قضايا في الفكر الأخلاقي

822319b0-2b6c-4c60-ba0a-d1dbb3c2118b.jpeg

محمد الناصري | باحث من المغرب

لا تعسف في القول بأن المجتمع الإنساني المعاصر يعيش مأزقه على حد تعبير علي حرب، مأزق أدى إلى طرح أخطر سؤال نعرفه في العصر الحديث: الإنسانية إلى أين؟.

بعبارة أدق: هل هي سائرة نحو الفناء أو نحو البقـاء؟ نحو الشقـاء أو نحو الهنـاء؟ نحو عنصرية متشددة أو نحو عالمية متحررة؟ نحو صدام بربري أو نحو حوار حضاري؟ نحو سحق حقوق الإنسان أو نحو الحفاظ على هذه الحقوق؟ نحو تكنولوجيا غاشمة أو تكنولوجيا واعية؟ هل ستسود المعرفة على القوة والمال أم تسود القوة على ما عداها من فعاليات؟(1).

أزمة العالم أزمة أخلاقية

ولا تعسف في تحديد أسباب أزمة العالم، وإجمال مظاهرها، في السبب / المظهر الأخلاقي.

فما يعرفه العالم من انخناق واضطراب وقلق حضاري يعود بالأساس إلى إقصاء وإلغاء الأخلاق الفاضلة والقيم المثلى عن مجال تنظيم حياة الإنسان؛ حيث ضاقت رقعة الأخلاق ضيقاً، وانقبض أفقها انقباضاً في القرنين المنصرمين من تاريخ البشرية؛ إذ سادت فلسفات وضعية تعلي من شأن العقل والعلم التجريبي، وتحط من شأن الدين والأخلاق، وذلك باسم الحداثة، وبحجة أنه لا أخلاق في المعرفة ولا أخلاق في العلم والتقنية، ولا فطرة إلا المعاني المؤسسة للأخلاق العلمية والعلمانية، ولا أخلاق إلا الكليات السلوكية التي يقرها العلم أو تقرها العلمانية(2).

وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا النمط من التفكير إلى تحقيق تقدم مادي باهر في مقابل تَرَدٍّ أخلاقي مُخْزٍ، وقد عبر رئيس بلدية كليفلند الأمريكية عن هذه المفارقة بقوله: «إذا لم نكن واعين فسيذكرنا التاريخ على أساس أننا الجيل الذي رفع إنساناً إلى القمر...؛ بينما هو غائص إلى ركبتيه... في الأوحال... والقاذورات»(3) وفي السياق ذاته «لم يتحرج نيكسون» من أن يصرح في أول خطاب رسمي له بعد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية بقوله: «إننا نجد أنفسنا أثرياء في البضائع، ولكن ممزقين في الروح، ونصل بدقة رائعة إلى القمر، وأما على الأرض فنتخبط في متاهات ومتاعب كبيرة»(4).

التخبط في المتاهات والغوص في الأوحال سيزداد عمقاً واستفحالاً مع الحرص على تغليب المنفعة المادية «عن طريق تحقيق سيطرات ثلاث: «سيطرة الاقتصاد في حقل التنمية»، و«سيطرة التقنية في حقل العلم»، و«سيطرة الشبكة في حقل الاتصال»، وتلك سمات نظام العولمة وأسسه التي يقوم عليها في ممارسة تعقيله الأداتي، والتي تورث لأهله ودعاته فتناً ثلاثاً، تعرّض هذا النظام لأزمة أخلاقية مثلثة تبعاً لثلاثية أسسه الآنفة الذكر، والتي تتجلى في انعدام ثلاثة فضاءات: فضاء المصلحة المعنوية، وفضاء العمل المقصدي، وفضاء المعروفات(5) القريبة»(6).

عودة الأخلاق(7):

و«الملاحظ أن هذه الأزمة الأخلاقية تلاها بالفعل وعي أخلاقي خاص، تجلى هذا الوعي في مظاهر شتى، منها تقوية تدريس مواد الأخلاق، وإحداث كراسي لها في المعاهد والجامعات، وعقد المؤتمرات والمناظرات حول الإشكاليات الأخلاقية المستجدة، ومنها أيضاً إنشاء لجان الحكماء، ووضع دساتير ومواثيق أخلاقية، وتأسيس حركات إصلاحية ومنظمات إنسانية، وكذلك فتح أبواب في علم الأخلاق غير مسبوقة، ووضع نظريات فيه غير معهودة، فجرى الخوض في «أخلاقيات الحياة»، و«أخلاقيات البيئة»، وأخلاقيات الإعلام»، و«أخلاقيات الإدارة»، و«أخلاقيات الشغل»، و«أخلاقيات الأعمال والمقاولة»، كما اتسعت الدعوة إلى ضرورة أن يتحمل الإنسان المسؤولية إزاء كل مجالات الحياة، وأن يسارع إلى تحصين نفسه بالأخلاق اللازمة لمواجهة التلوث في الطبيعة والتسيب في التقنية والتفكك في المجتمع والفساد في السياسة والتضليل في الخبر»(8).

من هنا يكتسب الحديث عن الفكر الأخلاقي وقضاياه مشروعيته؛ ذلك أن الأخلاق لم تعد مجرد توصيات ومواعظ وأحكاماً؛ بل غدت نظاماً معرفياً يمتد إلى العلم والفلسفة ونظام القيم. فقد اقتحم البحث الأخلاقي معظم الميادين، وبات مشروعاً يساءل، ويخضع للسؤال من قبل المفكر والفيلسوف ورجل الاقتصاد والسياسة.

إجمالاً لقد كانت المسألة الأخلاقية ـ ولا زالت ـ تستأثر باهتمام كبير، وتشكل إشكالية مركزية داخل الفكر العالمي برمته، وستظل تشغل بال المفكرين والفلاسفة ورجال السياسة والقانون على اختلاف مشاربهم الفكرية.

وذلك راجع ـ بالأساس ـ إلى ارتباطها بالإنسان، وتعلقها بحقيقته وجوهره طبيعته، وإذا وجهنا النظر بالبحث إلى الوجهة الداخلية لفلسفة الأخلاق؛ نجد عديداً من الإشكالات المطروحة من جملتها.

