التراث الفقهي بين الفقيه والسياسي

مسجد-الرفاعي.jpg

خالد بن سعيد المشرفي | باحث من سلطنة عُمان.

أورد الشافعي خبر طاووس وقد ولي صدقات الركب لمحمد بن يوسف، فكان يأتي القوم فيقول: زكوا يرحمكم الله مما أعطاكم الله، فما أعطوه قبله، ثم يسألهم: أين مساكينكم؟ فيأخذها من هذا ويدفعها إلى هذا، وأنه لم يأخذ لنفسه في عمله، ولم يبع، ولم يدفع إلى الوالي منها شيئاً، وأن الرجل من الركْب كان إذا ولّى عنه لم يقل له: هلمَّ. قال الشافعي: وهذا يسع من وليهم عندي، وأحبُّ إليَّ أن يحتاط لأهل السُّهْمان، فيسأل ويُحلِّف من اتُّهم؛ لأنه قد كثر الغلول فيهم، وليس لأحد أن يحتاط ولا يحلِّف ولا يلي حتى يكون يضعها مواضعها، فأما من لم يكن يضعها مواضعها فليس له ذلك(1).

من خلال هذا النص نتبين ملامح الإشكالية في العلاقة بين الفقيه والسياسي، أي: بين السلطتين العلمية والسياسية، وتأثير ذلك على مجمل الفقه الإسلامي وفقه الزكاة على وجه الخصوص، يظن كثير من الدارسين خطأً أن الفقه هو نتاج محض لفهم النص، دون أن يكون هناك أي مساحة لتأثير الواقع بكل مؤثراته وتداخلاته وتعقيداته، وهذه رؤية للواقع ليست كما هو عليه، لقد ظل التجاذب قائماً بين الطرفين، فطاووس كما أورد الشافعي لا يقول لمن ولَّى عنه (هَلُمَّ)، في إشارة صريحة لعدم الرغبة في أخذ الناس بالحزم في ظل دولة لا يعترف بشرعيتها، ويؤيد الشافعي هذا التوجه بقوله: وهذا يسع من وليهم. وإن كان الأحب إليه التفريق بين حالين: الأول: أن توضع الزكاة في مواضعها، وهنا على والي الصدقات أن يحتاط لأهل السُّهْمان، فيسأل ويحلِّف. والثاني: ألا توضع مواضعها، وهنا ليس لأحد أن يحتاط أو يحلِّف أو يلي ذلك الأمر من أساسه، والشافعي بهذا الطرح للمعادلة يبدو أكثر منطقية في التعاطي مع المحيط السياسي.

إن الفقه الإسلامي محصلة تفاعل بين النص والواقع، فلم يكن بعيداً عن مناخات الصراع بين السلطتين العلمية والسياسية؛ إذ بعد مرحلة الانسجام التام والتوافق الكبير بين السلطتين، طيلة الخلافة الراشدة، تلتها مرحلة أخرى، انفصلت فيها هاتان السلطتان، لتشكلا فضاءين بينهما منطقة تقاطع ساخنة ومشوبة بالحذر، فالسياسي يريد أن يضمن ولاء الفقيه ولو بالقوة عن طريق البيعة، ويأبى الفقيه إلا الاعتصام بفضائه العلمي، بل والقيام بأعمال كالحشد والتأليب ضده، ضمن استخدام مباشر لنفوذه بين الجماهير.

إنه من الطبيعي جداً أن يوظف الفقيه منظومته الفقهية لصالح السلطة عندما يكون منخرطاً فيها، فيما تسعى السلطة لخدمة الدين والمجتمع، وهذا هو مطلب الفقيه ومبتغاه، أما عندما تنفصل السلطتان العلمية والسياسية فإن الفقيه ينزوي بعيداً عن معترك الحياة، غير آبه لما يدور حوله، محملاً السلطة السياسية تبعات كل ما يحدث، ويتجه نحو الفقه الفردي الذي يهتم بالفرد كشخص لا بالمجتمع كأمة، ويهتم بالخلاص في الآخرة وبراءة الذمة من عهدة التكليف، يقول الدكتور طه جابر العلواني: وقد كان لهذا أثر بالغ في فصل (الفقه وأصوله) عن جوانب هامة من حياة المسلمين العملية، ليَتَّجِها في كثير من القضايا اتجاهاً نظرياً ومثالياً، جعلهما يعبران عما ينبغي أن تكون عليه حياة المسلمين لا عما هو واقع في حياتهم أو يمكن أن يكون(2).

