الخوف توقعات زائفة لظهور حقيقي

41sbF2Nx+DL.jpg

أتمان آن رافي

عماد إبراهيم عبدالرازق *

* أكاديمي مصري

هناك حكمة للمهاتما غاندي تقول: "الكثير من الناس يمُوتون من الخوف من المرض أكثر من المرض نفسه"، أيضا يقول: "روديارد كابلانج"، "جميع أكاذيب العالم الأسوأ منها في أحيان كثيرة يكون من مخاوفنا الشخصية".

تمهيد: الخوف وفيروس كورونا

لقد كانت عقارب الساعة تشير إلى التاسعة مساءً، وفي الرابع والعشرين من مارس عام 2020 عندما أعلن رئيس وزراء الهند أنه يُوجد مرض وبائي سوف يبيد الملايين من البشر، إنه فيروس كورونا (كوفيد 19) الذي هاجم بلدان العالم بما فيها الهند. ومن هنا، أعلن عن الحظر التام والشامل في جميع أرجاء الهند لمدة 21 يوما. وهذا الحظر سوف يؤدي لأزمات اقتصادية لا يمكن للهند أن تتحملها. وسوف يتم إغلاق جميع الفنادق، وخطوط الطيران، والمؤسسات التجارية، والمطاعم، والسينما، ودور العبادة؛ مما يترتب عليه شلل فعلي في جميع جوانب الحياة. والسؤال المحوري: لماذا أعلنت الحكومة الحظر التام؟ وما سبب هذا الحظر؟ إنه الخوف، وليس الفيروس. الخوف الذي سيطر على جميع أجهزة الدولة، وعلى اجتماعات مجلس الوزراء، بل على كل وزير داخل مقاطعته. الخوف ناقل للعدوى ومُعْدٍ بدرجة أكبر من الفيروس ذاته؛ فالخوف ينتقل من شخص إلى آخر بسرعة كبيرة.

هذا تماما ما حدث عندما أعلنت وسائل الإعلام عن تفشي فيروس كورونا (كوفيد19)؛ لذا توجد حكمة بليغة تقول "ما سبب الخوف، اذهب إلى الجذور والأعماق، لو أردت أن تتغلب على القلق والتوتر، افهم الحقيقة أولا) إذا كان الفيروس قد قتل ما يربو على أربعة الآلاف من الأشخاص في الصين، فإنَّ الخوف من الفيروس سوف يقتل أكثر من ذلك العدد. الخوف يغلف العالم، والخوف من الموت سوف يبيد ويدمر الدول. فالفيروس ينتشر ويتفشى في أكثر من 175 دولة من دول العالم، وأكثر من 2 مليون شخص مصابون بالفيروس. ما هو أكثر خطورة من الفيروس يكون الخوف؛ فالخوف سبب الرعب والفزع أنه يسيطر علينا جميعا بصورة قسرية، ويجعلنا نعيش في قلق وتوتر نفسي، لذا أغلقنا أبواب منازلنا على أنفسنا، وجلسنا في عزلة تامة، وحياتنا أصيبت بالشلل والتوقف التام. ومثلما هاجم الفيروس الكرة الأرضية بأسرها، أيضا الخوف أحكم قبضته وسيطرته على جميع المجتمعات في أنحاء العالم لماذا؟ لأن الخوف يعني توقعات زائفة وغير حقيقية لظهور أو مظهر حقيقي. ورغم أن منظمة الصحة العالمية أعلنت أن فيروس كورونا وباء عالمي، لكن الأكثر خطورة من الوباء، كان وباء آخر وهو الخوف. ماذا فعل الخوف بالناس؟ جعلهم في حظر تام وشامل وإغلاق كلي لكل أوجه الحياة. وهناك حكمة ألمانية في هذا الصدد تقول: "الخوف يجعل الذئب أكبر مما هو عليه"؛ فالخوف هو فن اختفاء الحقيقة. لذا يقول فرانكلين روزفلت "الشيء الوحيد الذي نخافه هو الخوف نفسه"؛ لماذا تم الحظر التام وأغلق الناس منازلهم وأصيب العالم بشلل تام؟ إنه الخوف. ورغم تفشي وانتشار فيروس كورونا وسيطرته على معظم بلاد العالم، إلا أنه يوجد أمل في وجود لقاح لهذا الفيروس، أما الخوف سوف نعيش به ويستمر معنا طوال الحياة.

