى واصل بن عطاء: «الحق يعرف من وجوه أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجمع عليه، وحجة عقل، وإجماع الأمة». وفضلاً عن ذلك لا يفهم موقف الجاحظ دون استحضار ظروف الصراع بين أهل الحديث من جهة وأهل الرأي والمعتزلة من جهة أخرى، فإزاء موقف تضخيم الحديث والمبالغة في اعتماده في كل أمر ديني أو دنيوي عند أهل الحديث، حاول الفريق المقابل لهم إعادة الأمور إلى نصابها، من خلال إعلاء منزلة القرآن ووضعه في موضع الصدارة؛ ليكون قاضياً على السنّة بدل أن تكون هي قاضية عليه. وقد قدّم الجاحظ في كتاب «الحيوان» أمثلة عملية على هذا الصراع التاريخي بين الموقفين من أهمها مثال المفاضلة بين السنور والكلب؛ فقد اعتمد أهل الحديث في تفضيل السنور على الكلب على حديث: «إنهن الطوافات عليكم(33)»، يقول إبراهيم النظّام في هذا السياق: «قدّمتم السنور على الكلب، ورويتم أن النبي أمر بقتل الكلاب واستحياء السنانير وتقريبها وتربيتها لقوله عند مسألته عنها: «إنهن الطوافات عليكم»(34)، وتركز الرد الاعتزالي على ذلك على بيان ما نزل في القرآن مدحاً للكلب وهو الآية: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٤﴾ سورة المائدة}(35)، وقد انطلق الجاحظ من هذه الآية التي عدها مُحْكمة ليبيّن أن الكتاب فوق السنّة وبناءً على هذه القاعدة الأصولية تنشأ نتيجة فرعية هي أفضلية الكلب على السنور.
أ ـــ موقف الجاحظ من الخبر
لئن كانت المادة الخاصة بالخبر عند الجاحظ متناثرة في جملة مؤلفاته، فإنها تتركز خاصة في ثلاث رسائل هي «حجج النبوة»، و«كتاب الأخبار وكيف تصح»، وكتاب « المسائل والجوابات في المعرفة»(36)
ويمكن ــ بناءً على ما جمعناه من مواقف الجاحظ المختلفة من الخبر في المستويين النظري والتطبيقي ــ أن نجزم بأن له نظرية متكاملة خاصة بالخبر، فهو في مستوى أول يحدد أنواع الخبر، ويستخدم للمرة الأولى مصطلح الأخبار المتواترة يقول: «واعلم أن كل علم بغائب كائناً ما كان إنما يصاب من وجوه ثلاثة لا رابع لها، ولا سبيل لك ولا لغيرك إلى غاية الإحاطات بالاستئثار بها، فما غاب عنك مما قد رآه غيرك مما قد يدرك بالعيان فسبيل العلم به الأخبار المتواترة التي يحملها الولي والعدو والصالح والطالح المستفيضة في الناس، فتلك لا كلفة على سماعها من العلم لتصديقها. وهذا الوجه يستوي فيه العالم والجاهل»(37).
والمتواتر في هذا الشاهد لا يخص الأخبار الدينية، وإنما يتعلق بالأخبار التي تدرك عن طريق البصر، وهي تفيد العلم اليقيني إذا توفر فيها شرط الشهرة والاستفاضة بين الناس. وينتمي إلى هذه الفئة من الأخبار خبر أخصّ منه؛ أي: عدد رواته أقل من رواة النوع الأول؛ لكنه يكتسب مصداقيته من استحالة اتفاق رواته على وضعه؛ لكثرة ما يفرق بينهم. يقول الجاحظ: «وقد يجيء خبر أخصّ من هذا إلا أنه لا يعرف إلا بالسؤال عنه والمفاجأة لأهله، كقوم نقلوا خبراً، ومِثْلُك يحيط علمه أن مِثْلَهُم ــ في تفاوت أحوالهم وتباعدهم من التعارف ــ لا يمكن في مثله التواطؤ وإن جهل ذلك أكثر الناس، وفي مثل هذا الخبر يمتنع الكذب ولا يتهيأ الاتفاق فيه على الباطل»(38) وينتقل الجاحظ إلى خبر الآحاد لينصّ على أنه يفيد العلم الظني الذي يحتاج إلى أدلة وبراهين لإثبات صحته. يقول: «وقد يجيء خبر أخص من هذا يحمله الرجل والرجلان ممن يجوز أن يصدق ويجوز أن يكذب، وصدق هذا الخبر في قلبك إنما هو بحسن الظن في المخبر والثقة بعدالته، ولن يقوم هذا الخبر من قلبك مقام الخبرين الأولين، ولو كان ذلك كذلك بطل التصنع بالدين، واستوى الظاهر والباطن من العالمين، ولما أن كان موجوداً في العقول أن قد يفتش بعض الأمناء عن خيانة، وبعض الصادقين عن كذب، وأن مثل الخبرين الأولين لم يتعقب الناس في مثلهما كذباً قط، علم أن الخبر إذا جاء من مثلهما جاء مجيء اليقين، وأما ما علم من خبر الواحد فإنما هو بحسن الظن والائتمان»(39).
