دين الإسلام.. ما الذي يعرف المرء عنه؟

Picture1.png

آني لوران

عزالدين عناية 

اغتَنَم موجة الشعبوية التي اجتاحت العالم الغربي في السنوات الأخيرة لفيفٌ من الكتّاب، يحسبون صراع الحضارات قدرًا محتومًا. وكأنّ نداءات التعايش والتفاهم بين مختلف الأديان والحضارات، الصادرة من العقلاء وصنّاع السلام، ومن جهات عدّة، أمرٌ غير ذي بال. فما من شكّ أنّ عالمنا المعولَم ما عاد يحتمل التبخيس أو الانتقاص من مخزون ثقافاته أو تعاليم أديانه، تحت أي مبرر كان، سواء بدعوى الدونية أو الفوقية المزعومة. فهناك رصيدٌ قِيميّ مشترك حريّ العمل على تطويره ودعمه، لأجل التهفيت من غلواء المؤجِّجين لصراع الحضارات. فالإشكال الذي يعيشه العالم في الراهن مع موجة الشعبوية اليمينية، إنَّ أقلية من الكتّاب والإعلاميين ممّن يعيشون على الأزمات، وفي الغرب تحديدا، يحاولون تأبيد الصراع، دون تنبّه إلى خطورة ذلك التمشّي وآثاره السلبية على البشرية جمعاء.

كتاب الفرنسية آنّي لوران "دين الإسلام.. ما الذي يعرف المرء عنه؟" الصادر في إيطاليا، يحتاج إلى عرض ومناقشة، ليس لقيمة فحواه ولا لمضمونه الحواري الهادف، ولكن لأنّه من صنف الكتب التي تنافي حوار الثّقافات، وتسيء إلى مساعي التآلف والوفاق، التي تتطلّب تصويبا. ولسوء الحظ تَروج هذه النوعية من الكتابات، أو لنقل بعبارة أدقّ، تُروَّج عبر الترجمة والاحتفاء بأصحابها في وسائل الإعلام. إذ يوحي عنوان الكتاب للوهلة الأولى، وكأنّ الكاتبة موكلة بأمر هذا الدين أو خبيرة معتبَرة في شؤونه، ولكن لا يصادف القارئ شيئا من ذلك. مع أنّ مضامين الكتاب تكشف عن محدودية الإلمام بقضايا متشعّبة لدين عالمي بات يقارب أتباعه الملياري نسمة.

يأتي عنوان الكتاب في صيغة سؤال، بما قد يوحي أن المؤلفة ستقدّم إجابة شافية عمّا تودّ رفعه من لبس لدى القارئ الغربي تحديدا. لكن القارئ لا يظفر بقراءة رصينة، وإنما يجد نفسه أمام سيل من الاتهامات والتقولات مرتبطة بمسائل تشريعية وفقهية واجتماعية على صلة بالحديث النبوي والقرآن الكريم، تعرضها الكاتبة بعيدا عن سياقاتها الجوهرية ومقاصدها الأصلية. حيث تحاول آنّي لوران عبر مؤلّفها الإحاطة بعلوم الإسلام وبتاريخ مجتمعاته، المتشعب والواسع، عبر محطات منتقاة تستهدف الانتقاد لا الفهم، وتزعم الخروج بخلاصات نهائية في قضايا تتطلّب التخصص والدراية لا التسرّع والتقوّل. ولبلوغ غرضها توزّع الكاتبة مضامين كتابها على عشرة محاور رئيسة مشفوعة بخاتمة، وهي كالتالي: حول القرآن ونبيّ الإسلام؛ إخوة وخصوم داخل الإسلام؛ الإسلام الأيديولوجي؛ الجهاد والشهيد؛ الإسلام والديمقراطية؛ الرجل والمرأة؛ الزواج والأسرة؛ اليهودية والمسيحية من منظور الإسلام؛ الإلمام بأوضاع مسيحيي الشرق؛ نحو إيقاظ الضمير الإسلامي.