 

ما الخوف؟

الخوف عاطفة سلبية تهدد حياتنا، وهي محملة بالألم، والخطر، والأذى والضرر. أيضا الخوف شعور كريه وبغيض؛ إنه عاطفة قوية شديدة تثير فينا وتحدث جرس إنذار أو تنبيه تجاه الأزمات المحتملة. ومن هنا فالخوف له أهمية كبيرة ومفيدة لأنه بمثابة جرس إنذار عند حدوث الأزمات والكوارث والمصائب. فهو من وسائل البقاء على قيد الحياة. كلنا نجرب الخوف ونعاني منه، ونعرف أنه يسبب القلق والتوتر والضغط النفسي. والأفكار التي تنشأ عن الخوف تعبث بعقولنا. ومن هنا، لا يوجد ضمان حقيقي يحمينا من الخوف وهذا يمثل خطرا حقيقيا؛ فالخوف ملازم لنا منذ الطفولة، فالطفل يخاف ويفزع من الظلام، كما أنه يخاف من الحشرات والحيوانات، وحتى من الناس. ومن هنا، توجد حكمة بليغة تقول: "إن الخوف قوة كبيرة بطريقة ما لا تدع ولا تسمح للعديد من الناس أن يحصلوا على ما يريدون في الحياة" (ديفيد شولتز). وفي هذا السياق، من الممكن أن تكون بعض المخاوف حقيقية وفعلية مثل وجودك في الغابة، وتواجه حيوانات مفترسة، وهنا تكون المخاوف حقيقية وفعلية .أما الخوف من السحلية فهذا خوف غير حقيقي وزائف؛ لأن توقعاتنا أن السحلية سوف تؤذينا يكون توقعا غير حقيقي وخاطئا لظهور حقيقي. لذا يقول المهاتما غاندي(العدو هو الخوف، نحن نعتقد أنه الكراهية، لكنه الخوف) الخوف يسبب القلق والتوتر اللذين يفسدان حياتنا. ورغم أن الخوف هو توقعات زائفة غير حقيقية لمظهر حقيقي، إلا أن جهلنا بالخوف يجعل منه عاطفة حقيقية بالنسبة لنا، وتسبب لنا الشقاء والبؤس طوال الحياة.

وفي الوقت الراهن الخوف يسيطر على جميع العالم بسبب فيروس كورونا، ورد الفعل هو الفزع والرعب، والخوف من الموت، رغم الحقيقة أنه في نهاية أبريل 2020،  200000 ألف شخص ماتوا بسبب الفيروس، وهو عدد يعتبر قليلا بالنسبة لسكان العالم. ومن هنا، يمثل الخوف عاطفة سلبية تسبب لنا عجزا أو عدم مقدرة على أداء مهامنا في الحياة، ويسبب القلق والتوتر.

 

من أي شئ نخاف؟

يبدو أننا كموجودات بشرية ولدت بالخوف، وولد معها الخوف، إنه غريزة فطرية في طبيعتنا البشرية. ومن هنا، الخوف الدائم والمستمر يسلبنا الهدوء والسلام الداخلي والأمان.والسؤال من أي شيء نخاف في الوقت الراهن؟ إننا نخاف من فيروس كورونا (كوفيد 19) بعض الناس أصيبوا بالعدوى من هذا الفيروس، وظهرت عليهم أعراض الكحة والحمى، والبعض الآخر أصيب بضعف في الجهاز المناعي . والإحصائيات تشير إلى أنَّ فقط 10% من هولاء فوق سن السبعين والثمانين، لكن رغم تلك الحقائق فإن الخوف جعل العالم كل يصاب بالشلل والتوقف التام. الخوف يجعلنا نعتقد أن الفيروس سوف يمحو ويبيد الحياة من على سطح الأرض.

