البُعد الأنثروبولوجي للهاتف الذكي

Picture1.png

نيكولا نوفا

 سعيد بوكرامي

يكشفُ تحليل البعد الانثروبولوجي لاستخدامات الهواتف الذكية بين ملايين الناس في العالم الاندماج الكلي للبشر في منظومة الاتصال الحديث والمتجدد، وما يترتَّب على ذلك من تغيرات سلوكية وتحولات ثقافية مثيرة مرتبطة ارتباطا حتميا بحياتهم اليومية. وبطريقة ما، تتوارى المادية التقنية للهاتف الذكي بعد أن يصبح شائعًا وضروريًّا في ممارسات المستخدم، ليصبح شيئا فشيئا عضوا جديدا من أعضاء الكائن البشري. له حضوره المادي والمجازي في حياته المعاصرة والمستقبلية. لذلك يهدف كتاب "الهواتف الذكية: تحقيق أنثروبولوجي"، لمؤلفه نيكولا نوفا، إلى تسليط الضوء على السمات المشتركة في سلوكيات الاستخدام. تتمحور الممارسة في الواقع حول معايير زمنية غير رسمية، تتميز بعدد صغير من التطبيقات المتبثة وأنماط الاستخدام المتسلسلة. ومن خلال هيمنته على إيقاعات حياة المستخدمين، فإن استخدام الهواتف الذكية تتزايد، ومعها تعقيداتها القوية للحياة اليومية.

يُشارك الهاتف الذكي ويدعم تسريع العلاقة بالزمن في الحياة اليومية، والتي تتحقق فعليا وتتجسد إلى حد ما في الاندماج في الفضاءات السحابية يوما بعد يوم. وهذا يعني أن الأشياء المتصلة والمصغرة والمحمولة صارت بالضرورة تحتل مكانة أكبر في حياة المستخدمين اليومية. إن الازدهار الأخير للوسائل المتصلة بالشبكات يفتح آفاق الدراسات التي تجمع بين الأساليب الرقمية والنوعية لفهم المكان الذي تحتله هذه الأشياء التقنية في حياتنا اليومية وعلاقتنا بالزمن.

ومنذ ما يزيد على عقد من الزمان، غزا الهاتف الذكي الحياة اليومية لمئات الملايين من الأشخاص حول العالم، وسرعان ما أصبح الهدف المفضل لمجتمعاتنا العالمية والرقمية. ولكن بغض النظر عن القضايا الاقتصادية والأخلاقية والبيئية الهائلة التي تمثله، ما هي المكانة التي يحتلها في حياة أصحابه وما هي الدلالات التي تُمنح له؟

واستنادًا إلى تحقيق ميدان فريد من نوعه، أنجز في جنيف ولوس أنجلوس وطوكيو، يتناول هذا الكتاب البعد الأنثروبولوجي للهاتف الذكي على وجه التحديد. من خلال ستة مفاهيم ترمز إلى العديد من جوانب استخدامه - الزمام، والعضو الاصطناعي، والمرآة، والعصا السحرية، والشرنقة، والصدفة الفارغة -والتي تمثل التوترات والتناقضات التي يكون هذا الجهاز وحامله، موضوعا لها. وبناءً عليها، يؤكد نيكولا نوفا على الدور الأساسي الذي يلعبه الهاتف الذكي في إعادة تشكيل أنشطتنا العادية وعلاقتها بالزمان والفضاء المعاصرين وآفاق تطور ثقافاتنا المادية.

ويقدم لنا نيكولا نوفا، الأستاذ المشارك في المدرسة العليا للفن والتصميم بجنيف، في هذا العمل الذي يشكل أطروحته الجامعية مسحًا اجتماعيًا وأنثروبولوجيًا لأنماط استخدام الهواتف الذكية. يشكل كل جزء قسما مستقلا نسبيًا عن الأجزاء الأخرى، قائم على المنهجية نفسها: بحيث يتناول حالة معينة وظيفية، وتتم مقارنتها بالتعليقات المستمدة من الميدان، تليها خاتمة تتناول هذين الجانبين.

