نهب الممتلكات العربية رياضة وطنية إسرائيلية

BizatHarechushHaaravi-e.jpg

آدم راز

أحمد أشقر *

في أول يوم من سنة 2021، وثقت كاميرا محاولة جُندييّن إسرائيلييّن سرقة مولد كهربائيّ يملكه الفلسطيني هارون أبو عرام (24 سنة) الذي يعيش في قرية التوبة في منطقة الخليل. وعندما حاول منعهما قام أحدهما بإطلاق رصاصة اخترقت رقبته مما أدى إلى شلله التام. أجمعت المؤسسات الحقوقية الإسرائيلية على أن محاولة الجنديين كانت سرقة المولد لبيعه، وليس مصادرته وفقاً لأمر عسكري خاص.

فتحت محاولة سرقة موّلد أبو عرام ملفّ وسجل السرقات التي قام بها جنود ومستعمرون يهود في فلسطين الذين يسرقون من المتاجر والمنازل التي يداهمونها أمولاً ومجوهرات. ويقوم العاملون على الحدود مع الأردن والحواجز بسرقة مجوهرات من النساء المارات فيها. وهناك المئات من النساء اللواتي يؤكدن أنهن رأين الجندية أو الجندي "يسحب" قرطاً أو خاتماً ذهبيّاً أو ورقة نقديّة أو أكثر من فئة الـ100 دولار أو الـ50 ديناراً من محافظهن. في العادة يحجم الفلسطينيون رجالاً ونساءً عن تقديم شكاوى خشيّة توريطهم بتهمة ما من آلاف التهم التي يُلَّبّسها اليهودُ للعرب منذ سنة 1948.

 

ويشكِّل كتاب المؤرخ الإسرائيلي "آدام راز": "نهب الممتلكات العربية في حرب الاستقلال [النكبة]" دراسة مهمة تتحدّث عن نهب أملاك الفلسطينيين خلال النكبة. ووثّق قيام المستوطنين، جنوداً ومدنيين، بالسطو على أملاك المطرودين ونهب محتويات منازلهم، بعد أن أصبحوا لاجئين.

وقام الباحث "راز" بتوزيع كتابه إلى قسمين رئيسيين: جاء في القسم الأول المعنون بـ"نهب الممتلكات العربيّة- سجلّات السرقات"، حديث عن تزامن عمليات نهب ممتلكات العرب مع تاريخ احتلال مدنهم وقراهم من قبل الميليشيات الاستعمارية اليهودية. وقد استُهلَّ ذلك بنهب مدينة طبريا، أولى المدن التي تم احتلالها في شهر أبريل 1948. حيث شكّل نهبها نموذجا تمّ احتذاؤه في بقية المدن. كانت المدينة قبل النكبة مأهولة بــ 47% من السكان العرب. وينقل الباحث في إحدى الشهادات ما يلي: "مثل الجراد، داهمَ سكان طبريا [اليهود] المنازلَ [العربيّة]، وكان علينا ضربهم بالكرابيج وإجبارهم على ترك الأشياء على الأرض". كما نقل عن يوميات يوسف نحماني (1891-1965)، أحد الكتّاب الإسرائيليين "داهمت جحافل من اليهود المحلات وبدأت في نهب أمتعتها... كانوا بالعشرات، ولم تسلم منهم منازل العرب وحوانيتهم". وبعبارة أخرى نهب اليهود جيرانهم العرب (ص:30-38).

وعلى إثر سقوط طبريا، جاء دور حيفا في النصف الثاني من شهر أبريل أيضا. وعلى ما يورد المؤرخ سرق اليهود من منازل العرب الأثاث والأمتعة، ومن الحوانيت الأغذية والآلات، ومن المصانع والورش المعدات ورموا بعضها في الأزقة والشوارع. وقد شارك في عمليات النهب الجنود والضباط من "الهجناه". ويأتي الباحث (آدم راز) على ذكر عشرات العائلات العربية التي نُهبت بيوتها، ويورد عشرات الوثائق اليهودية التي تؤكد ذلك. في الأثناء حذّر وجهاء المدينة العرب من أعمال النهب وقدّموا شكاوى ضدّ الناهبين، لكن المحتلين اكتفوا بالاستنكار ولم يفعلوا شيئا من أجل إيقاف تلك الأفعال ومعاقبة الجناة (ص:38-62).