وتقدِّم الكاتبة نفسها على أساس أنها خبيرة جيوسياسية متخصّصة في أديان الشرق الأوسط. في حين يشملها ما يشمل كثير من المعنيين الغربيين بشؤون العالم الإسلامي، في الحقبة المعاصرة، وهو غياب الإلمام بلغات الشرق، وهي أداة لا غنى عنها لفهم مجتمعاته وثقافاته. وهو عائق لطالما جعل المؤلّفة تعوّل في فهمها، على ما يَصدر في الغرب من دراسات ومؤلفات منحازة وبلغات غربية؛ الأمر الذي جعلها تنحصر داخل رؤية منغلقة في قراءة الإسلام، تتحوّل إلى قراءة عصابية بشأن دين يشهد اعترافا بعلوّ مُثُله رغم ما تعانيه مجتمعاته من قلاقل واضطرابات أحيانا.

وفي مستهلّ كتابها تتناول الكاتبة موضوع العنف في المجتمعات الإسلامية وفي العالم، وتزعم أن المقولات الدينية الإسلامية، المستوحاة من القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة المصطفى، تتضمّن تبريرا للعنف وتحريضا عليه. يتلخّص الادّعاء في أنّ الكاتبة تنطلق من حكم قَبْلي حول دين الإسلام، لا يستند إلى فهم معمّق وشامل لنصوصه التشريعية، وما يستدعيه من إلمام بعلوم القرآن والسنة النبوية الصحيحة. تبدو صور العنف التي تعرضها الكاتبة منتزَعة من سياقاتها الدلالية، ومعروضة بشكل سافر لا ينمّ عن دراية معمّقة بتاريخ التشريع الإسلامي. كما تحاول الكاتبة أن تدعم موقفها بآراء بعض الكتّاب الغربيين ممّن يجارون رأيها وتفسيراتها. وتسعى آنّي لوران ضمن هذا السياق إلى تقديم جرد بما تتوهّمه تناقضا في القرآن وفي الحديث النبوي بشأن قضايا السلم والحرب والرحمة والحقوق: فتسرد بعض الآيات المتعلّقة بالجهاد والنزاعات والحقوق وتقابلها بأخرى على صلة بالرحمة والعفو والمغفرة، وتَعتبر الأمر يخبر عن تناقض في النصوص الشرعية، دون أن تأتي على مختلف التفاسير المتناولة لتلك القضايا أو على أسبابها التاريخية والواقعية. وفي تلخيص لقراءتها تَعدّ حرية الضمير، التي يعبّر عنها القرآن الكريم، تتناقض مع فعل الجهاد، مع أن الجهاد أنواع ويقتضي شروطا وضوابط كثيرة ليس من الهين تخطيها. ودائما ضمن موضوع العنف تتطرّق الكاتبة إلى موضوع الصوفية والمتصوفة، معتبرة رجال الصوفية وأعلامها أكثر من عانوا الاضطهاد والقمع في التاريخ الإسلامي، وهي مبالغات تجافي الصواب لأن تاريخ الصوفية مقدَّر في المجتمعات الإسلامية. ويمكن فهم دوافع موقف الكاتبة المحابي للتصوّف، في المطلق، إلى الأمر التالي: أن الانشغال بقضايا التصوف الإسلامي في الغرب، في الوقت الحالي، لا يأتي بناءً على ولاء وتقدير لمقولاته الروحية، ولا على اعتراف بصواب الخلْفية الدينية التي ينطلق منها أعلامه، وإنما يندرج في سياق الصراع على الإسلام اليوم. وكما نعرف ثمة رؤى متنوّعة في قراءة الإسلام الحديث، تتوزّع بين مقاربات عدّة وأهداف شتّى، غدا فيها الإسلام السياسي الأكثر تنفيرا في المخيال الغربي، بوصفه العنوان الأبرز للعنف والصراع. ومن هذا الباب تُناصر الكاتبة التصوف، على أساس أنه تيار يدعو إلى السكينة وينبذ الصراع، دون إدراك أن الإسلام أوسع من مختلف الرؤى والتيارات السائدة في تاريخنا الراهن.

تتناول الكاتبة قضية أخرى وهي على صلة بالمؤسسة الدينية والقيادة التشريعية، وتتحدّث في هذا السياق عن فقدان السلطة والمرجعية في الإسلام. والمقصود لديها بالسلطة المرجعية هي الوصاية على ضمائر الناس وآرائهم في فهم الدين. حيث تتمثّل الكاتبةُ المرجعيةَ الكهنوتيةَ المسيحية مقياسا، دون إدراك أنّ الحرية في الإيمان، وفي فهم قضايا الدين، وفي التواصل مع الربوبية، هي مسائل تأتي دون وساطة في الإسلام، وهو ممّا يعلي من كرامة الإنسان ويزيد من رفعة مقامه. فما من شكّ أن النفور من الكنيسة في الغرب قد تأتّى جراء التسلط على ضمائر الناس وعقولهم، وبفعل إرساء الوساطة بين الإنسان وخالقه عبر جهاز الكهنوت المرهق.

