مدينة الليبرالية الجديدة بين الاحتواء والإقصاء

Picture1.png

جيل بينسون

سعيد بوكرامي

ساهمت مدن الليبرالية الجديدة في إثراء الأحياء السكنية، وارتفاع قيمة العقارات، وإخلاء السكان غير المستقرين أو غير المرغوب فيهم: اليوم أصبحت المدن الحديثة والتجمعات السكانية الكبرى مسرحاً لانفجار اللامساواة وعمليات الإقصاء. يحدث ذلك من أجل جذب رؤوس الأموال والسكان المرتبطين بالاقتصاد الجديد، لهذا تنهج مدن الليبرالية الجديدة سياسات صارمة وبشكل متزايد تتمثل في التسويق الحضري، ومشاريع التنمية الكبرى، والسباق على العلامات التجارية والتظاهرات الكبرى. لقد فسر العديد من المراقبين هذه الاضطرابات، التي غيرت تجربة المدينة نفسها، كنتيجة حتمية لفرض نظام أيديولوجي وسياسي واقتصادي جديد منذ الثمانينيات عند انطلاق النظام العالمي الجديد المسمى بالليبرالية الجديدة.

يقدم جيل بينسون دراسة تحليلية وبيداغوجية ونقدية للنظريات الحاسمة التي تجعل الليبرالية الجديدة القوة الرئيسية لتغيير المدن والسياسات. إن استخدام مصطلح "الليبرالية الجديدة" في مجال العلوم الاجتماعية حافظ على التباس متعدد وغموض دلالي. لكن الدراسة التي أنجزها جيل بينسون، عالم السياسة في مركز إميل دوركهايم، ساعد في استرداد براعة وتنوع مفهوم الليبرالية الجديدة بحسب التكوينات الوطنية والحضرية المختلفة. دون الادعاء بتقديم تعريف شامل للمفهوم، يحاول المؤلف استعادة دور الدولة في التدخل والتيسير والتحفيز للأعمال التجارية. لذلك يقدم جيل بينسون التحولات التاريخية لمدينة الليبرالية الجديدة، من خلال مواجهتها للسياسات الكينزية (نسبة إلى الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز) ومراحل تحيينها كنموذج مهيمن.

 لا تنفصل الليبرالية الجديدة عن العولمة وتفكك اقتصاد العلاقات الاجتماعية، فهي تنطلق من الآليات الدولية لنشر النظريات الاقتصادية ذات الأهداف السياسية مثل مجتمع مونت بيلران. لقد هيمن المبدأ النقدي الذي دعمه حايك وفريدمان كفرع لليبرالية الجديدة معتمداً على تداول دولي للأفكار خارج سياقها الأصلي. وإذا عدنا بإيجاز إلى نشأة الليبرالية الجديدة كأيديولوجية قائمة، فإننا نجد أنها تنقسم بحسب جيل بينسون إلى أربع تيارات تحليلية في العلوم الاجتماعية. أولها الجغرافيا الماركسية الجديدة، التي يعتبرها الكاتب طريقة للتراكم الرأسمالي وشرطًا لاستمرار سلطة طبقة النخبة. ويأتي بعدها تيار علم الاجتماع البورديوي وبراهينه التجريبية العديدة، التي تكشف عن أنماط العمل وتغلغل الليبرالية الجديدة في المجال السياسي والإداري وما عرفته من نضالات من أجل الشرعية. يستحضر المؤلف بعد ذلك وجهات نظر فوكو، التي تتخذ وجهة نظر معاكسة لأطروحة الهيمنة الليبرالية الجديدة. أخيرًا، إذا كان جيل بينسون يتعامل مع الجغرافيا النقدية، التي لا يخلو تيارها المذكور من غموض، فهو يعتقد أنه يوفق بين هذه التيارات الثلاث مبررا تفسيره للانتماءات والأنماط الملموسة لمدينة الليبرالية الجديدة، ومؤكدًا على الطابع المتغير للبنى الاجتماعية للنيوليبرالية الحضرية. وعطفا على ذلك يسلط المؤلف الضوء على القوة التأويلية للأعمال المهتمة بذلك، ليجمع بين مقدماتها النقدية لتعميمها وجعلها أكثر فهماً.