أ ـ المعوّل عليه في بناء الأخلاق العقل أم النقل؟

ب ـ هل الأخلاق فطرية أم مكتسبة؟

ج ـ هل الأخلاق مطلقة أم نسبية؟

وقد جاءت إجابات علماء الأخلاق والفلاسفة عن هذه الإشكالات مختلفة باختلاف رؤاهم الفلسفية، ومرجعياتهم الفكرية، ومتعددة بتعدد المدارس الفلسفية التي تناولت هذه القضايا بالبحث والدراسة، وبيان ذلك كالآتي:

(1)

المعول عليه في بناء الأخلاق العقل أم النقل؟

ويمكن صياغة هذا الإشكال بعبارة أخرى: على أي أساس تقوم الأخلاق؟ لقد شكّل هذا الإشكال قضية خطيرة في علم الأخلاق؛ لأنه في الواقع البحث عن أساس القيم الأخلاقية هو في الآن نفسه بَحْثٌ في أصل إنسانية الإنسان وما يميزه عن الحيوانية والطبيعة.

وعليه، فإن التساؤل عن أساس القيم الأخلاقية هو تساؤل عن المبدأ الجذري الذي يفصل بين مجالين متعارضين لكن يستدعي كل منهما الآخر، وهما مجال الإنسانية ومجال الحيوانية، فما هو هذا المبدأ الجذري الذي يجعل من الإنسان ـ رغم كونه محكوماً في جسده الخاص بضرورة الطبيعة وغرائزها ـ إنساناً؟ أهو أمر داخلي فيه؟ أم متعال عنه؟

إن هذا الإشكال ـ كما أسلفنا ـ مثل مائدة فكرية دسمة للعديد من الفلاسفة وعلماء الكلام، وصار موضوعا لنقاش فلسفي واسع عريض في الفكرين الأخلاقيين: الإسلامي والغربي قديماً وحديثاً.

أ ـ الفكر الأخلاقي الغربي:

إذا تتبعنا الأعمال الفلسفية لأبرز أقطاب الفكر الأخلاقي الغربي القديم، أمثال: سقراط «469 ق.م»، وأفلاطون «427 ـ 347 ق.م»، وأرسطو «384 ـ 322 ق.م» ـ فسنجد أن هؤلاء الفلاسفة وغيرهم قد مجدوا العقل، وعدُّوه مصدراً وأساساً لكل القيم الأخلاقية، ففي نظرهم من دون العقل لا يستطيع الإنسان التمييز بين الخير والشر وبين الحَسَن والقبيح، وقد أشار إلى هذا الفيلسوف الفرنسي «إميل بوتر» في قوله: «وُلد علم الأخلاق في اليونان في اللحظة التي استولى فيها العقل على أزمة الحياة الإنسانية، وقد كانت قبل بيد الدين، وسقراط هو أساساً يتميز عن التقاليد الدينية، وأنه مع هذا لا يرتكز على العادات أو الغرائز، لقد رأى أن من الممكن أن نجد في الملاحظة اليقظة للطبيعة الإنسانية العناصر اللازمة لمذهب أخلاقي لا تعوزه الدقة ولا السمو ولا السلطان.

كل المسألة كانت إذاً معرفة طبيعة الإنسان الحقة، وبهذا كان مذهب سقراط أول محاولة للأخلاق الحرة العقلية»(9).

وقد كان مذهب أفلاطون وأرسطو ـ إلى حد كبير ـ امتداداً لمذهب سقراط فعدُّوا العقل أساس القيم الأخلاقية.

وقد سار على نهجهم فلاسفة الفكر الغربي الحديث والمعاصر، فأكدوا أن أساس الأخلاق هو العقل، وكان من أبرز الفلاسفة دفاعاً عن هذا الرأي الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 ـ 1804م)؛ إذ يقول: «إن التجربة الداخلية والشعور «الأخلاقي» لا يتولدان إلا بواسطة صوت العقل، الذي يخاطب كل شخص بكل وضوح، ويمكن بالتالي أن يعرف بشكل علمي... وعليه، فإن كل إنسان يجد في عقله فكرة الواجب، ويرتعد حينما يسمع صوته المدوي كلما استيقظت فيه بعض الميولات والنوازع التي تدفعه إلى انتهاكه، وعلى أساس كل ما سبق يمكن للإنسان ـ بل يجب عليه ـ أن يمتلك تمثلا واضحاً لكي يكون على يقين من سلطة عقله بوصفه حاكماً عليه»(10).

وقد عارض كانط أن تكون المشاعر والإحساسات الذاتية مصدراً للقيم الأخلاقية، حيث يقول: «إن نظرية أولئك الذين يقبلون بوجود حس أو شعور أخلاقي معين بواسطته يتحدد كل القانون الأخلاقي لا بواسطة العقل، إن نظرية مثل هذه دقيقة رغم كونها خاطئة»(11).

وكما عارض كانط أن تكون المشاعر والإحساسات الذاتية مصدراً وأساساً للأخلاق، نفى أن تكون اللذة أو الألم مصدراً لها، كما نفى أن تكون عادات وأعراف المجتمعات كذلك.

وقد دعم الفكرُ الغربي الحديث والمعاصر الاتجاه العقلي المؤسس للقيم والأخلاق؛ فظهر في الغرب ما يسمى «بمبدأ العقلانية» الذي مجد العقل كثيراً، وعدُّوه أساساً للحياة بأكملها، وليس أساس الأخلاق فحسب، وينطلق «مبدأ العقلانية» من كون العقل الأداة الرئيسة للمعرفة وللوصول إلى الحقيقة، وهو ليس مجرد أداة يسترشد بها الإنسان في إدراك العالم ومعرفة الواقع معرفة موضوعية مستقلة عن الهوى الفردي والجماعي. بل إن العقلانية سعي متواصل لتجاوز محدودية المعرفة العلمية، وتخطي كل أنواع العوائق والوصول إلى أكثر الحلول عقلانية.

