آثار أقدام: في البحث عن متحجرات المستقبل

Picture1.png

دافيد فاريه

محمد السماك

هل يرتكب الإنسان جريمة التدمير الذاتي؟  لا ينحصر السؤال في التدمير الذاتي للإنسان فقط، ولكن السؤال يشمل كل عناصر الحياة على الأرض، أي تدمير كل كائن حي... وهذا السؤال الخطير يطرحه هذا الكتاب الذي يتحدث عن تنامي القدرات التدميرية للإنسان، والتي أظهرت التجارب النووية والهيدروجينية مدى فعاليتها.

ويروي المؤلف وقائع عن تجارب نووية أجرتها الولايات المتحدة في جزر مارشال في المحيط الهادي. ويقول إن "شظايا" الانفجار غطت السماء بالأشعة، وأنها غطت كذلك أعماق المحيط بطبقة كثيفة من الصخور المشعة؛ ذلك أن قوة الانفجار الواحد كانت تساوي ألف مرة قوة القنبلة النووية "الصغيرة" التي جعلت من مدينهة هيروشيما اليابانية أثراً بعد عين.

 

ويقول المؤلف أيضاً إن وهج أشعة الانفجار -التجربة- في المحيط الهادي كان واضحاً على بعد 2600 كيلومتر في جزيرة أوكيناوا اليابانية، وإن الإشعاعات وصلت إلى عمق الولايات المتحدة ذاتها في مزارع ولاية تنسي وحتى في حيواناتها الأليفة، وهي المنطقة التي تصدر الولايات المتحدة من مزارعها حبوب القمح والذرة إلى الصين وإلى العالم.. والتي تشكل أيضاً أحد أهم مصادر اللحوم للاستهلاك الداخلي وللتصدير الخارجي!!

واستمرت تجارب القنابل النووية والهيدروجينية الأكثر تطوراً والأشد تدميراً طوال الفترة من عام 1946 حتى عام 1958 كما يقول المؤلف. وإذا كانت هذه التجارب قد أظهرت قوة الولايات المتحدة، فإنها أظهرت أيضاً قدرة الإنسان على تغيير العالم من خلال تدميره. ويؤكد المؤلف استناداً إلى الدراسات والأبحاث العلمية أن هذه التفجيرات سوف تترك بصمات دائمة -على شكل متحجرات- تعرف على إنسان عصرنا الحاضر، كما تعرفنا المتحجرات المكتشفة عن حياة إنسان العصور الأولى.

ومن هنا، جاء عنوان كتابه "آثار أقدام"!! ذلك أن طول حياة البلوتونيوم 239 الذي استخدم في التفجيرات يقدر بحوالي 24، 100 عام أي عدة مرات أكثر من التاريخ الموثق أو المسجل. وإن هذه التفجيرات سوف تكون أكثر بصمات إنسان العصر الحاضر بقاءً وخلوداً. وسوف تكون أيضاً أوضح مخلفاته في القطبين الشمالي والجنوبي وفي كل قارة.. بل وحتى داخل أحشاء كل كائن حي، بما في ذلك الأشجار.

ويملك الإنسان اليوم نماذج عن تلك التي سيكتشفها إنسان المستقبل البعيد.. مع الفارق الكبير في النوعية. فقد اكتشف هذا العام (2020) في شمال ميانمار (الغنية بمناجم العنبر) حجر من العنبر يحتوي على جمجمة حيوان بحجم 7 مليمترات، تبين أنها لحيوان منقرض من فصيلة الديناصورات، ويقدر عمر هذه الجمجمة بحوالي 99 مليون سنة. وهي أقدم بحوالي 30 مليون سنة من عصر الديناصورات الضخمة التي تم اكتشاف بعض هياكلها المتحجرة في مناطق متعددة من العالم، وخاصةً في الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية.

أما سبب الانقراض، فيعود حسب الدراسات العلمية والجيولوجية إلى اصطدام بين الكرة الأرضية وكويكب فضائي قبل 66 مليون عام؛ مما أدى لاندثار الحياة شجراً وبشراً وحيواناً -إلا من رحم ربي.