    لقد كانت أموال الزكاة من الوفرة بحيث تصلح أن تكون مطمعاً لذوي الأغراض، فأصبحت بذلك بين شد الأمراء وجذب الفقهاء، استخدم الأمراء كل الوسائل المادية والمعنوية للاستحواذ على هذه الأموال، وتوظيفها في بناء الدولة، والتمكين لسيادتها، وفي أحيان أخرى للتقلب في ألوان من البذخ، واستخدم الفقهاء فضاءهم العلمي الذي يتقنونه للحيلولة ـ ما استطاعوا ـ دون وصول هذه الأموال لغير مَنْ جُعلت لهم، وتحقيق الأهداف المتوخاة من فرضيتها في ظل أزمة شرعية عانى منها نظام الحكم آنذاك، وتطلُّعٍ مِنْ قِبل الفقيه إلى النموذج النبوي والراشدي، وقد نجح الفقيه إلى حد ما في هذا المسار.

وبالاستقراء يمكن القول: إن الفضاء الفقهي تأثر بالواقع السياسي المحيط، وذلك من خلال نوعين من نماذج التأثير: الأول: التدخل المباشر من قبل السياسي في الفضاء الفقهي باختراقه وبث الأفكار التي تخدم أهدافه، من خلال وضع النصوص واختلاقها، أو من خلال تبني النظام لأشخاص يستفيد منهم في إكسابه الشرعية بين الجماهير، وتوجيه الآراء الفقهية بما يخدم النظام. والثاني: التأثير من خلال مبدأ التدافع بين الفضاءين، ومحاولات بسط النفوذ والاستحواذ على السلطة العلمية من جهة، ومن جهة أخرى مدافعة ذلك بالوسائل العلمية.

ومن خلال تتبع فِقه الزكاة على وجه الخصوص يمكن الحديث عن بعض الأفكار التي يمكن أن تشكل مدخلاً لهذا الموضوع؛ إذ إنه يحتاج إلى توسع أكبر ودراسة أعمق، تروي لنا كتب الحديث هذا الأثر: إذا أتاكم المُصَدِّق فليصدر عنكم وهو عنكم راضٍ(3). وفي رواية: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ژ ، فقالوا: «إن ناساً من المصدقين يأتوننا فيظلمونا، قال: أرضوا مصدقيكم، قالوا: يا رسول الله وإن ظلمونا؟ قال: أرضوا مُصَدِّقيكم، وفي رواية: وإن ظُلمتم»(4).

لقد دعا الإسلام إلى العدل والقسط فهل هذه الروايات تتفق مع قيم العدالة التي جاء بها الدين، أم أنها تبيح الظلم وهذا ما لا يقبله عاقل، وليس ببعيد أن تكون هذه المرويات جاءت تنظيراً للتعسف الذي مارسته الدولتان الأموية والعباسية في جباية الصدقات، الأمر الذي يُعد اختراقاً للدائرة الأثرية لصالح السلطة السياسية آنذاك، على أن احتمالاً أزعم أنه يحمل أيضاً بعض الموضوعية وهو أن هذه المرويات تأتي في سياق النظرية الأشعرية القائلة بقبول واقع الملك بدل الخلافة، مع ضمان مبدأ سيادة الشريعة وهي نظرية لم يتقبلها جمهور المسلمين كما يقول عبد المجيد الصغير(5)، وفوق ذلك فإن مخايل الوضع تلوح لكل من تأمل لغة النص، ففيه من ركاكة اللفظ ما نحاشي عنه مَنْ أوتي جوامع الكلم.

