أمة جديدة: أحلام رأسمالية ومخططات قومية في القرن الحادي والعشرين

Picture1.png

رافيندر كور

محمد السالمي

أعلن فرانسيس فوكوياما أن تطور البشرية بعد الحرب سيحفز التوجه الأيديولوجي نحو الديمقراطية الليبرالية. كانت بداية القرن الحادي والعشرين لحظة متفائلة في صنع المستقبل العالمي؛ حيث تمثل دول البريكس العصب الرئيس في مشهد النمو الرأسمالي المتسارع، والتي أعادت تعريف نفسها كمحاور غنية بالموارد والمواهب والإمكانيات غير المستغلة، وفتحت وجهة أمام الاستثمارات الأجنبية.

وتشكك رافيندر كور الأستاذة المساعدة في جامعة كوبنهاجن، في افتراض فوكوياما وغيرهم من المنظرين، وتجادل بدلاً من ذلك بأن سياسات الهوية يتم رسمها كعلامة تجارية في الآونة الأخيرة لاكتساب قيمة اقتصادية أكبر. كانت حملات الدعاية الضخمة التي شنتها الهند مؤخرًا، والتي تهدف من خلالها في تحويل الدولة القومية إلى وجهة استثمارية جذابة، وأيضا كواحدة من هذه الرؤى المثالية لبناء الأمة في القرن الحادي والعشرين.

وتخوض رافيندر كور في كتابها "دولة بهوية جديدة" لتكشف عن التجربة القومية للهند في التحول إلى وجهة استثمارية جذابة لرأس المال العالمي. هناك العديد من الأسئلة التي تتبادر في مسار الهند بعد الاستقلال وتتمثل: هل كان التوجه لعدم الانحياز خيارًا أسوأ من الميل المؤيد للولايات المتحدة فيما يتعلق بالفرص الاقتصادية؟، وهل الهند أقل تطوراً من الصين اليوم بسبب اضطرارها إلى استيعاب مخاوف لا تعد ولا تحصى من خلال إطارها الديمقراطي؟ وهل تضع الحكومة الحالية الأسس لنمو طويل الأمد من خلال الإصلاحات المستعصية؟. الكتاب يسهب في مناقشة أسئلة أخرى مثيرة للاهتمام مثل لماذا نجح اليمين في تسخير الغضب الشعبي أكثر من اليسار في الفترة الأخيرة؟ هل قلبت سياسة الهوية الميزان لصالح اليمين؟. كما يقدم وجهة نظر مختلفة في النقاشات الجارية حول مستقبل العلمانية في الهند، حيث تم إلقاء اللوم على النخبة العلمانية في إعطاء الأولوية للطائفية في الخطاب.

وإحدى الأفكار التي أظهرها الكتاب، أن بناء الدولة في القرن العشرين قد تم استبداله بشكل متزايد بشعارات تجارية. لذلك، عندما نفكر في مكان الهند اليوم، نتحدث عن مفهوم "الدولة الجديدة تمامًا". إحدى الظواهر التي يحاول المؤلف الإشارة إليها هي أننا نبدأ في تصور الأمة كدولة قومية كاملة أساسًا، وكأصل مدر للدخل. وعند التفكير في الأمة من منظور اقتصادي، يُنظر إلى الأرض على أنها موارد طبيعية محتملة يمكن استغلالها، أو يتم تعريف الناس على أنهم رأس مال بشري. أما في حالة الهند، كان المصطلح الذي أصبح شائعًا للغاية هو "العائد الديمغرافي"، كما أنها إحدى النقاط الرئيسية التي تريد الهند التأكد إليها أنها تملك قوة عاملة كبيرة وأغلبهم من الشباب، أو التفكير في صدد الثقافة كشيء يمكن أن يساعدك على التميز بين باكستان وبنغلاديش والصين، لأن الجميع يحاول الانفتاح على أنفسهم كوجهة. لذلك، فالثقافة ليست إضافة، وإنما شيء يمكنك استدعاءه لتعريف نفسك كعلامة تجارية. لو تفكرنا في الهند قليلاً، فهي دولة قومية فيدرالية، وأن السياق يشير إلى لتعاون الفيدرالي، ولكن الواقع يبرز التنافسية الفيدرالية، والتي تحاول ولاية مثل ولاية غوجارات التنافس مع ولاية البنغال الغربية أو البنجاب تتنافس مع تاميل نادو. بالمناسبة، كل ولاية في الهند لديها بالفعل علامة تجارية خاصة بها أو برنامج استثماري. وهناك مؤشرات داخل الهند، مثل أنظف مدينة، أو من يكسب أكبر قدر من الإيرادات وما إلى ذلك.