وفي مجال الأخبار الدينية حدد الجاحظ مفهوم الخبر المجمع عليه (أو المتواتر) تحديداً له صلات وثيقة بما هو متعارف في المدونة الأصولية الفقهية، فهو لا يشترط في المتواتر عدالة المخبرين، ولا يشترط أن يكون عدد المخبرين كبيراً(40)، وإنما شرطه المحوري استحالة اتفاق رواته واستحالة تعمدهم وضعه؛ لأنهم لم يتلاقوا ولم يتراسلوا فضلاً عن اختلاف أسبابهم، يقول: «وقد يكون الحديث يحتمله الرجلان والثلاثة وهم ضعفاء عند أهل الأثر، فيكون الحديث ضعيفاً لضعف ناقليه، ولا يسمونه شاذاً إذا كان قد جاء من ثلاثة أوجه، وإنما الحجة في المجيء الذي يمتنع فيه العمد والاتفاق، وهذا الجنس من الخبر هو الإجماع. وليس يكون الخبر إجماعاً من قِبَلِ كثرة عدد الناقلين ولا من قبل عدالة المحدثين، وإنما هو العدد الذي نعلم أنهم لم يتلاقوا ولم يتراسلوا، ولا تتفق ألسنتهم على خبر موضوع مع اختلاف عللهم وأسبابهم»(41)
والظاهر أن الجاحظ لا يكتفي بهذا المعيار في موقفه من الخبر المتواتر أو المجمع عليه؛ بل يضيف إليه معياراً آخر هو استفاضته لدى أصحاب الأخبار بأسانيد مختلفة استفاضة تصل إلى حد الإجماع(42). ويبدو أن ما كان يبتغيه الجاحظ من ذلك الخروج من دائرة الظن والاختلاف والتعارض الطاغية على الأحاديث النبوية في عصره. وبناءً على قراءته لواقعه دعا إلى نقد الأخبار والرواة وممارسة قواعد الجرح والتعديل عليهم، واستغرب من ميل الفقهاء والمتكلمين عن هذا العمل بقول: «والعجب من ترك الفقهاء تمييز الآثار، وترك المتكلمين القول في تصحيح الأخبار، وبالأخبار يعرف الناس النبي من المتنبي والصادق من الكاذب»(43). وقد طبق الجاحظ نفسه قواعد الجرح والتعديل، من ذلك قوله: «ومنهم (يعني: السودان): فرج الحجام وكان من أهل العدالة والمقدّمين في الشهادة أعتقه جعفر بن سليمان (174 هـ)...(44) ، وبلغ من عدالته ونبله في نفسه وتوقيه وورعه أن مواليه من ولد جعفر وكبار أهل المربد كانوا لا يطمعون أن يشهدوه إلا على أمر صحيح لا اختلاف فيه»(45).
ولم يكن الجاحظ غافلاً عن مفهوم العدالة الذي بدأ يتشكّل إلى حد ما في أواخر القرن الثاني يقول: «وكذلك جرت معاملات الخلق بينهم، يعدلون العادل بالغالب من فعله وربما أساء، ويفسقون الفاسق وربما أحسن»(46)
وهذا المفهوم نجد ما يماثله عند الشافعي؛ إذ يعزى إليه قوله في هذا الصدد: «لا أعلم أحداً أعطى طاعة الله حتّى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا، ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدّل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجَرّح»(47) ومن هذا المنطلق حمل الجاحظ على المحدّثين واتهمهم بالقصور في البحث والاعتماد على الجمع دون إعمال العقل أو البحث عن الأسباب والعلل. يقول: «ولو كانوا يروون الأمور مع عللها وبرهاناتها خَفّت المؤونة، ولكن أكثر الروايات مجردة وقد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة ودون الإخبار عن البرهان»(48). وهذا الشاهد قد يفهم منه أن الجاحظ يدعو إلى قيام علم لأسباب رواية الأحاديث يماثل علم أسباب النزول الخاص بالنص القرآني، كما يفهم منه دعوته إلى تعضيد الأخبار بأدلة وبراهين تخرج من دائرة الظن إلى اليقين. وهذه الدعوة يذكرها الجاحظ في رسالة «الجد والهزل» قائلاً: «وقد قال الأول: دلائل الأمور أشد تثبيتاً من شهادات الرجال، إلا أن يكون في الخبر دليل ومع الشهادة برهان؛ لأن الدليل لا يكذب ولا ينافق ولا يزيد ولا يبدل، وشهادة الإنسان لا تمتنع من ذلك»(49)، وهذا الموقف يذكرنا بما ذهب إليه النظّام من اقتضاء خبر الواحد العلم إذا اقترنت به قرينة، وقد طوّر تيار المتكلمين الأشاعرة هذا الرأي بداية من الجويني (ت 478 هـ) ضمن المدونة الأصولية الفقهية(50)
ولم يكتف الجاحظ بالتنظير للخبر بل طبق آراءه وقواعده النظرية على أحاديث كثيرة. من ذلك أحاديث فضائل الصحابة المتناقضة، وخاصة الأحاديث التي تفضل أبا بكر على عليّ أو عليّاً على أبي بكر، فهو ينطلق من أن الحق لا يتناقض ليستنتج أن تناقض هذه الأحاديث دليل وضعها(51). ولا يغفل الجاحظ وهو في عز الجدل السياسي الديني بين أنصار علي وأنصار أبي بكر عن وضع جملة من القواعد النظرية لتمييز الخبر الصحيح من الزائف في حالة الأحاديث المتعارضة، وهذه القواعد هي أولاً قوة الإسناد، وثانياً قوة الأصل، وثالثاً غياب المعارضة. يقول: «وإنما الخبر الصحيح الذي لا يعتمد بضعف الإسناد ولا يترك لضعف الأصل ولا يوقف فيه لكثرة المعارض والمناوئ كنموّ ما روينا من مآثرهم في مقاماتهم ومشاهدهم»(52)، ولكن إن تعذر تطبيق هذه القواعد فالحل في نظر الجاحظ اتخاذ موقف وسط؛ أي: الأخذ بأوسط الروايات(53).