ويعتقد العلماء أن المنطقة التي عثر فيها على حجر العنبر وفيه جمجمة الديناصور كانت جزيرة وسط المحيط؛ وأنها اليوم قمة مرتفعة في جبال ميانمار. يحاول المؤلف في كتابه مواكبة المسيرة الإنسانية من خلال ما تركه الإنسان القديم من بصمات، وما يصنعه إنسان اليوم من أعمال تشكل بصمات الغد.

ويتجول في البحث من مدينه شنجهاي في الصين التي يبلغ عدد سكانها وحدها 24 مليون إنسان، إلى مختبر صغير في تسامنيا في أوروبا؛ حيث يوجد مختبر متخصص في دراسة آثار الحياة القديمة من خلال تحليل عينات من الثلج تنقل إلى المختبر من القطبين الشمالي والجنوبي.

ويجري العلماء دراسات مقارنة بين البصمات القديمة المكتشفة وما يتركه الإنسان اليوم من بصمات تعرف عنه في العصور القادمة. ومن أهم وأبرز هذه البصمات مخلفات التفجيرات النووية والهيدروجينية التي أجريت سواء في مناطق متعددة من بحار العالم (الباسيفيكي) حيث كانت التجارب الأمريكية والفرنسية والبريطانية أو في مناطق صحراوية (أوريكستان) حيث كانت التجارب السوفياتية. ومن خلال ذلك يمكن رواية قصة الإنسان على هذه الأرض!!

ورغم طابع البحث العلمي للكتاب، فإنَّه لا يخلو من ومضات شاعرية مؤثرة، خاصة عندما يستقري مشاعر جبال الجليد التي تنهار جراء ارتفاع حرارة الأرض نتيجة انسداد ثقب الأوزون وكثافة تجمع غاز ثاني أوكسيد الكربون في الأجواء العليا.

ومن هذه الومضات الشعرية التي تخلو من البحث العلمي، دراسة حجر منحوت بيد إنسان ما قبل التاريخ، يتبين للمؤلف أن الإنسان الذي عمل على نحته كان أعسر (والمؤلف نفسه هو أعسر أيضاً كما يقول عن نفسه). لقد تطور الإنسان، كما يقول علماء الأجناس، من الرجل القرد إلى رجل الفضاء.. وتطورت آلة القتل، كما يقول علماء الذرة، من حجر مصقول إلى القنبله الهيدروجينية!!

وفي الأساس ليس مؤلف الكتاب عالم فيزياء أو عالم طبيعيات. إنه أستاذ في الآداب، ولكنه يستمد من العلوم والفلسفة والفنون، وحتى من الشعر، رؤيته لإنسان الغد. وهو في ذلك يتبع مدرسة الفيلسوف السير توماس براون (من القرن السابع عشر) وحتى مدارس عدد من الكتاب المحدثين المعاصرين أمثال كافين فرنسيس وربيكا سولينت، الذين جمعوا في كتاباتهم بين الآداب الإنسانية والاكتشافات العلمية ليقدموا تصوراتهم حول واقع الإنسان اليوم وحول مستقبله، وهي تصورات تجمع بين الحسابات والرؤيا معاً. وتركز هذه العملية على تقديم الحقيقة المرة التي يتناولها الكتاب -آثار أقدام- وهي أن إنسان اليوم سوف يترك لإنسان الغد -إذا أراد الله له أن يكون- آثار التباهي بقدرته على التدمير.

وبالفعل، فإنَّ التقديرات العلمية اليوم توكد أن مخزون الدول النووية من الأسلحة النووية كاف لقتل كل إنسان على سطح الأرض أكثر من تسع مرات!!

مع ذلك، فإنَّ الكتاب رغم كل الوقائع التي يقدمها هو أقرب إلى أن يكون كتاباً رؤوياً منه كتاباً علمياً. فهو يؤثر أسلوب المناجاة على أسلوب التخويف والإدانة. لذلك؛ يحذر من أنه حتى لو تم اليوم إنقاذ البيئة من التلوث المترتب على ارتفاع الحرارة، وحتى لو أن الاستهلاك المفرط لثروات الطبيعة توقف الآن، فإن آثار التلوث وآثار الاستهلاك المفرط والمبالغ فيه ستبقى إرثاً مؤلماً وعبئاً ثقيلاً على إنسان الغد.