أما مدينة القدس التي كانت مدينة كبيرة ومركزية في الحياة الثقافية والروحية العربيّة، فقد كان احتلالها معقَّدا وطويلا، بسبب الظروف الدولية، لذلك استمرت فيها عمليات النهب طيلة شهرين. ويأتي آدم راز على ذكر نهب مكتبة المربّي والمعلّم خليل السكاكيني، فضلا عن خزانة المشروبات الروحية الفاخرة التي كان يمتلكها. هذا وقد أتلف المستعمرون واللصوص اليهود الأثاث المصنَّع من خشب الماهجوني الفاخر بتحويله أقنانا للدجاج وإطلاق الرصاص على الأواني الصينية العتيقة والتحف الفنيّة من صور وتماثيل ومجسّمات. وقام أحدهم بنهب بيانو وكسره ليجعله وقودا يتدفأ عليه. ونتيجة لوفرة كميّة المنهوبات أنشأ اللصوص أسواقاً في الأحياء لبيع المسروقات لليهود والإنجليز وللمجموعات الأجنبية التي كانت تقطن المدينة (ص:62-91).

بعد نهب كل من طبريا وحيفا والقدس، تنبّهت القيادات الإسرائيلية إلى ضرورة عدم تكرار الفوضى في مدينة يافا، التي كانت على وشك الاجتياح. لذا قامت إدارة مستعمرة تل أبيب وقيادة "الهجناه" التي احتلت المدن السالفة، بتحذير المستعمرين والجنود من تكرار عمليات النهب، بواسطة توزيع مناشير وتعليق تحذيرات على جدران بيوت عرب يافا ومؤسساتها، محذرين السكان اليهود من اختلاس ممتلكات غيرهم، لكنها لم تفلح. وذلك لأنّ النهابين والجنود عمدوا في البداية إلى القيام بأعمال اختلاس غير مُعلنة، وعندما اتّضح أنّ عمليات النهب أصبحت واسعة بدأ الحديث عنها علنا. ولكثرة الممتلكات التي خلّفها المطرودون وراءهم تنظّمت في المدينة عصابات سرقة محددة المهام، هاجمت بيوت العرب وسرقت أمتعتها. وعندما اكتشفت تلك العصابات حجم هذه الممتلكات وقيمتها قام بعضهم بتكليف الأطفال في السرقات الصغيرة. وخلال عمليات النهب والسرقة بدأت العصابات التخصص بأنواع مختلفة من السرقات. ونقل المؤرخ آدم راز عن مدعي عام كتيبة "الأكسندروني"، التي شاركت في احتلال عدة مدن ومواقع، ما يلي: "كان النهب بالجملة، وقد وصل تقريبا إلى هرم السلطة. يتوجه إلينا أُناس جدّيون من المناطق المختلفة كي يعملوا معنا، لكن علينا أولا القضاء على عصابات النهابين، عدا ذلك لا يساعدنا شيء. فقد كان بإمكاني مهاجمتهم فورا، لكن ذلك يتطلب إذنًا من فوق. فقد زارني البعض زيارات كان هدفها قول: 'لا تتدخل في هذه الأمور!'"، بما يعني التهديد إن واصل عمله ضدّ النهابين (ص:92-119).

ويتابع المؤرخ "آدم راز" أعمالَ النهب للمدن الأخرى مع التعرض للجدل الدائر حول تلك العمليات في الأوساط السياسية. يقول المؤرخ إنه لما وصلت الوحدات الصهيونية إلى عكا في الثالث عشر والرابع عشر من شهر مايو سنة 1948، كان الأهالي يتملّكهم الخوف والهلع نتيجة سقوط المدن الأخرى. ولا سيما جراء ما سرّبه اليهود عن أهوال مجزرة دير ياسين التي اقترفوها في العاشر من شهر أبريل من العام نفسه. لذا قام قائد هذه الجماعات موشي كرميل بتهديد أهالي المدينة بقوله: "إذا واصلتم المقاومة ولم تستسلموا خلال نصف ساعة سنبيدكم إبادة مطلقة" فاستسلم الأهالي. بعدها صادر الجيش أجهزة الراديو، كما سرق الجنود خزنة جامع الجزار وشعرات من شعر النبي محمد (ص). كما فتّش الجنود عن المخطوطات والمنمنمات الإسلامية، لكنهم في الحقيقة كانوا يبحثون عن المال، كما يؤكد الباحث. ثم هجم الجنود وسرقوا أثاث المنازل. وقامت مجموعة من الجنود باغتصاب فتاة، قتلوا والدها وجرحوا والدتها. سجل القادة العسكريون الحدث، وبعدها أدين أحد الجنود بالسجن لمدة ثلاث سنوات (ص: 119-123).