وقد عرف الجاحظ باعتراضه على حديث «اختلاف أمتي رحمة»؛ إذ نقل قوله: «لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذاباً»(54)، كما روي نقده للحديث الخاص بالحجر الأسود الذي كان أبيض فسوده المشركون فقد علق عليه بقوله: «كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا»(55) ولم يُدخل الجاحظ حديث جعفر الطيار ضمن الأحاديث؛ بل ساقه ضمن أقوال العامة. يقول: «قالوا: وقد حوَّل الله جعفر بن أبي طالب طائراً حتى سماه المسلمون الطيار، ولم يخرجه ذلك من أن نراه غداً في الجنة وله مثل عقل أخيه علي»(56).
وفي مكان آخر يتطرق أيضاً إلى قصة جعفر نافياً أن يكون من الطير: «والملائكة تطير ولها أجنحة وليست من الطير وجعفر بن أبي طالب ذو جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء وليس جعفر من الطير»(57)
وقد وجدنا نقد الحديث في مؤلفات الجاحظ على لسان غير لسانه، من ذلك نقد حديث الذبابة على لسان شيخ من بني العدوية، يقول: «وقد كان عندنا في بني العدوية شيخ منهم منكر شديد العارضة، فسمعني أقول: «قد جاء في الحديث أن تحت جناح الذباب اليمين شفاء وتحت جناحه الأيسر سُمّاً، فإذا سقط في إناء أو في شراب أو في مرق فاغمسوه فيه، فإنه يرفع عند ذلك الجناح الذي تحته الشفاء ويحط الجناح الذي تحته السم، فقال: بأبي أنت وأمي هذا يجمع العداوة والمكيدة»(58)
وأدت هذه المواقف إلى اتهام الجاحظ بوضع الحديث على الرسول، وكان مصدر هذا الاتهام بعض السّنِّيين بسبب تشكيك مواقف الجاحظ في أحاديث الآحاد خاصة من ذلك قول ابن قتيبة: «ويقول: قال رسول الله ويتبعه: قال الجماز، وقال إسماعيل بن غزوان كذا وكذا من الفواحش، ويجل رسول الله أن يذكر في كتاب ذُكرا فيه فكيف في ورقة بعد سطر أو سطرين ؟!... ويستهزئ من الحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم؛ كذكره كبد الحوت وقرن الشيطان وذكر الحجر الأسود، وأنه كان أبيض فسوده المشركون، وقد كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا»(59). كما أن مصدره كذلك الشيعة الذين رد الجاحظ كثيراً من أحاديثهم في سياق الجدل معهم من أجل تثبيت أفضلية أبي بكر على علي وأحقيته بالخلافة منه.
3 ــ عدالة الصحابة عند الجاحظ
يبحث علماء أصول الفقه عادة مسألة عدالة الصحابة ضمن مسائل الأخبار التابعة لمبحث السنّة ــ الأصل الثاني للأحكام ــ فقد ترتب على جهود نقد الحديث ظهور دراسات ومؤلفات تنشغل برواة الحديث، وتعتمد قاعدتي الجرح والتعديل للحكم لهم أو عليهم. وفي هذا السياق برز التساؤل عن عدالة الصحابة وعمّا إذا كانوا يخضعون لقاعدتي الجرح والتعديل مثل غيرهم من رواة الحديث.
ومن الطبيعي ألاّ نجد مثل هذا المبحث في كتابات الجاحظ؛ لأنه ظهر بعد وفاته؛ إذ يضبط بعض الدارسين المحدثين تاريخ ظهوره بالفترة الممتدة بين العقود الأخيرة من القرن الثالث للهجرة والعقود الأولى من القرن الرابع للهجرة(60). غير أن هذا الغياب لا يعني أن الجاحظ ليست له مواقف من الصحابة. وقد نقلت المدونة الأصولية الفقهية تعريفاً مخصوصاً للصحابي عند الجاحظ يقوم على شروط ثلاثة هي طول الصحبة للنبي، وتعلمه منه(61)، وروايته عن الرسول(62). ولئن كان هذا التعريف ينسجم مع قول شيوخ المعتزلة(63)؛ فإن أهم ما ينجر عنه إخراج كثير من الصحابة المشهورين بالصحبة والرواية من دائرة الصحابة؛ لأنهم وفدوا على الرسول ولم يقيموا عنده إلا قليلاً فضلاً عن أن بعضهم روى حديثاً واحداً عن الرسول.
