«مخيلة الأسد»

الغلاف.jpg

 تشكل الهوية الوطنية من خلال الإعلام في بلاد الفلمنك

غيرتيان ويليمس وبرونو دي ويفير

عبدالرحمن السليمان *

تتكوّن مملكة بلجيكا الاتحادية من ثلاث مقاطعات: مقاطعة الفَلَمَنْك الناطقة بالهولندية، ومقاطعة والُونْيا الناطقة بالفرنسية ومقاطعة أُوبِن الناطقة بالألمانية. ويشكل الفَلَمَنْكِيُّون (6.589,000 نسمة) أكبر مجموعة سكانية في بلجيكا، يليهم الوالُونِيُّون (3.634,000 نسمة)، ثم سكان مقاطعة أوبن الألمان (19.762 نسمة). وتشكل مدينة بروكسيل مقاطعة خاصة ذات لغتين رسميتين هما الهولندية والفرنسية. ويعالج هذا الكتاب، الذي حرره كاتبان متخصصان في تاريخ الحركة القومية الفلمنكية، موضوع الهوية الوطنية وتشكُّلها بناء على عناصر جامعة أهمُّها في سياق الحركة القومية الفلمنكية: اللغة الهولندية ودور الإعلام والفنون والآداب في ترسيخها والتمكين لها.

فاللغة -بموروثها الأدبي والثقافي- عامل من العوامل الثلاثة التي تشكل الهوية الوطنية لأية أمة. فالحركات القومية في العالم مؤسسة إما على اللغة (كالقومية العربية)، أو على الدين (كالقومية الإيرلندية) أو على العرق (كالقومية النازية) أو على العرق والدين معًا (كالصهيونية). وغالبًا ما تختار مجموعة من الناس شكل قوميتهم بالتضاد مع ما يعتبرونه حالة تهديد لوجودهم. فالقومية الإيرلندية ارتأت في الديانة الكاثوليكية عاملاً جامعًا للإيرلنديين الكاثوليك بمواجهة الإيرلنديين البروتستانت. واختارت المجموعة البيضاء في جنوب إفريقيا نظام الأبارتيد لمواجهة محيطهم الإفريقي.

أما الحركة القومية الفلمنكية، فتأسّست منذ بدايتها على اللغة الهولندية التي يتحدث الفلمنكيون بها لغةَ أمٍّ لمواجهة طغيان اللغة الفرنسية على مؤسسات الدولة والتعليم في بلجيكا، وإقصاء اللغة الهولندية منها منذ تأسيس مملكة بلجيكا سنة 1830 حتى مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي. إن إقصاء لغة أكثرية السكان -أي الفلمنكيين- من مؤسسة مهمة كالتعليم لصالح لغة أجنبية وتهميش ثقافة تلك الأكثرية هو الباعث الأول والأهم على نشوء الحركة القومية الفلمنكية التي تعود جذورها إلى بداية نشوء بلجيكا التي كانت الديانة الكاثوليكية -وليس اللغة أو الثقافة- العنصر الموحد لها سنة 1830. فلقد تأسست بلجيكا وتشكلت هويتها الوطنية بناء على الديانة الكاثوليكية مقابل الديانة البروتستانتية في مملكة هولندا الشمالية. فعلى الرغم من أن الفلمنكيين ينتمون لغويًا وثقافيًا إلى البيئة الثقافية الهولندية إلا أنهم يفترقون مع الهولنديين في الدين والمذهب. وبما أن الدين سنة 1830 كان أقوى حضورًا في الحياة العامة من اليوم، فإن قضية اللغة لم تكن تطرح مشكلة كبيرة في وقت كان صوت الشعب فيه شبه غائب. إلا أن قضية اللغة أصبحت ملحة في مطلع القرن العشرين، وصارت الحركة القومية الفلمنكية تناضل بقوة من أجل الحصول على حق التعليم باللغة الأم وهي الهولندية بدلاً من الفرنسية التي كانت مفروضة على الفلمنكيين. وعلى الرغم من أن الاعتراف باللغة الهولندية لغة رسمية في بلجيكا كان أواخر القرن التاسع عشر، فإن العلاقة بين الفلمنكيين والوالونيين بقيت مضطربة حتى اليوم. ومما يزيد من حدة الاضطراب بين الطرفين أن سيرورة التقدم الاقتصادي والازدهار الكبيرين في بلاد الفلمنك تتزامن مع تراجع في الأداء الاقتصادي والازدهار في القسم الناطق بالفرنسية الشيء الذي جعل الفلمنكيين يفرضون لغتهم وثقافتهم في بلاد الفلمنك ويحدون من طغيان الفرنسية فيها وإخراجها من الاستعمال العام في بلاد الفلمنك. كما فرض الفلمنكيون أجندتهم السياسية في سلسلة طويلة من الإصلاحات الاتحادية التي فكَّكت السلطات المركزية في بلجيكا بالتدريج ونقلتها إلى المقاطعات الثلاث بحيث أصبح أداء الحكومة الاتحادية في بلجيكا يقتصر على حقائب سيادية معينة كالخارجية والداخلية والعدل مع وجود وزارات موازية لها على مستوى المقاطعات.