وكان لاحتلال مدينة صفد المختلطة، في أوائل شهر مايو سنة 1948، والتي يسكنها بحدود 15% من اليهود أهمية كبرى؛ لأن القيادتين العسكرية والسياسية أولت المدينة أهمية كبرى في السيطرة على الجليل الأعلى، ولمنع تدفّق المقاتلين من سوريا ولبنان والحيلولة دون عودة المطرودين العرب إليها. لذلك أقامت السلطات العسكرية حواجز بين الحيّ اليهودي والأحياء العربية وبدأوا بإحصاء الممتلكات العربية لضبطها بصورة رسمية. لكن قيام "الكيبوتسات" بنهب قطعان الأبقار والماشية والدواب كان إنذارًا ببدء النهب من قِبل سائر المستعمرين والعصابات العسكرية (ص:122-132).

من ناحية أخرى، شكَّل احتلال بيسان في غور الأردن أهمية خاصة؛ لأن المدينة كانت تفصل مرج ابن عامر عن شرق الأردن. وبعد أن أعطى بن غوريون أوامره بتهجير ما تبقى من سكان المدينة، بعد موجة الطرد الأولى، بحجة وجود مسلّحين عرب. أقدم الناهبون اليهود، في البداية، على سرقة القطاع السياحي الصغير، فندقين ونزل وثلاثة مقاه وثلاثة أقبية لإنتاج النبيذ، تلتها بقية الممتلكات العربية. يقول الباحث (راز) بعدم وجود وثائق تدلّ على النهب؛ لكنه يؤكد على وجود مستعمِرين صهاينة في المنطقة تغاضوا عن عمليات النهب، بما يعني تواطؤ المحتلين مع الناهبين (ص:133-138).

بعد احتلال مدينتيْ اللد والرملة في النصف الأول من شهر يوليو سنة 1948 بدأت عملية سرقة ممتلكات الأهالي ونهب المؤسسات العامة والورش والمصانع المختلفة، واستمرّت حوالي شهرين. سرق بعض العسكريين الأمتعة ونقلوها إلى بيت خاص في مستعمرة هرتسليا. وفي نهاية يوليو نقل العسكر من مدينة اللد "ما لا يقلّ عن 1800 شاحنة" محملة بالأغراض والأمتعة. واستمرّ النهب رغم شكاوى ما تبقى من العرب، فقد تواصل الاعتداء على ممتلكاتهم أشهرا طويلة بعد الاحتلال. تُوثّق مصادر الباحث سرقة المساجد والأديرة والكنائس (ص:138-160).

ويشير مؤلف الكتاب إلى أنّ نهب المساجد والكنائس والأديرة وهدمها ترافق مع عدوان 1948 مباشرة، ولا يزال التوثيق لهذه الجرائم سريّا بغالبيته. أمّا الوثائق والشهادات التي يستخدمها الباحث فهي قليلة، وتتحدث عن أعمال نهب محدّدة تمّت تحت غطاء "عمل عسكري"، مثل كسر إصبعيْ تمثال للمسيح أو للعذراء مريم لسرقة خاتم. كما اختلس النهابون ذهبًا وفضّة من صلبان الكنائس والأديرة، وأيقونات وتماثيل ذات قيمة دينية وتاريخية عالية. وعلى الشاكلة نفسها تمّ نهب الجوامع والمساجد (ص: 160-170).

ويُفرِد الباحث أكثر من ثلاثين صفحة لعمليات نهب القرى العربية، التي بلغ عددها أكثر من خمسمئة قرية والتي لا يختلف نهبها عمّا شهدته المدن، سوى بقيام المستعمرين في المستوطنات الزراعية بسرقة الثروة الحيوانية من أبقار وماعز وماشية ودواب (ص: 170-202).

ويخلص المؤرخ آدم راز إلى أنّ عمليات النهب قد استمرّت إلى غاية العام 1950؛ لكنه يؤكد أنّ القيادات العسكرية والسياسية الإسرائيلية قد استنكرت هذه الأعمال ممّا يبرّئها من أيّة مسؤولية. غير أنّ الجليّ أنّ المستعمرين اليهود قد قدموا لاستعمار فلسطين مشحونين بعداء ديني لعرب فلسطين. والحال أنّ من يملك الحقّ الديني باستعمار الأرض وتهجير شعبها وقتله، يسهل عليه نهب ممتلكاته وإتلاف مكتسباته؛ فأثناء عدوان 1947- 1948 لم يكن هناك تمييز بين المدنيين والعسكرين من المستعمرين، فالذي يزرع الأرض ويعمل في الإنتاج في فترة ما من الشهر، سيكون حتما عسكريّا في فترة أخرى. نشير كذلك إلى أنّ الغالبية العظمى من المستعمرين كانوا فقراء ومعدَمين على إثر مقدمهم من أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. لذا وجدوا في ممتلكات العرب غنيمة ساعدتهم على تخطّي سوء أحوالهم المعيشية.