ويبدو أن السياقات الرئيسة التي تطرق فيها الجاحظ إلى الصحابة هي سياقات كلامية تدور حول المسألة السياسية المركزية في الفكر الإسلامي وهي الإمامة، ولعلّ هذا المعطى أحد المستندات الداعمة للرأي القائل: إن تعديل الصحابة في الأصل تمس الحاجة إليه في أصول الإمامة غير أنه قد يتعلق ببعض مسائل الشرع(64).
وهكذا نجد الجاحظ في كتابه «حجج النبوة» يمدح الصحابة لأسبقيتهم في الدين ومعاناتهم من أجل تركيز أسسه ويؤصل ذلك بالنص القرآني على العموم دون تخصيص نص من نصوصه المعروفة في المدونة الأصولي، يقول: «ولأنهم أصل هذا الأمر ونحن فرعه، والأصل أحق بالقوة من الفرع، وهم السابقون ونحن التابعون، وهم الذين وطئوا النار وكلفونا ما لم نكن لنكلفه أنفسنا، فتجرعوا دون المرار ومنحونا روح الكفاية، ولأن الله تعالى اختارهم لصحبة نبيه !، ولأن القرآن نطق بفضيلتهم»(65)، ويتكرر هذا الموقف المنوه بالصحابة في كتاب «العثمانية» ردّاً على الرافضة، يقول: «وهم أصحاب القرآن وخاصة الرسول من الصحابة والبدريين والأنصار والمهاجرين»(66) ولا يؤصل الجاحظ هذا الموقف اعتماداً على الأحاديث المعروفة عند الأصوليين؛ بل يذكر خبراً قاله التابعون: «خير هذه الأمة أصحاب محمد ! ابتلوا فصبروا، وأنعم عليهم فشكروا»(67)، ويضيف إليه حديثاً مجمعاً عليه في نظره، يقول: «وقد أجمع أصحاب الأخبار وحُمّال الآثار أن النبي ! قال: «إن من أمتي سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب»(68).
ولا ينبغي أن يوهمنا هذا الموقف المثني على الصحابة أن الجاحظ يجلّهم كلهم، فهو معروف بكثير من المواقف النقدية للصحابة؛ ذلك أنه الراوي الأساسي لموقف نقد الصحابة المنسوب إلى أستاذه إبراهيم النظّام، وذلك في كتابه الموسوم بالفتيا. يقول الرازي: «وأما قدحه في أكابر الصحابة فهو وإن كان في غاية الرداءة؛ لكن الجاحظ حكى كلامه في كتاب «الفتيا» فلا حاجة بنا إلى ذكره»(69) وقد روى العالم الزيدي ابن أبي الحديد أن الجاحظ ذكر في كتاب لم يصلنا يوسم بكتاب «التوحيد» أن أبا هريرة ليس بثقة في الرواية عن رسول الله، قال: ولم يكن عليٌّ يوثقه في الرواية؛ بل يتهمه ويقدح فيه وكذلك عمر وعائشة»(70). ويمكن أن نثق بهذا الرأي إلى حدّ ما؛ لأن الرسائل خالية من ذكر أي حديث رواه أبو هريرة، أمّا كتاب الحيوان ففيه عدد قليل من الأحاديث المروية عنه، وفي كتاب «البرصان والعرجان» نجد ما يؤكد هذا الرأي؛ إذ يقول الجاحظ: «وروى أبو هريرة عن النبي أنه كان يبدأ بالميامن فدعا علي بالوضوء فبدأ بمياسره، وقال: «لأكذبن حديث أبي هريرة»(71) ولعلّ أهم نقد للصحابة وصلنا في مؤلفات الجاحظ نقده لمعاوية وإكفاره، وهو موقف يخالف العقيدة السُّنِّية التي علّقت النظر في المسائل الخلافية الخاصة بالصحابة، يقول الجاحظ في هذا الشأن: «فعندها استوى معاوية على الملك، واستبد على بقية الشورى وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سمّوه عام الجماعة، وما كان عام جماعة؛ بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكاً كسروياً، والخلافة غصباً قيصرياً، ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا وعلى منازل ما رتبنا حتى رد قضية رسول الله ! ردّاً مكشوفاً، وجحد حكمه جحداً ظاهراً في ولد الفراش وما يجب للعاهر... وليس قتل حُجْر بن عدي (ت 51 هـ) وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر وبيعة يزيد الخليع والاستئثار بالفيء، واختيار الولاة على الهوى، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة من جنس جَحْد الأحكام المنصوصة والشرائع المشهورة والسُنن المنصوبة... على أن كثيراً من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره، وقد أربتْ عليهم نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا، فقالت: لا تسبّوه فإن له صحبة، وسب معاوية بدعة، ومن يبغضه فقد خالف السنّة(72).
كما وجه الجاحظ كثيراً من النقد لعلي بن أبي طالب في كتاب «العثمانية» خاصة، من وجوهه إكثاره من الزواج، وقد ردّ عليه علماء الشيعة، وذكر بعضهم أن الرسول فعل الشيء نفسه. يقول ابن طاووس (ت 673 هــ): «وأمّا أنه أكثر التزويج.... معيراً له بذلك فإن ذلك طعن على رسول الله؛ إذ كانت سنّته حثه على ذلك»(73)، ولا يخفى ما في هذا الردّ من مماهاة بين علي والرسول.