في الفصل الأول، يعود جيل بينسون إلى "التسوية الفوردية" في النصف الأول من القرن العشرين، الذي عرف بسبب التناقضات الداخلية في الرأسمالية، كيف يتكيف هذا النظام الاقتصادي وفق نوع المؤسسة، وبحسب النماذج التي تخصخص في بعض الأحيان (تخفيف شروط منح الائتمان في الولايات المتحدة)، وأحيانًا تحت سيطرة الدولة (إنشاء وإدارة حدائق السكن الاجتماعي في فرنسا والمملكة المتحدة). إن سياسات دعم الطلب ترافقها بعد ذلك التنشئة الاجتماعية لإنتاج السلع والخدمات مع تعزيز أشكال الإشراف والمرافقة الاجتماعية، وهذا يؤدي إلى إعادة إنتاج النظام الاجتماعي. ومع ذلك، فإن تشبع الطلب العالمي وفقدان مكاسب الإنتاجية يضعفان التيار الكينزيّ. ويمكن العودة إلى الأزمات الاقتصادية التي أعقبت بعضها البعض في السبعينيات وما أدت إليه من توترات اجتماعية عنصرية، وعدم مساواة إقليمية، وصراعات حضرية، خاصة ضد آثار تحسين الجودة الحضرية في العمران والمرافق والخدمات. وقد اكتسى هذا الأخير الطابع المؤسسي من خلال التكثيف الحضري وإزالة المعالم الأثرية والطبيعية، مما يشير إلى أن قدرة الليبرالية الجديدة على الاستيعاب الحضري وتدبير سياستها الاجتماعية تتميز بالتعثر.

امتدت قوة النظام النيوليبرالي تدريجياً إلى مجال الأنشطة العامة. تغذيها النظرية العقلانية للخيارات العامة، التي تضفي الشرعية على تقليص التحويلات الوطنية المخصصة للبلديات. ويذكر الكاتب أيضاً التحولات الاجتماعية، من خلال حالات محددة لسياسات الإسكان الاجتماعي والاستعاضة التدريجية عن المساعدة الشخصية بالمساعدة السكنية. يعكس هذا التحول المعرفي خطاب الاختيار الفردي دون أن يؤدي، حسب قوله، إلى "ليبرالية راديكالية" (ص 57). باعتبارها نظاماً من المبادئ السياسية والمعايير المهنية، تنتشر الليبرالية الجديدة كإطار للعمل العام. إنها بمثابة دليل للممارسات الروتينية لكبار المسؤولين ويبدو في فرنسا جلياً نظام الصرامة الاقتصادية وإضفاء الطابع الإقليمي على السياسات العامة منذ بداية الثمانينيات. ومع ذلك، أعرب عالم السياسة عن تحفظه في مواجهة الإقصاء التعسفي والمتسرع للكينزية في العديد من الأعمال التي أجّلت الافتراض المسبق لقطيعة مثالية وواضحة في مواجهة الليبرالية الجديدة.

يعود جيل بينسون في الفصل الثاني إلى العلة الغائية بين الليبرالية الجديدة والمدن المتروبولية، مقارنًا الأخيرة بـ "الأبطال النشطين" (ص 62) في هذه العملية. لقد تبّثت الرؤية الإدارية المتأصلة في الليبرالية الجديدة الحضرية حياة جديدة في ذخيرة العمل السياسي المحلي مما ساعد على إدراج هذا المبدأ في منطق الإدارة العامة الجديدة، ودُرّس لأول مرة من منظور تخطيط المدن. ويتضح ذلك من خلال التنظيم العام للزيادة في مبادئ السوق والحوكمة من خلال المشروع الذي يعطي مكان الصدارة للتنمية الحضرية والقدرة التنافسية والجاذبية.