ومن جانب آخر، طالت عمليات النهب والسرقة المكتبات، حيث سرق المستشرق اليهودي (مِئير يعقوب كِستر، 1914- 2010)، من الجامعة العبرية، أثناء النكبة، مكتبة 'صديقه' الشيخ محمد نمر الخطيب (1918- 2010)، الذي كانت عائلته تتولى مهام الإفتاء والإشراف على نقابة الأشراف في حيفا إبان الحُكم العثماني وَحتى مقدم الاحتلال.

وفي القسم الثاني من الكتاب، وهو بعنوان: "نهب الممتلكات العربية- سياسة مجتمع"، يصل آدم راز إلى نتيجة مفادها أنّ "النهب الفردي" و"النهب الجماعي" كلاهما عمل مشين، وهو "داء عضال انتشر في أوساط المجتمع. وقد أدانته كل القيادات الإسرائيلية وعلى رأسهم (بن غوريون) الذي قال: "إن غالبيّة اليهود لصوص" رغم أن أحد زملائه في السلطة (يوسيف شبينتساك) قال قولاً يناقضه، بتأكيده أنّ النهب كان سياسة رسمية. ويضيف المؤرخ (راز) من جانبه أنّ سياسة النهب والسرقة خدمت (بن غوريون)، لأن طرد عرب فلسطين شكّل أداة لترسيخ سياسته. أما نهب الممتلكات فقد شكّل عملا يُضاف إلى عدة أعمال أخرى في عملية الطرد، منها تجفيف الآبار وسرقة أنابيب ومحركات للريّ، إضافة إلى حرق المزارع، وقتل الدواب، وتدمير القرى، وهو ما أدى إلى هدم البنية التحتيّة كي لا يفكر اللاجئون في العودة.

ولنا أن نسأل: هل فعلاً لم تتمكّن قيادة المستعمرين من منع إتلاف الممتلكات أو تحجيم الأضرار؟ الجواب أكثر تعقيداً: يمكن أن نصدق رفض بعض القيادات لتلك الأعمال، وذلك للحفاظ على مبدأ الانضباط والانصياع لأوامر الجيش لا غير؛ ذلك أنّ تلك القيادة كانت قلقة على سمعتها في العالم، وكانت تعلم علم اليقين أن بدون نهب ممتلكات العرب من قِبل الأفراد لن يتسنّى تلمس نتائج المشروع اليهودي بشكل شخصي، وعليه تغاضت المؤسسة الصهيونية عن النهب. ولو كانت هذه المؤسسة جادة لعاقبت كلّ من نهب وسرق بأشدّ العقوبات العسكرية؛ ولَمَا رفضت تطبيق قرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1948، والقاضي "بوجوب السماح بالعودة، [...] ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم [...]"، لكنها اكتفت بعقاب بعض الأفراد لغرض الدعاية فحسب.

والسؤال المطروح في هذا السياق: لماذا استمرّ رفض إعادة الممتلكات المنهوبة لأصحابها لمن بقي داخل فلسطين؟ ولماذا تم قتل العشرات من اللاجئين ممن حاولوا "التسلل" إلى فلسطين لأخذ بقرة أو شاة من أجل إطعام أطفالهم الرضع في مخيمات اللجوء؟ ويخلص الباحث أن عملية النهب خدمت بن غوريون. ومن جانبنا نرتئي أنّ الرجل كمفكر وقائد استعماري إستراتيجي، كان يعلم أنّ النهب إحدى الوسائل لتثبيت اليهود ولدعم كيانهم الاستعماري في فلسطين.

---------------------------

- الكتاب: "نهب الممتلكات العربية خلال حرب الاستقلال"

- المؤلف: آدم راز.

- الناشر: كرمل للنشر، القدس، 2020م، بالعبرية.

- عدد الصفحات: 323 صفحة.

* باحث في الدراسات الدينية ومترجم من فلسطين