قد يتساءب القارئ: لماذا أعرض هذا الكتاب على كثرة تناقضاته وحياده عن الموضوعية؟ في حقيقة الأمر ثمة حاجة إلى فهم هذه النوعية من الكتابات وإن كانت متحاملة. وهي إما تعود إلى جهل بالموضوع قيْد الدراسة، أو إلى رفض مسبَق للمسألة المعالجة والبحث عن مبررات وسندات نقيضة، غالبا ما تكون واهية. من هذا المأتى يقتضي واقع الحال مراجَعة هذه المؤلفات ونقدها والتنبيه لِما تثيره من فوضى وما تبثّه من احتقان. وهي مؤلفات -لسوء الحظّ- مؤثرة على غير الملمّين بقضايا الأديان والحضارات وتسدعي كشفا لمساوئها. إذ نجد في الغرب مجموعة من الكتّاب ينحون هذا المنحى، لعلّ من أشهرهم في إيطاليا أوريانه فلاتشي، التي رمت المسلمين بشتى التّهم والتقولات، ونجد في فرنسا ميشال أونفراي، وبيار مانون، وباسكال بروكنر، ممّن يعدّون الإسلام خطرا داهما على أوروبا. حيث تتشابه مقولات هؤلاء الكتّاب من حيث مضامينها اليمينية الحانقة؛ لكن الجلي أنّ الخطاب اليميني الناشط في الغرب، بدأ في الانحصار وفقدان الأنصار لعَدَميّة طروحاته وانغلاقه في دائرة ضيّقة، لأنّ العالم اليوم ما عاد يقبل بالخطابات المتطرّفة من أيّ جهة كانت. وآنّي لوران في قراءتها، هي بدورها تدعو ضمنيّا شعوبَ الغرب ودوله إلى التحول إلى "نادٍ مسيحيّ" مانع لغيره، تحت مزاعم الهجمة الحضارية المغايرة التي تهدّد قيم الغرب ونمط عيشه. في وقت غادر فيه عالمنا، السائر نحو مزيد من التشابك والتداخل ذلك الانحصار. ففي الشرق أم في الغرب هناك سيرٌ حثيثٌ نحو شراكات حضارية في الفضاء العام واعتراف بحقوق المغايرة تمليها عوامل عدة.

تطالعنا في الكتاب قضية أخرى تثيرها الكاتبة آنّي لوران، ضمن ما تطلق عليه الإسلام الأيديولوجي. فبعد عرضها لمجموعة من التيارات والتوجهات السائدة في المجتمعات الإسلامية، إصلاحية وسياسية وصوفية وسلفية، تذهب إلى أنّ القاسم المشترك بين هذه التيارات هو ممارسة التقيّة واعتمادها في القول والفعل، مدّعية أنّ مبدأ التقية هو مبدأ متأصّل في الإسلام. ويبلغ بالكاتبة اعتبار سائر الناشطين والعاملين في أوساط الجاليات المسلمة في الغرب ممارسين للتستّر والتخفّي، وأنهم يبطنون ما لا يظهرون. في حقيقة الأمر لا يمكن أن ننفي السرية عن بعض التوجهات السياسية الدينية، ولكن المبدأ الأصيل السائد بين المسلمين هو مقت الازدواجية بين الناس، كون ذلك المسلك هو من علامات المراوَغة والمخاتَلة، وهو ما لا يتربّى المؤمن عليه ولا يقرّه خُلق الدين. لذلك نجد المسلمين من أكثر أتباع الأديان إظهارًا لتعاليمهم وشعائرهم، في أوطانهم وخارجها، وفي أوضاع الأكثرية والأقلية.