علاوة على ذلك، تكمن أهمية الكتاب في ترجمته لتأثيرات المدينة على الليبرالية الجديدة، باعتبارها "محيطا ثانويا للرأسمالية" (ص 81) ولمراكمة الثروة. ويتمثل ذلك فيما تمنحه المدن الكبيرة من مكانة للتقارب بين الاستثمارات المالية التي تساعد على تنشيط مراكز المدن وتحرير القيود الاقتصادية. وينتهي هذا بإضفاء الطابع المالي على المدن بتخصصها المفرط مع تعميم المضاربة وتبادل الأصول المحفوفة بالمخاطر على المدى القصير؛ مما يؤدي إلى إزالة الطابع المادي عن النطاق المالي، لكن ذلك يولّد أزمات اقتصادية ذات تكاليف اجتماعية مزمنة (زيادة في معدل الجهد ورفع الحيازة عن أسر الطبقة العاملة، والإفراط في مديونية التدبير المنزلي). في فرنسا مثلا، أصبحت هذه الدينامية التنافسية الحضرية أكثر وضوحًا في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، من خلال إنشاء التجمعات واستخدام أدوات العمل العامة في المنافسة، بما في ذلك صياغة طلبات لمشاريع التنمية. وعلى الرغم من انسحابها من المستوى المحلي، فإن الدولة "تتحكم عن بعد" وتوجه استراتيجيًا تمويل المجتمعات من أجل تشجيعها على تقليص عجزها وزيادة استقلاليتها.

أخيرًا، يتساءل المؤلف في الفصل الثالث عن "التجاوزات غير الليبرالية" (ص 103) لليبرالية الجديدة فيما يتعلق بإرغاماتها الناعمة وأشكالها القمعية. وهنا يعود إلى الأعمال المتسائلة عن الطبيعة المناهضة للديمقراطية ولليبرالية الجديدة للمجالات الحضرية وما يتعلق بغموض مشاهد التجديد الحضري وتقنياتها. في الواقع، يبدو أن هذا المنطق الريادي يستبعد الخلافات والانقسامات السياسية من أجل خرق الحس التجاري، ومن هنا يحدد "الإجماع ما بعد السياسي" الذي يبعد الطابع السياسي عن صناعة مدينة الليبرالية الجديدة. وبذلك، يكشف المؤلف عن حدود المقاربات النقدية لليبرالية الجديدة، من حيث أنها تؤدي عمومًا إلى تمجيد الأنظمة السياسية الديمقراطية السابقة وتقليص هيئات الحوكمة الحضرية للمدن الكبرى وجعلها فضاء وملاذا للرأسمالية الجديدة.

بالإضافة إلى ذلك، يفحص جيل بينسون تأثيرات الليبرالية الجديدة ومنطق الاختيار الاجتماعي والغزو الرمزي للمدن. كمصدر ل"أوامر ريادة الأعمال" (ص 125) ولأخلاق التعاقدات الجديدة، تعزز الليبرالية الجديدة الحضرية المسؤولية الفردية من خلال حجب المحددات الهيكلية للتغيير السلوكي. هذه التقنية لحوكمة الليبرالية الجديدة تساهم بمكر في تكييف الموارد حسب الجدارة وزيادة مراقبة الفئات المحرومة، كنوع من التنبيه إلى أحقيتها في تجريم الفقر. وهذا ما يؤدي إلى تفاقم الوصم والتنافس بين أفراد الطبقة العاملة، كما يتجذر ذلك في استغلال الإثنية والهوية في مشاريعها المهيمنة.

في النهاية، يقدم كتاب جيل بينسون تحليلًا شاملاً حول العمل النقدي متعدد التخصصات الذي يهدف إلى دراسة موضوع مدينة الليبرالية الجديدة خارج المجال الأكاديمي والفكري. ومع ذلك، فإنه يشير إلى بعض العثرات، مثل التنبيه إلى دراسة هذه الحقيقة الاجتماعية، وإزاحة غموض تعريفها حسب "قدرتها المطلقة" (ص 142)، وإبراز تناقضاتها بين هيئات السوق والمنطق المناهض إلى تحيزها السلبي، مستهدياً بالحصافة التحليلية. مستعيناً بالمراجع الضرورية، يقدم المؤلف عملاً واضحًا ومختصرًا في متناول القارئ المهتم بالليبرالية الجديدة وتخطيطاتها العمرانية والاقتصادية والسياسية.

يتضح مما سبق أن مفهوم "المدينة الليبرالية الجديدة "المدينة الريادية" قد تحول إلى قوة جذب للموارد والوظائف ورأس المال والابتكارات. منذ مطلع السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، صارت المدينة الليبرالية الجديدة موجهة نحو العرض وتميل ميلاً إلى استبدال المدينة الكينزية الموجهة نحو الطلب. وبذلك يؤدي سياق تحرير المبادلات التجارية إلى اشتداد المنافسة بين المدن، بحيث تسعى كل مدينة إلى جذب الشركات والطبقات الاجتماعية المتميزة. في الوقت نفسه، تترك السياسات الحضرية مكانًا متزايدًا للجهات الفاعلة الخاصة. مما يؤدي إلى التهديد بفقدان الوظائف، وفسخ الارتباطات والالتزامات وهروب رأس المال، وحتمية تخفيض الميزانية في بيئة تنافسية، وهذا يمثل صفقة جديدة في توجيه السياسات الحضرية، التي تتخلى عن مبدأي الإنصاف والعدالة الاجتماعية لصالح الكفاءة والابتكار ومعدلات الاستغلال الحقيقية.