وبناءً عليه، فأساس الأخلاق في الفكر الغربي ـ قديماً وحديثاً ـ هو العقل، الذي يعني في الوقت نفسه المعرفة والتجريب.

ب ـ الفكر الأخلاقي الإسلامي

لقد أثيرت هذه الإشكالية في الفكر الإسلامي بالحدة نفسها التي أثيرت بها في الفكر الغربي، فأثارت جدالاً صاخباً، ونقاشاً عنيفاً، وصل إلى حد التهكم بين المدارس الكلامية الإسلامية أحياناً، فتعددت الإجابات التي قدموها لنا، وانقسموا حولها إلى فئتين:

فئة المعتزلة.

فئة الأشاعرة من أهل السُّنَّة.

كل فريق يرى أساساً للأخلاق مختلفاً عن الآخر، «فالمعتزلة يقولون بمبدأ: «العقل قبل ورود السمع» (والمقصود بالسمع خطاب النبوة). وأهل السُّنَّة يقولون: إن الشرع وحده هو الذي يوجب كون هذا حلالاً حسناً وهذا حراماً قبيحاً».(12)

وعليه، فالمعتزلة وقفت موقفاً يمجد العقل، ويحكم بأن طاقاته غير محدودة، وعلى أنه قادر على التمييز بين الخير والشر.

في حين أن الأشاعرة من أهل السُّنَّة رأوا أن العقل أضعف من ذلك، وأن استطاعته محدودة بإدراك ما يتعلق بشأنه هو، أو أقل من ذلك، ومن ثم فالأساس الذي تقوم عليه الأخلاق ـ عندهم ـ هو الشرع، تلك السلطة الخارجية عن ذات الإنسان.

ولنخرج من هذا الاختلاف الواقع حول المسألة في الفكرين الغربي والإسلامي، ونسأل القرآن عن رأيه في الموضوع؟

«لقد علمنا هذا القرآن المجيد أن النفس الإنسانية قد تلقت في تكوينها الأولي الإحساس بالخير وبالشر: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) ﴾ (13)

وزودها ببصيرة أخلاقية: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) ﴾(14). وهدى الإنسان طريقي الفضيلة والرذيلة: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾(15) ، حقاً ﴿ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ (53)﴾(16) ؛ ولكن الإنسان قادر على أن يحكم أهواءه: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾(17).

ففي الإنسان إذن قوة باطنة، لا تقتصر على نصحه وهدايته وحسب؛ بل إنها توجهه إليه بالمعنى الصريح أو تأمره بأن يفعل أو لا يفعل. فماذا تكون إن لم تكن ذلك الجانب الوضيء من النفس والذي هو العقل؟!

لكن ما طبيعة هذا العقل؟

إنه ليس العقل الفطري؛ فالقرآن لم يقتصر على الملكات العقلية وحدها، وإنما العقل المؤيد بالشرع، ذلكم العقل العلوي.

ليصبح الإنسان ـ في نظر القرآن ـ متوفراً على عقلين، أو ما يعبر عنه «بالنور»: النور الفطري والنور الموحى»، وهما يسيران جنباً إلى جنب، قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾(18).

فالعقل والنقل يسيران معاً في القرآن الكريم، وفي قلب المؤمن يستقر نوران، وهذا معنى رمز النور المزدوج في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)﴾(19).

ويُطرح هنا إشكال مفاده: هل معنى ذلك أن علينا أن نفرق بين مصدرين مختلفين للأخلاق والإجابة؟ كلا؛ فنحن بالأحرى نراهما مستويين لمصدر واحد؛ فالعقلان الفطري والموحى ينبثقان من مصدر واحد هو الله 8 ، من هنا يجب أن نخرج أخيراً بأن الله سبحانه هو الذي يرشدنا دائماً إلى واجبنا الأخلاقي، ما ظهر منه وما بطن.

فبدلاً من أن نقول: العقل المحض Raison transcendentale، يجب أن نقول: العقل العلوي Raison transcendante، وبدلاً من الاستناد إلى تجريد تصوري ذهني، يجب أن نلجأ إلى ذلكم العقل الحي العليم، الذي هو العقل الإلهي»، فنور الوحي وحده هو الذي يمكن أن يحل محل النور الفطري؛ ذلك أن الشرع الإلهي هو الذي يجب أن يستمر ويكمل الشرع الأخلاقي الفطري.

فتأخذ الأخلاق أحقيتها، فهي ليست خضوعاً محضاً، ولا ابتكاراً مطلقاً، هي هذا وذاك في وقت واحد، والموقف ليس موقف عَبْدٍ مسترق، ولا موقف سيد مطلق؛ بل هو موقف مواطن يشارك بقدر معين في السلطة التشريعية بالاختيار، والمبادرة التي يملكها، مشاركة قد تصل إلى درجة «الاتحاد ـ أو قُلْ: «الاندماج» ـ بين الإرادتين»(20)

وبهذا يكون القرآن الكريم، قد استطاع أن يحدث المصالحة بين العقل والشرع، والإشكالية موضوع النقاش التي أثارت جدالاً حاداً، وستظل إن لم يفطن الفلاسفة وعلماء الأخلاق لحل القرآن المجيد ورأيه في المسألة.

(2)

«هل الأخلاق فطرية أم مكتسبة؟»

لقد نالت هذه القضية من جهد واهتمام الفلاسفة وعلماء الأخلاق بقدر ما أخذته الإشكالية السابقة، وكما كانت إجابات الفلاسفة وعلماء الأخلاق متناقضة بخصوص المسألة الأولى؛ جاءت أقوالهم متضاربة بخصوص هذه الإشكالية أيضاً، وتظهر شدة الاختلاف حول هذه الإشكالية في الفكر الأخلاقي الغربي.

إن الفلسفة الأخلاقية في الفكر الغربي «الحديث» تتميز بسيادة اتجاهين فلسفيين مختلفين:

اتجاه عقلي، يعتمد على العقل في دراسة الأخلاق، يمثله كانط.

اتجاه تجريبي: يعتمد على التجربة في دراسة الأخلاق، ومن رموزه هوبز، وجون لوك،...