وبما أن لكل مقاطعة حكومتها المحلية، فقد بلغ عدد الوزراء في بلجيكا 56 وزيرًا يتقلدون 68 حقيبة وزارية. وهذه حالة نادرة في العالم لأن استمرارها يؤثر على فاعلية القرارات واتخاذها، الشيءُ الذي أحالَ معظم الصلاحيات المتعلقة بالمواطنين وكل ما يمت إليهم بصلة إلى الحكومات المحلية، وسحبَ البساط من تحت الحكومة الاتحادية التي يتعثر تشكيلها كل مرة بعد الانتخابات الاتحادية. فقد استغرق تشكيل الحكومة الاتحادية الحالية سنة ونصف تقريبًا (من 27 مايو 2019 حتى 1 أكتوبر 2020). والمدة ذاتها تقريبًا احتاج إليها تشكيل الحكومة الاتحادية التي سبقت الحكومة الحالية. والسبب في ذلك عائد إلى أن الحكومات المحلية كانت تتشكل من ذات الأحزاب التي تتشكل الحكومات الاتحادية منها، إلا أن الانتخابات الأخيرة أبرزت فرقًا كبيرًا في اختيار الناخبين الوالونيين الذي صوتوا للاشتراكيين والخضر، والناخبين الفلمنكيين الذين صوتوا للقوميين الذين لم ينجحوا في الحصول على رئاسة الوزراء الاتحادية، لكنهم استطاعوا أن يشكلوا أكثرية تقود الحكومة الفلمنكية المحلية.

ويُشكل وصولُ القوميين الفلمنكيين إلى سُدة الحكم في بلاد الفلمنك، وقيادتُهم للحكومة الحالية فيها، فرصة ذهبية كبيرة لهم لإعادة صياغة الهوية الوطنية الفلمنكية عبر الإعلام والفن وترسيخها، وهو ما يُعالجه هذا الكتاب الذي حرّره محرران أحدهما برونو دي ويفير شقيق رئيس الحزب الفلمنكي القومي "التحالف الفلمنكي الجديد" بارت دي ويفير. وينطلق الكتاب من الإشارة إلى "القانون الفلمنكي" الذي اقترحته سنة 2020 الحكومة الفلمنكية عند بدء ممارسة مهامها، وهو "محفظة مكوَّنة من العناصر والقيم الثقافية المشتركة المكوِّنة للهوية الفلمنكية والمعبرة عنها"؛ ذلك لأنَّ هذه الحكومة التي يقودها القوميون الفلمنكيون ترى أن "الوطن إنما ينبغي تمثيله في الواقع وترجمة عناصره وقيمه المشتركة إلى شيء مرئي ومحسوس يُوحّد ولا يفرق". ومن هنا، يأتي دور الإعلام في حشد مجموعة من الناس حول مجموعة من القيم المشتركة لتشكيل الهوية وترسخيها وتطويرها. "فعندما تأسست مملكة بلجيكا سنة 1830 أسهم المؤرخون والأدباء والموسيقيون والنحّاتون وسائر الفنانين في تشكيل الهوية البلجيكية وتجسيدها". أثناء ذلك نشأت الحركة القومية الفلمنكية نتيجة لتهميش الفلمنكيين ولغتهم الوطنية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، "فانبثق" عن هذه الحركة القومية الفلمنكية "مشروع تشكيل وطن فلمنكي مُوازٍ لمشروع الوطن البلجيكي وموجهٌ ضده". لقد تطور هذا المشروع كثيرًا، وتَمكّن بفضل الازدهار الاقتصادي الكبير لبلاد الفلمنك ولسكانه الذين استطاعوا تحصيل كامل استحقاقاتهم الثقافية وفرض أجندتهم السياسية على السياسة الاتحادية لبلجيكا بأساليب ناعمة. "لذلك وجهت الحكومة الفلمنكية الجديدة الدعوة إلى المؤرخين لجرد أهم العناصر والقيم الثقافية المشتركة المكونة للهوية الفلمنكية، وكذلك إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون ومنتجي الأفلام وصناديق دعم الآداب لترجمة العناصر والقيم الثقافية المشتركة إلى واقع يرسّخ الهوية الفلمنكية وينشرها".