ويبدو أن عوامل عدّة تفسّر نقد الجاحظ للصحابة في صدارتها العامل السياسي، فالموقف من معاوية والأمويين ينسجم مع السياسة العباسية التي كانت تشجع نقد الدولة التي حكمت قبلها، والجاحظ كان مرتبطاً مع السلطة العباسية القائمة بعدة روابط. أمّا نقد علي فهو نتيجة الموقف السياسي للجاحظ، وهو موقف ينهض على أفضلية أبي بكر على علي وأحقيته بالخلافة، كما يقوم هذا الموقف على تقويم إيجابي لفترة الخلافة الراشدة يمتد على خلافة أبي بكر وعمر والنصف الأول من خلافة عثمان. يقول الجاحظ في سياق حديثه عن طبقات الأمة في الإسلام: «فالطبقة الأولى عصر النبي وأبي بكر وعمر وست سنين من خلافة عثمان كانوا على التوحيد الصحيح والإخلاص المخلص مع الألفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسنّة، وليس هناك عمل قبيح ولا بدعة فاحشة ولا نزع يد من طاعة ولا حسد ولا غل ولا تأول حتى كان الذي كان من قتل عثمان»(74)
والعامل السياسي لا يفسر وحده نقد الجاحظ لبعض الصحابة؛ إذ لا بدّ من استحضار السياق الثقافي والمذهبي الذي كان يكتب فيه، وهو سياق ما زال التعدّد الفكري والمذهبي مسموحاً به، وما زال النظر إلى الصحابة لم يتجمد ولم يغلف بالمقدس بعد بالشكل الذي سيحدث بعد عصر الجاحظ. وبناءً على هذا كان الجاحظ يكتب دون ضغوط مذهبية كبيرة، وكان يرفض وضع الصحابة في مكانة أعلى من البشر تجعلهم فوق النقد والمساءلة. وقد انجرّ عن اعتقاده هذا نقل أخبار عدّة تبرز بشرية الصحابة، وتعدّ من المحظورات في المنظومة الفقهية والأصولية، من ذلك قوله في خصوص الصحابي ابن عمر: ألا ترى أنه ليس يمتنع في العقول والمعرفة أن يقبل الرجل في حبّ ما ملكت يمينه حتى يقبلها في الملأ كما يقبلها في الخلاء يصدق ذلك حديث ابن عمر: «وقعت في يدي جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة فما صبرت حتى قبلتها والناس ينظرون»(75)
وهكذا فإن الجاحظ يرفض إضفاء العصمة على الصحابة؛ بل يحكّم عقله للحكم على سلوكهم وفق قواعد الدين والعرف الاجتماعي والأخلاقي القديم. ولعلّ أهم ما أدّى إليه استخدام العقل ونبذ التقليد في هذا الشأن رفض احتكار طبقة الصحابة للمعرفة والحقيقة، فلئن كان لهذه الفئة من المسلمين شرف السبق والدفاع عن الدين فإن للخلف فضائل أخرى. وبهذه الرؤية العادلة لطبقات الأمة سابقها ولاحقها حاول الجاحظ دفع الاجتهاد في كلّ العصور. يقول: «وقد قالوا: ليس مما يستعمل الناس كلمة أضر بالعلم والعلماء ولا أضرّ بالخاصة والعامة من قولهم: ما ترك الأول للآخر شيئاً، ولو استعمل الناس معنى هذا الكلام فتركوا جميع التكلف ولم يتعاطوا إلا مقدار ما كان في أيديهم لفقدوا علماً جماً ومرافق لا تحصى. ولكن أبى الله إلا أن يقسّم نعمه بين طبقات جميع عباده قسمة عدل يعطي كل فرد وكل أمة حصتها ونصيبها على تمام مراشد الدين وكمال مصالح الدنيا»(76)
4 ــ منزلة الإجماع في مؤلفات الجاحظ
يشغل الإجماع في مصنفات الجاحظ منزلة سامية تتبدّى من خلال قول منسوب إلى مجهولين؛ لكننا نراه متبنياً له: «قالوا: الشيء لا يحرم إلا من جهة كتاب أو إجماع أو حجة عقل أو من جهة القياس على أصل في كتاب الله أو إجماع»(77)، وممّا يؤكد هذه المرتبة تعليقه على بعض الوقائع الخاصة بأحد الحيوانات قائلاً: «ولم نجد القرآن ينكره ولا الإجماع يدفعه... وهذا مما لا يعلمه الناس بالقياس ولا يعرفونه إلا بالعيان الظاهر والخبر المتظاهر»(78)، وعلى هذا الأساس عدّ الجاحظ الإجماع حجة قاطعة، يقول: «ومثل هذا (الآيات في أبي بكر) كثير، ولم يجئ المجيء الذي يحتج به المنصف والمرشد ولكن الحجة القاطعة في إجماع المفسرين في الآيات التي ذكرناها قبل في قصة الغار»(79)
ولمّا كان الإجماع كذلك عدّه الجاحظ مصدراً للحقيقة واليقين، لا في مجال الدين فحسب؛ وإنما في غيره من المجالات الدنيوية أيضاً. يقول مثلاً: «ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كلّ قبيح»(80)
ويحق لنا أن نتساءل عمّا إذا كان الإجماع في تصور الجاحظ يتماهى مع الإجماع الأصولي المقتصر على العلماء عموماً والفقهاء تخصيصاً ؟ لقد تتبعنا مختلف السياقات التي استخدم فيها الجاحظ مصطلح الإجماع ومرادفاته ــ كالإطباق والاتفاق والأمر المجتمع عليه ــ فلم نجده إلا نادراً يقصد بالإجماع إجماع العلماء بفهمه السنّي أو الشيعي، نستثني من ذلك حديثه عن إجماع المفسرين أو أصحاب التأويل في كتاب العثمانية. وأمّا خلاف ذلك فالغالب على الجاحظ استخدام الإجماع استخداماً يفيد اتساع دلالته وعدم اقتصاره على فئة من الناس دون غيرها؛ لذلك تواتر لديه استعمال الإجماع في سياقات دينية أو دنيوية شتى. ففي السياق الديني احتج الجاحظ بإجماع الأمة(81)، وبإجماع المسلمين(82)، وإجماع أهل الصلاة.