 

أنواع الخوف:

لاشك أنه يوجد الكثير والعديد من أنواع الخوف، فالبعض منا يخاف من الأصوات المرتفعة، والبعض الآخر يخاف من الأماكن المرتفعة، والبعض يخاف من السلحفاة على الأرض. وهناك من يخاف من ركوب الطائرات بسب الخوف من تحطمها مما يؤدي إلى الموت. وهناك من يخاف من الأماكن المظلمة. كما أن هناك الخوف من المرض والخوف من الموت. في مر حلة الطفولة نخاف من الأماكن المظلمة، والخوف من كل ما هو مجهول، ثم عندما نكبر وننضج نبدأ في الخوف من الامتحانات المدرسية والجامعية. بالطبع كلنا نخاف، لكن البعض منا يذهب خوفه ويذبل، والبعض الآخر يظل الخوف ملازما له.

 

ما الفوبيا؟

الفوبيا هي خوف لا عقلاني من شيء ما، إنها رعب وفزع قوي وشديد، يسبب رد فعل نحو الشيء الذي نخاف منه، والفوبيا لا تتناسب ولا تتلاءم مع الخوف الحقيقي، إنها خوف مفرط ومغالي فيه. من ناحية ثانية، هولاء الذين يعانون من الفوبيا (الخوف اللاعقلاني) يشعرون أن الخوف يكون حقيقيا بدرجة كبيرة، لأنه يكون شديدا وقويا. ورغم أن الخوف يبدأ كطفل رضيع، إلا أنه ينمو ويكبر في هذا الشئ الضخم المغالى فيه والذي يسمى الفوبيا. وعلى الرغم من وجود مئات من المخاوف اللاعقلانية (الفوبيا)، إلا أنَّ معظم الناس تنمي وتتطور واحدا أو اثنين من هذه المخاوف اللاعقلانية. على سبيل المثال: هناك الخوف من العناكب أو السحالي، أو حتى من شيء بسيط مثل الذهاب إلى طبيب الأسنان للفحص. وعندما يتحول الخوف البسيط إلى فوبيا أي مغالاة في الخوف فإنه يسبب توترا وقلقا. وهذا يعوقنا أن نحيا حياة طبيعية وسوية. وهذا الخوف المغالى فيه أو الفوبيا تسبب الشك والارتياب في الآخرين. ومن أمثلة الفوبيا ما يسمى (الهيموفوبيا) أي الخوف الشديد من رؤية الدم، أيضا فوبيا الخوف من الحيوانات المعروف باسم (زيوفوبيا) مثل الخوف من النمور والأسود. وفي العصر الراهن هناك ما يسمى (سايبر فوبيا) أي الخوف من الكمبيوتر وغيره من التقنيات الحديثة.

الخوف مقابل الخطر: عندما ندرك أن الخوف عبارة عن توقعات غير حقيقية وزائفة لظهور حقيقي، وأننا جميعا نولد بغريزة الخوف التي يمكن أن تحمينا من الخطر الحقيقي، بعد ذلك لماذا نسمح لخوفنا أن يصبح فوبيا؟ الخوف يكون عاطفة إيجابية لو تم استخدامه في حمايتنا من الأذى والضرر. والسبب الذي يصنف من أجله الخوف على أنه خطير؛ لأنه يسبب القلق والتوتر. ومن هنا الخوف لا يكون خطرا حقيقيا، أما الخطر فيكون حقيقيا. الخوف شيء متخيل، أما الخطر فهو شيء حقيقي. لو سمحنا للخوف أن يسبب ويحدث توقعات غير حقيقية وخاطئة، هذا سيجعلنا متوترين ونشعر بالقلق. ومن هنا، تصبح المخاوف مخاطر حقيقية. على سبيل المثال: عندما نغوص في أعماق المحيط، ونشاهد سمكة قرش كبيرة وضخمة، الخوف يجعلنا نخرج إلى سطح الماء، ولا نظل في الأعماق. هنا الخوف يمثل حافزا ومثيرا ورد فعل لحمايتنا من خطر حقيقي هو سمكة القرش. لكن افرض أننا نخاف من الذهاب إلى الشاطئ لأننا نعتقد أن سمكة القرش سوف تقتلنا، هذا يكون خوفا وليس خطرا. هناك فرق بين الخوف والخطر، الخطر يمكن أن يهاجمنا، أما الخوف يجعلنا نشعر بالاكتئاب. وفي هذه الأيام، في الوقت الحاضر فيروس كورونا يغلف ويلف العالم. هل هو خوف أم خطر حقيقي. الإجابة أن الذين ينمون ويزيدون الخوف بداخلهم من الفيروس يمكن أن يسببوا لأنفسهم الموت، حتى لو لم يموتوا بالفيروس. من هنا فيروس كورونا خوف وليس خطرا. بلد مثل السويد صنفت فيروس كورونا على أنه خوف وليس خطرا. بالنسبة للشباب الأصحاء والذين يتمتعون بصحة ومناعة قوية يعتبر الفيروس بالنسبة لهم مجرد خوف، أما كبار السن ينظرون إليه على أنه خطر حقيقي.

