دين الفطرة

13424099.jpg

جان جاك رسو

كتاب فلسفي، وعلى رغم بساطته إلا أنه يحمل من الأفكار العديد والعديد، لم أصدق أبدًا أن يصدر مثل هذا الكلام عن فيلسوف أوربي تنويري، ولولا إسم روسو المطبوع على غلافه، لقلت إن الكتاب من تأليف أحد فلاسفة الإسلام الغزالي مثلًا؛ فالتشابهات بينهما عديدة؛ ابتداءًا بالتشكيك في الحواس، واعتماد الوجدان والقلب كوسيلة للوصول لليقين، وصولًا بأدلتهم على وجود الله، مع الوضع في الاعتبار طبعًا وجود فروق بينهما، كخفة نزعة التكفير بالتأكيد، والاعتماد بشكل أكبر على العقل.

في عالم يموج بالتعصب الديني والصراع الكاثوليكي البروتستانتي جاء هذا الكتاب، ومن رجل نشأ كالفينياً، وحاولت سيدة تحويله إلى الكاثوليكية ولكنه عاد في نهاية حياته إلى عقيدته الأصلية، هكذا... يكتب روسو عقيدته ولكن بطريقة متخيلة من خلال حوار بين راهب منعزل في الجبال ومريد يصل إليه، إنها محاولة لتلمس فطرة الإنسان، بعيداً عن التعاليم الدينية التي يرى روسو أنها حرفت الإنسان عن فطرته، إنها محاولة الإنسان للوصول إلى العقيدة من خلال التساؤل الداخلي.

روسو كان حالماً رومانتيكيّاً, ومقاطعاً من قبل أغلب معاصريه سواء من الفلاسفة أو رجال الدين, باعتباره قد أغرق في مسائل الفلسفة والعلم الطبيعي التي لا منفعة أخلاقية من ورائها, وباعتباره ناقدا لأنماط التدين التقليدية الشائعة في عصره بشدة وقد اختار هو أن يكون بروتستانتيا و كاثولكيا في حياته, حتى دعا إلى دين الفطرة كما يروج له في هذا الكتاب.

هذا الفيلسوف الحالم الذي قضى حياته من منفى إلى منفى, كما يليق بالحالمين تمنحك قراءته لطفاً و خفة وإلهاماً تحتاجه مع سير الحياة الثقيل, فقد تحدث روسو هنا عن عدة أفكار مهمة كانت ومازالت تثير الجدل كالكلام عن الله، والضمير، العالم، والأخلاق، المادة، مدى جدوى الفلسفة، نقص الإنسان وكمال الله، الحركة والسكون والمحرك والمتحرك، الإنسان.

في غمرة من طغيان الفلسفة المادية الألحادية - أيام بيركلي وغيره - يُطل روسو على القراء الأوروبيين في كتبه يفند بها شبهات شوهت الدين والإيمان بأسلوبه البسيط الأدبي.

وإن أجمل مافي الكتاب وأقربه للقارئ العربي هو الثلث الأخير منه ومن أخر صفحة اقتبس هذا الاقتباس الجميل:

أيها الشاب الطيب، عليك دائماً بالأخلاص والصدق والتواضع. إن جهلت شيئاً، اعترف بجهلك، فلن تخدع أحداً ولن تنخدع بأحد. إن نمت مواهبك وأصبحت جديراً بمخاطبة الجمهور، كلم الناس بما تكنه في ضميرك ولا تأبه إن صفقوا لك أو لا.

كثرة العلم تؤدي إلى رقة الإيمان. تجنب كل مغالاة والزم دائماً سبيل الحق أو مابدا لك حقاً على الفور. لا تتنكر أبداً للحق عن غرور أو تخاذل. اصدع بإيمانك في جموع الفلاسفة وبين الملتزمين ادعُ إلى التسامح. قد لا يؤازرك أحد، لكن رضاك على نفسك يعفيك من استجداء رضى الآخرين. أأحبوك أم مقتوك، قل الحق وافعل الخير، المهم هو أن تقوم بواجبك من يخدم غيره هو الذي يخدم لنفسه حقاً.

يدعو جان جاك رسو في الكتاب إلى التفكر مثله، بالقلب، حتى لو أخطأ الشخص فينا، والعيش مع عدم الإصغاء إلا لنداء البراءة. يحكي عن الكيفية التي صار فيها قسيساً، وذلك رغبة لأهله وليس بهدف الصلاح أو الحق، بل لامتلاك ما يلزم ليكون عضواً في الكنيسة، لكنه شعر بما هو فوق طاقته، التنكر لطبيعته الإنسانية. كان في حال من الحيرة والشك، فتأمل وضع بني آدم البئيس، يسبحون في آرائهم بلا دليل أو مشير، فقرر البحث عن الحق متسلحاً بقلبه، إذ كيف يحتجب الحق عن قلب متشوق إليه متحمس لعبادته.

يقول عن الكنيسة إنها كانت تفصل في كل قضية ولا تدع مجالاً للتردد، وعليه أن يقبل كل العقيدة، وألا يرفض جزءاً منها، وهكذا في النهاية رفض الكل. استشار الفلاسفة، وراجع مؤلفاتهم وآراءهم، فوجدهم جميعاً معجبين بأنفسهم، متشبثين بمزامعهم. أقوياء في حالة الهجوم ضعفاء في الدفاع، حججهم لا تصلح إلا للهدم، وقاسمهم المشترك هو الجدل. يفكون الألغاز بالخيال ويظنون أنه العقل.

يتحدث روسو عن الحركة والمادة والإرادة بشكل فلسفي، ويصل إلى قوله: إنه يقبل بسهولة أن يعجز العقل البشري عن إدراك سر الكون، لكن من يتجرأ ويدّعي أنه فك ذلك اللغز فمن واجبه أن يقول قولاً مفهوماً.

 

يؤمن رسو بأن الكون تسيره إرادة قادرة وحكيمة. يرى ذلك، ويشعر به. الكون مؤلف غير متناثر وإن وحدته تشهد على وجود عقل واحد، وكل ما يرى في الكون هو خاضع للنظام نفسه ساعياً للغاية نفسها، هو استمرار الكون ودوام نظامه.

وفي الأخير فإن هذا الكتاب من ترجمة المغربي اللغوي الكبير عبد الله العروي الذي بذل فيه جهداً رائعاً في جعل عبارته بسيطه ولكن بسبب قِدم الكتاب وبعد الزمان الألحادي عن زماننا الحاضر يجعل من أفكار روسو المكتوبة صفحات تقلب كونها ليست من ضمن الأشياء الهامة.