وإذا كان تبلور الهوية الوطنية الفلمنكية في الفترة الممتدة من 1830 حتى 1914 جاء ردة فعل على الهوية الوطنية البلجيكية بلغتها الفرنسية الطاغية آنذاك على أجهزة الدولة وعلى الفلمنكيين، فإن سببًا آخر يدعو الحكومة الفلمنكية اليوم إلى التركيز على الهوية الوطنية، ألا وهو الهجرة الكبيرة إلى بلجيكا منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي، حيث كانت بلجيكا ومعظم دول أوروبا الغربية معها بحاجة إلى اليد العاملة لإعمار ما دمّرته الحرب العالمية الثانية. أدّت تلك الهجرة إلى نشوء تنوع ثقافي كبير في بلجيكا عمومًا وفي بروكسيل وسائر بلاد الفلمنك خصوصًا. وتشكلّت نتيجة لتلك الهجرة مجموعات كبيرة من السكان ذوي الخلفيات الإثنية والدينية والثقافية المختلفة (كالصينيين والأتراك والمغاربة). وقد نتج عن هذا الواقع أحياء ذات طابع إثني أو ثقافي أو ديني مختلف كالحي اليهودي والحي الصيني وأحياء ذات أكثرية تركية أو مغربية/عربية. ونشأت عن هذا التنوع مرجعيات فكرية ودينية وثقافية تختلف في نظرتها إلى العالم (نظرية داروين مثلاً) وإلى الإنسان (الأقليات الجنسية مثلاً) وإلى البيئة الخ. وللحيلولة دون نشوء مجتمعات متوازية تعيش منعزلة عن بعضها البعض، لكل منها مرجعية ثقافية ودينية وأخلاقية مختلفة، انتدب وزير الثقافة الفلمنكي الأسبق مارينو كولن سنة 2005 لجنة مكونة من سبعة خبراء وأكاديميين من خلفيات دينية وثقافية مختلفة (أحدهم كاتب هذه المراجعة) لجرد القيم الإنسانية السائدة في المجتمع الفلمنكي والتي ينبغي على كل مواطن فلمنكي أو مهاجر إلى بلاد الفلمنك أن يُقرّها لشموليتها.

وإذا اختلف أحدٌ ضميريًّا مع بعض المضامين القيمية في المجتمع الفلمنكي (كنظرية داروين أو المثلية على سبيل المثال)، فله أن يعتقد ما يشاء بشأن تلك المضامين لأن حرية الضمير مكفولة دستوريًا في بلجيكا ولكن بشرط ألا يمارس التمييز أو العنف ضد من يؤمن بنظرية داروين أو ضد المثليين. ثم وضعت "لجنة الحكماء" هذه ورقة عمل تُرجِمَت فيما بعد إلى سياسة استقبال تفرض على الوافد إلى بلجيكا للإقامة والعمل في مقاطعة الفلمنك منها أن يتابع دروس اللغة الهولندية بالإضافة إلى "دورة توجيه اجتماعي" تمكّن الوافد من تعلم اللغة الهولندية وثقافة البلد خلال سنة. وقد ربطت دول كثيرة منها بلجيكا وهولندا امتياز الإقامة والعمل فيها بتعلم اللغة الوطنية والثقافة المحلية بهدف التأقلم معها والاندماج السريع فيها.