ونتيجة اختلاف الاتجاهين في الأسلوب أو المنهج المتبع في البحث وفي الوسائل، كان من الضروري اختلافهما في الإجابة عن هذا الإشكال.

* حيث اعتبر أصحاب الاتجاه العقلي أن الأخلاق فطرية؛ إذ «يذهبون إلى أن الإنسان يولد مزوداً بأفكار نظرية وحقائق بسيطة تدرك بالحدس إدراكاً مباشراً دفعة واحدة من غير مقدمات، ومن غير الاستعانة بالتأمل العقلي، ومن هذه الحقائق البسيطة التي تدرك بهذا النور الفطري يتمكن الإنسان من استنباط حقائق أخرى»(21).

فأصحاب هذا الاتجاه يؤكدون على أن الإنسان يولد مزودا بأخلاق مغروسة فيه بالفطرة، تمكنه من التمييز بين الخير والشر والحق والباطل.

* وبخصوص الاتجاه التجريبي: فإنهم ـ على عكس الاتجاه العقلي ـ يقولون: إن الأخلاق مكتسبة، ومن ثم جاء «رفضهم لكل معرفة أولية أو قبلية، وقالوا: لا شيء في العقل إلا وقد مر بالحس والتجربة أولاً... وعليه فإن الأخلاق يجب أن تعالج بمناهج تجريبية خالصة؛ لأن التجربة هي المقياس الوحيد الذي يمكن من التمييز والتفرقة بين الحق والباطل والخير والشر؛ إذ الأخلاق وليدة الظروف الاجتماعية والدينية والاقتصادية التي تحيط حياة الفرد وتكتنف حياة المجتمعات»(22).

ومن أبرز المدافعين عن هذا الرأي والرافضين للمبادئ الأخلاقية الفطرية الفيلسوف جون لوك (1632 ـ 1704)؛ إذ يقول «إن هناك اعتقاداً قوياً ثابتاً عند بعض الناس بوجود المبادئ الفطرية أو الأفكار الأولية، كما لو كانت محفورة في العقل، أو مطبوعة عليه تلقتها الروح منذ وجودها القديم، وجاءت بها إلى هذا العالم... ويكفي لأقنع القارئ غير المتعامل بكذب هذا الاعتقاد أن أبين له: كيف أن الناس أمكنهم أن يصلوا إلى كامل ما لديهم من معرفة بواسطة استخدام قدراتهم الطبيعية فقط، ودون الحاجة إلى أية انطباعات فطرية؛ بل يمكنهم كذلك أن يبلغوا اليقين بدون الاعتماد على مثل هذه الأفكار أو المبادئ الأولية... إن الأفكار ليست مطبوعة على العقل بطبيعتها؛ لأنها ليست معروفة بالنسبة للأطفال والبلهاء وغيرهم، أولاً لأنه من الواضح أن جميع الأطفال والبلهاء ليس لديهم أدنى فهم أو فكر عنها، وهذا النقص كاف لإبطال تلك الموافقة العامة التي يجب أن تكون ملازمة بالضرورة كل الحقائق الفطرية»(23).

ومن هنا ـ وكغيره من الفلاسفة التجريبيين ـ يرفض القول بالأفكار الفطرية والمبادئ الأولية؛ لأن القول بالفكرة المفطورة أو المطبوعة في العقل، ثم القول بعدم إدراك العقل لها؛ إنما تعني تناقضاً عميقاً وخللاً في نظرية دعاة الأفكار الفطرية حسب جون لوك.

غير أن هناك اتجاهاً ثالثاً يقول بترابط الفطري والمكتسب في الإنسان، وأنه من الضروري الربط بينهما إلى درجة الاندماج، يقول أ. جاكارد A. JACCARD: «كل ما يتجلى في ذاتي، صنفي الدموي، لون بشرتي، دائرة رأسي، الحصبة التي أُصبتُ بها وأنا طفل، أو هذه السمة من سمات ذكائي»، كل ذلك ناتج عن آليات بيولوجية تتوقف في الوقت نفسه على:

المعلومات التي يحملها إلي الإرث التناسلي الذي تنقل أمي نصفه وأبي نصفه الآخر، أي ما هو فطري لديّ.

علاقاتي مع المحيط من حيث المواد المتوفرة والطاقة والقراءة والحالة العاطفية... أي ما هو مكتسب لديّ.

ومن المغري أن نتساءل عن التأثيرات التي تمارسها هاتان المجموعتان، وأن نطرح السؤال: ما هي حصة كل منهما؟ يبدو من الواضح مثلاً أن صنفي الدموي قد حددته عناصر فطرية، في حين أن الحصبة قد ولدتها عوامل مكتسبة، وقد يبدو أن هذا السؤال لا معنى له، وأن محاولة الإجابة عنه لا يمكن أن تقود إلا إلى عدد من القضايا اللامعقولة.

وفعلاً، إن ما يطرح مشكلاً في تعبير (فطري ومكتسب) ليس الفطري ولا المكتسب؛ إذ يمكن تحديدهما بسهولة، بل هو حرف «الواو» الذي يرمز إلى نوع العلاقة بينهما. ولكن هذا الحرف هو بمثابة كمين، سيدفعنا إلى الحذر تجاه عملية الجمع هاته، التي هي عملية ضرورية في الحياة اليومية.

إن الخطأ يتعلق هنا ـ مرة أخرى ـ بدراسة ظاهرة ناتجة عن العديد من العوامل المتداخلة عن طريق عزل أحدهما بشكل تعسفي عن الآخر. إن فِكْرنا غير مدرب على التفكير من خلال ألفاظ التفاعل، ويحاول أن يستبدل الواقع بنماذج يفعل فيها كل سبب على حدة، وكل المسائل المتعلقة بالفطري والمكتسب هي مسائل من هذا النوع، فهي لا تستحق أية إجابة؛ لأنها تنفي الواقع الذي تزعم أنها تحاول أن تدرسه(24).

إذا انتقلنا إلى الفكر الأخلاقي الإسلامي، سنجد أنه عرف الآراء والاتجاهات نفسها التي عرفها الفكر الأخلاقي الغربي؛ إذ نجد اتجاهاً يقول بفطرية الأخلاق، وثانياً يقول بأنها مكتسبة وثالثاً يحاول الجمع والتوفيق بينهما.

ـ أصحاب الاتجاه الأول ـ الذين قالوا بفطرية الأخلاق ـ لا يتصورون تغيرها؛ لأن الطباع لا تتغير، وحجتهم في ذلك:

«أن الخُلُق هو صورة الباطن، كما أن الخلق هو صورة الظاهر فالخلقة الظاهرة لا يُقدر على تغييرها، فالقصير لا يقدر أن يجعل نفسه طويلاً، ولا الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيراً، ولا القبيح يقدر على تحسين صورته، فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى»(25).

فحظوظ الناس من الطبائع النفسية التي فطروا عليها حسب هذا الاتجاه حظوظٌ متفاوتة، فالناس تتفاوت حظوظهم الجسدية قوة وضعفاً، وطولاً وقصراً، وبدانةً ونحلاً، وصحةً وسقماً، فحظوظهم من الطبائع النفسية الخلفية وغير الخلقية حظوظ متفاوتة بالفطرة، وبالتالي فالأخلاق فطرية في الإنسان.

* أما الاتجاه الثاني فاعتبر الأخلاق مكتسبة، وحجتهم في ذلك أنه «لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات، وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن؛ إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلامة والانقياد، وكل ذلك تغيير للأخلاق»(26).

ومن أنصار هذا الاتجاه «الفارابي؛ إذ يقول: «إن الأخلاق كلها مكتسبة: الجميل منها والقبيح، ويمكن للإنسان ـ متى لم يكن له خلق حاصل ـ أن يحصّل لنفسه خلقاً، ومتى صادف أيضاً نفسه في شيء ما على خلق، إما جميل أو قبيح، يمكن  أن ينتقل بإرادته إلى ضد ذلك الخلق، والذي به يكسب الإنسان الخلق أو ينقل نفسه عن خلقٍ ما صادفها عليه هو الاعتياد. وأعني بالاعتياد تكرير فعل الشيء الواحد مراراً كثيرة زماناً طويلاً في أوقات متقاربة»(27).

إن الاتجاهين يجدان المبرر والسند فيما ذهبا إليه في أحاديث النبي ! فقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أحاديث دلّت على أن الأخلاق فطرية بما يتفاضل الناس في أصل تكوينهم الفطري، وبما يتفاوتون في طباعهم الخلقية، ودلت أخرى على كون الأخلاق قابلة للتغيير والاكتساب.

فمن أقواله ! التي ساقها أصحاب الاتجاه الأول لتدعيم رأيهم قوله: «إن خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب»(28). وقوله أيضاً: «إن الله تعالى قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم»(29).

ومن أقواله التي دافع بها أصحاب الاتجاه الثاني عن صحة ما ذهبوا إليه قوله: «حسنوا أخلاقكم»(30)، وقوله !: «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله»، جاء في الأثر: «والعلم بالتعلم والحلم بالتحلم»، فدلت هذه الأحاديث هي أيضاً على أن الأخلاق يمكن تغييرها واكتساب الأفضل منها عن طريق الإرادة والتربية الحسنة.

وللتوفيق بين هذه الأحاديث النبوية الشريفة، وبين ما ذهب إليه كل فريق من الفريقين أعلاه، نخلص إلى أن الأخلاق فطريةٌ ومكتسبة، فبعض أخلاق المرء فطرية، تظهر منذ أول حياته، وبعضها مكتسبة نتيجة تأثير البيئة التي يعيش فيها الإنسان؛ إذ أن «الأخلاق تارةً تكون بالطبع والفطرة، وتارةً تكون باعتياد الأفعال الجميلة، وتارةً بمشاهدة أرباب الفعال الجميلة ومصاحبتهم، وهم قرناء الخير وإخوان الصلاح؛ إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعاً»(31)

وعليه «فالأخلاق ليست كسبية على إطلاقها، كما أنها ليست وهبية على إطلاقها، وإنما تتظافر الفطرة السليمة مع دلالة العقل التام السوي في إدراك وتقرير جانب من الأخلاق، ثم يأتي دور الشرع ليكمل الفطرة؛ ويحمي حمى العقل، ويضع الضوابط العامة، التي ترقى بالفرد من الوجهة الخلقية».

ويرتبط هذا الإشكال بإشكال أكبر منه هو هل الإنسان خَيِّر جُبِل على الخير أم أنه شرير مجبول عن الشر؟ وقد كانت إجابات الفلاسفة وعلماء الأخلاق مختلفة ومتباينة كاختلافهم حول كون الأخلاق فطرية أم مكتسبة.

فمنهم من عَدَّ الإنسان خيراً محضاً بفطرته، مثل جون جاك روسو الذي دافع عن كون الإنسان مجبولاً عن الخير، فرأى طبيعته طبيعة خيّرة وبريئة، هذا التصور الفردوسي الذي يبديه روسو سوف ينتقده الفيلسوف هوبز، الذي ذهب إلى أن الإنسان شرير وعدواني بطبعه، هذا ما يدفع هوبز إلى القول بأن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، ويرجع هوبز عدوانية الإنسان إلى طبيعته وفطرته؛ ذلك أن الطبيعة الإنسانية في نظره تتميز بثلاث خصائص: التنافس الناتج عن رغبة الإنسان في الحفاظ عن منافعه ومصالحه، وهذا ما يجعل الإنسان يعطي الأولوية للهجوم كطريقة لكسب الحرب. وفي أفق هذا التصور الحربي فإن الطبيعة الإنسانية تتميز بالحذر والتأهب المستمر لخوض المعارك. وأخيراً فطبيعة الإنسان تتميز بالكبرياء أي الرغبة في الانتصار الدائم.

يظهر من هذه الخصائص المميزة للطبيعة الإنسانية أن الإنسان شرير بطبعه، ويترتب على هذين الرأيين أن الإنسان في غير حاجة للتربية والإصلاح؛ «لأنه إن كان الإنسان خيرا فلا داعي إلى تخييره، وإن كان شراً صرفاً فلا نفع في محاولة تطهيره»، وبطلان الموقفين السابقين ظاهر للعيان، وإلا «لما شرعت الشرائع، ولما قررت الأحكام، ولما ورد التكليف بالأعمال، ولما بني الحسن والقبح، ولما جاء الترغيب والترهيب... وحكمة الله أكبر من أن يخصص للجنة قوما وللنار آخرين، ويربط استحقاق الجنة بعمل واستيطان النار بعمل، دون أن يجعل في خلقة للإنسان الأهلية لإحدى الجهتين»(32).

(3)

«الأخلاق مطلقة أم نسبية»؟

المطلق والنسبي مفردتان شائعتان في العلوم والفلسفة، يعرف الدارسون معانيهما غالباً، فإذا كانت القضية بلا حد ولا تخوم، وحكمها سار في كل الأزمنة والأمكنة فإنها مطلقة، وإذا كانت القضية عكس ذلك تختلف باختلاف الزمان والمكان فهي نسبية.

ومن أخطر القضايا استشكالاً ضمن هـذا المبحـث مسألة «نسبية الأخلاق»، وقد أثارت هذه الإشكالية ـ كسابقتيها ـ نقاشاً حاداً بين الفلاسفة وعلماء الأخلاق، وخاصة في الفكر الأخلاقي الغربي؛ بحيث إذ تتبعنا الدراسات الأخلاقية التي اهتمت بالمسألة، نجد اتجاهين بارزين لدى فلاسفة وعلماء الأخلاق في الغرب:

الاتجاه الأول: يمكن تسميته «بالاتجاه المثالي»، ويعدّ الأخلاق ثابتة ومطلقة، لا تتقيد بزمان ومكان، ولا تتغير بتغير الظروف والأحوال، ومن ثم فهي صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان»، بمعنى أنها مبادئ موضوعية، بدليل أنها تفرض نفسها على كل وجدان بشري بطريقة حدسية أولية، وإذا كان بعضهم لا يدركون هذه القيم، فإن ذلك لا يدل على أنها ليست مبادئ موضوعية مطلقة؛ وإنما يدل على أن هؤلاء الأشخاص الذين يعجزون عن إدراكها، لديهم «عمى خلقي» لا يمكنهم من الإحساس بالقيم، وهذا لا يطعن في موضوعية القيم، وإنما يطعن في ذكائهم وبصيرتهم، فالقيم موجودة وثابتة لا تتغير، ولكن الناس يتفاوتون في إدراكهم لها وبصيرتهم بها، فالمحبة للقريب مثلاً قيمة مطلقة، وجهل الإنسان بها في وقت من الأوقات ـ نتيجة لجهالته أو عدم نضجه الأخلاقي ـ لا يمكن أن يكون دليلاً على نسبيتها»(33).

وقد بلغ هذا الاتجاه ذروته مع كانط في «مذهبه الواجب»؛ حيث أكد على ثبات الأخلاق وكونها مطلقة ونهائية. غير أن هذا الاتجاه لم يعرف الانتشار الواسع في الفكر الأخلاقي الغربي، كما عرفه الاتجاه الواقعي أو التجريبي.

الاتجاه الثاني: الاتجاه الواقعي أو التجريبي، ويذهب أصحاب هذا الاتجاه ـ على العكس من الاتجاه السابق ـ إلى القول بأن الأخلاق ليست مطلقة، وأنها نسبية متغيرة وغير ثابتة، فالسلوك الواحد قد يعدّ ـ في نظرهم ـ صحيحاً أو حسناً في زمن ومكان؛ بينما يعتبر بالعكس من ذلك خاطئاً وقبيحاً في زمن آخر ومكان آخر.

فالأخلاق عندهم تختلف باختلاف بيئات وثقافات الأفراد والجماعات، «فلما كان لكل ثقافة معاييرها الخاصة بها فإن المرغوب فيه يختلف تبعاً لذلك من ثقافة إلى ثقافة، ومن ثم تختلف القيم من ثقافة إلى ثقافة»(34)، ومن زمن إلى زمن، فهي «تختلف وتتغير في المجتمع الواحد بما يطرأ على نظمه من تطور وتغيير، وهي في تطورها وتغيرها تخضع للمناسبات الاجتماعية في التاريخ، كما تخضع لظروف الوسط الثقافي الذي توجد فيه»(35).

من أبرز ممثلي هذا الاتجاه الفيلسوف أوكست كونت (ت.1857م)، الذي اعتبر أن التاريخ الإنساني قد مرَّ بثلاث مراحل:

المرحلة الميتافيزيقية، والمرحلة اللاهوتية، والمرحلة الوضعية، وبالتالي فإن كل مرحلة من هذه المراحل لها قيمها وأخلاقها الخاصة بها.

ومن ثم فالمبادئ الأخلاقية نسبية ومتغيرة ومتطورة؛ لأنها ترتبط بعجلة التطور الاجتماعي، وتخضع لتأثير العوامل الاقتصادية والدينية والثقافية والتاريخية، وهذه كلها متطورة ومتغيرة من عصر إلى عصر، وعليه تتطور الأخلاق بتطور هذه المؤثرات.

وقد ازدادت أفكار هذا الاتجاه انتشاراً، مع المذهب النفعي. وخاصة مع هوبز، وجون لوك، وجون استيوارت ميل، حيث عدُّوا صحة الأفعال الأخلاقية أو وخطأها يرجع إلى قدر المنفعة المحصل عليها، فالمنفعة هي المعيار والمقياس الذي تقاس به الأعمال، ويحكم عليها به، فالعمل الذي يحقق نفعاً كبيراً يعدّ خلقاً وسلوكاً فاضلاً أو خيراً وإن كان باطلاً.

يقول «ديوي وهمبر»: «إن الخير والشر والمرغوب فيه أو غير مرغوب فيه هو ما تقرر الثقافة (والثقافة وحدها هي الحكم) أنه كذلك، فالحرب، والأخذ بالثأر، وقتل أسرى الحرب، واحتكار الأقلية لأرض، والديكتاتورية، كل هذه أمور تكون مرغوباً فيها وذات قيمة إذا قررت الثقافة ذلك، فالقيم إذن نسبية إلى طبيعة الإنسان، كما تتضح هذه الطبيعة في فعله وتفاعله الاجتماعي والثقافي»(36).

إذن «فالقيم تكون صالحة أو فاسدة تبعاً لدرجة قدرتها أو عدم قدرتها على إشباع الحاجات الأساسية، البيولوجية والاجتماعية للناس في الثقافة المعينة»(37)

فقد يكون الصدق قيمة أخلاقية رفيعة إذا كانت النتائج المترتبة عن الالتزام به تحقق فوائد كثيرة، وقد يكون قيمة دنيئة وسيئة غير معتبرة إذا كان الناتج عنه ضئيلاً، وكذلك الحال مع غيره من القيم التي لا تتكامل السعادة في الحياة دونها.

ولعلنا نلحظ بعد عرضنا للاتجاهين أن الغرب «الليبرالي» يأخذ بالاتجاه المثالي القائل بنسبية الأخلاق، الأمر الذي يبرر به الأفعال اللاأخلاقية تجاه الشعوب والأمم غير الليبرالية؛ لتغدو الحضارة الغربية حضارة حقوق الإنسان في رقعة الحدود الجغرافية للغرب، وحضارة انتهاك هذه الحقوق خارج تلك الحدود... على حد تعبير محمد عابد الجابري.

أما بالنسبة للفكر الأخلاقي الإسلامي فإن هذه الإشكالية لم تطرح عند علمائه؛ لأنهم مجمعون على كون المبادئ الأخلاقية مطلقة وثابتة.

يرجع إجماعهم هذا إلى ارتباط الأخلاق بالدين الإسلامي وبمصدره القرآن الكريم الصالح لكل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾(38) ، وبالتالي كانت الأخلاق القرآنية مطلقة وشاملة وثابتة بثبوت مصدرها القرآن الكريم؛ إذن فهي ليست نسبية ولا متغيرة.

وقد يقال: إن القضايا الأخلاقية الإسلامية «نسبية» هي أيضاً، والرد على هذا الإشكال يكمن في قوة مصدرية الأخلاق القرآنية وثباته، فالنظام الأخلاقي ـ الذي أقامه القرآن على أسس الإيمان بالله والدين والعمل الصالح ـ لا يقبل «أي تغيير أو تبديل في هذه الدعائم الخلقية، مهما تغيرت الأزمان والأماكن؛ لأنها واردة في أصول الشريعة، مع العلم بأن طابع الثبات هذا إنما يبقى قائماً من الناحية النظرية عند أكثر الناس، أما من جهة الممارسة والفعل فإن تغيّر العادات الحضارية وغلبة الأهواء والشهوات على طبائع البشر يحدثان بمرور الزمن أثراً لا ينكر؛ بحيث يصير النظام الخلقي المرسوم مجرد مُثُل سامية وقيم معنوية لا مكان لها في حيز التطبيق، ومن هنا ينبغي التفريق بين المبادئ الخلقية والمعنوية المقبولة نظرياً، وبين مظاهر السلوك الذي يخضع لسنّة التطور والتغير التي تهيمن على سير التاريخ، مع أن الإنسان هو الإنسان بما جبل عليه، وما هو مركوز في طبعه ومزاجه من خير أو شر، ومن هنا نلاحظ أن الأصل الاشتقاقي لكلمة الأخلاق في اللغات الأوروبية: Morale, Moers, Customs ترجع كلها إلى مدلول العادات، والعادات محمولة على التغيّر ولا بد»(39).

خاتمة:

الأخلاق(40) واكبت تاريخ البشرية منذ وجودها على سطح الأرض، والإنسان كائن أخلاقي، وإن تباينت تعبيراته عن أخلاقه، ومع أن طائفة من الفلاسفة والمفكرين تنبئوا بانحسار تأثير الأخلاق كعامل محرك للحياة؛ اخترنا إثارة النقاش بخصوص بعض قضايا الفكر الأخلاقي؛ تنبيهاً إلى أهمية الأخلاق في حياة الإنسان، فالأخلاق هي المشروع البشري الذي يخلق عالماً تسوده السِّلم والتراحم والتعاون الموصوف بالبِّر والتقوى.

,,,,,,,,

المراجع:

المراجع والمصادر :

(1)فضيل أبو النصر، جولة في القضايا الدولية المعاصرة، ص 166، نقلاً عن حسن السعيد، حضارة الأزمة ماذا قبل الانهيار؟ دار الهادي، ط1، 2005م، ص5.

(2)انظر طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي ط.1. س.2000م..، ص 113 وما بعدها.

(3) رينيه دوبو، إنسانية الإنسان، نقد علمي للحضارة الغربية، ص 230. نقلاً عن حسن السعيد حضارة الأزمة، م.س.، ص 7.

(4)عمر بهاء الدين الأميري، الإسلام وأزمة الحضارة الإنسانية المعاصرة في ضوء الفقه الحضاري، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط1، 1414هـ/1993م، ص 19.

(5) «المعروفة» يوظفها، طه عبد الرحمن في مقابل: «المعلومة».

(6) طه عبد الرحمن، روح الحداثة المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، ط1، 2006م، ص 78 ـ 84 ـ 85 بتصرف.