وترى الكاتبة أنه عندما نعود إلى الوراء ونبدأ في قراءة الأدبيات التي تم إنتاجها في أوائل التسعينيات، يكون الأمر محيرًا للعقل لأن اللغة الكاملة لوصف العالم هي الحركات والتدفقات والصلات والروابط. شخص ما مثل توماس فريدمان، كتب أن العالم مسطح! وانجرف الناس بما في ذلك العلماء إلى هذه الفكرة القائلة بأننا نعيش في هذا العالم المسطح والعالمي وتشكلت لأفكارنا حول هذا النوع من الأفكار، ولكن ما تحاول كور إظهاره هو أنه في وسط كل ذلك، هناك ظاهرة تتمثل في العلامة التجارية للأمة أو إصلاح الأمة كاستثمار. قلة من الناس ينتبهون إلى حقيقة أن السياسة الاقتصادية في التسعينيات، والسياسة الاقتصادية الجديدة في الهند كان لها في الواقع تحول في الصورة، فعندما نتحدث عن التعديلات الهيكلية، يتحدث الناس عن العديد من هذه الأشياء المؤثرة على الأرقام، ولكن الواقع، وفي الساحة الناعمة والعاطفية يحدث شيء أكثر أهمية بكثير، وهو ما يجعل جميع المواطنين والبيروقراطيين وصانعي السياسات في تصور الأمة على أنها شيء يمكن أن ينتج عنه أيضًا دخل. من الواضح أن المزيد من التنمية الأجنبية والمتمثلة في الاستثمارات والتدفقات المالية، يُنظر إليه على أنه شكل من أشكال الشرعية أو الاعتراف بسيادة الدولة على أنها تسيطر على كل هذه الأصول والأراضي والموارد الطبيعية، حيث يمكنها أن تمنحك عقد تعدين على سبيل المثال.

وستكشف كور في أحد فصول الكتاب حول صانعي هذه الأمة الجديدة في القرن الحادي والعشرين، وتحديدا عن صانعي العلامات التجارية هؤلاء، وأين يتواجدون في هيكل السلطة الحكومية، وما الذي يمنحهم قوتهم؛ فقد اعتدنا على التفكير في صانعي الأمة كشخصيات سياسية ونشطاء سياسيين وقادة سياسيين. لكن الأشخاص الذين قابلتهم المؤلفة في الميدان، لم يكن أي منهم سياسيًا. عندما انتقل مودي من رئاسة ولاية غوجارات إلى منصب رئيس الوزراء، كان يحاول القيام بحملة تحمل روح الرئيس التنفيذي منادياً بتصريحات حول جعل الدولة تعمل بطريقة أكثر كفاءة مع حوكمة أفضل ومناخ استثماري أكثر ملاءمة. هناك العديد من الكتب التي نُشرت والمنظرة للخلفية الاقتصادية والإدارية لمودي عند توليه السلطة، وأن ما جاء به لمانموهان سينغ رئيس الوزراء الأسبق هو أنه لم يكن سياسيًا أيضا، ولكنه كان خبيرًا اقتصاديًا، وينتمي إلى سلطة الخبراء التي يفتقر إليها السياسيون. ويمكن تصور الرؤساء التنفيذيين بأنهم يجلبون بعض الأخلاقيات أو نوعًا من الكفاءة من القطاع الخاص الذي تفتقر إليه الحكومة. إن التمييز بين القطاعين العام والخاص الذي نعمل به ضمن النظرية السياسية، لا يتطبق على الإطلاق في التشكيل الجديد، حيث لا يريد الأشخاص الذين يعملون لصالح الحكومة أن يُنظر إليهم على أنهم بيروقراطيون حكوميون، أو أشخاص يعملون في القطاع الخاص وإنما الترويج للقضية القومية حسب وصفهم. وبالتالي، يخلق هذا التنافر نوعًا معينًا من التوتر بين المشروع التجاري وفي نفس الوقت الحديث عن قضية قومية غير أنانية.