 

عواقب الخوف:

للخوف عواقب وخيمة ومتنوعة أنه يحرم الموجودات البشرية من القيام بالأفعال بطريقة سوية وطبيعية، كما أنه يؤدي إلى القلق والتوتر. أيضا يمنعنا أن نضع مشاكلنا وننظر إليها من المنظار الصحيح. إنه يحول تفاؤلنا إلى تشاؤم، كما يسبب في داخلنا أشياء مدمرة، ويسبب نتائج صحية خطيرة مثل ضعف الجهاز المناعي، والقرحة وغيرها من الأمراض.وفي الوقت الراهن نرى عواقب الخوف ونشعر بها أكثر من ذي قبل بسبب فيروس كورونا.

 

ما أسباب الخوف وكيف نتغلب عليه؟

إنَّ أصل ومصدر الخوف هو العقل الذي ينتج الأفكار المخيفة ويجعلنا نحول الوهم إلى حقيقة. وكذلك من أسباب ومصادر الخوف الحواس الخمس التي تدرك الخوف وتنقله إلى العقل.العين مثلا ترى الحبل كثعبان، وترسل إشارة الخوف إلى العقل، ثم يحدث العقل استجابة عاطفية. لماذا يعيش العالم اليوم في خوف؟ بسبب فيروس كورونا. ولعل من أهم الخطوات للتغلب على الخوف هي: أولا-أن نقر ونعترف أن الخوف موجود وأنه فقط خوف ولا يكون مثل الخطر. ثانيا: الخوف يمكن التغلب عليه عندما نواجهه ولا نهرب منه. وهنا حكمة بليغة تقول: "الخوف مثل الظلام لا يمكن أن تتخلص منه أو تزيله بالمكنسة، لكن عن طريق نور الحقيقة"، ثالثا: استخدام سلاح الإيمان، كتعزيز إيجابي للتخلص من الخوف. رابعا: التحلي بالشجاعة . خامسا : أن نعيش اللحظة الحاضرة وليس في الماضي والمستقبل الذي لا نعرف عنه شيئا.

... اقتل الخوف قبل أن يقتلك؛ إننا ندرك تماما أن الخوف مهلك ومدمر أكثر من أمراض كثيرة. فالخوف قتل العديد من رجال الأعمال الذين واجهوا مصاعب كبيرة في أعمالهم وجعلهم يقدمون على الانتحار. ومما لاشك فيه أنه يوجد فيروس قتل الكثير وسيقتل، لكن الأكبر من الفيروس هو الخوف الذي سوف يقتلنا، يجب أن نضع الخوف خلف قضبان العقل، نوقفه عن التدخل في حياتنا، إذا لم نقتل الخوف فإنه سوف يقتلنا. الخوف سوف يجعلنا نتخذ قرارات أكثر خطورة من المرض نفسه . الخوف جعلنا لا نبصر الحقيقة بأنه سوف يقتلنا في النهاية؛ فالأزمات الاقتصادية التي حدثت بسبب الخوف من الفيروس كانت غير مسبوقة. في الحقيقة ليس الوباء الذي يقتل بل الخوف. إنه دمر كل جوانب الحياة. هل نستطيع أن نسيطر على الفيروس؟ لا يمكن لكن نستطيع أن نتحكم في خوفنا ونسيطر عليه. حان الوقت لكي نتخلص من الخوف ونواجهه بكل شجاعة، لو استطعنا أن نعيش بشجاعة ونستخدم فكرنا وعقلنا سوف نتغلب على الخوف.

------------------------------------------------------

- الكتاب: "الخوف توقعات زائفة لظهور حقيقي".

- المؤلف: اتمان أن رافي.

- الناشر: AiR Institute of Realization، 2020، بالإنجليزية.

- عدد الصفحات: 248 صفحة.