وفي الحسابات الأخيرة، فإنَّ الكتاب يشكل دعوة لإنسان اليوم لمراجعة ذاته ؛ وذلك في ضوء علامة الاستفهام الكبرى: أي عالم يترك لإنسان الغد؟

إنَّ بصماته العميقة ستبقى شاهدة عليه -أو له. ربما لملايين السنين، وإلى ما شاء الله.

ويذكرنا هذا الأمر بما ورد في القرآن الكريم (البقرة-30): "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفةً، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون". وفي سورة الأحزاب (72): "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، أنه كان ظلوماً جهولاً".

فتاريخ الإنسانية حافل بالحروب. تشهد على ذلك ضحايا تلك الحروب. فالحرب العالمية الثانية (1939-1045) أودت بحياة 70 مليون إنسان. كان ثلثا هؤلاء الضحايا من غير العسكريين المقاتلين. فقد قتل عشر الشعب الألماني و30 بالمائة من أفراد الجيش وعناصره. وقتل 27 مليون سوفياتي و15 مليون صيني. وفي تلك الحرب خسرت بولندة 16 بالمائة من شعبها. كان يقتل يومياً طوال سنوات الحرب ما معدله 30 ألف إنسان.

ورغم ذلك كله، فإنَّ الصين وحدها خسرت في ثورة (آن لوشان) في القرن الثامن، أكثر من كل ضحايا الحرب العالمية الثانية. وخسرت أوروبا خلال حرب الثلاثين عاماً في القرن السابع عشر تقريباً ما يعادل خسارة الصين في تلك الثورة!!

وبعد إلقاء القنبله النووية الأمريكية الأولى على مدينة هيروشيما في اليابان في السادس من أغسطس 1945 والتي أودت بحياة 150 ألف إنسان في ضربة واحدة، أدرك علماء الذرة وفي مقدمتهم روبرت اوبنهايمر وألبرت أينشتاين أنهم أنتجوا الأداة التدميرية للإنسانية. وفيما يبدو أنه استجابة لصحوة ضمير، قرر العلماء التحرك لإقناع الدول المنتجة للسلاح النووي عدم استعمال القنبلة النووية لأنها سلاح تدميري شامل ؛ فالتجربة في اليابان بينت بوضوح ماذا يعني هذا السلاح. وقد ذهب أينشتاين إلى حد المطالبة بإلغاء "الدولة الوطنية" وتشكيل حكومة عالمية موحدة مهمتها تأمين السلام العالمي.

وفي كتاب عنوانه: " البازار النووي: صعود الفقراء النوويين – The Atomic Bazar: The Rise of the Nuclear Poor، للكاتب الأمريكي وليم لانغويش William Langeweische، (صدر في عام 2007 عن دار فرار وشتراوس وجيرو في 192 صفحة)، يقول المؤلف: لم يكن الاقتراح ساذجاً. كان العلماء يريدون أن يقولوا للسياسيين: "الآن وقد عرفتم ماذا يعني السلاح النووي، فإن ممارسة الحرب يجب أن تتوقف".

ومع ذلك، يذكر المؤلف أن عدد الدول التي تملك سلاحاً نووياً اليوم ارتفع إلى عشرين دولة (منها الهند والباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية). وهذا يعني أن خطورة هذا السلاح في أنه انتقل الآن من اللعبة الدولية الكبرى إلى اللعبة الوطنية الصغرى، مما يزيد من مخاطر استخدامه.

وتبقى الحكمة الإلهية من خلق الإنسان والتي لم تدركها الملائكة، حكمة إلهية لا يدركها سوى الله سبحانه وتعالى!!

- الكتاب: آثار أقدام: في البحث عن متحجرات المستقبل.

- المؤلف: دافيد فاريه.

- الناشر: فارار وستراوش وجيرو، 2020.

- عدد الصفحات: 320 صفحة.