لقد أعلى الإسلام مبدأ العدالة، وجعله أساس التعامل بين الحاكم والمحكوم، ومقدار المال الذي يدفعه المكلف للدولة لا يخرج عن هذا الإطار، وفي هذين الأثرين بعض ملامح تلك العلاقة:

الأول: قدم اثنان من مُصَدِّقي النبي ژ على صاحب غنم، فقالا: «نحن رُسُلُ رسول الله ژ في الصدقة، فقال: ما الصدقة؟ فقالا: شاة في غنمك، فقال لهما: أَلَا لبون كريمة؟ فقالا: إنا لم نؤمر بهذه ثم جاء بماخض، فقالا: إنا لم نؤمر بهذه إنا لم نؤمر بحبلى ولا ذات لبن، فقام إلى عناق إما ثنية وإما جذعة فأخذاها فوضعاها بينهما ودعوا له بالبركة ومضيا(6)

الثاني: بعث النبي خارصاً فجاء رجل فشكاه إلى النبي ژ وقال: إنه قد زاد عليَّ، فقال رسول الله ژ: «إن ابن عمك يزعم أنك زدت عليه»، فقال: يا رسول الله لقد تركت له قدر عرية أهله وما يطعمه المساكين وما تسقطه الريح، فقال: «قد زادك ابن عمك وأنصفك»(7)

من هذين الأثرين تتضح قيم العدالة والإنصاف الحاكمة لعلاقة الفرد بالدولة كما يجب أن تكون، فالمصَدِّق يرفض أن يأخذ أكثر مما أمر به، ومن حق المكلف إذا أحس بالهضيمة أن يرفع الدعوى ضد المصدق ويُستمع لدعواه، واستمر هذا الحال طيلة الخلافة الراشدة، ففي وصية أبي بكر الصديق لأنس وقد وجهه إلى البحرين: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ژ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله ژ، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط(8)، فهذا يتعارض كل التعارض مع رواية «وإن ظُلمتم»، التي لا تعبّر إلا عن رغبة ملك عضوض في ممارسة غشمه وظلمه، تحت غطاء من الدين، يضمن له انسياب الأموال في يسر وسهولة، وقد أحسن النووي عندما عنون بابه (55) من كتاب الزكاة (باب إرضاء الساعي ما لم يطلب حراماً)(9).

لكن أمام الاستبداد السياسي لم يجد الفقيه بداً من مسايرة الوضع والانحناء لسلطة السيف، رغبة في رفع الحرج عن الأمة ودرءاً لمخاطر الفتنة، وفي هذا يمكن أن نستشهد بمثالين اثنين:

الأول: القول بإجزاء دفع الزكاة إلى الأمراء الظلمة: روى ابن سلام: أتى ابن عمر رجل فقال: أرأيت الزكاة إلى من أدفعها؟ فقال: ادفعها إلى الأمراء وإن تمزعوا بها لحوم الكلاب على موائدهم. وروى أيضاً قال رجل لابن عمر: إن لي مالاً فإلى من أدفع زكاته؟ فقال: ادفعها إلى هؤلاء القوم ـ يعني الأمراء ـ قلت: إذاً يتخذون بها ثياباً وطيباً، قال: وإن اتخذوا بها ثياباً وطيباً(10)، وفي جواب لسعيد بن جبير لا يخلو من المخاتلة، وقد سئل عن الزكاة قال: ادفعها إلى ولاة الأمر، فلما قام سعيد تبعته، فقلت: إنك أمرتني أن أدفعها إلى ولاة الأمر وهم يصنعون بها كذا ويصنعون بها كذا. فقال: ضعها حيث أمرك الله، سألتني على رؤوس الناس فلم أكن لأخبرك(11).

الثاني: القول بإجزاء ما دفع باسم المكوس والضرائب من الزكاة: روى ابن سلام عن أنس بن مالك والحسن قالا: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية، يعني بذلك أنها تجزئ عن الزكاة، وعن إبراهيم قال: احتسب في زكاة مالك بما أخذ منك العشّارون. وروى ابن سلام بعد هذين الأثرين عدداً من الآثار من فتاوى التابعين، وأتبع ذلك بقوله: وهذا عندنا هو المأخوذ به، وإن كان بعضهم قد قال سوى ذلك(12).