وفي السياق الدنيوي اعتمد أكثر من مرة عبارة إجماع العرب وإجماع الناس، ولعلّ من شأن هذه المعطيات أن تبرز لنا وجهاً خفيّاً من وجوه موقف الجاحظ من الإجماع؛ إذ يبدو وأنه يشذّ عن التصور السُّني للإجماع القائم على عصمة الجماعة وعلى حديث لا تجتمع أمتي على ضلالة (على خطأ)؛ ليرسي تصوراً مقابلاً له يقوم على القول باستحالة إجماع كل الناس على الصواب، يقول: «وإجماع الناس كلهم على الصواب أمر لا ينال»(83)؛ لكن هل يسمح هذا القول بأن نستنتج إيمان الجاحظ بضده ــ وهو إجماع الناس كلهم على الخطأ ــ وأنه أمر جائز وهو الرأي الذي عرف به النظّام ؟ إن هذا الاستنتاج غير مستبعد إذا استحضرنا جملة من المعطيات، منها رأي الجاحظ أن الإجماع لا يعني أن الحقيقة إلى جانب العدد الكثير؛ بل على العكس من ذلك نراه ينوه بالقلة ويرى أن الرجل الواحد يمكن أن يضاهي أمة كاملة يقول: «فكل ذلك يراد به أن الفضل قليل والنقص قليل لا على نسب ما يتلقاه الاجتماع من هذه الأعداد؛ لأنا قد نجد الرجل يوزن بالأمة ونجد الأمة لا تساوي قُلاَمَة ظفر الرجل»(84)
والظاهر أن المواقف السابقة تمثل جانباً من الخلفيات النظرية التي حكمت تصور الجاحظ للإجماع؛ لكنه في المستوى التطبيقي تراجع عنها ليتماهى مع الموقف السنّي سواء في مستوى فكره السياسي ــ القائم على تفضيل أبي بكر على علي ــ أو في مستوى اعتقاده سلامة عملية جمع القرآن في عصر عثمان، وفي الحالتين يوظف الجاحظ الإجماع سلاحاً من أسلحة الجدل المذهبي في ساحة الصراع المفتوحة بين أهل السنّة والمعتزلة من جهة والشيعة «الرافضة» من جهة أخرى، وهذا الصراع له وجه مذهبي ديني ووجه سياسي أيضاً. وهو يبتغي من ذلك شرعنة ركائز الإيديولوجية السنيّة في مواجهة الإيديولوجية الشيعية أو بالتحديد إيديولوجية «الروافض»، فهم في نظره الفريق الوحيد المقصي من الجماعة؛ لطعنه في المصحف العثماني مقابل اجتماع المعتزلة والشيعة والمحكّمة والمرجئة عليه(85)
.....................
المراجع والمصادر :

(1) الحميري، الحور العين، طـ 2, دار آزال للطباعة والنشر والتوزيع، صنعاء، اليمن، 1985.

(2)الباقلاني، إعجاز القرآن، ص 186، مكتبة مشكاة الإسلامية، www.almeshkat.net.
(3)الجاحظ، الحيوان، 1 / 9.
(4)الجاحظ، الرسائل، رسالة إلى أحمد بن أبي دؤاد يخبره فيها بكتاب الفتيا، ص 98.
(5)الرازي، المحصول: 2 / 438 وما بعدها.
(6)راجع  J. Van Ess Das kitab al‑Nakth des Nazzam und seine rezeption im kitab al‑Futya des Jahiz, Gottingen, 1972. 
(7)ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 6 / 33 ــ 34.
(8)الجاحظ، الحيوان، 2 / 65.
(9)الجاحظ، الرسائل، كتاب القيان، ص 172.
(10)الجاحظ، البيان والتبيين، ص 321.
(11)يقول الجاحظ في هذا السياق: «لأن التدبير في وضع الكتاب والسياسة في تعليم الجهال: أن يبدأ بالأوضح فالأوضح، والأقرب فالأقرب، وبالأصول قبل الفروع حتى يكون آخر الكتاب لآخر القياس» الرسائل، فصل من صدر كتابة في خلق القرآن، ص 338.