وأنجز المسح الميداني بشكل أساسي في ثلاث مدن كبرى (لوس أنجلوس وجنيف وطوكيو) بين عامي 2015 و2018. من أجل تحديد هذه الوسيلة الاجتماعية والتقنية المعقدة بشكل دقيق، يستخدم المؤلف ست استعارات لجرد الأنماط الرئيسية للاستعمال، أي كيفية حضوره واستخدامه: الزمام، والعضو الاصطناعي، والمرآة، والعصا السحرية، والشرنقة، والصدفة الفارغة، والتي تتوافق مع ستة أجزاء في الكتاب مرفقة أيضا بالعديد من الصور الفوتوغرافية. تتكون العينات المدروسة من مستخدمي ومستخدمات الهواتف الذكية، وهم من البلدان الغنية ذات المعدلات العالية من المعدات التكنولوجية الشخصية. تتراوح أعمارهم بين 18 عاما و65 عاما، ويمثلون عينة كبيرة من السكان، منهم العاطلون عن العمل، ومديرو البنوك، والطلاب، والنادلات، والأكاديميون، وربابنة الطائرات...إلخ.

السؤال الرئيسي الذي يبنى عليه البحث هو كيفية توصيف وتعريف الهاتف الذكي في مواجهة المضاعفات الهائلة لإمكانياته واستخداماته التقنية. ومن أجل القيام بذلك، يستخدم المؤلف منهجًا مقارنًا للنصوص والمفاهيم المستمدة من علم اجتماع الابتكار والاستخدامات، المستمدة من تاريخ العلوم والتكنولوجيا، ولكن أيضًا من التصميم وأنثروبولوجيا التقنيات. وتعتمد الفكرة العامة للكتاب على المفهوم المتعدد للآلة، باعتبار ما يحتوي عليه الهاتف الذكي من الوظائف العديدة المستخدمة على الشكل التالي (نظام تحديد المواقع العالمي، والآلة الحاسبة، والمحفظة، وما إلى ذلك)، والتي تتحد دون أن تتعارض مع بعضها البعض.

يمكن تقسيم الاستعارات الست التي حددها المؤلف إلى فئتين رئيسيتين: تلك المتعلقة بالجانب المادي للجهاز (العضو الاصطناعي، والزمام، والصدفة الفارغة) وتلك المتعلقة بالبعد الافتراضي (العصا السحرية، والمرآة، والشرنقة).

وفي الفئة الأولى، يبرز سؤال رئيسي، يتعلق بطبيعة الجهاز. هل هو شيء أم عضو؟ في مواجهة هذا الطابع الأنثروبولوجي للتقنيات، الموجود بالفعل في "البعد الاصطناعي للهاتف الذكي" (ص:107). الهاتف الذكي هو "عمل معرفي" (ص:100) يساعد على الحفظ والاستذكار بنفس طريقة قلم الرصاص والكمبيوتر المحمول، ولكنه يصبح بشكل متزايد وسيلة للانتقال نحو "امتداد الذاكرة المتشعبة" و"الاستثناء" (ص:326). وبحسب المؤلف، سيكون الهاتف الذكي امتدادًا وانتشارا لعملية التخارج المعرفي الافتراضي الذي بدأ بالتجانس، وليس امتدادًا للكائن الحي بالمعنى البيولوجي للمصطلح، والذي يُشير إلى مفهوم "المعرفة المتشعبة" (ص:103). يعد البعد المادي للجهاز مكونًا رئيسيًا لسهولة جذب الانتباه، وبالتالي بطريقة ما يصبح الهاتف ممسكا بزمام مستعمله. تنبع هذه الجاذبية القوية من "الخصائص البشرية العميقة، وتصميم الأجهزة والبرمجيات المثبتة في الجهاز" (ص:326) بحيث تساعد على خلق شعور بالموالاة تجاهه والتبعية له. وبعد أن أصبح الهاتف الذكي موضوعًا أساسيًا في الحياة اليومية، تطرح كذلك مسألة "الاستعباد" أي الاستخدام المتعذر كبح جماحه أو ما يصطلح عليه ب "الاتصال الدائم"، داخل "أنظمة الاستخدام" وهنا تظهر المقابلات الميدانية أن عددًا قليلاً جدًا من مجالات الحياة اليومية هي بمنأى اليوم عن اقتحام الهواتف الذكية. كما أن ميزاتهم المهنية العديدة مكنتهم من استبدال عدد من الأجهزة المتطورة، مما أدى إلى تقييد شديد لاستقلالية المستخدمين في العمل (ص:211). وتحتوي هذه الأهمية المادية أيضًا على إشكالية العطل ونظامه: وهي ما يطلق عليها استعارة "الصدفة الفارغة" التي تشير إلى أنَّ الهاتف "معطل الآن"، وهي حالة تؤدي إلى لجوء "المستخدم إلى استراتيجيات لإطالة عمر الجهاز" (ص:327)، ترتكز الفكرة على طرق الإصلاح التي لا تحترم القواعد التقنية تمامًا، وبعيدة عن طرق الهندسة العكسية (النشاط الذي يتكون من دراسة الشيء لتحديد وظيفته الداخلية أو طريقة تصنيعه، بعد إنتاجه)، ومن خلال التعلم التجريبي غير النظامي، يُمارسه هواة فيتحولون إلى محترفين أو قراصنة. ومع ذلك، ونظرًا للطابع المعقد للجهاز، لا توزع إمكانات إصلاح الهواتف الذكية بالتساوي بين جمهور مستخدميه.