وهذان المثالان يوضحان بجلاء حالة التنازلات التي قدمها الفقيه لصاحب السلطة، أو بمعنى آخر يمثلان مرحلة انتقالية بين مرحلة الانسجام بين الفقيه والسلطة، ومرحلة القطيعة التي بدأ الفقيه فعليّاً بحماية فضائه الفقهي، وسعى إلى إبعاد أموال الصدقات عن قبضة السلطة السياسية. وفيما يبدو فإن أول من حاول التأصيل لهذه الفكرة بشكل علمي ودقيق هو الشافعي ضمن مشروعه الكبير (أصول الفقه) الذي أراد منه أن يقنن الاجتهاد، ويضع الضوابط الحاكمة لكيفية التعامل مع النصوص؛ لقطع الطريق دون استغلال الفضاء الفقهي لتحقيق مآرب السلطة، واستغلال المفاهيم الشرعية في الإسلام كما يقول عبدالمجيد الصغير(13). هذا في مشروع أصول الفقه، أما في الفروع الفقهية فيتضح أن الشافعي سعى إلى إبعاد أموال الزكاة عن تصرف السلطة السياسية، وتم له ذلك من خلال أربعة محاور:

الأول: تفسيره آية الصدقات بوجوب قسمة الزكاة وجوباً على الأصناف الثمانية بالتساوي، وعدم جواز إخراج الزكاة عن هذه الأصناف المحصورة(14)، مما يحد من تصرف ولي الأمر في هذه الأموال، وإن كانت هذه الأطروحة ليست بالجديدة على الوسط الفقهي، فالمسألة متداولة منذ عصر التابعين، ولقيت معارضة من قبل بعض الفقهاء كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة في رسالتة عن الزكاة(15)، أما ما صنعه الشافعي فهو تبني الفكرة والتأصيل لها.

الثاني: الضخ المتكرر لصالح فكرة أن الزكاة حق الفقراء، واستبعاد فكرة حق الدولة، (وردها على فقرائهم)(16) ، في ظل تغييب لنصوص أخرى تكشف جوانب من كيفية توزيع الصدقات، وإمكانيات المرونة التي مارس بها الرسول ژ توزيع الصدقات، المصارف بتعبير الفقهاء، وهو ما أوجد توجهاً فيما بعد يستبعد أي حق للدولة في جباية الصدقات، أو الإنفاق منها في الشأن العام.

الثالث: القول بعدم جواز نقل الزكاة إلا بعد أن يكتفي أصحاب الإقليم الذي جبيت منه، ثم تنتقل إلى الإقليم الأقرب، فيقطع بذلك الطريق دون ذهابها إلى عاصمة الدولة.

الرابع: فصل أموال الزكاة عن المالية العامة للدولة.

وكل هذه الأطروحات نالت قبولاً في الأوساط الفقهية على اختلاف مدارسها، وما كان من الخلاف حول بعضها فإنه ناتج عن مصادمة هذه الأطروحات لبعض الروايات، أو لوجود أديولوجيات فقهية تحمل مرئيات مغايرة.

وكملاحظة يمكن أن يقف عليها أي دارس للفقه يجد أن فقه الزكاة تطور كثيراً في ظل الدول التي انسجمت فيها السلطة الدينية مع السلطة السياسية، وكمثال على ذلك يمكن أن نلمح فيه البعد السياسي وهو ترك عثمان جباية الأموال الباطنة (النقدين والذهب والفضة وخلاف في العروض) والاكتفاء بجباية الأموال الظاهرة، فقد تباينت المدارس الفقهية في فهم هذا الإجراء والتعاطي معه، حيث سعت بعض المذاهب الفقهية (الأحناف، الشافعية، الحنابلة) ـ وإن بتفاوت ـ إلى استثمار صنيع عثمان، وجعله حكماً ثابتاً غير قابل للتغيير، وهذه القراءة لصنيع عثمان تختزل القضية، وتبعدها كثيراً عن الجانب المصلحي، بإضفائها صبغة الثبات والفهم التعبدي، على رأي صحابي اجتهد بمقتضى ولايته التدبيرية، وبالأخير هو قرار سياسي، وينسحب هذا الفهم التعبدي على كل القائلين بعدم دفع زكاة المال الباطن إلى ولي الأمر، إن على سبيل التخيير (الأحناف)، أو الاستحباب (الشافعية، الحنابلة).

والأقوال في مسألة ولاية ولي الأمر في جباية الزكاة متأثرة بالاتجاه السياسي بدرجة كبيرة، فموقف الفقيه من الدولة سلطة أو معارضة سيؤثر بغير شك على رأيه في القضية؛ لأن مسألة جباية أموال الزكاة عمل سيادي من الدرجة الأولى، فمن الطبيعي أن يقف الفقيه السلطوي إلى جانب الدولة دون أن يهمل النصوص، وأن يحول الفقيه المعارض ـ ما استطاع ـ دون جباية الزكاة أو التقليل منها، وهنا تم استثمار ترك عثمان لجباية الأموال الباطنة لجعل ذلك شرعاً ثابتاً لا يجوز لأي دولة تجاوزه.