(12)الجاحظ، الرسائل، من كتابه في حجج النبوة، ص 330.
(13)الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، 1 / 446.
(14)الجاحظ، الحيوان، 4 / 90.
(15) يقول الجاحظ: «فإذا عرف صنوف التأليف عرف مباينة نظم القرآن لسائر الكلام»، الرسائل، كتاب العثمانية، ص 367.
(16)الجاحظ، الرسائل، حجج النبوّة، ص 143 ــ 144.
(17)الجاحظ، الحيوان، 6 / 296.
(18)الزركشي، المصدر المذكور، 1 / 446
(19)يقول الجاحظ في هذا المجال: «إن محمداً مخصوص بعلامة لها في العقل موقع كموقع فلق البحر من العين؛ وذلك قوله لقريش خاصة وللعرب عامة مع ما فيها من الشعراء والخطباء والبلغاء: إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت في دعواي وصدقتم في تكذيبي، ولا يجوز أن يكون مثل العرب في كثرة عددهم واختلاف عللهم والكلام كلامهم وهو سيد عملهم... ثم لا يعارضه معارض.... فدلّ ذلك العاقل على أن أمرهم في ذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكونوا عرفوا غيرهم... وإما أن يكون غير ذلك...»، الرسائل، حجج النبوة، 3 / 373.
(20)الجاحظ، الرسائل، فصل منه في تحليل النبيذ دون الخمر، ص 418.
(21)يقول لبيد في هذا الشأن: أو مذهب جدَدٌ على ألواحه الناطق المبروزُ والمختوم، لسان العرب، 14 / 188.
(22)راجع الحميري، الحور العين، ص 327.
(23)الجاحظ، العثمانية، ص 9.
(24)الجاحظ، الرسائل، فصل من صدر كتابه في الردّ على النصارى، 3 / 347.
(25)الجاحظ، الرسائل، من كتابه في حجج النبوة، 3 / 277 ــ 278.
(26)الجاحظ، الرسائل: ص 48. وانظر قول ابن حزم : «ومن ذلك السورة التي ذكر أبو موسى الأشعري أنهم كانوا يقرأونها على عهد رسول الله. وكانت في طول سورة براءة، وأنها نسيت وارتفعت من الحفاظ إلا آية منها وهي : لو كان لابن آدم...» الإحكام في أصول الأحكام : 1 / 466.
(27)الجاحظ، الرسائل، ص 94.
(28)الشافعي، الرسالة، ص 39.
(29)الجاحظ، الرسائل. فصل منه في تحليل النبيذ دون الخمر، ص 418.
(30)يقول الشافعي: «ومنهم من قال: ألقي في روعه كل ما سنّ وسُنته الحكمة الذي ألقي في روعه عن الله فكان ما ألقي في روعه سُنته» الرسالة، ص 93.
(31)الجاحظ، الحيوان، 2 / 129.
(32)يقول الجاحظ: «وسواء في باب ما يستحق من الإكفار جحد الكتاب وردّ السنّة إذا كانت السنّة في شهرة الكتاب وظهوره، إلا أن أحدهما أعظم وعقاب الآخرة عليه أشدّ»، الرسائل، رسالة في النابتة إلى ابن أبي دؤاد، 2 / 123.
(33)سُنن الترمذي، باب الطهارة، الحديث رقم 85.
(34)الجاحظ، الحيوان، 2 /93. 
(35)المائدة: 4.
(36)انظر أيضاً: مقتطفات من كتاب «الأخبار» للجاحظ، رواها أبو نشوان الحميري في «الحور العين».
(37)الجاحظ، رسالة المعاد والمعاش: تحقيق الحاجري وبول كراوس، ص 24 ــ 26.
(38)الجاحظ، رسالة المعاد والمعاش: تحقيق الحاجري وبول كراوس، ص 24 ــ26. أصول الفقه. راجع كتابنا «السنّة بين الأصول والتاريخ»، ص 109 ــ 123.
(39)المصدر نفسه, الصفحة نفسها.
(40)أثارت مسألة العدد المشترط في الخبر المتواتر خلافات كبيرة بين علماء أصول الفقه. راجع كتابنا «السنّة بين الأصول والتاريخ»، ص 109 ــ 123.

(41)الجاحظ، العثمانية، ص 115 ــ 116.
(42)يقول الجاحظ: «وهذا خبر نقله أصحاب الأخبار مرجئهم وشيعيهم إلا الروافض فإنهم لا يطاقون؛ لأن من يجحد المستفيض الشائع بالأسانيد المختلفة في الدهر المتفاوت ويوجب على خصمه تصديق الشاذ الذي لا يعرف... ممتنع الجانب عسير المطلب...»، العثمانية، ص 82. وانظر أيضاً قوله : «والأثر المجتمع عليه من أصحاب السير والأشعار والأخبار أن النبي ! قال لحسان: أما قلت في أبي بكر شيئاً، فأنشأ يقول...» المصدر نقسه، ص 110.
(43)الجاحظ، الرسائل، ص 315.
(44)جعفر بن سليمان هو: ابن الصحابي عبد الله بن عباس.