وهذا يتعارض تماما مع فكرة أن التكنولوجيا أصبحت سهلة الاستخدام، بحيث سيتمكن الجميع من إصلاح أجهزتهم بأنفسهم، ولن يكونوا أسرى للتقنيات والأدوات والمكونات التي تملكها الشركات الكبرى وحدها. وهناك أيضًا تقسيم واضح في اختيار إصلاح أو شراء جهاز جديد، اعتمادًا على ما إذا كان المعني في دولة غربية أم لا. إن التمييز بين هاتف "مكسور" وآخر "مازال يعمل" غير واضح (ص:289) لصالح الاعتبارات المتعلقة بالجانب الجمالي، وقابلية الاستجابة، والعلامة التجارية، وكذلك التجاوز الزمني الاجتماعي؛ لهذا فإن تعامل المستخدمين لم يكن أبدا تقنيا بل انثروبولوجي مرتبط بالفضاء الجغرافي والثقافة السائدة.

المجموعة الثانية من الفئات التي اقترحها المؤلف وهي (العصا السحرية، والمرآة، والشرنقة) التي تتعلق بالمكون الافتراضي للهاتف الذكي، أي إدخال الأخير في نظام بيئي يجمع البيانات والتطبيقات المستخدمة لدى مستعملي الهاتف مما يؤثر على سلوك المستخدم. تتضمن هذه الزاوية أيضًا ماهو وظيفي وله علاقة بالهاتف الذكي: الأشياء والخدمات المتصلة بالشبكة التي تحول المستخدم إلى مستهلك والهاتف إلى مركز تجاري افتراضي. وبذلك فإن "العصا السحرية" هو الوصف الذي تمكن المستجوبون من تقديمه عن الهاتف الذكي كواجهة رئيسية للتفاعل مع البيئة في العديد من مجالات الحياة اليومية. يطور هذا الجزء المثير للاهتمام فكرة سحر و"عتامة" الجهاز الناتجة عن التعقيد في عمله (ص:181). بحيث يدعم العضو الاصطناعي "المعرفي" بنظام بيئي للأشياء المتصلة (ص:191) والتطبيقات الملائمة. لذلك؛ لا يُدرك المستخدم "البنى التحتية الاجتماعية-التقنية" الهائلة (ص:207) التي تناسب ما يحمله في يده. كما أن المظهر والتصميم غير المحددين عن عمد للجهاز؛ بحيث لا يتم تحديد الوظيفة المناسبة بوضوح، وذلك يزيد من تعقيدات هذا الإدراك الغامض.