وأكثر المذاهب ابتعاداً عن السلطة ـ حسب هذه المسألة ـ المذهب الحنبلي، الذي يرى استحباب أن يفرق الإنسان زكاته بنفسه، وهو أفضل مِنْ دَفْعِها إلى إمام عادل، ربما بحكم معاناة مؤسس المذهب أحمد بن حنبل، يليه المذهب الشافعي؛ إذ يرى استحباب تفريقها ولو طلبها والي الصدقات، يأتي هذا في سياق الرأي القائل: إن الشافعي قد أصل الأصول أساساً لحماية الدائرة الفقهية من سلطة رجل السياسة، ووجود هذا التوجـه لديـه جاء بعد فترات طويلة من المحن عانى فيها الفقيه الأمرَّين من ظلم السلطة، يليه رأي الأحناف، ربما لموقف أبي حنيفة الحذِر من السلطة، وإن لم يسلم من بطشها؛ لذا يرى هو وأبو يوسف صنيع عثمان سُنَّةً، ليس لأحد نقضها من بعده(17).

أما موقف الإباضية والمالكية فهو موقف ينسجم مع رؤية السلطة، ويتعامل مع النصوص من خلال البعد المصلحي والسياسة الشرعية، الإباضية بحكم الرغبة في التوسع لدعوتهم، وبسط السيادة لدولتهم، والمالكية بحكم العلاقة الوطيدة التي كانت تربط مالكاً مع السلطة في عصره، ثم تتابع الدول التي تبنت المذهب المالكي في المغرب العربي، ففي بيان الشرع: أنه إذا كان إمام عدل، لم يجز له إلا تسليم الصدقة إليه، أو إلى عماله(18). وعند مالك: إذا كان الإمـام يعدل، لم يسع الرجل أن يفرق زكاة ماله الناضّ، ولا غير ذلك(19).

ولا يزال هذا الإشكال التراثي ماثلاً في الأبحاث الفقهية المعاصرة، فالأشقر يرى أن تحولاً في الفتيا حصل بعد انقضاء العصر الراشدي؛ حيث بدأت الفتوى تتجه إلى إجازة إخفاء زكاة الأموال الباطنة عن السلطة، وإخراجها بطريقة شخصية، وذلك بسبب الإحساس بعبث السلطة بحصيلة الزكاة. وينتهي إلى أن الطريقة المثلى هي المحافظة على ذلك المبدأ الاجماعي، الذي وصل إليه علماء المسلمين بعد جهود جبّارة إثر انحرافات خطيرة.(20) واللافت للنظر أن هذه القراءة لا تزال تستبطن القول بالإجماع بعد عثمان (المبدأ الإجماعي)، فهل فعلاً هناك مبدأ إجماعي، أم أنه مصطلح جديد، غير الذي نعرفه عن (الإجماع)؟ فيما يذهب آخرون إلى أن الأمر برمته لا يعدو أن يكون من باب السياسة الشرعية، ويقع ضمن صلاحيات ولي الأمر، فيوسف حامد العالم يتأكد لديه من خلال صنيع عثمان حق تفويض ولي الأمر لأرباب الأموال، خاصة الباطنة (وهذا يفهم منه جواز التفويض في الظاهرة أيضاً)، وعلى ولي الأمر واجب المراقبة، وإذا جاز تفويض الأفراد في أمر الزكاة، فمن باب أولى يجوز تفويض الجماعة، ممثلة في هيئة أو مؤسسة أو جمعية(21).