يلفت انتباه قارئ الكتاب الخلط البارز لدى الكاتبة بين مسلمي الغرب والمسلمين في البلدان الإسلامية، حيث تتماثل الصورة في الفضاءين، وكأن المسلم من منظور آنّي لوران كائنٌ مفارق خارج السياقات الاجتماعية، وخارج الأوضاع المحيطة. فما من شك أنّ عددًا لا بأس به من مسلمي الغرب قد باتوا جزءا لا يتجزّأ من الغرب، وإن تميزوا بمعتقدات دينية ومسالك خُلقية خاصة. فليس هناك رفض في أوساط مسلمي الغرب للمجتمعات الحاضنة، وإنما هناك مطالبات بحقوق يقرّ بها القانون، وهي لا تتعدّى كونها مطالب مجتمعات تعددية منفتحة. فالكاتبة لا تستسيغ ما أضحت عليه المجتمعات الغربية الحديثة، التي لم تعد حواضن اجتماعية منغلقة داخل دائرة كَنَسية محكَمَة أو هوية قومية شوفينية. وقد باتت المجتمعات مفتوحة وتعدّدية، إلى حدّ أن ثقافات وافدة انضمّت إلى تلك الصيرورة وباتت مكوَّنا من مكونات ذلك الغرب.

كما أنّ الكاتبة لا تعي تلك قدرة لدى المسلمين في الغرب على التعايش مع أنماط اجتماعية مختلفة، وإن خالفت قناعاتهم وأهواءهم. فهناك ثقافة مراعاة للمغايَرة وقبول بالاختلاف في نطاق الاحترام المتبادل. صحيح تحكم المجتمعات الغرب نُظما وتشريعات تغاير في جوانب منها ما نجده في البلاد العربية أو الإسلامية، ولكن ذلك لا يبرّر للمهاجر المسلم، أو الوليد في الغرب، أن ينتهك تشريعات تلك البلدان أو يعمل على نقضها.

وبوجه عامّ، يندرج طرح آنّي لوران ضمن الطروحات الفوضوية، التي تجد تشجيعا مع موجة الشعبوية التي تجتاح المجتمعات الغربية في الراهن. فهي من جانب، تحاول أن تبحث عن "طهرية" للغرب بالانغلاق داخل دائرة يمينية كَنَسية طاردة، ومن جانب آخر، تحاول خوض عملية نقدية لدين ولمعتنقيه، سرعان ما تسقط فيها رهن المغالطة والتناقض والغفلة عند تقديم حججها. فما من شك أنّ كتاب آنّي لوران محدود القيمة المعرفية لدى المعنيين بدراسات الإسلام، لِما يتخلّله من اضطراب منهجي وتحامل بيّنٍ في معالجة القضايا التي يزمع عرضها؛ بَيْد أنّ هذه النوعية من الكتابات، على ضعف مضامينها، غالبا ما تجد صدى في الأوساط المتحاملة والمعادية للمغاير. والمؤسف أنّ هذه الكاتبة المعروفة بخطابها المتحامل على الإسلام وأتباعه، قد وجدت احتضانا من أطراف مسؤولة في الغرب، وقد كان يُفترض عزلها لِما تثيره من توتّر. فخلال العام 2010 عيّنها بندكتوس السادس عشر (راتسينغر)، بابا الكنيسة الكاثوليكية المستقيل، خبيرة في السينودس الخاص بأساقفة الشرق الأوسط المنعقد في روما.

وصحيح لا تحظى هذه الكتب المغرضة بتقدير في المنابر العلمية، ولا تلقى رواجا في الأوساط الأكاديمية؛ ولكنها تذكي الحملات الغوغائية التي تعادي المسلمين أكانوا في الداخل الغربي أم في أوطانهم. فليس هناك إدراك لدى الشعبوية الفوضية أن الطروحات العدمية مدعاة لبثّ الفرقة بين ثقافات العالم وشعوبه، وأنّ مقولاتها هي ممّا يعمّق الشقة بين مكوّنات الأسرة البشرية الواحدة. ذلك أن الحسّ بضرورة تأسيس مشترك إنساني هو غائب أو متغافَل عنه في هذه المؤلفات. ولذلك توجّب عرض هذا الكتاب وبيان ما يميّز منهجه في طرح القضايا من  هشاشة ومركزية.

-----------------------------

- الكتاب: دين الإسلام.. ما الذي يعرف المرء عنه؟

- المؤلف: آنّي لوران.

- الناشر: كانتا غَللي (سِيينا-إيطاليا)، باللغة الإيطالية، 2020.

- عدد الصفحات: 264 صفحة.

* أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا