سلطة التخييل.. لماذا نحب الحكايات؟

Picture1.png

فانسان جون 

محمود عبدالغني 

إن المتأمل في تاريخ الحكايات، أو تاريخ الحكي، ولو أنه من الصعب الحديث عن وجود تاريخ لهذا الصنف من أنشطة العقل، يلاحظ ما أحدثه هذا التراكم المدهش في تاريخ البشر، وهذا أمر لا يمكن حصره. فتقريباً كل مراصد القراءة تسجل النجاح الاجتماعي للسرد بحيث تجاوز حدود الأجيال والطبقات الاجتماعية. فحسب مرصد اقتصاد الكتاب، من بين 31 كتاباً الأكثر مبيعاً في فرنسا سنة 2016، نجد أغلبية ساحقة من جنس الرواية (منها روايات غيوم ميسو ومارك ليفي على رأس اللائحة). لكن التخييل النصي اليوم يجد منافساً شرساً يتمثل في الأفلام المسلسلة التليفزيونية التي تسجل نسبة مشاهدة واستهلاك في ارتفاع مضطرد. ففي كل 3 ساعات و45 دقيقة يكرسها كل فرد يوميا لمشاهدة التليفزيون، فإن الأفلام أو البرامج الخيالية التليفزيونية تمثل الأكثر مشاهدة (ربع البرامج المتابعَة). وتسجل المقارنات أنه بينما في الماضي كان الشخص يلجأ للترفيه عن نفسه، بعد يوم من العمل، بقراءة قصص الرسوم المصوَرة أو بالانخراط في ألعاب الفيديو، أصبح الشباب (والأصغر سناً منهم) يغوصون اليوم في السلاسل المتخيلة، الأمريكية غالباً. لكن حين يتعلق الأمر بالروايات، المسلسلات، الأفلام أو الرسوم المصورة، فإننا نكون أمام التخييل السردي.

 

رهانُ الكتاب

يحاول الباحث "فانسان جوف" فهم مصدر قوة جذب السرد، التي هي ليست ظرفية. فما الذي يدفعنا إلى فتح الصفحات الأولى من كتاب معين؟ والذهاب إلى قاعة السينما؟ والشروع في مشاهدة سلسلة تليفزيونية ما؟ يمكن أيضاً إضافة أسئلة أخرى: ما أن يحدث اللقاء الأول مع الحكاية، لماذا، في أغلب الحالات، نجد صعوبة في الانفصال عنها؟ وكيف يمكن تفسير ذلك الشعور الغامض بالحزن، أثناء انفكاك العقدة، الذي ينتابنا حين نضطر إلى مغادرة عالم وشخصيات الحكاية؟ باختصار، لماذا نحب الحكايات إلى هذه الدرجة؟

إننا في قلب قضية لذة السرد، التي لا يمكن النظر إليها من وجهة نظر ثقافية فقط، فنكون مضطرين إلى طرح سؤال سليم: ما الذي يجعل الناس في مرحلة معينة، أو في طبقة اجتماعية معينة، يهتمون بهذا الصنف من أصناف التخيل؟ لكن على مستوى "أنثروبولوجي" (مع كل الحذر تجاه هذا المصطلح)، كيف يمكن تفسير انجذاب الناس إلى الحكايات؟ عن ماذا يبحثون فيها، وماذا يجدون فيها؟ ربماً وجدوا هدفاً يفيض عن التسمية؟ ربما هذا هو الجواب المحتَمل. لكن، قد نُشبع فضولنا إذا أكدنا أنه كلما كانت الشباك كبيرة قبضنا على شيء، على صيد ما.

إنَّ هذه الإشكالية موضوع حديثنا، هي قديمة جدًّا، كما لا يخفى على إدراكنا. فمنذ أفلاطون (الجمهورية) وأرسطو (الشعرية) إلى بول ريكور (الزمن والسرد)، والسؤال مستمر ومكثف حول سُلط الحكاية ومآلات سيطرتها على العقل الإنساني. يمكن القول إن المؤلف، فانسان جوف، وهو يواجه هذه القضايا والاستفهامات، يقترح تحليلاً تترافق فيه حقول ومناهج متنوعة وشتى: الشعرية، البراغماتية، نظريات القراءة والتحليل النفسي المعرفي، وكل طموحه، من خلال ذلك، المساهمة في التأمل بالاستفادة من مستجدات السرديات والدراسات حول التخييل، التي عرفت تطوراً مُبهراً في السنوات العشر الأخيرة.

ويُمكن اعتبار كل تلك الأهداف بمثابة أهداف صُغرى في مدار الهدف الأكبر، والمتجلي في فهم أفضل لوظيفة القراءة (المؤلف يستعمل كلمة "قراءة" باعتبارها مصطلحاً شاملاً يحيل إلى العلاقة بالنصوص المكتوبة أو المتعلقة بالسينما والتليفزيون)، مع إعطاء أدوات لدراسة النصوص. وكل ذلك ينخرط في النقاش الحالي حول قيمة الحكايات، وغاية الدراسات الأدبية. ومن أجل القبض على سر سحر السرد، تطرق بالتتابع لأسئلة "المنفعة"، "الإحساس" و"الشعور الجمالي". لكن، وَجبَ عليه أيضاً التساؤل حول مظاهر الإشباع التي تلي فعل القراءة: إذا ما جذبتنا حكاية ما ، فلأنها أيضاً من المحتمل أن تحملنا معها فيما بعد، ما أن تنتهي القراءة أو المشاهدة.

 

المنفعة غير المنتظرة    

التخييل عالم غير موجود، فانطازي، مُختَلَق ومصنوع من طرف فنان يعي جيداً أنه يخلق شيئاً لم يكن موجوداً من قبل. يهجر القارئ عالمه، بشكل مؤقت، كأنه لم يجد منفعته فيه ويعانق عالماً مفارقاً. فكيف لهذه العوالم غير الموجودة استطاعت أن تجلب اهتمامه؟ يمكن التأكيد أنه لم تتم دراسة مسألة المنفعة هذه من قبل بالشكل الكافي. باستثناء دراسة تحمل عنوان "إنتاج المنفعة الروائية" (في جزئين) لشارل غريفل، الصادرة سنة 1973، لكنها تناولت القضية من خلال متن روائي محدد وضيق.

إن منفعة الحكاية، والسرد عموماً، والتخييل الفني بشكل أعم، تكمن عند غالبية الناس في الأحاسيس التي تستدعيها، وتفيض بها، هذه الأعمال. فعن سؤال: "لمادا أحببتُ هذا الكتاب (هذا الفيلم، ألبوم الصور هذا)؟" نسمع في الغالب هذا الجواب:"لأن القصة حركتني، هزتني، قلبت كياني." هنا يدافع الدارس عن هذه الفكرة أساسية: لا يمكن لأي حكاية أن تثير اهتمامنا دون توفرها على حد أدنى من المفاجأة، من اللامُنتَظَر ( سواء كان في المحتوى أو في الشكل الذي يتواصل به). وهذا الأمر يتحدد من خلال بنية ال"رسالة" التي يبعثها.

لكن قبل الشروع في دراسة هذه المنفعة المنطوية عليها كل أشكال التخييل، ومنها الحكايات طبعاً، لابد من الرجوع إلى تفكيك بنية الحكايات الواقعية، والتي تُعتبَر حكايات اعتيادية، لأنها تحيل على حدث واقعي أو أحاديث وأحداث حقيقية. إن المنفعة في هذه الحكايات الاعتيادية، حسب المؤلف، كانت موضوع دراسة للتحليل النفسي الإدراكي. ورغم الاختلافات الموجودة بين الحكايات التخييلية والحكايات الواقعية، فعن مشروع دراسة مقارنة لهذا النوع من السرود يمكن أن يكون نقطة انطلاق هائلة، تمكن من القبض على خصائص التخييل.

ومن وجهة نظر معينة، يمكن اعتبار كل نقل للمعلومات سرداً جنينياً. إن نقل فعل أو حدث لا يحتوي على الدلالة إلا بارتباط مع الإحالة إلى خلفية ضمنية يقدم بخصوصها الحدث أو الفعل  خصوصية معينة. فإذا قلت: هذا الصباح، تعرضت لحادثة سير وأنا متوجه إلى العمل". إن الحادثة تقدم نفسها باعتبارها حدثاً غير منتظر في سياق يتوجه فيه كل الناس صباحاً إلى العمل دون أن تعترضهم أي مشاكل. هكذا، فإن كل تواصل يستند على المرحلتين الأوليتين للخطاطة السردية. لنعمل على التذكير هنا بأن كل حكاية تفترض، على المستوى المنطقي، خمس مراحل هي كالآتي: مرحلة أولية، تعقيد، حيوية، انتقال، مرحلة نهائية. وقد سبق أن حدد بول لاريفاي هذا النمط السردي  في دراسته الرائدة "التحليل ال(مورفو) منطقي للسرد" (بويتيك، 1974).

 

خصائص السرد التخييلي

تندرج قراءة السرد، في الواقع، في إطار نفعي (براغماتي) فريد له قواعده الخاصة. لنذكر بها بعجالة، كما جاءت في كتابنا الحالي.

أ- ضرورة وجود حد أدنى من الوهم: إن أي حدث يُعتبَر غير منتَظر حين ينأى عن الوظيفة العادية لعالم مرجعي. ولكي يفاجئ القارئ، من الضروري أن يحتوي العالم المتخَيل على حد أدنى من الإيهام.

ب- احترام ميثاق القراءة: إذا كان انغمارنا في عالم الحكاية يعاني من درجة مبالغ فيها من الإيهام، فإن ذلك سيُزعج ميثاق القراءة. فكل جنس أدبي يتأسس على عدد من الاتفاقات تعمل على رسم أفق انتظار يهضمها القارئ بصفتها من قواعد اللعبة؛

ج- افتراض المنفعة: على المستوى البراغماتي، ترافق كل قراءة لأعمال التخييل افتراض وجود المنفعة. وهذه الأخيرة توجد أيضاً في السرد الواقعي. إن التطرق إلى أحداث لا يجد فيها المتلقي الملاءمة اللازمة يستدعي حتمياً الكثير من الحيرة. لنتخيل مجموعة من الأصدقاء يجلسون في مقهى. وفجأة أحدهم قال: "بالأمس، ذهبتُ للمخبزة لشراء الخبز". ثم توقف سردُه هنا، فبكل تأكيد سيسأله أصدقاؤه:" وماذا بعد؟" إن سؤال: وماذا بعد؟ هو بحث القارئ (المستمع للسرد في هذه الحالة) عن المنفعة في السرد.

 

المنفعة والتعقيد

تحت عنوان فرعي "المنفعة الهرمينوتيكية: التعقيد"، يستدعي "فانسان جوف" نظرية" عالم الرياضيات كولموغوروف، الذي عوض الانطلاق من فكرة الشيء (السرد) غير المنتَظَر، يعطي فرضية بديلة عن النافع: التعقيد. فإذا كانت حكاية ما تستدعي فضولنا فلوجود طابع المفاجأة، كما أنها تفعل لأنها تضم وضعيات من الصعوبة استخلاص دلالتها. فحسب عالم الرياضيات الروسي، إن الشيء يصبح أكثر تعقيداً حين يصعب "ضغطه" (بالمعنى المعلومات للمصطلح: في عالم المعلوميات، ضغط المعطيات هو عملية تسمح بتخفيض حجم الملفات). إن الشيء الأكثر تعقيداً هو إذن الذي لا نستطيع وصفه بطريقة مختصرة، إلا إذا تمكنا من وضع لائحة شاملة لخصائصه: لا وجود لقاعدة تسمح باختصار هذا البعد أو ذاك. وهذا الأمر يصدق أيضاً على "الأشياء النصية" حسب فانسان جوف. هنا، يقوم المؤلف باختبار ملفوظين:

1-"أهديتُه وردة حمراء ووردة حمراء ووردة حمراء ووردة حمراء ووردة حمراء".

2-"أهديته وردة حمراء، ثلاث ورود صفراء ووردة برتقالية."

الملفوظ رقم 1 قابل للضغط: يمكن اختصاره هكذا: "أهديته خمس ورود حمراء" دون فقدان أدنى معلومة. وذلك ليس وضع الملفوظ 2: إذا حولناه إلى صيغة: "أهديته خمس ورود"، نكون قد فقدنا التدقيق حول لون الورود. نقول إذن إن الملفوظ الثاني (غير قابل للضغط) أكثر تعقيداً من الأول. إن طول النص هو، على العموم، مظهر جيد لتطوير تعقيد ملفوظ ما؛ دون التطرق للمظهر الأسلوبي، فمن "المستحيل، مثلاً، تكثيف أو اختصار وصف قبعة شارل بوفاري في رواية فلوبير "مدام بوفاري"، أو تبسيط جملة لمارسيل بروست دون التضحية بالمعلومات الأساسية" (ف. جوف). المعقد إذن، هو غير القابل للضغط.

لقد عمل فانسان جوف، طيلة صفحات الكتاب، على إبراز كل شيء مثير وجذاب في الحكاية، والسرد عموماً، وفي كل الأعمال التخييلية. لكنه ركز على المحرك الكبير في هذه الجاذبية: العاطفة، الحركة الإحساسية النشيطة التي تنشط كل شيء في السرد. فالجمهور الذي يبحث عن الحكايات، هو في الأصل يبحث عن ما يمسه، ويحول أعماقه. وبذلك يكون قد رسم الخطاطة الكبرى لأهداف كل الحكايات، ولأهداف كل القراء (والمستمعين) عبر التاريخ. وهذا يجعلنا نقف عند قوة الإحساس في العمل الفني باعتباره مؤشراً، وانفعالاً لا إرادياً يستشعره الجسد أمام سحر السرد.

-----------------------------

الكتاب: "سلطة التخييل، لماذا نحب الحكايات؟".

- المؤلف: فانسان جوف.

- الناشر: Armand Colin, France، 2020، بالفرنسية.

* أكاديمي وأديب مغربي