تنعكس هذه التعديلات في الفضاء الحضري من خلال تجديد مراكز المدن، وإعادة تحويل / استعادة المساحات الصناعية القديمة. ومن خلال تركيز الاستثمارات في عدد قليل من المناطق المختارة بعناية، تساهم هذه السياسات الحضرية في التجزئة الاجتماعية- المكانية للمدن الكبرى المعاصرة. ومع ذلك، من سياق وطني إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، يتم التعبير عن اختلافات ملحوظة في الأهمية التي توليها السياسات الحضرية لأهداف القدرة التنافسية وأهداف الإنصاف والعدالة الاجتماعية.

لقد غيرت الليبرالية الجديدة بشكل عميق طريقة عيش سكان المدن و الإنشاءات والمجالات السكنية الكبيرة منذ عقود. لم يكن الانتقال من المجتمع الفوردي والكينزي إلى عالم تحت تأثير ميلتون فريدمان ورجال المال والأعمال بلا تأثير على البيئة المعيشية. وهنا تكمن أهمية ما قام به جيل بينسون من تفكيك لرموز هذا النظام الجديد من خلال التركيز أكثر على الأطر الاقتصادية النظرية للإنتاج أكثر من التركيز على الشكل المعماري للمدن.

كما رأينا يعود الكتاب أولاً إلى الاختلافات بين الليبرالية والليبرالية العادية والليبرالية الجديدة انطلاقاً مما كتب عنها من مراجع. نذكر على سبيل المثال لا الحصر أطروحة آدم سميث وأوائل الليبراليين الذين يرون في الاحتكارات العامة والخاصة أكبر تهديد لازدهار الأنشطة الاقتصادية، بينما اعتبر الليبراليون العاديون أن السوق يجب أن يكون جزءًا لا يتجزأ من نظام سياسي أعلى يحميه من فائضه وأزماته ويحتويه في المجال الاقتصادي الشامل لسياسة الدولة، لكن الليبرالية الجديدة تجعل السوق المبدأ الأساسي لتنظيم المجتمع ويسعون إلى توسيعه لكي يشمل جميع مجالات الحياة، من التعليم إلى العدالة، من الأنشطة الثقافية إلى تلك الخاصة بالعائلة. و للقيام بذلك، وضعوا عددًا معينًا من الأدوات لتجريد الدولة وسياساتها من وسائل عملها، ولا سيما سعيها لإخراجها من السيطرة على العملة، ووضع النظام الاقتصادي فوق النظام السياسي، وللبرهنة على ذلك يقدم جيل بينسون مثال اليونان والأرجنتين اللتين حاولتا مقاومة هذا الاضطهاد النقدي بإقامة نظام بديل لهذه السياسات الليبرالية الجديدة، لكنهما تعرضا لنكسة اقتصادية وسياسية أشد وأقوى. وبتوسيع وجهة نظره، يلاحظ المؤلف أن الليبرالية الجديدة لا تهتم بالنماذج الديمقراطية، كما ثبت ذلك في الشيلي منذ السبعينيات، وفي الصين وفي العديد من البلدان غير الديمقراطية الأخرى. لهذا يعبر في نهاية كتابه عن أسفه من استشراء هذه الليبرالية الجديدة بجموح عالمي، جاعلة الفصل بين الفضاءات السياسية والمالية مبدأ مقدسًا، للاستمرار في المحافظة على هيمنتها المالية والتحكم في التغييرات السياسية وفق مخططاتها و توجهاتها الاقتصادية حتى وإن حققت مآربها على حساب العدالة الاجتماعية والقيم الإنسانية والأخلاقية.

الكتاب: مدينة الليبرالية الجديدة

المؤلف: جيل بينسون

الناشر: منشورات بيف. باريس. فرنسا

سنة النشر: 2020

عدد الصفحات: 160 ص اللغة الفرنسية.