ويتوقف الكتاب عند كل المحطات أعلاه، وينطلق من تنصيص الحكومة الفلمنكية الجديدة التي يقودها القوميون في وثيقة الحكومة على جعل بلاد الفلمنك "بلادًا قويةً واثقةً من نفسها يشعر المواطنون فيها وكذلك الزُّوارُ إليها بالفخر والاعتزاز". ولتحقيق هذا الهدف "سوف تمكّن الحكومة الفلمنكية للهوية الفلمنكية من خلال الاستثمار في صندوق وسائل الإعلام المسموعة والمرئية وفي صندوق دعم الأدب الفلمنكي". يمول الصندوق الأول صناعة الفلم والمسلسلات والألعاب في بلاد الفلمنك، بينما يدعم الصندوق الثاني قطاع الأدب بشكل عام وترجمته ونشره بشكل خاص. يقول المحرران: "إن التركيز على الهوية الوطنية والوطن أمر مثير للملاحظة لأن الوطن والهوية الوطنية فقدا الكثير من أهميتهما في النصف الثاني من القرن العشرين". ومن الغريب أن التركيز على فكرة الوطن والهوية الوطنية قد شهد في زمن العولمة ازدهارًا كبيرًا، ليس فقط في بلجيكا أو بلاد الفلمنك فيها، بل في سائر العالم. فمن جهة يصبح العالم قرية كبيرة كما يقال، ومن جهة أخرى يزدهر الفكر القومي والدعوة إلى المحافظة على الخصوصية الثقافة للشعوب مقابل سطوة العولمة. لقد أصبحت العولمة أشبه بتيار جارف لم يعد أحد قادرًا على السباحة ضده، بل إن أقصى ما يمكن لمناوئي العولمة أن يفعلوه اليوم هو تعلم السباحة كي لا يغرقوا في التيار كما يرى الكثير من خبراء العولمة. والتركيز على الهوية الوطنية وتفعيلها وتمكينيها من خلال وسائل الإعلام والآداب الوطنية وإحياء الفنون الشعبية كل ذلك بمثابة المحاولة لإتقان فن العوم بهدف تفادي الغرق في تيار العولمة الجارف. والفلمنكيون هنا، شأنهم في ذلك شأن معظم الشعوب التي تهدِّدها العولمة، يلجؤون إلى مخزونهم الثقافي لاتقاء شرور العولمة وبالتالي إنقاذ الهوية الوطنية من الذوبان. "من ثمة فكرة توظيف الإعلام بأنواعه ووضع قانون ثقافي يحتوي على أهم عناصر الهوية الوطنية الفلمنكية لتجسيدها في الأفلام والمسلسلات والأدب بأنواعه" لتصبح الهوية شيئًا ملموسًا يُقدّم للمواطنين، سواء أكانوا مواطنين أصليين أو مواطنين من ذوي أصول أجنبية، وكذلك للزوار والسياح الذين يزورون بلاد الفلمنك.