(45)الجاحظ، الرسائل، كتاب فخر السودان على البيضان، 1 / 55.
(46)الجاحظ، الرسائل، رسالة المعاش والمعاد، ص 31.
(47)الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، دار الكتب العلمية، بيروت،،1988، ص 79.
(48)الجاحظ، الحيوان، 1 / 166.
(49)الجاحظ, الرسائل، ص 75.
(50)يقول الطوفي: «وإذا ثبت هذا فالقرائن المحتفة بالخبر تقوم مقام آحاد المخبرين في إفادة الظن وتزايده...» شرح مختصر الروضة، 2 / 85. 
(51)يقول الجاحظ : «فإن كان ما رويتم في فضيلة علي حقاً وما رووا في فضيلة أبي بكر حقاً فأبو بكر خير من علي وعلي خير من أبي بكر وهذا التناقض، والحق لا يتناقض وفي هذا دليل على أن النبي لم يتكلم بذلك...»، العثمانية : ص 137 ــ 138.
(52)المصدر نفسه، ص 143.
(53)يقول الجاحظ في مسألة إسلام علي: «والقياس أن يؤخذ بأوسط الروايتين وبالأمر بين الأمرين»، العثمانية، ص 5.
(54) انظر: السخاوي، المقاصد الحسنة، ص 26.
(55)ابن حجر، لسان الميزان، 4 / 356.
(56)الجاحظ، الحيوان، 6 / 226.
(57)الجاحظ، الحيوان، 1 / 14.
(58)المصدر نفسه، 3 / 102.
(59) ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ط.1، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، 1988، ص 58.
(60) راجع  Juynboll, The collective ta’dil of the companions, in «Muslim tradition», p p190 - 194
(61) يروي الفرّاء الحنبلي قول الجاحظ : «إن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي واختلاطه به وأخذ عنه العلم»، العدّة في أصول الفقه، 3 / 988. ويذكر الزركشي قول الجاحظ باشتراط تعلم الصحابي من الرسول لكي يعدّ صحابياً. راجع: البحر المحيط في أصول الفقه. فصل في عدالة الصحابة، 4 / 302.
(62) يقول العطار: «وبقي قول رابع أنه من طالت صحبته وروي عنه. قاله الجاحظ». انظر حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع. موقع جامع الفقه الإسلامي/www.feqh.al-islam.com 
(63) راجع في هذا الشأن: الزركشي، المصدر المذكور، 4/ 302.
(64) انظر: الجويني، البرهان في أصول الفقه، 2 / 626.
(65)الجاحظ، الرسائل، حجج النبوة، 3 / 228.
(66)الجاحظ، العثمانية، ص 248.
(67)المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(68)المصدر نفسه، ص 249.
(69)الرازي، الرياض المونقة في آراء أهل العلم، تحقيق: أسعد جمعة، مركز النشر الجامعي، تونس، 2004، ص 241.
(70)ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 20 / 31.
(71)الجاحظ، البرصان والعرجان، ص 117.
(72)الجاحظ, الرسائل، رسالة في النابتة إلى ابن أبي دؤاد،2 / 123.
(73)راجع ابن طاووس، بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية، ص 239، وهو منشور بشبكة الإنترنت على العنوان التالي: www.mezan.net / books / libr. html.
(74) الجاحظ، المصدر المذكور, ص 121. 
(75) الجاحظ، الرسائل، ص 407. وانظر أيضاً خبرعمر بن الخطاب الذي دفع المال ليتزوج زوجة عبد الله بن أبي بكر إثر موته. يقول الجاحظ: «وأعرس عمر بن الخطاب بعاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل وكانت قبله عند عبد الله بن أبي بكر فمات عنها بعد أن اشترط عليها ألاّ تتزوج بعده أبداً على أن نحلها قطعة من ماله سوى الإرث فخطبها عمر بن الخطاب وأفتاها بأن يعطيها مثل ذلك من المال فتصدّق به عن عبد الله بن أبي بكر. فقالت في مرثيته:
فأقسمت لا تنفك عيني سخينة        عليك ولا ينفـك جــلدي أغـبـرا
فلما ابتنى بها عمر بن الخطاب أولم ودعا المهاجرين والأنصار...» الرسائل، ص 173.
 (76) الجاحظ، الرسائل، كتاب في الوكلاء، ص 103.
(77)الجاحظ، الحيوان، القول في حلّ الضب واستطابته 6 / 84.
(78)المصدر نفسه، 7/62.
(79)الجاحظ، العثمانية، ص 115.
(80)الجاحظ، الحيوان، 6/213.
(81)يقول الجاحظ: «وقد ذمّ الله المتكبرين ولعن المتجبرين وأجمعت الأمة على عيبه والبراءة منه» الرسائل، ص 410.
(82)يقول الجاحظ: «فأمّا الاسم الذي لم يسمّ به إلا نبي فقوله الصّديق بإجماع من المسلمين على هذا الاسم أنه لأبي بكر دون غيره»، العثمانية، ص 123.
(83)الجاحظ، العثمانية، ص 195.
(84)الجاحظ، الرسائل، ص 46.
(85)راجع: الجاحظ، الرسائل، حجج النبوة، ص 234.