ويترافق استخدام هذه العصا مع طقوس جسدية يُعتقد أنها تزيد من نجاحها (ص:194). في هذه الطقوس، تلعب "المرآة" دورًا مهمًا. إضافة إلى التأمل الذاتي البسيط، الذي يصبح انعكاسًا كميًّا وشخصيًّا وفقًا للبيانات التي يتم جمعها. يتطور هذا الاستخدام مع تقنيات القياس الذاتي الكمي والتتبع الذاتي (ص:137)، بمساعدة تركيز القياسات وتصور البيانات في منطق القياس والتعقب والذي يسمح للأفراد بأن يكون لديهم انطباع بأنهم يتحكمون في أنفسهم بشكل أفضل (ص:141). على الرغم من المخاطر التي ينطوي عليها الحصول على مثل هذه الكميات الكبيرة من البيانات، يرى بعض المستخدمين في تخصيص المقترحات والوظائف، جانبًا أكثر إنسانية، وأكثر فردية، وشكلًا من أشكال الحكامة الذاتية من خلال الشعور بالمسؤولية (ص:155). وبذلك؛ فإن ما يحققه الهاتف من الانتقال من "الانعكاسية" إلى "المساعدة" (ص:163) لن تكون غايته سوى التحكم في السلوك والميولات. إضافة إلى التأمل الذاتي، يلعب الهاتف الذكي أيضًا دور "الشرنقة"؛ من خلال "جدلية الانفتاح والانغلاق المرتبط بالاستخدام المستمر" (ص:327) للجهاز؛ باعتباره "مُضَخِّمًا للتنشئة الاجتماعية" أو العكس؛ باعتباره "حماية من الطلبات غير المتصلة بالإنترنت أو عبر الإنترنت". هذا ينشط لازمة أخرى في التحليل وهي تقنيات (تحليل المعلومات والاتصالات الجديدة): هل هي مسرعات أم مكابح للتنشئة الاجتماعية؟ السؤال هنا لم يحسم فيه المؤلف، الذي يثير مع ذلك نقطة مثيرة للاهتمام: يعتمد التواصل الافتراضي على حكم اعتباطي، لأنه ينتمي بحكم الواقع إلى طقوس التنشئة الاجتماعية، ويرتبط بشكل أساسي بالجسد والعالم المادي. وبدون إمكانية الاستبدال الكلي (ص:231).

ومع ذلك، فإن الوضع المعترف به عالميًّا لاستخدام الهاتف الذكي يُظهر قدرة الاستيعاب الفورية والشاملة لاهتمام المستخدم، مع الانسحاب من البيئة الاجتماعية والمادية. إذن، هناك فقاعة مزدوجة: فقاعة الانسحاب إلى الذات، الطوعي والموضعي ؛ وفقاعة المعلومات اللا إرادية والافتراضية، الناتجة أساسا عن محاصرة الخوارزميات للمستخدم، والتي لا تقدم له إلا المعلومات التي تساير استخداماته.

ويقدم الكتاب مساهمة مفيدة لتحليل جهاز الهاتف الذكي، لا سيما من خلال الجمع بين مقاربات مختلفة. إن الحالات التي يعالجها في بداية كل فصل تحدد بشكل مفيد وجهة نظر المؤلف وما يتوفر عليه من مراجع مثيرة للاهتمام، مصادر تاريخية وموارد معاصرة، تصب كلها في اتجاه تفسير الهيمنة الصارخة للهواتف الذكية وتداعياتها الانثروبولوجية. ومع ذلك، فإن هذا التراكم المفاهيمي في الدراسة،طبع بنية الكتابة في كل مقطع، بالتكرار خصوصا عند جرد المعطيات الميدانية. كما أن التقسيم الاستعاري لم يسمح بإحراز تقدم في التحليل، إذ ينتهي بنتيجة مملاة وكأن ما توصل إليه الباحث من معطيات ميدانية هي معطيات قطعية لا جدال حولها. إضافة إلى ذلك، فإنَّ التحليل شبه الحصري لاستخدامات الهاتف الذكي على حساب المحتوى الخاص به، على سبيل المثال دوره الناقل "للصورة" في الاستخدام والاتصال عبر الأجهزة، يحدّ من احتمالات التعمق في الدراسة التي كان من الممكن أن تنفتح على الأنثروبولوجيا البصرية وجهازها المفاهيمي المساعد على تحليل الصورة التي تنتجها الهواتف الذكية وتمثيلاتها البصرية، لما لها من دلالات سيميائية وثقافية ونفسية.

عمومًا يلقي الكتاب ضوءا ساطعا تحليليا ونقديا على أحد منتجات التكنولوجيا الحديثة "الهاتف الذكي" من وجهة نظر إنثروبولوجية، ليكون بذلك أول بحث معرفي وميداني يتعقب هذا الجهاز الذكي الذي يتسلل تدريجيا إلى حياتنا اليومية فارضا سطوته على سلوكنا ومعارفنا ومؤثرا بشكل مباشر أو غير مباشر على صحتنا الجسدية والنفسية.

--------------------------

الكتاب: "الهواتف الذكية: تحقيق أنثروبولوجي".

- المؤلف: نيكولا نوفا.

- الناشر: جنيف متيس بريس، سويسرا، 2020، بالفرنسية.

- عدد الصفحات: 371 صفحات.