وتطرق الكتاب أيضا لدول البريكس: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا. وأشار إلى مدى صدى هذا المصطلح في العصر السياسي الحالي؛ حيث مصطلح البريكس صاغه جيم أونيل المصرفي في جولدمان ساكس في عام 2001. ترى المؤلفة، أن البريكس تعتبر مجرد رمزية، ويأتي في الوقت الذي تجذرت فيه فكرة الأسواق الناشئة، وصعود مقومات هذه الدول على الساحة العالمية. وتشير إلى أن العالم الثالث القديم ليس مجرد حالة ميؤوس منها، حيث أن البنوك والشركات بشكل عام، بدأت بالفعل في امتلاك صناديق في الأسواق الناشئة، وكذلك في توجيه تدفقاتها النقدية إلى تلك الدول. وفي الوقت نفسه، فإن حركة الأموال ورأس المال تعني أيضًا أن القوة السياسية لهذه البلدان كمجموعة قد نمت أيضًا. في عالم اليوم، ظهرت العديد من الصفقات التجارية والتي من الممكن أن تخلق مشهدا متصاعدا في التحركات الدولية. لدينا اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة RCEP، وهي أكبر صفقة تجارية تم إبرامها والتي بالمناسبة، تتضمن أعضاء مطلين على المحيطين الهندي والهادئ، بالإضافة إلى أستراليا واليابان، مما يعني بشكل أساسي أن المشهد الاقتصادي الجيوسياسي، متقلب إلى حد كبير. وتوكد المؤلفة أن موقف البريكس أيضا متقلب خاصة مع موقف الصين، الذي يُنظر إليه بشكل متزايد مع الكثير من الشك والعداء في أجزاء كثيرة من العالم.

أحد الأشياء التي أبرزها الكتاب بشكل جيد أنه يساعدنا على فهم كيف أن البيانات والتصنيفات العالمية، تلعب دورًا كبيرًا في تحديد ما تدور حوله هذه الأمة الجديدة للهند؛ حيث تصبح أرقام النمو والتصنيفات مركزية جدًا للهوية. لذا، يمكن القول أن الناتج المحلي الإجمالي مقياس للهوية. ولا ريب أن الناتج المحلي الإجمالي يتعرض لانتقادات حول الأساليب والطرق التي يُحسب بها، وما الذي يخبرنا به حتى، وكما هو معلوم أن الناتج المحلي الإجمالي هو في الأساس مجموع الإنتاج والاستهلاك بالكامل في الدولة. في الهند، ركزت حكومة مودي وكذلك الحكومات المتعاقبة بشكل كبير على أرقام الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني أساسًا أن التركيز ينصب بشدة على تحسين الترتيب أو المؤشرات، مما يؤكد أن الهند تعمل بشكل جيد. كان للهند في السنوات العديدة الماضية، علاقة متنازع عليها إلى حد ما مع جداول تصنيف الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة إلى التصنيفات العالمية مثل مؤشر سهولة ممارسة الأعمال التابع للبنك الدولي. تتمحور الانتقادات في أرقام الناتج المحلي للهند وطريقة إعادة الحساب، أو طريقة إعادة صياغة الأرقام القديمة، أو انتقادات لكيفية إنشاء مؤشر البنك الدولي، سواء كانت الهند أو غيرها. وبالتالي، أصبحت الأرقام العشوائية إلى حد ما مركزية في صياغة صورة الهند ليس فقط خارجيًا، ولكن أيضًا للجمهور المحلي.

هذا الكتاب يعمد إلى دراسة المشروع الرأسمالي للهند؛ حيث أدت الطبيعة الشعبوية إلى بناء صورة جديدة للهند لتدفق الرأس المال العالمي، وأيضا لاستقطاب مجتمع تعددي. ويجدر القول أن نمو الصورة الشعبوية قد تطور إلى أداة للإكراه، ولا يشكل مصدر قلق للغالبية العظمى حسب وصف المؤلفة. إنها بالفعل فكرة مغرية لبناء الصورة حيث تم جعل الثقافات القديمة والطموحات الحديثة تتعايش في بيئة ديمقراطية لديها استبداد الأغلبية في القمة. على الرغم من النمو الرأسمالي والقومية المفرطة، لا يبدو أن الكثيرين يتذمرون من ذلك. لقد كُتب الكثير في الآونة الأخيرة حول الكيفية التي عبرت بها الهند عن طموحاتها في أن تصبح قوة عالمية. ومع ذلك، فإن منطق السوق لإعادة تشكيل الدولة القومية كمركز ثقافي لمؤسسة تجارية مربحة من نوع معين يوفر رؤى جديدة حول هذا الموضوع. نال الكتاب استحسان النقاد، وتم تصنيفه في قائمة الفايننشال تايمز لهذا العام. هذا الكتاب يشجع القارئ على فهم التحولات التي تمر بها الدولة القومية، ويجب قراءته خاصة للأشخاص المهتمين بالهند المعاصرة.

---------------------------

- الكتاب: «أمة جديدة: أحلام رأسمالية ومخططات قومية في القرن الحادي والعشرين».

لمؤلفة: رافيندر كور.

- الناشر: Stanford University Press، 2020، بالإنجليزية.

- عدد الصفحات: 328 صفحة.