وكمثال آخر في منحنيات العلاقة بين الفقيه والسياسي اعتبر التشريع الرفق مقصداً من مقاصده، يحكم العلاقة بين الدولة والفرد، لكنه قد يتحول إلى ظلم وحَيْف من جانب الدولة، يتخوفه الفقيه ويحاذره، رأفة بعموم الناس، وفي مسألة تعدّ من بديهيات العقل الفطري، وهي جواز إخراج القيمة بدل العين في الزكاة، نجد أن الفقيه يسعى جدلاً إلى التنظير لإخراج العين وجوباً، وما ذلك ـ بنظري ـ إلا للحيلولة دون أي غشم متوقع من قبل الدولة وأجهزتها، التي قد تمارس الظلم، فتفرض على الناس أن يخرجوا صدقاتهم نقوداً أو ذهباً أو فضة، فيما يفضلون إخراجها من أعيان أموالهم حبوبا من صاحب الزرع ومواشي من صاحب الماشية، ويرون ذلك أرفق بهم، ورغبة الجباة في الأموال السائلة أكثر منها في الأعيان؛ لخفة مؤونتها، وكثرة وجوه الإفادة منها، كما في المروي عن مالك في رجل أجبر قوماً ـ وكان ساعياً ـ على أن يأخذ منهم دراهم فيما وجب عليهم من صدقتهم، فقال: أرجو أن تجزئ عنهم إذا كان فيها وفاء لقيمة ما وجب عليهم وكانت عند محلها(22)، وتتباين أيضاً وجهات نظر الفقهاء فيما إذا أجبر الظالم الرعية على تسليم الصدقة فسلموها إليه هل عليهم أن يعيدوا إخراجها مرة أخرى، يذكر أبو سعيد الكدمي الخلاف، ويرجح القول بأنه لا ضمان على الرعية في ذلك(23). أما العوتبي فيذكر أن الزكاة إذا دفعها المكلف لغير العدل ليفرقها ففرقها على الفقراء بحضرته أجزأه(24). وهذا يعني أن قضية إجبار المكلف على دفع غير الواجب كانت واردة في الواقع، وماثلة في ذهن الفقيه، مما جعله يسعى إلى احتوائها، وإيجاد تكييف لها يرفع الحرج، ويحافظ على النسيج الاجتماعي. الملفت للنظر أن الفقيه ظل طيلة عصور متربعاً على عرش السلطة العلمية رغم وجود غيره من الأدباء والفلاسفة والمتكلمين والأطباء، وهذا ما يحتاج لأن يفرد بالبحث والدراسة.

......................

المراجع والمصادر :

 

(1)ـالأم، دار الفكر، بيروت، د 1، 1422هـ ـ 2002م، ج 2، ص 65.

(2)ـطه جابر، أصول الفقه الإسلامي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 2، 1415هـ ـ 1995م، ص 77.

(3)ـمسلم، برقم (989).

(4)ـأبو داود، برقم (1589).

(5) ـر. الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، دار المنتخب العربي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط 1، 1415هـ ـ 1994م، ص 22.

(6)ـأبو داود، برقم (1581).

(7)ـالدارقطني، كتاب الزكاة، باب الخرص (27).

(8)ـأبو داود، برقم (1567).

(9)ـصحيح مسلم بشرح النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط3، (د.ت). مج4، ج7، ص 163.

(10)ـالأموال، تحقيق وتعليق: محمد خليل هراس، دار الفكر، بيروت، 1408هـ ـ 1988م، ص681.

(11)ـن.م، ص684.

(12)ـن.م، ص689.

(13)ـالفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، ص171.

(14)ـالأم، مج1، ج2، ص77.

(15)ـالراشدي، الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه، مطابع الوفاء، المنصورة، 1415هـ ـ 1992م، ص 515.

(16) ـالبخاري، برقم (1469).

(17) ـر. الموصلي، الاختيار، علق عليه: خالد عبد الرحمن العك، دار المعرفة، بيروت، ط2، 1402هـ ـ 2002م، ج1، ص136.

(18)ـالكندي، مراجعة: عبد الحفيظ شلبي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، 1402هـ ـ 1982م، ج19، ص253.

(19)ـالمدونة الكبرى، ضبط النص: محمد محمد تامر، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 1425هـ ـ 2004م، ج1، ص344.

(20)ـالأشقر، الإلزام بالزكاة في الظاهر والباطن. ضمن أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة، دار النفائس، الأردن، ط1، 1418هـ ـ 1998م، ج1، ص144 و 167.

(21)ـإلزامية الزكاة وتطبيقها من ولي الأمر، ضمن أبحاث وأعمال الندوة الأولى لقضايا الزكاة المعاصرة، ص 155.

(22)ـالمدونة الكبرى، ج1، ص396.

(23)ـالكندي، بيان الشرع، ج19، ص269.

(24)ـالضياء، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عُمان، ط 1، 1411هـ ـ 1991م، ج 6، ص 41.