(7) لماذا العودة إلى الأخلاق؟ وما معنى ذلك؟ يجيب عن هذين السؤالين المفكر الفرنسي أندره كونت سبونفيل بقوله: «عندما أتحدث عن «عودة الأخلاق» أو عندما يجري الحديث عنها في وسائل الإعلام، فإن ذلك لا يعني أن الناس اليوم صالحون أكثر مما كان عليه حال ذويهم أو أجدادهم، فالعودة إلى الأخلاق إنما تتم، جوهرياً «من خلال الخطاب»، ليس لأن الناس هم حقا أكثر صلاحاً؛ بل لأن الأخلاق غدت أكثر فأكثر مادة لحديثهم، بحيث يسعنا في الأقل الافتراض أنهم يتحدثون عنها بمقدار ما هي غائبة عن واقع السلوك البشري... فمثل هذا الأمر غير مستبعد على الإطلاق، غير أنهم يتحدثون عنها، وقد باتت عودة الأخلاق هذه إلى

واجهة الخطاب المهيمن وواجهة الاهتمامات ظاهرة اجتماعية تستحق التوقف عندها والتدقيق فيها». من كتابه «هل الرأسمالية أخلاقية؟»، دار الساقي، ترجمة بسام حجار بالاشتراك مع مركز البابطين للترجمة، ط1، 2005، ص 19. وفي رصده الإشكالية نفسها يقول محمد عابد الجابري: «من الظواهر اللافتة للنظر في الفكر الأوروبي المعاصر، وبالتبعية في الفكر العربي، الاهتمام المتزايد بمسألة الأخلاق والقيم، فمنذ عقدين من السنين والأصوات ترتفع، أصوات الفلاسفة والمفكرين وبعض الساسة لتطرح الناحية الخلقية والقيمية فيما يستجد على السواء، سواء في ميدان العلم، أو في ميدان السياسة والاجتماع والاقتصاد». ويرجع أسباب العودة للأخلاق للتطورات العلمية التي عرفتها البيولوجيا والطب، والمعلوميات والصناعة العسكرية، يقول: إن التقدم العلمي الهائل في ميدان البيولوجيا والهندسة الوراثية كما في ميدان المعلوماتية، فضلاً عن آثار الصناعة والتكنولوجيا على البيئة الطبيعية من جهة، والخطر الذي تشكله أسلحة التدمير الشامل على البشرية كلها من جهة ثانية، إن تقدم العلم في هذه المجالات كما في غيرها قد أدى ـ أو من شأنه أن يؤدي ـ إلى نتائج تتعارض على طول الخط مع القيم الأخلاقية التي تكرست منذ فجر التاريخ البشري، وفي جميع المجتمعات ولدى مختلف الأديان، والفلسفات بوصفها عنصراً جوهرياً في إنسانية الإنسان، إن لم يكن العنصر الجوهري الوحيد فيها... الأمر الذي أدى إلى انبعاث التفكير في الأخلاق والقيم وتزايد الميل إلى إخضاع العلم ونتائجه لها، وبالتالي تأسيسه عليها مما سمح بالحديث عن عودة الأخلاق». من كتابه «قضايا في الفكر المعاصر»، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 2003، ص 35 ـ 36 بتصرف يسير جداً.

(8)طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، م.س.، ص 85.

(9)محمد يوسف موسى: تاريخ الأخلاق، دار الكتاب العربي، القاهرة. ط.1 .س.1953 ص.73.

(10)إيمانويل كانط، نقد العقل العملي المطابع الجامعية الفرنسية، 1976 باريس، ص.39.

(11)نفسه، ص.39.

(12)محمد عابد الجابري: العقل الأخلاقي العربي، المركز الثقافي العربي. ط1. س.2002م. ص.113.

(13)الشمس، الآيتان: 7 ـ 8.

(14)القيامة، الآيتان: 14 ـ 15.

(15)البلد، الآيات: 8 ـ 10

(16)يوسف، الآية: 53.

(17)النازعات: الآيتان: 40 ـ 41.

(18)الملك، الآية: 10.

(19)النور، الآية: 35.

(20)محمد عبد الله دراز: دستور الأخلاق في القرآن، ترجمة عبد الصبور شاهين، مؤسسة الرسالة. القاهرة، ط.10.س. 1998م ص.27 ـ 36 ـ 133 ـ 134.بتصرف.

(21)الدكتور زكرياء إبراهيم المشكلة الخلقية، مكتبة مصر القاهرة، ط.1.س1980م، ص. 23.

(22)توفيق الطويل: أسس الفلسفة، دار النهضة العربية، القاهرة. ط. 3. س. 1979م. ص. 426. بتصرف.

(23) جون لوك، مقال في العقل البشري، ص.12.

(24) A. JACCARD Moi et les autres Ed Seuil 1983 p.33. p.46.

(25) الغزالي أبو حامد: إحياء علوم الدين، ط. دار الكتب لعلمية، د.ت. لبنان، ج ص.30

(26) الغزالي أبو حامد: م.س، ج.3. ص.61

(27)الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، حققه وقدم له وعلق عليه جعفر آل ياسين. بيروت، دار المناهل. ط.1. س.1985. ص.55 ـ 56.

(28)أحمد والترمذي وأبو داود بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري.

(29)أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن مسعود.

(30)أبو بكر بن هلال، مكارم الأخلاق من حديث معاذ، عن الغزالي في إحيائه.

(31)الغزالي أبو حامد، م.س.، ج.3. ص.65.

(32) عبد المجيد بن مسعود، القيم الإسلامية التربوية والمجتمع المعاصر، كتاب الأمة، قطر. س.18. ط.1. رمضان 1419هـ، ص.23.

(33)إبراهيم زكرياء، م.س. ص.67.

(34)فوزية دياب: القيم والعادات الاجتماعية، مكتبة الأسرة، القاهرة، ط1. س.2003م. ص.61.

(35)نفسه، ص.65.

(36)فوزية دياب، م.س، ص.68. نقلاً عن: Dewe Humaler : the Develo.

(37)نفسه، ص.65، نقلاً عن: Pneutop Human Behavior. p.713 - 729.

(38)سورة الحجر، الآية: 9.

(39)محمد العربي الخطابي، جوامع الأخلاق والسياسة والحكمة، منشورات الإيسسكو، مطبعة النجاح البيضاء. ط.1. س.1414هـ. 1993م. ج1. ص.17.

(40)وعندنا الأخلاق بمعنى الدين، فقد فسّر ابن عباس ومجاهد الخلُق في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ بالدين العظيم. انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، دار الحديث، القاهرة، ط. 2002م. ج.9. ص.444.