ولكن تبقى اللغة الفصيحة "العامل الذي يوحد أي مجموعة من الناس والإسمنت الذي يشد أفراد تلك المجموعة إلى بعضهم البعض في لُحمَة متينة". وهذا الحكم يسري على الحركة القومية الفلمنكية أكثر من سريانه على غيرها بسبب الحالة اللغوية الخاصّة في بلجيكا التي نُظِّمَت في سلسلة من التشريعات والقوانين أهمها تشريع سنة 1962 الذي رسم الحدود اللغوية للمقاطعات البلجيكية وحدّد أية بلدية تتبع لأية مقاطعة لغوية. فالحركة القومية الفلمنكية نشأت نتيجة للصراع اللغوي مع الفرنسية وتكتسب شرعيتها بل وتستمد طاقتها من لغتها الوطنية – الهولندية. وإذا كان الفلمنكيون يتحدثون لهجات هولندية مختلفة مفهومة فيما بينها، إلا أنهم اعتمدوا في بلادهم اللغة الهولندية الفصيحة المستعملة في المملكة الهولندية والتي أصبحت لغة التعليم والإعلام والتواصل العام بجميع أنواعه. وطور اللغويون الفلمنكيون بالتعاون مع زملائهم في هولندا سياسات لغوية متطورة تهدف إلى حماية اللغة الهولندية في بلاد الفلمنك من طغيان اللغة الفرنسية التاريخي عليها من جهة، والفلمنكيين من الفَرْنَسة من جهة أخرى، وذلك على الرغم من تراجع اللغة الفرنسية في كل مكان في العالم أمام تقدم اللغة الإنكليزية. وتمخّض عن تلك السياسات تخطيط لغوي أسهم بطريقة فعّالة في تقليص الفروق الإقليمية والفروق الدلالية والفروق المصطلحية بين استعمال اللغة الهولندية في بلجيكا واستعمال اللغة الهولندية في هولندا، ذلك أن بعض تلك الفروق نشأ بسبب تأثر اللغة الهولندية في بلجيكا بالفرنسية. "لذلك نشأت حركة تصويب وتصحيح بهدف تهذيب اللغة الهولندية وتطهيرها من التأثير الفرنسي عليها في بلجيكا" كانت وما زالت تدعو إلى الالتزام بالمعايير اللغوية الدلالية كما هي سارية في هولندا. "ونشطت هذه الحركة في الإعلام بقوة في الفترة الممتدة من 1950 إلى 1980 في أعمدة مخصصة لها في الصحف النوعية" بطريقة معيارية تهدف إلى التأثير في استعمال الناس للغة الفصيحة على غرار "قُلْ ولا تَقُلْ" أو معالجة الأخطاء الشائعة في البلدان العربية. وفي الحقيقة إن اهتمام الفلمنكيين بلغتهم الوطنية – الهولندية – مثير للإعجاب، وإن اعتناءهم بها في الإعلام بشكل عام مثير للتقدير. لكن الأهم هو اعتناؤهم بها على المستوى المؤسساتي المتمثل في أنشطة مجمع اللغة الهولندية الذي يضع السياسات اللغوية والتخطيط اللغوي ويدير مؤسسات التَّقْيِيس أو المَعْيَرَة التي تدقق في صياغة المفردات المترجمة أو في وضع المصطلحات الجديدة، ويعمّم استعمال ما تقره المؤسسات المجمعية على دوائر الدولة ومؤسسات المجتمع المدني.

الكتاب وثيقة مهمة تسرد تاريخ الحركة القومية الفلمنكية التي ناضلت حوالي قرن من الزمان من أجل تحقيق أحلام أطلقتها نخبة قليلة في البداية، ثم حشدت حولها المواطنين المؤمنين بتلك الأحلام، ثم ترجمتها إلى فعل سياسي مكَّن الحركة الفلمنكية من تشكيل حكومتين متتابعتين لحكم الإقليم الفلمنكي في بلجيكا، والتأثير بشكل جذري بالتحكم الناعم في السياسة العامة لبلجيكا. ومما أسهم في ذلك: جَدُّ الفلمنكيين وسعيهم الدؤوب ومثابرتهم على العمل مما جعل إقليمهم في طليعة الأقاليم المزدهرة في العالم. وساهم موقفهم الضعيف في الماضي في تطوير ملكة لغوية عجيبة. فبلجيكا دولة ذات ثلاث لغات رسمية (الهولندية والفرنسية والألمانية) تدرس في المدارس بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية لمنزلتها ولكون بروكسيل عاصمة الاتحاد الأوروبي. ساعدتهم هذه الملكة اللغوية في تطوير ثقافة لغوية تعددية لا يكاد يضاهيهم فيها أحدٌ في العالم، فخريج الثانوية العامة في بلاد الفلمنك يتخرج وفي جعبته أربع لغات على الأقل، مما مكنّهم من تبوء كل المناصب الاتحادية في بلجيكا عمومًا وفي بروكسيل خصوصًا والتي يُشتَرَط للقبول فيها إتقان اللغتين الهولندية والفرنسية والنجاح في امتحان رسمي تنظمه الحكومة لذلك، وهو ما لا يستطيع الناطقون بالفرنسية مجاراة الفلمنكيين فيه.

----------------------------

- الكتاب: "مخيلة الأسد.. تشكل الهوية الوطنية من خلال الإعلام في بلاد الفلمنك".

- المؤلف: مجموعة كتاب - تحرير غيرتيان ويليمس وبرونو دي ويفير.

- الناشر: دار بيريستايل، أنتورب، بلجيكا، 2020، بالهولندية.

- عدد الصفحات: 381 صفحة.

 

* أستاذ الترجمة في جامعة لوفان في بلجيكا

أخبار ذات صلة